جاك روبو*
(فرنسا)

جاك روبوالشعر هو هذا النوع الذي نجتهد لرؤيته هناك حيث لا يكون ـ في غروب الشمس، في الـ(سلام)، في التشنجات الاستعراضية لفنان ـ والذي لا يرى هناك حيث يتواجد: في مواجهة الشاعر مع اللغة. تفاهته الاقتصادية تؤدي إلى الغموض، مع ذلك فان المجموعات، العروض، والمواقع التي خصصت له تواصل الازدهار. ويحتفظون بمفاجآت جميلة لهؤلاء الذين يختارون عناء تدريب بصرهم وسمعهم.

حقائق

الآن وقد استقرّ القرن الحالي (القرن الواحد والعشرون) بثبات، نشهد انحساراً متزايداً للشعر في الصحف: قد يمرّ عام بكامله دون أن يتناول ملحق الكتب في صحيفة "لوموند" Le Monde des livres كتاباً واحداً جديداً في الشعر الفرنسي المعاصر، المكتبات، التي خلت غالبيّتها من الرفوف المُخصّصة لهذا النوع، والتلفزيون (لكن ذلك كان بديهياً في القرن السابق) لا يهتمّ بها. هنالك نوع من الحرج كان يمنع السلطات الثقافية، حتى وقت قريب، من الإقرار بالعواقب الناتجة عن هذه الظاهرة الاجتماعية. لكنّها في النهاية انقادت للأمر، ربما دون أن تدرك ذلك.
مثالان: المكسيك كانت مدعوّة لمعرض الكتاب الأخير في باريس، فتمت استضافة مجموعة من المؤلفين. لم يكن هنالك شاعر واحد بينهم. ولا شاعر أيضاً بين الكتّاب الذين تمّ إرسالهم في الربيع الى الولايات المتحدة لتمثيل الأدب الفرنسي المعاصر. نلاحظ أيضاً أنّ لجنة جائزة نوبل للآداب التي أرادت تتويج كاتب فرنسي في العام 2008، اختارت روائياً (1) (إنه خيار مُشرّف تماماً)، لكنّها تجاهلت أهمّ الشعراء الفرنسيّين الأحياء، إيف بونفوي.
ينجم عن هذا الوضع، أو من الأجدر القول بأنه هو نتيجة شبه الغياب الاقتصادي للشعر، على الأقلّ بالنسبة الى الشعر الذي يتمّ تأليفه حالياً. لم يعد للشعر أهمّية، وبالتالي هو غير قابل للبيع. طبعاً إنّ هذا النوع الأدبي ليس الوحيد الذي يشهد على تداعي "حصصه في السوق" الثقافية المعاصرة. ويطال ذلك الرواية، الأدب بشكل عام، وحتى الكتاب. لكن الشعر يشكّل المثال الأقصى لهذا الامّحاء.

من المسؤول؟

منذ حوالي قرن من الزمن، تُنسب مسؤولية هذا الوضع، بإصرار مؤثِّر، إلى الشعراء أنفسهم. يتمّ اللجوء دائماً الى مجموعة من الاتّهامات لتفسير وتبرير اللامبالاة التجارية: الشعراء المعاصرون عصيّون على الفهم، إنهم نخبويّون، هذه الممارسة تافهة وميّالة الى الماضي. الشعراء نرجسيّون، لا ينقلون ما يحصل فعلياً في العالم، لا يتدخّلون لتحرير الأسرى ولمحاربة الإرهاب، لا يطرحون حلاًّ للشرخ الاجتماعي، لا يفعلون شيئاً لإنقاذ العالم. لا يتكلّمون لغة الجميع.. الخ. لهذه الأسباب، ليس لديهم قرّاء. ليس عليهم سوى أن يلوموا أنفسهم.
ليس من المُفيد أبداً التعليق على تلك الاتّهامات. فلنقلْ فقط التالي: الذي يهتمّ بالشعر، يحبّ ويعرف هوغو، بودلير، رامبو، أبولينير، إلويار، شار وميشو، مثلاً، لكنّه يجد شعراء زمنه عسيرين، لا يقرأهم، ولا يفهم لماذا هنّ أو هم يكتبون بطريقة لا يفهمها، ويجد نفسه في وضع مماثل لمن يُرغَم على البقاء في السرير لشهر، لإصابته بمرض خطير، والذي يجد، بعد شفائه، صعوبة كبيرة في السير وحتى في الوقوف. إنّ وضع قارىء الشعر الذي توقّف عن قراءته، لَمماثل: قراءة الشعر تتراجع، وإذا ما حاولنا صدفة قراءة شيء ما، يبدو لنا عصيّاً على الفهم.

