ما لا بد من قوله عن الفاشيين ولورَنس العرب والفلسطينيين

عبدالله حبيب
(عمان)

سوزَن سونتاغ قبل نحو ثلاثة أسابيع من نهاية عام 2004، حين غيَّب السرطان ممدوح عدوان، كنت حزيناً مثلكم؛ بل إن حزني كان شبه شخصيٍّ على الرغم من أني لم ألتق بالراحل الكبير سوى في كتبه. ما جعل الحزن شبه شخصيٍّ هو أني، لبضع سنوات صاخبة في شرخ الشباب، اعتدت على الصراخ بعنوان مجموعة ممدوح عدوان الشعريَّة 'لا بد من التفاصيل' التي كنت أُشْهِرُها بطريقةٍ سورياليَّة وعبثيَّة، كما لو كانت سيفاً بتَّاراً، في وجه من لا يروق لي كلامه، أو محاججته، أو حتى شكله وطريقة ضحكته أو نوع هندامه أحياناً. ثم إن قراءتي لمذكرات نيكوس كازانتزاكيس، بترجمة ممدوح عدوان البديعة، شكّلت تحولاً عميقاً لدي، فقد مسَّت تلك المذكرات شغافي.
وعندما غيَّب السرطان ممدوح عدوان بعث إليَّ الزميل محمد الحضرمي المحرر الثقافي في ملحق 'شرفات' الثقافي الأسبوعي الذي تصدره صحيفة 'عُمان' اليومية برسالة إليكترونية يتساءل فيها عما إذا كنت أريد أن أكتب شيئاً عن الفقد والفقيد، فكان ردي الصادق الصدوق هو الاعتذار بسبب الضغوط والالتزامات الدراسيَّة التي لم تكن لتتيح لي أي وقت، خاصة وأني كنت قد فرغت من كتابة مادتي لعدد ذلك الأسبوع.
هذا العذر، أو الاعتذار، كان صحيحاً وأميناً وصادقاً. لكن الحقيقة، أيضاً، هو أنه كان هناك سبب ثانٍ لا يقل وجاهة؛ ففي ما يشبه النَّزَقَ المتطرف وغير العقلاني صرت أكره مرض السرطان أكثر من كراهية الجِنِّي للثوم كما نقول في عُمان. ولذلك فإني لو كتبت مادة مفتَرَضة عن ممدوح عدوان فإنها كانت ستكون مادة حانقة، شتميَّة، مقذعة، وقليلة الأدب للسرطان، عوضاً عن أن تكون تأبيناً لممدوح عدوان. طبعاً لا يحب المرء أي مرض أو اعتلال بدءاً بالزكام وانتهاء بتليُّف الكبد؛ لكن عدوانيَّة السرطان، ومجانيَّته الماجنة والعابثة، وآليَّات هجومه عليك، والعجز الطبي أمامه، أضحت فظيعة فعلاً، بحيث اني صرت أدندن بتنويع على البيت العربي الشهير هكذا: 'ومن لم يمت بالسرطان مات بسرطانٍ غيره/ تعددت الأسباب والموتُ سرطانُ'.
حين يموت أحدهم بسبب الانفجار المفاجىء لزائدته الدوديَّة، مثلاً، فإنك تحزن للوفاة، لكنك لا تستطيع أن تكره الزائدة الدودية التي تذكِّرك بشيء من مخلَّفات العصر النباتي للبشريَّة!. وحين يتوفى أحدهم في حادث سيارة فإنك لا تستطيع أن تمقت الحداثة، وصناعة الاتصالات والمواصلات (على الأقل ليس بصورة مباشرة)، بل تحاول أن تفهم الظروف التي حصل فيها الحادث المؤسف. أما فيما يخص السرطان فإن الأمر مختلف. وحين رحل ممدوح عدوان، لم أكن أدري أن المرض الخبيث ستكون له جولة أخرى من القسوة تعنيني حتى قبل أن يجف ثرى الشاعر.

