(رسائل فـي الشوق والفراغ)(*)

سيف الرحبي
(عمان)

سيف الرحبي

هذا الصباح لا يختلف عن سابقاته ولياليه, لوعة الفراق وفيض الشوق, صمت مطبق كأنما الوجود الصاخب المحيط أصيب فجأة بصاعقة الخَرَس فغارت أصواته, صراخه ولغطه. غار الوجود بكامله , أحسست أنني وحيد في صحراء متلاطمة الرمال والخواء سوَّر الجهات... وثمة شغف ينمو ويكبر بمواجهة هذا الخواء. وجود آخر في الأعماق ينمو ويستطيل على أنقاض وجود يضمحل حتى التلاشي. اللهفة والأشواق واللوعة، كيانها الذي يلغي ما عداه وتتأثث مرايا هذا الكيان بمخلوقات ورؤى واستيهامات هي عناصر هذا الكيان ومقصده ومبتغاه. ينظر العاشق المتيم بأناه الخاصة التي تحل محل الظواهر الموضوعية, محل الكون المستقر منذ ملايين السنين. هذه الآنا التي تسبح في كونها الأثيري توغل في تيهها أكثر كلما استبدت بها لواعج الشوق وأسى الفراق. فتحبط أي محاولة لإيقاظها من قبل عناصر الوجود الموضوعي. ولا أقول (الحقيقي) لأن الحقيقة محل خلاف بين الطرفين. كل واحد يدعي امتلاكها. وهي ضالة القلق والعاصفة، طريدة الزمان. الأنا العاشقة لا تروم اليقظة والدهاء والتدبير، عالمها هو هذا الزوغان السديمي في تلك العاطفة والهشاشة والإستلاب. ذات أضحى كل طموحها أن تمحي المسافة وبين من تهوى وتحب.

* * *

المسافة كل أنواع المسافة. حلم التوحد و(الحلول) يفضي بها إلى نوع من التوحش , وهي تبحث في دياجير الظلام عن نور الحبيب المفْتَقد وتجسداته التي ما زالت بعيدة وعصية. تذليل هذا العصيان والوصول , هو القلب من نزوع العاشقة والغاية الأجََل والأسمى. ما ترك هذه الرسالة ربما تنحى نحو شيء من التجريد , بمثابة تعليق على رسائلك الكثيرة منها تلك التي استلت من (طوق الحمامة)... (وأعلم أن للحب حكماً, على النفوس ماضياً, وسلطاناً قاضياً, وأمراً لا يخالف، وحداً لا يعصى، وملكاً لا يتعدى, وطاعة لا تصرف, ونفاذاً لا يرد, وينقض المرر, ويَحُل المبرم، ويحلل الجامد , ويخل الثابت , ويحل الشغاف, ويُحِل الممنوع). وكما أشرت في الهاتف إلى الرسائل التي أبدعها خيالك الخصب الملتهب بالهوى والفراق, (..... ربما كان من الأفضل أن تنام بعيدا بأمان عن حية جائعة مثلي كنت سألتهمك كقطعة حلوى أوربما سأتركك تذوب في دمي بعد كل قبلةٍ كمسكن قوي في الوريد) وأشير إلى رسائلك حول فشل الكتابة في تقريب المسافة, وأنه محض وهم , حيث الكلمات لا تصلح حتى كعزاء أمام هول الفراق ومكابدة الأشواق.