بيت الشعر العالمي الحرّ

إنّ الوضع الذي أتينا على وصفه لم يخلُ من التأثير على الشعراء أنفسهم. وبطرق مختلفة، لن أحاول هنا استنباطها من بعضها البعض. الخطوة الأولى لـ"انهيار الشعر" كانت بتسريع التطوّر على صعيد الشكل، الذي كان قائماً منذ زمن طويل. فكان هنالك البيت الشعري الحرّ الموحَّد للسرياليّين الذي حلّ مكان الشعر الموزون والمنظوم التقليدي، وتدميره من قبل الحركة الطليعية في الستينات (دينيس روش) واعتماد البيت الشعري العالمي الحرّ الذي لاقى رواجاً كبيراً، المُستورَد من الولايات المتحدة، كالعديد سواه من المنتوجات: البيت الشعري العالمي الحرّ هو بيت شعري، إنه بلا وزن أو قافية، ويتجاهل بصورة عامة ميّزات التقليد الشعري المكتوب بلغة معيّنة، "يعود الى السطر"، مُتفادياً فسخ الجمل بصورة قويّة. يمكن تأليف أبيات دولية حرّة في كافة اللغات تقريباً. ما النفع من ذلك؟ يصبح من الأسهل تفادي "الرسوم الجمركية للترجمة" القاسية التي تثبط عزيمة الناشرين والمُترجمين، ويتمّ التفلّت من الانعزال داخل "حدود اللغة المحكيّة"، المُخيف في زمن العولمة.
لا يزال البيت الشعري العالمي الحرّ موجوداً بقوة على الساحة الشعرية العالمية، في كلّ مهرجان دولي، عمل أنطولوجي أو مجلّة. قيوده الشكلية ضعيفة نوعاً ما. هذا ما يؤدّي الى انزلاق نتلمّسه أكثر فأكثر نحو مرحلة (قصوى؟) للتطوّر الشكلي: مرحلة لم يعد يُعتبَر البيت الشعري فيها ضرورياً. غالباً ما كنتُ ألاحظ وجود نزعة، منذ تسعينات القرن المنصرم، الى إخفائه عند القراءة أو عند الإلقاء، من قبل عدد كبير من الشعراء الذين كانوا يقرأون شعرهم كما لو كان نثراً، نثراً مُزخرفاً على الصعيد الخطابي بالصوت، لأنه من الضروري إبراز طابعه الشعري. في تلك الظروف، لمَ لا يكتفون بتأليف النثر؟ الشعر، وهذا ما يمكن تلمّسه بشكل خاصّ لدى الشعراء الأكثر حداثة في فرنسا والولايات المتحدة، يُكتَب بشكل مقاطع نثرية قصيرة، لكن طابعها السردي ليس جليّاً: يصبح إذاً غياب النسيج السردي الواضح العلامة الوحيدة للانتماء الى النوع الشعري.

