معرفته المهولة نقلها الى القارئ العادى ولم يتخلّ عن النوعية

رلى راشد
(لبنان)

هارولد بلومفي مقال نُشر في صحيفة "نيويورك تايمس" في منتصف تشرين الأول، بدا استاذ الفيزياء السابق كارل و. غيبيرسون وبروفسور التاريخ المساعد راندال دجي ستيفنس، شديدي الرأفة بالتيار الإنجيلي الراديكالي. غير ان ثمة في الولايات المتحدة الأميركية اليوم ولحسن الحظ، أساليب مختلفة اكثر منطقا، لمقاربة النصوص، يمثل احدها الناقد الأدبي المكرس هارولد بلوم الذي اتى على مر حياته بمفاتيح لفهم مختلف، أكان ذلك في الادب أم في تلقف الأثر الديني.

يصف بلوم نفسه باليهودي الذي فقد ايمانه، وفي كتابه "دمّروا الحقائق المقدسة: الشعر والإيمان من التوراة الى اليوم" (1989) يدوّن ملاحظة ثاقبة عن التعاطي مع بعض الناس. يقول "في حالات كثيرة ننسى السبب الوجيه الذي يجعل التوراة كتابا يصعب ادراكه: يشكل الإغريقيون لا العبرانيون مصدر تفكيرنا الوحيد" ويذهب الى حد اعتبار الفكر الاغريقي وحال العبرانيين النفسانية "اسلوبي تفكير لا يمكن التوفيق بينهما".

بلوم أهمّ ناقد أدبي في عصرنا، ذلك انه الوحيد استطاع ان ينقل معرفته المهولة الى القارئ العادي، من دون التخلي عن متطلبات النوعية، وهذه، لنعترف، سمة الأدب العظيم. في بيبليوغرافيا بلوم اكثر من أربعين عنوانا ودراسات لا تحصى ومقالات ايضا، وهو اضاف للتو طبقة في عمارة اصدارته الشاهقة. العنوان الجديد "تشريح التأثير"، بمثابة حصيلة ادبية، او لنقل إنه تركة الأميركي من موقعه النقدي ووصيته النهائية.

كانت القراءة السبيل الى منح بلوم معنى لحياته. وها انه يتوجه الى ملايين القراء الأصليين، اولئك الذين لا اسم لهم، والذين لا يزالون يثابرون على القراءة برغم كل المعوقات وحلول زمن الأدب الرديء، ويرفضون التخلي عن افتتنانهم الادبي. في الثلاثين من ايار 1888 تحديدا، بعث انطون تشيخوف برسالة الى صديقه اي اس سوفورين شاكيا حال الأدب الروسي المعاصر المحشو بالممنوعات الأخلاقية والوصفات الورعة للتصرف الانساني. اصر على انه لا ينبغي للكاتب ان "يكون ديّان شخوصه التخييلية او كلامهم، وانما أن يكون شاهداً حيادياً. ليضيف: "حان الوقت لكي يعي الكتّاب، اولئك المستحقون على المستوى الفني، انه لا يمكن فهم اي شي في هذا العالم". اختزلت هذه الجمل القليلة فعل ايمان تشيخوف: ليس ثمة شيء منطقي بينما تشكل التفاهة القوة الحقيقة، فيما الحياة غريبة وفظة في آن واحد، واصدار الاحكام أمر غير ذي صلة. والحال ان وجهة نظره هذه ظلت جاذبة بالنسبة الى عدد لا يستهان به من الاقلام انبثقت في اعقاب زمن الكاتب الروسي، وبلوم احدهم بلا ريب.

يعود هذا الناقد الاميركي الى اهم اضافاته في ميدان الدراسات الأدبية، اي الى مفهوم التأثير. يجعل الموضوع القابض على تعقيد تقني أساسي، مبررا ليستعيد القراءات التي عصفت بحياته، ويأخذنا في نزهة الى افضل الاعمال الادبية على مرّ التاريخ. في تبسيط شديد، يتراءى التأثر الشعري، الآلية التي تفسر مسار الابتكار الادبي. يعاينه بلوم معركة رائعة يضطر المبتكرون الأدبيون في كل حقبة، الى التعاطي مع مطلقيها بهدف التحرر من التأثير المرهق الذي يمارسه عليهم العمالقة الذين سبقوهم. يتفادى الحيثيات التقنية الباطنية والمركبة، ويثبت نصه عند مستوى انساني يسهل بلوغه، فيما يسطّر حقيقة تفيد بأن "الأدب نمط حياة".

لفتت الشاعرة والكاتبة الاميركية غرترود شتاين مرة الى ان المرء يكتب لنفسه ومن اجل الآخرين المجهولين. يترجم بلوم هذا المفهوم، في الحديث الى الذات. تعلمنا القصائد العظيمة فعل هذا، والحال ان الناقد بلوم يروقه تبادل اطراف الحديث مع القراء المعارضين الذين يبحثون على نحو حدسي في وحدتهم، عن أدب نوعي، ويزدرون ملتهمي اعمال دجاي كاي رولينغ او ستيفن كينغ. يقود هذا النسق من المؤلفين التفهين اتباعهم الى الانتحار الفكري، الى التهلكة في وسط شبكة الانترنت او "المحيط الرمادي" على ما يعاينه بلوم.

