محمد بنّيس
(المغرب)

«بيان الكتابة» أول نص له مسافةُ الضوء.. والنثرُ يمتلك ضوءاً ليس من طبيعة ضوء الشعر

 

محمد بنّيس

(المغرب)

 

1

 

تدلُّ الممارسة النصية على مسافات الضوء في الشعر والنثر، كلُّ واحد منهما يمتلك مغامرتَه الخاصة. في الطريق يلتقيَان، يتوازيَان أو يتقاطعَان. ذلك ما أستخلصُه من أعمال نثرية بدأتُ كتابتَها في مرحلة لاحقة على صدور أعمالي الشعرية الأولى. ويمكن اعتبار «بيان الكتابة» أول نص له مسافةُ الضوء. كتبتُ هذا النص ـ البيان في لحظة كانت قصيدتي تغامر بالبحث عن بناء مختلف. كانت تحتاجُ إلى نص من خارجها، يقترب منها ويبتعد عنها. لم يكن ضوؤُها وحده كافياً لتستأنف الطريق. والنص ـ البيان ضوءٌ ينبثق على حدودها، من خارجها وداخلها في آن. معه بدتْ تفاعلاتُ القصيدة مع الذات واللغة والمجتمع، بما سيصبح في اللاحق رؤية تتجاوب فيها الوضعية المركّبة للكتابة والحداثة.

 

بهذا المعنى يكون الشعرُ بحاجة إلى النثر، والنثرُ بحاجة إلى الشعر. ثم الكتابةُ تخترق الحدود، تفتحُها على العبور المُتبادَل بينهما. ليس معنى ذلك أن الشعر والنثر متماهيان. إذ بينهما كثافةُ الذات الكاتبة، التي لا يمكن اختزالها في القصيدة. لكن كل واحد منهما يُلقي بضوئه الخاص في طريق الآخر. لا يتـمُّ تبادلُ الضوء بطريقة آلية، فنعتقدُ أن الانتهاءَ من كتابة قصيدة ينتظر النثرَ ليضيءَ جسدها، أو أن نصاً نثرياً يعني بداهةً أنه يقفُ على باب القصيدة، يتوسّل ضوْءَها. لا شيء من رؤية ميكانيكية كهذه.

في البدء كانت القصيدة، وهي تبقى وفيةً للبداية، التي تتجدد على الدّوام. تأتي وتذهب على الطرقات الألف للمُغامرة والتجربة. ثم النثر يفاجئُ القصيدة بما ينقلها إلى فضاء التأمل النظري والفكري، يعرضُ أوضاعَ اللغة، الزمن، الموروث، التداخلات الثقافية والشعرية، البناء، الذات، المصير، يتشبّثُ بالسؤال كحقيقة ملازمة للشعر. وبهذا يملك النثرُ بعضاً من الضوء الذي ليس من طبيعة ضوء الشعر.

 

2

 

بعد «بيان الكتابة» تعدّدت الممارسة النثرية. منها ما كان استجابةً لسؤال القصيدة، ومنها ما كان إنصاتاً لنداء الذات والمجتمع، ومنها ما كان تفاعلاً مع طلب هذه الجهة أو تلك من الجهات، التي كانت تسعى إلى اللقاء والحوار. ممارسةٌ تأخذ حيناً شكل نص، وشكل دراسة مفتوحة حيناً آخر على الشعر في الزمن، بما يحمله من علامات الشدَّة والقحْط. ومهما طالت المدة بين نصوص ودراسات، فإني كنتُ حريصاً على تتبّع فكرة الكتابة نفسها، أعودُ إليها كيْ أستكشفَ جهة لا تزالُ محجوبة فيها. سلوكٌ من طبيعة الكتابة ذاتها، حيث هي في كلِّ مرة تسعى إلى التذكير بالمُستحيل الذي يرافق الكتابة ويجذّر التأمل والتفكير فيها.

 

والأعمال النثرية مذكرات، يثْبتُ في ثناياها تاريخُ كتابتها. تتخلى هذه النصوص والدراسات عن التقاليد المعهودة في كتابة المذكرات، لأن ما تتناوله لا يحكي عن وقائع يحتاج إثباتُها إلى وثائق عيْنيّة. هي رصدُ مشاهَدة أو سمْع أو قراءَة؛ أيْ ما يحدث علناً هناك وهنا من أنحاء المدينة، في زمن يتنكّر لقيم الحرية والعدالة. مدينة لها اسمُها، وربما كانت تشمل المدنَ جميعاً، من دون تمييز في زمن العولمة. مذكراتٌ كتبتُها في فترات كان العالم العربي ينتقل من زمن ترتفع فيه أصوات المطالبين بالديمقراطية إلى زمن الإسلاميين الذين يحاكمون الحداثة بمفاهيم التكفير ويعملون على فرض الجهل بالعُنف. وفيها كانت الرجّة تعلن عن جذور المتعاليات المغمورة بالتراب والحجر، عن نيران طبقاتها السفلى.