أما زال بوسعنا أن نقول شاعر؟

لكن ما النفع، وسط هذه الظروف، من الإصرار على الانتماء الى فئة "الشعر"؟ غالباً ما تكون الأجوبة متناقضة وغامضة. إنّ الضعف الذي يطال الشعر على المستوى الاقتصادي يؤدّي – إنها نتيجة طبيعية للنموذج الاجتماعي الذي يعيش فيه الشاعر، على غرار سواه من الناس- الى ازدراء مُعلَن نوعاً ما من قبل هذا العالم إزاء من يتجرّأون على المطالبة بصفة الشاعر. لا يتطرّق الشعر كثيراً الى الأحداث غير المُسليّة التي تحصل في كلّ مكان (في الواقع لا أعتبر أنّ هذا دوره). لكن في حال تجرّأ صدفة على القيام بذلك، يردّون عليه، كما كان ستالين ليردّ على شخص يحدّثه عن معارضة البابا لسياسته: "الفاتيكان؟ كم فيلقاً بإمرته؟" بالنسبة الى العالم، والى "الصفحة الرابعة في الصحف"، أن تكون شاعراً لا يعني شيئاً في الحقيقة.
يُقال في الواقع بأنّ الشعر، هذا الشيء النبيل، لم يعد أبداً ما يصنعه الشعراء. لم يعودوا أهلاً له. فقد أصبح الشعر في مكان آخر: في الأغنية، في غروب الشمس، في الرواية.. الخ. ذلك أنّ الشعر، بالنسبة الى العالم، لم يعد ممكناً إلاّ في حال تمّ إيجاده في المكان الذي لا يوجد فيه. هذا ما يمكن تسميته، تحريفاً لتعبير ليانيك ليرون، بـ"مفعول الشبح". لقد مات الشعر نسبة الى كافة المساعي العملية، لكنّ هيبته لا تزال موجودة. يمكن (لكن في شكل لا يشبه كثيراً شعر الشعراء) استخدامه مثلاً في "ثقافة الشركات".
ليس مُستغرباً أن يثير اتّخاذ صفة الشاعر، بالنسبة الى الكثيرين في أيامنا هذه، السخرية وحتى الخجل. فتأثيرات التفكيك، على صعيد الشكل الذي أتينا على ذكره، تترافق مع شعور بانعدام التكيّف مع العالم، ومع رغبة شرعيّة بالحصول على اعتراف المجتمع، فتحمل عدداً كبيراً من الشعراء على عدم تقديم كتبهم ضمن فئة الشعر، وعلى إنكار صفتها الشعرية، الأمر الذي لا يمنع هؤلاء أنفسهم، أو ناشريهم، من تقديم طلبات التمويل لمركز الآداب الوطني، الى لجنة "الشعر".
يؤدّي كلّ ذلك حتمياً الى انتقال شعراء مُمتازين، أُثبطت عزيمتهم لعدم التجاوب مع أعمالهم (انعدام المبيعات، إضافة الى وجوب انتظار سنة أو سنتين كي تُنشر أعمالهم خارج إطار دور النشر الصغيرة، أو على حساب الكاتب، والصمت الذي تلتزمه الصحافة.. الخ) لممارسة نشاطات أخرى: الرواية، المسرح، السينما أو الأوبرا.