* * *

نعم, أنا مشتاقٌ إليكِ , كما لم أعرف الشوق من قبل , كما لم أعرف الفراق والحنين, أنا الذي خبر تلك اللحظات التي قُدَّت من جسد الجحيم, والتي هي قدر حياتنا وحبنا... مشتاق إليك , أتخيلكِ في نومك وصحوك, في حركتك المتوترة, وأنت تفكرين في أعمال تلح على ذاكرتك وخيالك, أو تمارسين شأنا اجتماعيا ما.. فلست المنعّمة مثل امرأة ابن أبي ربيعة, التي (ليستْ لشيء آخر الليل تسهرُ) على عكسها أنت ربيبة الأرق الليلي والقلق المضيء. وغالبا ما استحضرك بين تلك الجبال العاتية وينتابني خوف من تلاشيك في ذلك السديم الأكثر غرابة وبطشاً من جميع طبائع الكون. أخاف كثيرا , الخوف والشوق إلى حياة لا يتخللها الكثير من الفراق كما هو الحال. هل يمكن أن أقول , حياة مستقرة؟ حتى ولو كانت مترحلة. الترحل معك استقرار والإقامة من غيرك رحيل في قسوة العالم المتمادي في أنانيته البليدة ورعبه. لا يهم إن كنت على الأرض أو محلقا في الأثير, او في سفينة تمخر عباب المحيطات , كما كنت تحلمين أن نطوف العالم في رحلة بحرية , حيث الشرق الآسيوي الأقصى يكون منطلق هذه الرحلة... قرصانة الخيال تحلمين بالممكن والمستحيل قُبلاتك الأكثر نشوة من أفراح إله وثني أو قصيدةٍ تنزل كسرب يمام على شرفة الشاعر في ندى ذلك الصباح الغائم قبلاتكِ التي لا تقول إلا صمت الشاطئ وهسيس موج يغمر البسيطةَ بحنان متوتّر من فرط ما غمرته الأعماق برهافتها البعيدة قُبلاتُ الملاك العصي وقد استسلم إلى قدر الحب.

* * *

أشتاق إليك حين أكون وحيدا وأشتاق أكثر حين أكون مع آخرين، لأني في تلك اللحظة أحس بتيه اكبر فاستحضر غيمة الصحراء , ألوذ بنجمة المساء , وجهك الأكثر إشراقاً عبر المسافة. اجلس اللحظة على طاولة الكتابة. لا شيء يشغلني عدا حلم اللقاء والحضور المحتدم الذي يحاول أن يخفف من سطوة الغياب , ذلك الحيوان الذي يفترس التلاقي ويقضُ مضجع العاشقين... حضورك الذي يغمر المكان كديمة عاصفة تنهمر على أرجاء هذه المدينة الهرمة, فيمنعني من السرحان في حيواتٍ وذكريات تصَّرم عهدها وانقضت... أتذكر تلك الطائفة الهندية الغامضة التي تنكر الماضي بصرامة وإطلاق! كأنما أرى المكان لأول مرة , أتقمص نظرتك ومشاعرك أراه بعين روحك التي اخترقت كيان المكان فطوحت به إلى البعيد البعيد.

* * *

قرصانة الخيال وعْلَةُ الصدفة تجوبين القفار الموحشة بحثا عن قصيدة مستحيلة قبلة الأثير الصافية تحدّقين في ذلك الفراغ الشاسع الذي قدسه (الطاويون) وجعلوا منه جذر الوجود الذي ليس إلا حوارا متصلا ومهيبا مع هذا الفراغ الأزلي.