2

قبل بدايةعام 2005 بثلاثة أيام، إذن، وعن عمر بلغ واحداً وسبعين عاماً، رحلت سوزَن سونتاغ تحت وطأة هذا السرطان المقيت، الشرير، الفظيع الذي صار كثيراً ما يصيب النساء في أثدائهن اللائي منحننا، رجالاً ونساء، الإنسانية عبر الحياة وحليب الأمومة، والرغبة، والمتعة، والشِّعر. حقاً، حين يتعلق الأمر بسرطان الثَّدي والرحم (والثاني أيضاً أصاب سونتاغ)، ليس هناك من مجال للقول سوى أن الكون لم يعد 'ضّيقاً' فحسب كما تنبأ النِّفري، بل أصبح مريضاً كذلك؛ ومرضه يتعاظم ويشتد، يا آلهة الرحمة، والعطف، والحنان. فعلى الرغم من كل تضامني مع الفكر النسويِّ الذي علّمني وأفادني كثيراً، والذي كانت سونتاغ في مقدمة حملة ألويته، لا أستطيع سوى أن أستسلم لـ 'ذكوريَّتي الشِّعريَّة البائسة' (حسب الوصف المتحامل لإحدى زميلاتي النسويَّات) فأقول فيما يشبه البكاء: حين يصاب ثدي امرأة أو رحمها بالسرطان فإن علينا أن نلتفت إلى أن الأرض قد صارت تصرخ بأنها عليلة بسببنا وبسبب ما نقترفه بحقها- فلنلتفت إلى هذا رجالاً ونساء.
إذن فقد ماتت سوزَن سونتاغ التي كتبت، في ما كتبت، 'فيما يخص عذاب الآخرين' (2003)، تحت علامة زحل' (2002)، 'في أمريكا' (2002)، ' لِمَ نحن في كوسوفو؟' (1999)، 'عاشق البركان' (1992)، 'الأيدز ومجازاته' (1988)، 'الحياة التي نعيش اليوم' (1987)، 'أَلِِس في السرير: مسرحية في ثمانية مشاهد' (1983)، 'المرض باعتباره مجازاً' (1978)، 'عن التصوير الفوتوغرافي' (1977)، 'رحلة إلى هانوي' (1968)، 'ضد التأويل وبحوث أخرى' (1966)، و'المُحْسِن' (1963). كما حررت سونتاغ أنثولوجيات معروفة منها 'البحوث الأمريكية الأفضل' (1992)، و'أنطونين آرتو: كتابات مختارة' (1988).
ومن الأفلام التي شاركت فيها كتابة للسيناريو وغير ذلك 'رحلة بدون مرشد' (1983)، 'الأخ كارل' (1974)، و'الأرض الموعودة' (1974). وفي الاعمال المسرحية اخرجت عمل بيكيت الشهير 'في انتظار غودو' (1993). ونالت سونتاغ باستحقاق شديد العديد من الجوائز مثل جائزة الأدب الفرنسية (1999) وجائزة نُقَّاد الكتب (1978).
بهذا السرطان المفزع المقيت الذي صار ينتشر بصورة غير معقولة، إذن، ماتت سوزَن سونتاغ، هي التي كانت قد وصفت 'المرض' بأنه مَجاز. لكننا هنا لم ننتقل من المجازيِّ إلى الحرفي، بل صار الأمر العكس، أو العكس- ربما، لا فرق.

3

لم ألتق بالمفكرة، والناقدة، والمترجمة، والمخرجة المسرحية والسينمائية، والكاتبة، والناشطة الأمريكية الشهيرة سوى مرة واحدة فقط، وقد كان ذلك في نهاية الثمانينيَّات أو أوائل التسعينيَّات. في ذلك الوقت كنت معنيَّاً بما أسمته سونتاغ 'السطح الحسِّي' و'القراءة الأيروسيَّة' للفنِّ في بحثها الشهير 'ضد التأويل'، وهو بحث أثار ولا يزال الكثير من الجدل، بحيث أن إدوَرد سعيد، الذي كان معنيَّاً بـ 'التأويل' لأسباب هي أوضح من أن تذكر، اختلف معه. والحقيقة أن سونتاغ كانت قد شنَّت نقداً عنيفاً على الفكرين الماركسي والفرويدي فيما يخص قراءة النصوص الأدبية، حيث لا تقوم المنهجيات القرائيَّة الماركسيَّة وتلك الخاصة بالتحليل النفسي بغير 'تجويف النص'. وكنتُ كذلك معنيَّاً بحقيقة أن هناك شيئاً واحداً على الأقل يجمعني، أنا الشاب الغر المجهول الذي لا كتب له ولا دراسات ولا هم يفرحون ولا يحزنون، بالمفكرة والكاتبة العملاقة؛ إذ كنت في تلك الفترة مهووساً حد الصَّخب بالشاعر الأمريكي إدغَر ألن بو الذي علمتُ عن اعجاب سونتاغ به وبعوالمه التراجيديَّة، فشعرت بما يشبه الخيلاء، والثقة بالنفس، والسياقيَّة!. وبالطبع، كنت معنيَّاً أن أرى سوزَن سونتاغ وجهاً لوجه، وأن أستمع إليها وهي تقرأ إحدى قصصها القصيرة بصوتها المؤثِّر الفاتن.
وفي ذلك الوقت أذهلني شيئان منها في اللقاء الذي كنت مجرد أحد حاضريه الكثيرين فحسب: 1) جمالها الفائق بالمعنى الأعمق للتعبير، والذي بدا لي فيه شيء مما كان يكتنف تصوراتي عن الجمال بالمعنى الرومانسي القديم الذي كنت مجبولاً عليه؛ 2) إصرارها على الكتابة والمقاومة والتفاؤل على الرغم من السرطان.
ولم أكن أدري حينها، إذن، ان سوزَن سونتاغ، في إحدى كتاباتها التي لم أكن قد قرأتُها بعد، ستكون بعد حوالي سبع سنين من ذلك التاريخ أحد الإلهامات النظريَّة لشيء من محاولاتي البحثيَّة.