منتجات بديلة

كون الشعر غير مُجدٍ في إطار المجتمع، أي أنه غير قابل للبيع، بالٍ، رجعيّ، نشاط لغوي قديم الطراز، نوع أدبي مُحتضر، إعتقد الكثير من أصحاب العقول المستنيرة بأنّ اختفاءه ليس بالأمر السيّىء. وبأنّه يجب، من الآن فصاعداً، تخصيص مكانه لنتاج بديل جديد، متحرّر من إرث الماضي الأدبي، نتاج يكون باختصار "حديثاً حتماً". هذا ما سعت إليه في الماضي الحركة الطليعية التي نصّبت نفسها، مُستبدلة إيّاه بـ"النصّ". لقد اختفى "النصّ" دون ترك أي أثر، لكننا لاحظنا ظهوراً ثانياً حديث العهد له تحت شكل "الوثيقة الشعرية".
تظهر "الوثيقة"، من خلال هذا التعريف الثنائي، على أنها شكل جديد لـ"النصّ"، تسعى لمنحه صفة أكثر جدّية، ليست على ما يبدو ميتافيزيقية الطابع بقدر سلفها، وتكاد تكون علمية. لكنّ روّاد هذا النوع الأدبي الجديد، الأقلّ تطرّفاً من أسلافهم في الستينات، أسندوها بالصفة "الشعرية". وقد حاولوا تبرير استخدام هذه الصفة التي تُوحي الى الكثيرين بالشعر، بالشكل المُتواجد عليه في لغات أوروبا كافة منذ قرون، من خلال منطق إشتقاقيّ لكلمة شعر. في كتاب صغير مُفيد، بعنوان La Preuve par l’étymologie (2)، أظهر جان بولهان في الماضي الطابع الهزليّ لهذا النوع من المنطق (الذي يلجأ إليه بعض الفلاسفة بإفراط)، يستند على فرضية غير قابلة جداً للتصديق: أنّ المعنى لكلمة ما يتطوّر على مرّ القرون بصورة مُتوازية تماماً مع المادة اللغوية التي تشكّلت منها هذه الكلمة في الأساس. بالنسبة الى "الوثيقة الشعرية"، تُستخدَم الصفة التي تمّ تفسيرها إشتقاقياً، لمنح "الوثيقة" الأثر "مفعول الشبح" لكلمة "شعر".

على شبكة الانترنت

يبدو أنّ هذه الحاجة ناتجة عمّا سبق قوله عن أنّ أيام الشعر باتت معدودة. مع العلم أنّ الاهتمام بالشعر، من قبل مجموعة الأشخاص الذين لم يعودوا، تقريباً، يقرأون الشعر، والذين بدأوا حتى يفقدون شيئاً فشيئأً صفة القرّاء، لم يختفِ. يمكننا الحديث، تحريفاًً لعنوان كتاب بول فورنيل ("الحاجة الى ركوب الدرّاجة (3)") عن "الحاجة الى الشعر". إنّ التطوّرات التقنية التي تسمح بإصدارات قليلة الكلفة، خاصّة التوسّع السريع لشبكة الإنترنت، مع تكاثر المواقع والصفحات الإلكترونية الخاصة، تشجّع التعبير عن هذه الحاجة. إنّ الطبيعة نفسها للشعر الذي يُكتَب في القصائد وتكون عموماً صغيرة الحجم، يجعل الاطّلاع عليها على الشاشة أسهل بكثير من الرواية مثلاً (هل من أحد قرأ رواية La Recherche du temps perdu على شاشة حاسوبه؟). لن أحكم مُسبقاً على مستقبل الكتاب الإلكترونيe-book ، الذي يعِدوننا به باستمرار منذ عدة أعوام، والذي لم يُضمن وجوده كثيراً بعد. "السوق"، هذه الشخصية الفائقة القوة التي تحكم العالم، تحضّر له الطريق مثلاً، بدءاً بإفراغ المكتبات العامة من كتبها (التي تزداد أعدادها المُباعة على الإنترنت)، لكن علينا الإشارة الى أننا نجد كمّية أكبر من الأشعار على الشبكة، وبأنّ الشعر طال، بحكم ذلك، أعداداً أكبر من القرّاء مقارنة بالكتاب، كونه لا يُباع أبداً.

في الوقت نفسه، تكاثرت القراءات الشعرية واللقاءات الخاصّة، التي غالباً ما تحظى بمجموعة قيّمة من المُستمعين. لكن الاقتصاد يلعب مرّة أخرى دوراً في هذه الظاهرة: لقد اكتشفت العديد من البلديّات أنّ دعوة شاعر أو إثنيْن أقلّ كلفة بكثير من دعوة مُغنٍّ، أوركسترا أو باليه. ضمن هذا الإطار، وجدت "الحاجة الى الشعر" أسلوباً تعبيرياً فريداً من نوعه: الـ slam (الصفعة أو المساجلة).