 

أكثرُ من ذلك. تجرأت الكتابةُ على اقتحام خطاب الشطحات، في صيغة سيرة ذاتية. هنا يمتزج خطُّ الحكاية بخطِّ اللاحكاية، يستقبلُ النثر الشعْر، يسمحُ الامتداد التاريخي للزمن بالانقطاعات والارتدادات، إلى حد أن الماضي والحاضر والمستقبل تتبادل المواقعَ كما تتبادلها ضمائرُ الأنا والأنت والهُو. وفي كل مرة تظهر الكتابة وكأنها متوحّدةٌ بخطاب الأنا ومنفصلةٌ عنه في آن. شطحاتٌ تكاد طريقة كتابتها تبْني سياجاً حولها، حمايةً لها من عدْوى الالتباس بسواها.

3

 

بهذه التفرُّعات المتنامية، اكتسبت الأعمالُ النثرية وضعيتَها المستقلة في لغتهَا وفي عوالمها. تعني الوضعية المستقلة أنّ الأعمال النثرية حرصتْ على استكشاف فضائها الخاص. فهي ركّزت على قضايا الحداثة في العالم العربي، وأوضاع القصيدة، وحالات الشعر العربي الحديث. رافقت ذلك كله بتأمّل نظريٍّ وتعاطف مع الأسئلة. ثم إنها سعتْ إلى تتبع الحداثة في العالم العربي، من ركن يلتقي فيه رصدُ الحالات بنقدها. الحداثة التي تتناولها متعددةُ الرؤوس، وهي كانتْ تبرز أكثر فأكثر في الوقائع الشعرية والثقافية، أو الصيرورات الاجتماعية، أو القيم الأخلاقية، بالتلازم مع الإبدالات التي شهدها العالم العربي، مغرباً ومشرقاً على السواء.

 

من بين أهمّ القضايا التي انشغلتْ والتصقتْ بها نقدُ تبعية الثقافي للسياسي، وتفكيكُ العلاقة بين المشرق والمغرب، والتنبيهُ على احتضار اللغة العربية، ومواجهةُ المآل المعتم لمبدإ الديمقراطية ولقيم الحرية والمساواة والصداقة. وربما كانت «الحداثة المعطوبة» الكلمةَ الجامعة التي لازمتْها نصوص نثرية، اخترقت حدودَها كلما استدعت الضرورة. ملازمة الحداثة المعطوبة كانت صبُورة لأنها كانت باستمرار توليداً وحفراً في طبقات المقاومة التي كانت شبه محجُوبة عن الأنظار، ثم أصبحت وحيدةً ومعزولةً في زمن الجهل الذي يتباهَى به الإسلاميون.

 

على أن النثر في هذه النصوص يتجاوبُ مع الشعر قبل أن يكون انعكاساً لخطاب اجتماعي أو فلسفي، يلتزم بتصوُّرات ومفاهيم يصدر عنها وفق منهجية قبْلية. كل هذا يستدعي أن أقول إن الأعمال النثرية لم يكن لها معنًى خارج مغامرتها الخاصة في الكتابة، ولا تتحقق لها قيمةٌ إلا بفضل ما تقدمه لها القصيدةُ وما تستقل به عنها. بل أقول إن ما كتبتُه من أعمال نثرية إضافةٌ لتجربة الكتابة الشعرية بقدر ما هي حوارٌ، مع كتابات عربية وغير عربية، له لغة المقاومة.

 

4

 

لا شك أن «المقاومة» فكرةٌ قبل أن تكون مجردَ تجربة. لها في هذه الأعمال مكانتُها، من حيث أننا نتعرف على طاقتها الشعْشعانيّة في فترات صعبة من اختبار معنى الحرية. كانت المقاومة، على امتداد سنوات كتابة الأعمال النثرية، تتجذّر بالكتابة وفي الكتابة. لم يكن بدٌّ من المقاومة في مسالك الثقافة والمجتمع، أو في عواصف الجسد وانعطافة العلاقات الإنسانية في الحياة الثقافية. ومن نص إلى نص كانت المقاومةُ تتسع، تمتدُّ، ترتفعُ، تنتشر. لم تكن حريةُ الشاعر معطاة في العالم العربي، قديماً أو حديثاً. وفي كل لحظة من اللحظات كانت ممارسة الكتابة ممارسةً في الآن ذاته للمقاومة. هكذا يمكن وصفُ هذه الأعمال النثرية بأنها تجربةُ كتابةٍ تخترق زمناً عربياً، بشروخه ومهاويه. وتصبح التجربة أوضحَ كلما وقفت الكتابة على حافة الخطر. ذلك مصيرُها الذي لا تنْدمُ على مواجهته بعينيْن يقظتيْن. أزيدُ من ثلاثين سنة كانت فيها الكتابة تتعلم المقاومة، وفيها كانت تكتسب سمتَها. نصوص تتجاوب، عبر التفرّعات المتنامية التي يفصل الزمن أحياناً بين بعضها والبعض الآخر.