4

كتبت سوزَن سونتاغ مقالاً تشريعيَّاً ضخماً لا تزال أصداؤه باقية حتى اليوم، وأظن أنها ستبقى باستحقاق شديد بعد اليوم، وهو مقال صرتَ تجده في كثير من الأنثولوجيَّات الأكاديمية بعنوان افاشيَّة ساحرة'، (Fascinating Fascism).
في هذا المقال كانت سونتاغ معنيَّة بالسؤال التالي: لماذا لا تزال الفاشيَّة موجودة في الغرب حتى الآن على الرغم من هزيمتها العسكرية، والإيديولوجية، والسياسية الماحقة مع نهاية الحرب العالمية الثانية؟. تقول سونتاغ أن الفاشيّة لا تزال موجودة بطرق سريَّة عبر 'الإبداع'، في السينما المعاصرة وفي بقية الفنون، ولذلك فإن سونتاغ تقدم إلينا مصطلحاً ساحراً حقاً، هو 'فاشيّة ساحرة'!.
وعليه فإن سونتاغ تنقد كثيراً من الدارسين والبحَّاثة والمنظِّرين الذين يتكئون في دفاعهم عن أفلام المخرجة الألمانية الفاشيَّة ليني رايفنشتايل إلى اعتبار أن أفلامها، كما يقول هؤلاء، كانت دوماً معنيَّة بـ 'الجَمال' (رايفنشتايل كانت قد توفيت بعد عمر مديد في 2004، وقد كان هتلر يصفها بأنها 'امرأتي الألمانية المثاليَّة'، وهي مخرجة ما يشار إليه بأنه أقوى فيلم بروباغنديٍّ في تاريخ السينما، أي 'إنتصار الإرادة'، وكانت قد التقطت بواكير صورها الفوتوغرافيَّة التي تمجِّد الجسد المعضّل والقوي، وهو هاجس اشتغل عليه هتلر والفكر الفاشيُّ كثيراً، في منطقة النوبة في السودان).
استوقفني، إذن، بعد قراءة مقالة سونتاغ، أن روبرت بولت، كاتب سيناريو فيلم الورَنس العربب الذي يعتبره معهد السينما الأمريكية السادس في قائمة أفضل مائة فيلم أنتجتها السينما الأمريكية في المئة سنة الأولى من تاريخها، كان قد وصف لورَنس العرب في مقابلة قديمة بأنه ارومانسيٌّ فاشيٌّ'. وهنا أسقط في يدي بعض الشيء، إذ أنني كنت أمام االجَمالب وأمام االفاشيَّّةب في نفس الوقت. من هنا فقد حاولت بتواضع في أطروحتي للماجستير العمل على تطوير مفهوم سونتاغ حول االفاشيَّة الساحرة'، ولذلك فقد اقترحت تنويعاً؛ شيئاً أسميته االجَمَالانيَّة الساحرةب (Fascinating Aestheticism) الذي عنيتُ به، في سياق التَّلقي الغربي لفيلم الورَنس العرب'، إنقاص، وتقليص، وإهمال، وازدراء مجال كبير من النقاشات، والحوارات، والسجالات المحتمَلة حول الفيلم، وحول التاريخ الحقيقي لشخصيته التي صرنا نعرف اليوم انها كانت متورطة في اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة، وكذا في مؤتمر فرساي، إلى مفهوم مخروجٍ به عن سياقه، هو االجَمالب.