الـ”سْلام” (المُساجلة الشعرية)

يتمّ التعبير عن "الحاجة الى الدراجة" بامتطاء واحدة أفضل من مشاهدة سباق فرنسا للدرّاجات على التلفزيون. هذا ما يُثبته النجاح الذي حقّقه البرنامج العام لتأجير الدرّاجات الهوائية Vélib’ في باريس. بالطريقة نفسها، تجد الحاجة الى الموسيقى منفذاً لها في غناء الجوقة Karaoké وحضور الحفلات الموسيقية، لكن لا شكّ أنها تتحقّق، بشكل أفضل، من خلال المشاركة الفعّالة في فرقة غنائية أو مجموعة روك. إنّ اختراع الـ”سلام” slam، أقلّه في البداية، كان يعتمد على إقرار واضح: كلّ شخص شاعر بالافتراض. يمكن للجميع إذاً أن "يكون شاعراً". يُقال بأنّ الـ”سلام” "فنّ شعبي شفهي ومفخَّم، يُمارَس في الأماكن العامة كالبارات أو مراكز الجمعيّات، بشكل لقاءات ومناظرات خطابية". أستخرج من تعريف الـ”سلام” المقطع التالي: كلمة "سلام" Slam تعني باللغة العاميّة الأميركية "الصفعة"، "التأثير"، وقد أُخذت من عبارة " slam a door" التي تعني حرفياً "صفق الباب". ضمن إطار الشعر المحكي والعام، يقضي الأمر بالتقاط المُستمع من أذنيه و"صفقه" بالكلمات والصور، لصدمه والتأثير به. هنالك تفسير آخر للكلمة أعطاه مؤسّس هذه الحركة، مارك سميث، أثناء مداخلته في العام 2005 في مباراة الـ”سْلام” الوطنية الكبرى في مدينة نانت: يشرح بأنّ اختياره لهذا التعبير عائد الى دلالته الرياضية والحيويّة، نظراً لتقاربه مع تعبير "Chelem" (في رياضة كرة المضرب، كرة السلّة، البريدج.. الخ.)".
يجب الإشارة الى الكثير من الخصائص التي تتميّز بها ممارسة الـ”سْلام” في فرنسا:

  • إنها شفهية.
  • لا تسعى أوّلياً لتحقيق مسعى فنّي، هذا برهان، بحسب مؤسّسيها، على طابعها "الديموقراطي": كان هدف سميث "زعزعة مبدأ النوعية في الشعر: فبعض الأشخاص الأعضاء في لجنة تحكيم يتمّ اختيارها إعتباطياً، يعبّرون عن ذوقهم الخاصّ". هنالك الكثير من الأمثلة التي يمكن الاطّلاع عليها، قراءتها والاستماع إليها على شبكة الإنترنت، التي تُظهر أنّ تأليف الـ”سْلام” هو بشكل عام حاجة إستعراضية (هذا لا يعني بأنه لا يمكن بهذه الطريقة انتاج الشعر بالمعني الاعتيادي للكلمة).
  • مبدئياً، الـ”سْلام” فنّ إرتجالي. وهو يجدّد بذلك الروابط مع الشعر الشعبي التقليدي.
  • يُفترَض به أن يُعيد إحياء "نوع أدبي قديم عائد الى القرون الوسطى: المُساجلة الشعرية (الأوكسيتانية التي كان يمارسها الشعراء الجوّالون في جنوب فرنسا، التروبادور)، التي يتبارز خلالها شاعران في مناظرة خطابية حول موضوع يتمّ تحديده مُسبقاً".