اليوم على ما يزيد، استتب التخلي عن المتطلبات الجمالية والمعرفية، علما انها تشكل خريطة طريق الأدب العظيم. يؤكد بلوم ان الأدب التخييلي وفق النمط الذي نمّاه شكسبير وثرفانتس ومونتان، بات يتلاشى، فيما تبزغ مؤلفات تتصدر قوائم البيع يعاينها "سلة مهملات لا تفرغ". يسأل: ما الذي يمكنني فعله ازاء هذا الوضع؟ ليرد بأنه يحاول محاربته منذ اعوام في حين يدرك ان معركته خاسرة.

ارتقت حياة بلوم من الفقر المدقع الى شهرة غير مسبوقة بالنسبة الى اكاديمي ادبي، ليجعلها حسن الطالع تستحق مذكرات مستفيضة. يأتي "تشريح التأثير" الصادر بالإنكليزية لدى "يال وينيفرستي برس" بمقتطفات عدة تلمّح الى نوع المؤلفات التي يسع بلوم ان يكتبها مستقبلاً، ومنها الذكريات المتأنية. نستعيد بلوم طفلاً في وسط الحضور يشاهد أعمالا مسرحية. نستعيد ايضا والده الذي جلب له في احد الايام، لعبة على شكل مقص لمناسبة عيد ميلاده الثالث في 1933، بعدما تركه الكساد الذي ضرب الاقتصاد الاميركي، مثل عمال آخرين في قطاع النسيج، متبطلا. اما عندما يتذكر اعوامه الخمسة او الستة الاولى من كثب، فيُرى طفلا وحيدا، اصغر شقيقيه الاثنين وشقيقاته الثلاث، اعتاد ان يلوذ بأحد زوايا الشقة حيث اقام وأسرته في برونكس، لينصرف على مرّ النهار الى القراءة. في تلك الاعوام، في السادسة تحديدا، انغمس في الترجمات الانكليزية لأساطير اوروبا الشمالية. غير ان العنوان الذي اثّر فيه خصوصا كان "موبي ديك" وطالعه في الحادية عشرة. لفّه الكتاب بخوف شديد، جعله يختبر القلق الى رعب ميتافيزيقي لم يستبد فيه مجددا سوى لدى قراءة اعمال شكسبير.

يهجس بلوم بمفهوم الشعراء بوصفهم فرقة من المرتعدين خوفا والمصابين بمرض عصابي الى حد الإفراط، فتصير مقاربته احيانا متحجرة تماما مثل النظريات العقائدية التي وصفها واعترض عليها دوما. انه لأمر مؤسف حقا، ذلك ان حرب بلوم خدمت قضية النقد الأدبي الى حد بعيد. نلمس في "تشريح التأثير" اضاءات على ازدرائه العظيم لقراءة شكسبير من منظور سياسي او اخضاعه لمنطق النظريات. يتذكر عملية تزييف "العاصفة" حيث "تم تقديم شخصية كاليبان كأنه محارب هندي يسعى الى الحرية".

يلمح عنوان كتاب بلوم الى انه يعيد مقاربة شكسبير وانما ايضا النظرية التي قدّمها في كتابه الصادر في العام 1973 "قلق التأثير: نظرية في الشعر". وفق هذه النظرية، يتشبع الشعراء في البداية من تأثرهم بالشعراء المرجعيين الأكبر سنا، ليصير التأثير عينه مصدر تهديد لاحقا، عندما يروح يظلل عبقريتهم. ثمة ادغال شعرية في الخارج، يقول بلوم في احد الفصول، ليضيف" "افتتن ييتس على نحو مستمر بروبرت براونينغ، وخشي منه كمصدر تأثير". كان ييتس هو الآخر "حقودا وملتبسا ازاء شكسبير". اما كيتس "فأبقى شيلي على مسافة منه على المستوى العاطفي وحاربه على نحو شخصي" في قصيدته الملحمية "انديميون"، في حين افتتن جيرالد مانلي هوبكينز بوايتمان وخشيه في آن واحد.

يختصر نص بلوم بعض مكامن القوة في منجزه وجميع هناته، بينما يقرّ بأنه "التأمل الأخير في مسار التأثير". صار الناقد اليوم في عقده الثامن وهو يفضي: "نعرف جميعا الوحدة والجنون والموت. لم يبرأ وايتمان وليوباردي وهارت كراين من هذا النوع من العلل، غير ان ذلك لم يمنعهم من ان يجلبوا لنا النار والضوء".

يفترض بلوم ان لا مفرّ من الإلماح الى النار والضوء، باعتبارهما الظاهرتين المحوريتين في القوة الحيوية. في وسعهما اختصار كل شيء: الانفعال والرغبة والكلمة اي "لوغوس" الإغريق. في تعبير آخر، تختصران الحب طالما لا نزال على قيد الحياة. اما معنى هذا عمليا، فإيجاد ذريعة للعيش وأخرى للقراءة.

النهار
21-11-2011