لم أُرِد بالطبع أن أساوي ديفِد لين (مخرج فيلم 'لورَنس العرب') برايفنشتايل، أو أن أساوي بين لورَنس العرب وهتلر. ولكني قصدت تماماً أن الأيديولوجيا الفاشيَّة، بالصورة التي يتم التعبير عنها في 'الجَمَاليَّات'، بهذا المعنى المجرد، تتساوق كثيراً مع كونها خطاباً يبوح بالكولونيالية، والإمبريالية، والسيطرة، والاستغلال. (روبرت ستام يصرُّ، بالمناسبة، وبأدلة مقنِعة للغاية، على أن فكرة 'علم الجَمَال' التي جذَّرتها الثقافة الألمانية في القرن الثامن عشر، وإن كان الإغريق الكلاسيكيون قد قدموها قبل ذلك بزمان طويل طبعاً، إنما كانت تجاوباً وتزامناً مع صعود النعرات العنصريَّة والشوفينيَّة في الخطاب الألماني).
تأمَّلوا، مثلاً، في حقيقة أن فيلم 'لورَنس العرب' لا يزال مُعجباً ومحتفى به حتى الآن بسببٍ من معطياته وكفاءته البصريَّة (إحدى لقطات الفيلم الشهيرة تم تصميم وصناعة عدسة خاصة لالتقاطها، وهي لقطة الظهور الأول في الفيلم لعمر الشريف وهو يتقدم ممتطياً بعيره ذا الخطى الحثيثة نحو بئر الماء). هكذا، إذن، استحوذت السينماتوغرافيا الصحراويِّة، ولقطات السراب (التي تم التمكن منها لأول مرة في تاريخ السينما)، والموثوقيَّة التصديقيَّة للكثبان الرمليَّة الذهبيَّة في الصحراء العربية التي حاججتُ أنها تتخذ في الفيلم تشكُّلاً جنسيَّاً أنثويَّاً صارخاً يكاد أن يكون بورنوغرافيَّاً، حيث تتم موقعة الكاميرا في زاوية تظهر عبرها الكثبان الرملية كما لو أنها أفخاذ عارية، وما إلى ذلك، على حصة الأسد في النقد السينمائي الغربي. لكن، ماذا عن طريقة تصوير العرب في الفيلم؟. ماذا عن طريقة تمثيل وتصوير تاريخهم، وثقافتهم، وتجربتهم مع الغرب، ومعاناتهم، وطموحاتهم؟. ماذا عن الجراح الغائرة التي لا يزال المشروع اللورَنسي يثخنها فيهم منذ الحرب العالمية الأولى حتى الآن؟. حسن جداً، لا أحد يريد الحديث عن ذلك.
وبهذا فإنه وفقاً لمنطق 'الجَمَالانِيَّة الساحرة' يبدو أن التقنيات والفنيَّات السينمائية إنما توجد في الفراغ؛ مُطَلَّقة من نُطْقِها، ومعفيَّة من سياقها، وغير مسؤولة عما تقول. إنها متعالية على التاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد، والأيديولوجيا، والثقافة، والسياسة، وعذابات البشر وآمالهم، وهذا أمر لا أستطيع أن أقبل به؛ ذلك أن السؤال الحاسم الذي يخص فيلم 'لورَنس العرب' هو سرده الكولونيالي، وتركيبه لنسخ معينة من أشياء مهمة من قبيل الهويَّة الجَنْدَرِيَّة، والهوية الوطنية، والهوية الثقافية، والهوية السياسية. وهذا بالضبط هو ما تقصيه ' الجَمَالانِيَّة الساحرة' من اهتمامها 'الجمالي'.
ثم، في مشروعٍ بحثيٍّ لاحق، وجدتني أقترح مفهوماً أسميته االعُرْبَوِيَّة الساحرة بـ (Fascinating Arabianism) تطويراً لمفهوم ا الجَمَالانِيَّة الساحرةب. لكن...