 

5

 

في جميع هذه النصوص يتفقّد النثر ضوءَ الشعر كما لو كان ضوءَه الخاص. لا لأن النثر لا يوجد إلا بالشعر، بل لأنه يحتاج إلى ضوء الشعر كما لوْ كان يحتاجُ إلى صاحب يرافقه في طريق المغامرة، إلى أخ أو إلى أحد أفراد العائلة. ربما يكون ضوءُ الشعر لعبة يلهو بها النثر. لكنه لا يتخلّى عنها.

 

وضوءُ الشعر، من جهته، يسيرُ إلى جنب ضوء النثر حتى لا حاجزَ بينهما في الكتابة، سوى درجة كثافة الشعر التي يحتفظ بها ويحافظ عليها. فالشعرُ يعرف أن كثافة ضوئه تتضح في خارجه، في ضوء النثر الذي بدوره يلهُو بلعبة الشعر. لعبة تختلف بين الشعر والنثر، لأن عناصرها وقواعدها مختلفة، من البسيط إلى المركّب. ومن خلالها تنشأ عوالمُ متباينة في الإيقاع، في الصورة، في التركيب، في الفضاء البصري، بالنسبة للشعر؛ وفي بناء الفقرة، في الحكاية، في التصوير، في الاستشهاد، في المفهوم، في التحليل، في البرهان، في الخلاصات، بالنسبة للنثر.

 

6

 

ذلك هو المعنى الذي يمكنني أن أعطيه لهذه الأعمال النثرية، وتلك هي قيمتُها. انطلقت كتابة نصوصها منذ 1981، وفي كل عمل كانت مغامرة الكتابة تكاد تستقل بذاتها. مع ذلك لم أكتبْ نصوصَ كل عمل من الأعمال في تسلسل زمني، له البداية والنهاية. كانت كتابة النصوص تتوزع عبر فترات تطول وتقصر، وغالباً ما لم تكن وحدة العمل مهيمنةً في عملية الكتابة أو في عملية جمع النصوص وإعطائها عنواناً يمنحها شكل كتاب.

 

هذا ما أقصد عندما أشير إلى أن الأعمال النثرية هي مجموعة نصوص مستقلّة بذاتها، كتبتُها منذ الثمانينيات حتى اليوم. كنتُ أستقبل بعضها بنشوة وبعضها كان ملازماً لحياتي الشعرية والثقافية ومتفاعلاً مع مبادئ ومواقف لا أتنازل عنها. وكنتُ في كتابتها أقتفي خطوات شعراء حديثين في كل من العالم الغربي والعربي. فإذا كان كلٌّ من أبي العلاء المعري ولسان الدين بن الخطيب من أكبر الشعراء العرب القدماء، الذين ألّفوا أعمالاً في الشعر والنثر، فإن كتابة الأعمال النثرية من طرف الشعراء انطلقت بوضوح في الغرب الحديث مع الشاعر دانتي، وأصبحت لاحقاً من خصائص الشعراء وطقوس الكتابة لديهم.

 

7

 

وكان لا بد لي، وأنا أقدم على جمع هذه الأعمال النثرية وتهيئتها للنشر، أن أضيف نصوصاً لم يسبق لي نشرُها في عمل من الأعمال. وحرصتُ، في الوقت نفسه، على أن أمارس ما تتطلبه الكتابة من إعادة الكتابة، بمعناها الشامل. فأنا أعتقد أن جمع الأعمال لحظاتٌ يؤدي بعضُها إلى بعض، ويتجاوب بعضُها مع بعض. ونظراً لأني كنت استفدتُ من نصوص في كتابة أعمال أخرى، أو كتبتُ نصوصاً في ظروف عابرة ولم تعد تجد لها مكاناً في كتاباتي، فقد عملتُ على حذف نصوص وإعادة ترتيب أخرى، أو نقلتُها من كتاب إلى آخر، حسب ما يقتضيه بناءُ الأعمال النثرية في كليتها. كما أنني راجعتُ صياغات، بدّلتُ وصوّبت، اهتداءً بمنطق الكتابة واحتراماً لحدودها.

 

* نص كلمة التقديم التي أخص بها الأعمال النثرية التي ستصدر هذه الأيام في خمسة أجزاء عن توبقال للنشر بالدار البيضاء.

--------------

 

ملحق ثقافي- الاتحاد- ٢٦ يناير ٢٠١٧