* * *

وماذا نفعل بذلك الفراغ في البلاد البعيدة, الفراغ الذي نتعثر بصخوره المسننة كل صباح ونرتطم بجباله وهاوياته في كل مساء, في النوم واليقظة, وحتى حين نكون في المطاعم الأنيقة ذات الطُرز الأوروبية والآسيوية، بين الكتل الخرسانية الضخمة, نراه يتدفق غزيرا يحمل معه طَميَ الرمال والأزمنة... تلك الكتل التي شكلّت المدن السريعة العطب والزوال, على أنقاض الفيافي الشاسعة والسهوب التي يجول فيها البصر بهيجا نَظِرا ويسرح فيها الرعاة, والقطعان تحمل الفجر على قرون الأكباش. فجر اليعاسيب والديكة، المحلِّق مع أرواح الغائبين والنجوم. تذكرين أيتها العزيزة تلك العبوديات التي بَنَت هذه المدن على هذا النحو من الفضاعة وهي تكدح ليل نهار في العطل والإجازات, في الرياح اللاهبة والأمطار العاصفة.. السماسرة في تلك البلدان لا تسري عليهم القوانين والأعراف من أي نوع وجنس.. تلك المدن الخانقة لأية نسمة جمال انسانية والتي تحجب وراء ديكورها الباذخ أسوأ أنواع البؤس والذل والانكسار. ثمة عبوديات في التاريخ بَنَت المدن البديعة والآثار الخالدة. يبدو ان زمنها قد ولى حيث انقلب السياق وفار التنوّر الجهنمي في ابهى الحلل والانقضاضات.. كنت أكتب لك عن أنواع الفراغ الممتلئ برموزه وانبلاجاته الروحية, مسرح تأمل واستبطان عميق , والفراغ الممتلئ بقسوته وخوائه... هل ثمة فرق جوهري بين دوائر الفراغ الهائلة؟ ألا يقذف الفراغ الممتلئ صاحبه الى قسوة الفراغ الفارغ إلا من خوائه وعَدمه القاسي؟ إذ ليس وراء ستارة المسرح إلا الخواء كما عبّر كازنتزاكي. وأيضا ألا نقف أمام بطل قصة توماس مان «موت في البندقية» حين تحاصره لا محدودية المياه التي توحي له بالأبدية, ويتساءل: أليس العَدَم نوعا من أنواع الكمال؟. على كل أيتها العزيزة هذا النوع من الأسئلة والجدل لا تتوسله هذه الرسائل التي لا ترمي إلا إلى تلطيف وجود صعب بغيابك ومحاولة تقبله المؤقت.. في الطفولة البعيدة كنا نصعد الجبال العالية , وحين نستوي على ذروة الجبل, نرى القمم المتناسلة في فراغها اللانهائي, يرتسم في الوعي الطفلي ما يشبه الإدراك ,. أن الله بعيد جدا, أبعد من الإدراك والوعي وأن تلك الأجنحة المتلألئة في ذلك الأفق المتلاطم, ليست الا أجنحة ملائكة تائهة في الفراغ.. الآن لا نستطيع الصعود الى ذلك الجبل الأسطوري الذي يطوق أرخبيل النخيل من الجهات الأربع, ويرمي مرساته في محيط الفراغ الهائج. الجبل الذي أضحى من غير طيور ومن غير ذلك النبات الموسمي الأخضر الذي يزين خواصره. صار لوحة تجريدية للقسوة والسقوط, صرنا نصعد قمم السهول والمدن والمستنقعات, نحاور فراغها الآسن. أو بالأحرى نغطس في سُحُبه المتلبدة في العفن والنتانة.. لقد اختفت القمم وسكانها الأصليون , واختفت معها الروائح والغيوم وطلعة الصباح.

* * *

أمامي كوب شاي أحمر. من على الطاولة أحدق بفضاء الصالة. قناع أفريقي مستطيل. صقر خشبي في حالة تحليق، وبجواره فيل يبدو مسترخيا وسط بحيرات قائظة. وما أظنه زهرة بساقها الطويل ليست سوى عصفور ملون يقبع هناك بجوار التلفزيون, يتراءى لي أوقات التأمل والزوغان زهرة متفتحة في صباحها الخاص, الذي هو يقينا ليس صباح العالم الدموي. صباح عصفور يتراءى في عيون نصف مغمضة, أنه زهرة تمد يدها لتتشابك مع أيدي زهور في حقول بلدان أخرى... وكانت (أكنس) بطلة الخلود لميلان كونديرا, تحمل زهرة وتجري وسط الحشود باذلةً أقصى جهد لحمايتها من قذارة العالم وكأنما هي التميمة التي تقيها التحطم والسقوط. رمز نقاء العالم إن صحت العبارة.