5

(أ)

... لكن، ثمة شيء ينبغي قوله. غير أنه قبل قوله لا بد من أن يقول المرء أشياء أخرى التماساً للموضوعيَّة والعدالة والإنصاف؛ ذلك أن سونتاغ قد تسببت في غير قليل من الجدل ليس بسبب أطروحاتها الفكرية الجريئة فحسب، بل كذلك بسبب مواقفها وتصريحاتها. فعلى سبيل المثال كانت سونتاغ قد زارت فيتنام لمدة اسبوعين في أوج الحرب الفيتنامية الأمريكية، وهذا كان شيئاً شبيهاً بـ 'الكفر' أو 'الرِّدة' في المجتمع الأمريكي حينذاك (كم مثقف أو فنان أمريكي زار فيتنام في ذلك الوقت؟!). وبعد عودتها إلى بلادها كان مما قالته سونتاغ بغضب شديد لا يزال يُغْضِبُ كثيرين حتى الآن أن فكرة أمريكا إنما قامت على الإبادة الجماعيَّة والقتل، وأن نوعيَّة الحياة التي يعيشها الأمريكيون تهدد إمكان تطور الحياة البشريَّة على هذا الكوكب، وان موزارت، وباسكال، وشكسبير، وفكرة الحكومة البرلمانيَّة، وإسحق نيوتن، وحركة تحرير المرأة، وإيمانويل كانت، وكارل ماركس، وغيرهم لن يتمكنوا أبداً من محو ما اقترفه العرق الأبيض، الذي هو حسب عبارتها 'سرطان البشريَّة'، بحق العالم، أي مفارقة هي، إذن، أن ترحل سونتاغ بسبب مرض السرطان تحديداً؟.
كما زارت سونتاغ كوبا في نفس العام، 1968، وأعلنت عن تأييدها للثورة الكوبية ودعت إلى تفهمها ومساندتها، وإن كانت قد نقمت على كاسترو فيما بعد بسبب الاجراءات التي تتخذها الحكومة الكوبية ضد المثليِّين الجنسيِّين. أما في 1982 فقد تنكرت سونتاغ لكثير من مواقفها السابقة حين صرحت في احتفال عقدته منظمة 'تضامن' البولنديَّة ان 'الشيوعيَّة فاشيَّةٌ بوجهٍٍ إنساني' في ما كان أعنف هجوم لها على اليسار. وفي ما يخص قضية سلمان رشدي على اثر نشره 'آيات شيطانيَّة' شاركت سونتاغ في حملة ضد الإمام الخميني وفتواه حيث كانت حينها رئيسة لفرع رابطة القلم الدولية. وفي 1993 سافرت سونتاغ إلى البوسنة في عز الحرب. وفي سراييفو قامت بإخراج وعرض مسرحية بيكيت الشهيرة 'في انتظار غودو' تضامناً مع سكان المدينة المحاصرة التي كانت المدفعية والصواريخ تدكُّها يومياًَّ. أما على ضوء ما حدث في الولايات المتحدة في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) فقد نشرت سونتاغ مقالة جريئة في مجلة 'نيويوركر' تقول فيها صراحة إن ما حدث في ذلك اليوم قد حدث بسبب السياسات الخارجيِّة لحكومة الولايات المتحدة، وهذه مقولة لم يكن أحد يريد أن يسمعها أو يستمع إليها. وعلى اثر نشرها لهذه المقالة تلقت سونتاغ عدة تهديدات بالقتل، وكتبت إحدى المجلات اليمينية الأمريكية- 'نيو ريبابليك'- ان هناك ما يجمع أسامة بن لادن وصدام حسين وسوزَن سونتاغ، وهو الرغبة في تدمير أمريكا!، بل إن عدداً من المعلِّقين الصحفيين والسياسيين طالبوا نهاراً جهاراً بتجريد سونتاغ من جنسيتها الأمريكية.