يرتكز هذا التسلسل العريق على تفسير خاطىء: كانت المُساجلة الشعرية التي يمارسها التروبادرو تتطلّب الكثير من المعرفة وجمهوراً قادراً على تقديرها. الأمر سيّان بالنسبة الى الشعر التقليدي المُرتَجل الذي كان يرتكز على ممارسات قديمة جداً، تستخدم أشكالاً معقّدة ومقيِّدة. من المستحيل التشبّه بتلك النماذج، نظراً الى الجهل العام للشعر الذي كان يُؤلّف في السابق والآن. لذا لا نعثر ضمن إنتاج الـ”سْلام” سوى على نثرات من الشعر الكلاسيكي الذي تجرّد من كافة شروط وجودها، أي الأوزان والتقطيع. أمّا القافية فخرجت من سُباتها العميق، لكنّها سقطت الى أدنى موقع لها، بحيث لم تعد موجودة سوى في مسابقات المرحلة الدراسية الابتدائية. نعثر في هذا السياق على بعض الذكريات المدرسية المُتلاشية، لكنّنا نتلمّس، بشكل خاصّ، التعبير عن أكثر المشاعر سطحيّة، والانفعالات التي لا يمكن تمييزها عن تلك التي تقدّمها المسلسلات التلفزيونية الميلودرامية. نلاحظ بأنّ هذا المنحى "الدلاليّ" للـ”سْلام” يُظهره كتحريف وتردّ لـ "الراب"، الذي لا يعتبر نفسه شعراً. كما حصل في الماضي عندما ولد الروك من تحريف لموسيقى البلوز.

الضجيج (Vroum vroum)

لا شكّ أنّ الـ"سْلام" لا يشكّل خطراً كبيراً على ممارسة أكثر رقيّاً للشعر. الأمر ليس كذلك بالنسبة الى الظاهرة التي أسمّيها هنا بـ"الضجيج" (Vroum-vroum). إنها اجتياح حقل الشعر من قبل ما سُميّ بـ"الشعر الأدائيّ"، الذي ينحى، بالتعاون الوثيق مع "الفعّاليات الثقافية" في القطاعي العام والخاص، المشغوفة بـ"العرض الحيّ"، الى التحوّل الى النمط الشعري المفضّل، ما يقصي المكتوب لمصلحة المحكيّ. فقد بدأنا نرى في التظاهرات التي تعتبر نفسها "شعرية"، كالمهرجانات العالمية للشعر، أعداداً متزايدة من الـ"شعراء" الذين يقتصر النشاط الذي يعرضونه على الجمهور بصفة شعر، على التدحرج الى أسفل السلّم، وتمزيق دليل هاتفي ضخم على المسرح، وإصدار مقاطع صوتية غريبة ورائعة، بفضل المساعدة التقنية، لا تتضمّن كلمة واحدة. عندما يتمّ الاستعانة باللغة، يترتّب على نقلها إلى الورق، في العديد من الحالات، نصّ حقير، كما يحصل بالنسبة الى العديد من أغاني البوب، الروك أو غيرها، في حال تمّ تجريدها من الموسيقى.

إنّ كافة تلك الإنتاجات مُشرِّفة، وتكون مدهشة أحياناً، وأحياناً أخرى ذات نوعية فنّية عالية، إنما نادراً (الأمر ليس مُستغرَباً)، لكن لماذا تُسمّى "شعراً"؟ لماذا لا تُسمّى موسيقى، جمباز، لحن أوبرالي، عرض بهلواني، اسكاتش، أغنية، باليه، تعرِّ (ستريب تيز)؟ إحدى الأعمال التي يعتبرها أتباع الـ"vroum-vroum" من رموز هذه الظاهرة، عرض "Ursonate" لكورت شويترز، يعرض نفسه تحديداً على أنه موسيقى وليس شعراً. يمكننا عرض الفرضية التالية: لا شكّ أنّ الغياب شبه التام للشعر من الواقع الاقتصادي هو الذي يسمح بهذا التحريف السخيف. "شاعر" من هذا النوع، يقدّم أصواتاً فقط، لن يخشى المُنافسة الشرسة التي قد يواجهها في حال أراد فرض نفسه على الساحة الموسيقية.