* * *

بالأمس يا عزيزتي كتبت لك رسالة حول الضوضاء والضجيج الذي يلاحق الكائن من شاطئ البحر الهادئ الجميل حتى سرير النوم والمكتب الذي أرى منه تلك القطعان الضارية من الديناصورات الحديدية وهي تفترس بمزيج من الجوع والعدوانية صخور الجبال الصلدة المتآخية قبل عبور الانسان على هذه الأرض. يخيل إلي , أن تلك الشراسة وذلك الجوع الافتراسي للآلة المتلذذة حتى الشَبَق بعملها الذي هو في جوهره عمل انتقامي من شواهد الأزل التي هي وحدها , يمكن القول , أنها تلامس أسطورة الخلود أو تسكنها. على عكس الإنسان وآلته أو الآلة وانسانها, وفق مؤشرات البرهة الراهنة لحداثات البشر , وما يتلوها.. اذ ان الإنسان في هذا العبور السريع على ارض الأزل، يريد أن يُلحق اكبر الأذى بها, بالطبيعة الخالقة... انتقاما منها وثأرا للنقيض الجوهري الملازم لطبيعة الكائنات , من انسان وبعوض, من زواحف وحشرات. لكن أيتها العزيزة ما يدعو للانتباه اكثر هو أن الأصوات الضاجة أكثر تدميراً وفتكاً في محيطات الفراغ بمعناه الخارجي. ذلك ربما بداهة علمية , لكن ليس من غير دلالة تستحق التأمل والانتباه. على الأقل اننا في هذا التأمل نبتعد قليلا عن سطوتها المطلقة.. حتى الأصوات التي هي اقل ضجيجا وإزعاجاً والتي تبدو في الأماكن والمدن المتدفقة بالحياة والحركة , ناعمة او غير جاذبة للانتباه، تتبدى في صحراء الفراغ ضاجة وصاخبة.. اتذكر في الأزمنة المنقضية، حين لم تكن في البلاد كلها إلا بضع سيارات تعد على أصابع اليد. كنا في تلك القرى المتاخمة لمعسكرات الغيب على حواف الأودية والجبال , نرى من مسافة عشرات الكيلومترات, يغمرنا زحف الأصوات للسيارة القادمة بحمولتها الثقيلة من المتاع والبشر, قبل ان تشرق اضواؤها ويستحيل المكان الشاسع إلى حَلَبة اضواء وأصوات ضاجة , ليس لها من مصدر عدا تلك السيارة الوحيدة التي تقطع البراري الموحشة في اعماق الليالي.

* * *

ولنا أن نتخيل في تلك اللحظة عائلات الذئاب والضباع وبنات آوى , في شغاف الجبال المحيطة , والطيور في وكَنَاتها الليلة وهي مغزوة بهذا الضجيج الاستثنائي لحياة ما تفتأ نائمةً في ضفاف الأبد.. هل تناسلتْ تلك السيارة بأضوائها وحنينها - كانت وحيدة ومستوحشة - لتستحيل إلى هذا البركان العرِم من الضجيج والحطام ورغبة الافتراس الكاسر لكل الحدود والمسافات؟.

* * *

تقولين: الفراغ سيسحقنا إذا لم نكسر تطاول هامته بقبلة القبلة علامة الطريق بواّبة الرحلة نحو الأعماق الزهرة تمتص رحيقَ الصباح والنسر يرتشف لعابَ القمم قبلة الوديان التي تغمر الأرض اليباب برأفتها الحانية...

* * *

تجوبين قفار روحي غيمةً تحدرت من ذروة سامقة أجلس على الطاولة استمع الى الموسيقى أراك تعجنين الشواطئَ والعواطفَ, المدن والاسطبلات, تعجنين الجبال والكهوفَ التي تتطاير منها طيور من غبار تمزجين العناصر وقودا للوحتك القادمة. أيتها المزدانة بأعياد الشِعاب والمروج ضياعك في اللوحة بصيرةٌ ثاقبة ومخلوقاتك المدمرَّة تتساقط جرذانا مسمومةً في مستنقع سحيق لا تأخذك الرحمةُ بها فالغروبُ الكاسر أجملُ عيدٍ للمحيطات...

* * *

أصحو من نومي افتح زرَّ الموسيقى الغَبَش مازال يحجب الرؤية لكن خيوطَ البرق تخبط النافذةَ وتتسلل إلى الستائر الزرقاء أتعثر في خطوات مرتبكة افتح التلفون اقرأ رسالتك الأولى

* * *

( لم يتبق من القُبل سوى أثر الشوك البري على بشرتها المتعطشة لقبلاته مطر الصحراء يفجر أشواق الزهر دون أن يرويها قط)