(ب)

هذه بعض الزوابع التي أثارتها سونتاغ، وهي زوابع تكشف عن مواقف وقناعات أخلاقيَّة وفكريَّة وسياسيَّة عميقة اتفقتَ معها ام اختلفتَ، ولهذا فإن ما ستلي الإشارة إليه يستحق الذكر؛ حيث أنه في 9 أيار (مايو) 2001، وضمن فعاليَّات معرض الكتاب الدولي في القدس، تسلمت سونتاغ جائزة كبرى من الدولة اليهودية هي 'جائزة القدس للأدب'، سلّمها إياها في القدس، المدينة المتنازع عليها كثيرا بمقاييس ذلك الوقت خاصة، اليميني المتطــــرف إيهود أولمرت رئيس بلدية القدس [عهدئذ والذي أصبح ما أصبح فيما بعد]، وذلك في نفس الوقت الذي كانت تجرى فيه مواجهات دمويَّة بشــــعة بين الفلسطينيين العُزَّل وآلة الفتك والقتل الصهيونيَّة.
وقد أرسل الإئتلاف النسائي من أجل سلام عادل (وهو مكوَّن من تسع منظمات نسائية يهودية وفلسطينية كبرى) رسالة إلى سونتاغ يعرب فيها عن 'المفاجأة وخيبة الأمل' بسبب موافقة سونتاغ على قبول تلك الجائزة، إضافة إلى استنكارات هامسة ومسموعة لذلك الحدث في أماكن أخرى من العالم. وللأمانة والموضــــوعيَّة، كانت سونتـــــاغ قد أدلت بتصريح للجمهـــــور إثر تسلمها الجائزة قالت فيه إنها تعارض العقــــوبات الجمعيَّة التي تفرضها سلطات الدولة اليهـــــودية على الفلسطينيين، لأن تلك العقوبات 'لا يمكن أبداً تبريرها عسكريَّاً أو أخلاقياً'.

(ج)

هذا كله مأخوذ بعين الاعتبار، فحتى موقف سونتاغ الرمزي من العقوبات الجمعيَّة نادر في جهةِ غالبيةٍ من المثقفين الأمريكيين 'الطليعيين' و'التقدميين' و'الراديكاليين' الذين يهتَّم بعضهم بأحوال أنواع وأجناس الحشرات التي تنقرض في الغابات الإفريقية وفي غير مكان (وهم محقِّون في ذلك) أكثر من اهتمامهم بشأن الفلسطينيين الذين ينتمون للجنس البشري حسب معلوماتي المتواضعة، والذين يُذبحون يومياً (وهم غير محقِّين في ذلك). لكني، داخليَّاً، لم أستطع أبداً أن 'أسامح' سونتاغ لأنها وضعت يدها في يد ملطخة بالدماء، فبالنسبة إليَّ كانت تلك الصورة أكثر من مؤسفة ومُحْبِطة.
وحين علمت بخبر رحيل سونتاغ الذي أحزنني صدقاً وحقاً وفعلاً ومن كل قلبي، لا أدري لِمَ لَمْ يكن أول ما حضرني من تراثها الثري مقالة 'فاشيَّة ساحرة' التي ألهمتني كثيراً، بل قبولها وتسلُّمها لتلك الجائزة من ذلك المجرم.

6

يا سوزَن سونتاغ، التي أنحني أمامها احتراماً، والتي بلغ عدد كتب مكتبتها الشخصيَّة خمسة عشر ألف كتاب أهدتها جميعها بسخاء لمكتبة جامعة كاليفورنيا قبيل وفاتها: لقد تعلَّمتُ منك الكثير مثل غيري، فشكراً لك. إننا جميعاً ضد 'الفاشيَّة' واللاإنسانية، والبطش، والعسف، والقهر، ومصادرة حقوق الناس في أي مكان من العالم- شرقاً، وغرباً، وشمالاً، وجنوباً.
ووداعاً.

: هذه المادة مأخوذة من كتاب سيصدر للكاتب قريباً عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت بعنوان 'رحيل'. يتضمن الكتاب ستة عشر مقالاً حول ستة عشر راحلاً تقاطع معهم الكاتب بصورة شخصية أو فكرية أو كليهما، وهم محمد الراشدي (عُمان)، وموزة الضوعني (عُمان)، وعلي العندل (الإمارات)، وجمعة الفيروز (الإمارات)، وبدر الفارسي (عُمان)، ومحمد أبو القاسم حاج حمد (السودان)، ويوسف الخليل (السودان)، وسوزَن سونتاغ (الولايات المتحدة)، وفايزة اليعقوبي (عُمان)، وأحمد الذوادي (سيف بن علي) [البحرين]، ونجيب محفوظ (مصر)، وليلى فخرو (هدى سالم) [البحرين]، ومَيْ غصُّوب (لبنان/ المملكة المتحدة)، ومهدي الراضي (العراق)، وعثمان سمبين (السنغال)، وسركون بولص (العراق/ الولايات المتحدة).

القدس العربي
30/09/2008