القراءة والإلقاء

لست نبياً ولا أعرف ما إذا كان الـ"vroum-vroum" سيصبح الشكل الشعري الوحيد المعترَف به. دون الوصول الى هذه الحالة القصوى، يبدو لي أن هنالك خطراً (أنا أعتبره خطراً) في أن نشهد على هيمنة ساحقة للبعد الشفهي للشعر، على حساب الكتاب وحتى على حساب الشاشة. سيكون ذلك بمثابة بتر وتراجع. لكن هنالك في فرنسا اليوم شعراً، كما كانت الحال عليه دائماً: شعرُ ممتاز. سواء كان صعباً أم لا، يتحدث عن كلّ شيء، عنكم، عن لا شيء، يخترع، يجدّد، يُدهش، يسحر. نجده في الكتب، في المجلاّت، في التسجيلات الصوتية، في الفيديو. نجده في المكتبات (إنها موجودة) التي لم تتخلّى عن عرضه، دعمه، بيعه. إقرؤوه، إنسخوه، إحفظوه، كما كانوا يفعلون في السابق.
ما كتبته للتوّ هو دفاع عن وجهة النظر التالية: بأن الشعر يقيم في لغة معيّنة، وأنه يُصنع من الكلمات، دون كلمات لا وجود للشعر، وبأنه على القصيدة أن تكون نتاجاً لغوياً فنياً ذات أربع أبعاد، أي أن تُوضَع في الوقت نفسه للورقة، للصوت، للأذن وللرؤية الداخلية. على الشعر أن يُقرأ ويُلقى.

* شاعر، روائي وعالم في الرياضيات.

(اطار)

لا وزن ولا قافية

في نهاية القرن التاسع عشر، أُعيد النظر بالهيمنة المُطلقة للبيت الشعري المنظوم (البحر الإسكندري والثماني المقاطع)، الذي كان يُعتبر، حتى ذلك الوقت، أساسياً في الشعر (Mallarmé, Crise de vers (1)).
بعد فترة إستكشافيّة امتدّت حتى الحرب العالمية الأولى، ظهر شكل جديد للبيت الشعري، ولاقى رواجاً كبيراً، خصوصاً في الشعر السوريالي: البيت الشعري الحرّ الموحّد.
سنكتفي هنا بسماته الأكثر كثافة:

  1. البيت الحرّ الموحّد غير موزون.
  2. البيت الحرّ الموحّد غير منظوم.
  3. إنه بيت مكتوب، معزول طباعياً على الورقة ومفصول عن البيت الذي يتبعه بـ"عودة الى السطر"،
  4. تتزامن نهاية البيت، كما في البيت الشعري الكلاسيكي شبه العالمي، مع اكتمال وحدة تركيبية لغوية رئيسية.

مع ذلك لا تختفي البحور الكلاسيكية (خصوصاً البحر الإسكندري)، لكنها تبقى موجودة بثلاثة تفرّعات:

  • البحر الإسكندري "المحافظ عليه" الذي اعتمده بول فاليري (الذي يستخدم أيضاً بيتاً عشاريّ المقاطع "متحجّر").
  • البحر الإسكندري "الموقوف"، الذي اعتمده غيوم أبولينير، واستعاده لويس أراغون.
  • البحر الإسكندري "المطوّر" الذي اعتمده ريمون كينو.

في بداية الستينات، فكّك دينيس روش البيت الحرّ الموحّد، وابتكر البيت الحرّ المتهوِّس، الذي تمّ فيه التخلّي عن الشرطيْن 3) و4) للبيت الحرّ الموحَّد: ينتهي البيت مثلاً وسط كلمة. لم يستمرّ البيت الحرّ المتهوِّس كثيراً، وسرعان ما تمّ الاستغناء عنه، لدى غالبيّة الشعراء، لمصلحة البيت العالمي الحرّ.

(1) Stéphane Mallarmé, La Musique et les Lettres et Crise de vers, Ivrea, Paris, 1998.

“لوموند ديبلوماتك”، العدد (35) يناير/كانون الثاني 2010