* * *

كيف للسماء أن تروي هذه الرغبة المدلهمة، هذا الظمأ العاصف هذه الرعود التي تهمهم على رؤوس الجبال وحدها الروح تتجول جريحةً بين الأنفاق وحدها الخراف تتسلَّق الكثبانَ منحدرةً نحو سفحها العميق حيث أشجار الأثل تحرّكها ريح خفيفةٌ وحشائش خلفها مطر الخريف أترنح تحت وابل الحطام لهذه المدينة التي سفَحَنا فيها دهرا من دموعنا وأتذكرك في حيواتٍ سابقة كنت تقطفين وردَ الحديقة تبعثرين أسراب الطيور ديك الشهوة (يسقع) قرب قدميك الحافيتين ويختلط مع صفير قطار عابر أمام العمارة التي أضحتْ أبراجاً هائلةً كحرس مدجّج في الجحيم... تقولين , سنهرب إلى جزيرة بعيدة جزيرة صُنعت من أحلام ملاك أو مخيِّلة بحَّار استنشق رائحة ابطيك مبحرا نحو جزائر الحلم في الركن الآسيوي أو بحر إيجة حيث دماء البوذا تختلط مع رفات الإغريق أولئك الذين جعلوا الحياة على مرمى حجرٍ من سعادةٍ ناقصة... استنشق الرائحةَ مبحرا نحو الجُزُر التي مر بها ذات زمن أحمد ابن ماجد الملقب (بأسد البحار) ربما لوّح على قراصنة وملوك عابرين من غير أن تميلَ نظرتُه عن أعشاش النجوم , في غدران سماءٍ قانية بدم المغيب السماء التي بحث في أرجائها عن برج الميزان المتدلِّي باحتمالاته وعناقيدِه.

* * *

نعم أنا مشتاق إليكِ حين المساء يمد يده المثْقَلة بالأساور والدماء حين القَتَلة والسماسرة يتجولون طلقاءَ كعشّاق مرِحين حين الكآبة ترخي سدولَها كخوف النابغة أو ليل امرؤ القيس والبشر البؤساء يأوون إلى قبور مليئةٍ بروث البغال. أشتاق إليكِ أغالب فيكِ الشوقَ المتراكمَ منذ بدء الخليقة الأولى على هذه الأرض المترملة منذ : كهوف القدماء حتى ناطحات السحاب... أرى الحمير تجرجر أحمالها الثقيلةَ نحو القرية حالمةً بقيلولة الظهيرة أرى القطارات تستنفر عويلَها نحو المحطة الأخيرة.

* * *

آراكِ هناك في المحطة , تتلفتين غريبةً بين غرباء, تنتظرين بزوغ القطار من أحشاء المسافة التي اصطبغت بلون الصفير المترّحلِ والنباح. بخطوات مرتبكة وثقيلة أمشي من السرير إلى نافذة الصالة وكأنما أميال أقطعها في الزمان المتجمد كصخرة قابيل وقد كبرت مع الأيام. يأتيني صوتك , تغور الصخرة في شعابها السحيقة , فأمشي خفيفا مرحا كطائر استبدت به نشوة العاصفة, بعيدا عن السرب فضاع في حقولها , حقول صوتكِ الفسيحة... قرصانة الخيال وعلة الصدفة استلم رسالتك هذا الصباح الذي يميل به الطقس نحو برودة زاحفة , وغيوم التلوث تحتل الفضاء والمكان (الرسائل كبسولات المنفى المهدئة, إذ المسافة أبعد مما تبدو على الخارطة والانتظار صدأ يعلو تضاريس المكان فراغك , لا شيء يكسره....)

* * *

ألبس معطفي الشتوي السميك متجها نحو الشارع , يحدوني أمل تنفيذ رغبة الأمس المؤجلة, في الذهاب إلى منزل صديقة لتعزيتها في موت أبيها الذي كان من علامات برهته الفارقة. أمسك بالفكرة جيدا , كي لا تضيع مني، لكنها ستضيع في آخر المطاف. وأنا أمشي في شوارع الحي الفرعية المتلاطمة هي الأخرى, وإن بشكل اقل, في البشر والعربات, إذ لا أجرؤ بالمضي إلى الشوارع الرئيسية المروعة. أمشي وأفكر , أن الذين طواهم الموت والغياب في هذا العام من هذه المدينة كثيرون , أولئك الذين نعرفهم فقط من الوسط الذي نعيش ضمنه, ومعظمهم مازال في مطلع العمر ومنتصف الأحلام. هكذا يرحل الأصدقاء والمعارف تباعا , لا نعرف من المصاب بنبلة القدر في اللحظة القادمة , من تختار لصحبتها إلى العالم الذي لا يعود منه أحد؟.

* * *

وعْلَة الصدفة نبلة القدر

* * *

بينما أمشي في بؤرة الشوارع المتفرعة من بعضها , كما تتفرع الشرايين والأوردة, وتتشابك , حاملةً في معظمها أسماءَ رموز دينية وأماكن مقدسة, غرقتُ في محرقة الهواجس والأفكار, وضاعت مني فكرة العزاء والدخول في السرادق التي تجسدت أمامي سلفا... رأيتني أمضي معك نحوها , وتفترق يدانا بحنان , حيث تذهبين الى مكان وأنا الى آخر.. نستمع إلى صوت المقرئ صاعدا بتراتيله الشجية نحو سموات العُلى والنعمة والملاذ. بعد ذلك نلتقي من جديد (هل افترقنا؟) ونودع البشر المتشحين بالسواد عبر إيمائة شبحية حزينة. وهكذا تتبدين لي في ضوء الأحزان والملِّمات , أكثر ألقا وجمالا ,وتتبدى سرادق العزاء مناسبة غرامية مبهجة.

* * *

أشرب كوبا من القهوة الماليزية, بعد أن أرهقني الشاي والقهوة المركزة, تحضر الجزيرة الاستوائية بكامل بهائها البحري الجميل. الموسيقى تشتعل بالردهة الخالية. تؤثث الخلاء بمخلوقات وأرواح لا مرئية كأنما غيابها يشي بذلك الحضور الساطع , مثل غيابك تماما, في ذلك الخلاء الصحراوي الفاغر شدقيه على القيامة.. في المدينة الكبيرة، الفراغ, الذي هو أحد تجليات الزمن , أو هو الزمن نفسه, يحتل ببطشه حيزات الوجود المتاح , ولا تكسره إلا مؤقتا حيلُنا في القراءة والكتابة ولقاء من نحب, رغم التباس الكلمة الأخيرة , كونها اصبحت مهدَّدة بكامل العتمة والتلاشي. الفراغ المديني يمتد بظلال مساءاته وصباحاته الكبيرة المتاخمة هي الأخرى لمشهد القيامة.. ما الفرق بين ذلك الفراغ الصحراوي المشوب بزرقة بحر بعيدة وبين فراغ المدينة هذا؟ فراغات وغيابات هي من الوجود في قلبه وصيرورته وان تعددت التسميات التي تحاول الهروب من منطق هذه الحتمية الجامعة المانعة.

* * *

عيناكِ عبر المسافة (عينا جؤذر في خميلة) يمدان يدَ العون للطائر العالقِ في ربقة المضيق

* * *

الصباح بدأت علاماته الأولى, من خلال الفسحة التي تعقب صوت المؤذن, تتبعه أصوات طيور متفرقة , يتضح من بينها أكثر، هديل يمام , و(شحيج) حمار في البعيد , يصل شاحبا حدَّ التلاشي في البقعة التي يختلط فيها الريف بالمدينة والحيوان بالإنسان , أتقلب في فراشي بلذة الكسل وجمال البطالة , أشط في خيالاتي وأحلامي التي لا تتحقق. ربما في هذه المنطقة الضبابية يسكن جمالٌ يستمد فرادته من نظار الأسطورة المتجدد. التحقق الواقعي يرتطم بالحائط المسدود أمام هذا البهاء الحلمي الذي لا ينفذ. هل الواقع يحمل بذرة فنائه حال تجسده , بينما الشعر والأحلام مفتوحان على افق اخر, يفلت باستمرار من أسر المعايير والمواصفات.. لكن ايتها العزيزة تشكلين ذلك المزيج من الواقعي والحلمي, سحر المياة المتدفقة للنبع الجبلي، خيال مجنح يحمل حديقته الملأى بالورود والعصافير. البحر غير بعيد ذئاب ناعسة وثعالب تتمرغ على فرو الأثير , على شواطئه يتنزهن الفتياتُ على أحصنةٍ من موج دافقٍ ونشيد

* * *

أذهب الى الشرفة الخالية من أصص الزهور ومن أي شيء عدا حبال الغسيل المتدلية كغربان ترفرف مشنوقة في الفضاء الكابي... ( اعترف الليلة بأني لا أجيد لعبة الشوق مطلقا, ولكني اعترف ايضا بأن لا شيء يبعث نشوة النصر فيها كالهزيمة... هزمتني يا قلب فرفقا بالغنائم) لا اعرف لماذا امام هذا المشهد الأجمل ربما في سياق البوح العاطفي, بقيت في الشرفة أحدق في الغربان المشنوقة , وهي تطير في فضائها, وسنونوات تعبر الأفق تخيلتها نسورا كاسرة. وكانت رغبة الانتحار تنقر الرأس كمطر الربيع.. مرة أخرى، هل الجمال والرغبة والأحلام حين تنجز تحققها تندفع نحو النقيض, نحو المحو والاضمحلال؟.

* * *

بعد قراءتي رسالتك, التي على جار الرسائل السابقة , تأتي في الليل الموغل في هذيانه , فكأنما هذا السفر الليلي للرسائل المفْعَمة بنظارة الشعر وإشراق العاطفة , تترّحل عبر أرخبيلات نومي. رسائل حلمية صِيغتْ من تربة الأحلام نفسها , مادة الأثير والجنون الآسر الذي لا يقف عند حواجز الوعي ونقاط تفتيش الحدود.. فتكون لي (الرسائل) هدية صباح تزيح ثقل الكوابيس المتراكمة وتجلو سحائب الغبار. وابدأ اليوم بما يشبه الوعد والأمل.

* * *

الصياد في أعماق البحار , تمزقت شباكه جراء العاصفة التي هدأ أوارها , فهاهو يجدف على صطح مياه زرقاء هادئة. هل سيصل الصياد سالما إلى قريته الهاجعة تحت أضلاع تلك الجبال ؟ ربما القرية نفسها, التي كنا نتحدث عنها ونسبح قريبا منها... وتذكرين ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه , ووجدنا البحر يشبه أشلاء ذبيحة أسطورية على سفح إلهٍ غامض. كانت مياهه تصطبغ بالحمرة والصفرة الكامدة المنتنة. كان مريضا حد الاحتضار, لولا ذلك العناق المتوحد على الرمل والحصى , لمرضنا معه وتهاوت أجسادنا من فداحة المشهد الذي علقتِ عليه بغضب: لماذا لا تثأثر البحار والمحيطات لكرامة وجودها النقي , وتكتسح الأرض التي لم تعد ربما مع بشرها صالحة للاستمرار؟ لماذا لا تحيلها قاعاً صفصفاً ويباباً؟

* * *

الصياد مازال يجدِّف. هل سيصل إلى هدفه المنشود؟ ذلك مالا نعرفه. لكن الصباح رائقا والبحر على وتيرة من هدوء وجمال... (لطالما كرهت الوحدة لن أرسمك وحيدا بعد الآن سأحشرك وسط البياض وستبقى مشدوها كيف وسوست للأبيض البتول قتل الفراغ بهذه الوحشية؟)

* * *

يذهب خيالي للحظة , بما أن الخيال (مصنوع من الذاكرة والنسيان) إلى لوحة (ماجريت) «رجل يتأمل الجنون» أي جنون يتأمل ذلك الرجل ؟ جنون العالم أم جنونه الواقع تحت سطوته وهذيانه؟. لا أتذكر إن كان الفراغ الذي يحدق فيه ذلك الرجل, فراغاً أبيض أم بلون أبيض. فراغاً, فضاء فارغاً, سطوحا فارغة بألوان الجنون. هل للجنون لون بعينه مثل تلك الألوان التي يبصرها العميان خاصة, هل تختزن تلك السطوح قرارات وأعماقا , عدا الموت والعدم؟. الفنان البلجيكي الذي قضت أمه جنونا وانتحارا, وضع رَجُلَه في زوبعة ذلك الهذيان السرابي الغائم. الصياد يتأمل القارب والبحر. رجل ماجريت يتأمل الجنون. وأنا أتأمل وجهك, ينبلج من بين دوائر الضباب المتراكم هذا الصباح.

* جـزء مـن نـص طويل.