محمد ولد محمد سالم

قراءة في الحركة الشعرية البحرينية يذكر الدكتور منصور سرحان في كتابه النقد الأدبي في البحرين في القرن العشرين أن البحرين عرفت منذ عشرينات القرن الماضي حركة أدبية واسعة بسبب وجود مجموعة من الشعراء والأدباء الذين أثروا المشهد الثقافي بإنتاجهم الذي شكل بداية للأدب البحريني المعاصر، ومن أولئك الأدباء الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة وسلمان التاجر والشيخ محمد بن عيسى الخليفة وعبدالله الزايد، وصاحبت ظهور تلك المجموعة

من الأدباء نشأة الصحافة والطباعة في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، ومن الصحف التي برزت في تلك الفترة جريدة البحرين 1939 - ،1944 وصوت البحرين 1950 - 1954 والقافلة 1952 - ،1954 وسمح هذا المناخ بوجود حركة ثقافية متنوعة الإنتاج بين الأدب والتاريخ والأخبار والسير، أخذت تتسع وتتطور بشكل مستمر، حتى أضحت واحدة من أقدم وأهم التجارب الثقافية والأدبية المعاصرة في منطقة الخليج.

الشعر أبرز معالم تلك الحركة وعليه أنبت جهود الرواد الأول من الأدباء البحرينيين، وتواصلت مسيرته عبر سنوات طويلة ترسخت فيها أسسه وتشعبت تياراته، وقسم الدكتور علوي الهاشمي في كتابه “ضفتان لنهر واحد، دراسات نظرية وتصنيفية في شعر البحرين المعاصر” التيارات الشعرية في البحرين إلى أربعة تيارات: الإحيائية، والإحيائية الجديدة، والرومانسية، والحداثة، التيار الإحيائي تمثل الشعر العربي في عصوره الزاهية وسعى إلى إحياء تقاليده الفنية متأثراً بتيار الإحيائي في النهضة العربية الحديثة الذي ارتاده محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي وغيرهم، وكانت البحرين أسبق إلى ذلك التأثر من غيرها من بلدان المنطقة، نظراً لنشاط التمدن الذي شهدته مبكراً متمثلاً في نشوء المدارس والتجمعات الثقافية ومرافق الحياة العامة، فضلاً عن حركة وطنية تطالب بالاستقلال وتناهض الاستعمار، قادها الشيخ عبدالوهاب الزياني سنة 1923 وتصدرها مجموعة من الشعراء تشبعوا بثقافة شعرية تقليدية، قوامها أغراض الشعر من فخر ومدح وغزل ورثاء ونسيب وحكمة، مع جزالة اللفظ وإحكام الوزن والقافية، لكن هذه الحركة أضافت إلى معانيهم موضوعات جديدة سياسية واجتماعية إلى جانب ما أضافه إليهم الوعي بالحركة الإحيائية، ومن هؤلاء كما يذكر الهاشمي الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة الذي اتسم بالمباشرة وحرص على الصنعة البلاغية، واهتم باللفظ المفرد في كل أغراض شعره حتى الوجدانيات والإخوانيات، كما في المراثي، وتركز شعره على ثلاثة بحور أساسية هي الطويل والكامل والوافر، وكانت له مساجلات شعرية وتشطير لبعض القصائد، ومن الأمثلة لشعره في الغزل الذي تكرر فيه معاني الغزل القديمة قوله:

هل أنت ممن للعواذل يسمعُ
يا قلبُ أم أنتَ الأصمُّ الأروعُ
إن العواذل عند أرباب الهوى
كَنُفُ الرذائل بل أخسُّ وأوضع
أمِنَ الحبيب جزعتَ إذ أبدى الجفا
لا تجزعنَّ فللحبيب تمنُّع
إن يُصْغِ يوماً للوشاة بسمعه
فاصبر وصبرك للنوائب أنفع
فلعله من هجعة يتنبه
كم قد تنبَّهَ للوفا من يهجع
حُكْمُ الصبابة أنَّ شأن صريعها
في الحب يخشع للحبيب ويخضع
يا من خلعتُ عذار نسكي هائماً
في حبه وعصيت مَنْ لي يردع
هل أنت يوماً للتواصل واصلٌ
يا مهجتي فبكم لديكم أشفع
أنت الحبيب فليس قلبي طامعا
طول الحياة بغيركم يتولع
فلئن رُميتُ من الزمان ببعدكم
وغدوت في روض التنائي أرتع
فلكم عَليَّ صيانة العهد الذي
بدر الوفاء به منير يلمع
فوحقكم مذ غبت عنكم لم يزل
مني الفؤاد عليكمُ يتقطع
فالليل بالأشواق يمضي والأسى
وبياض يومي كله أتوجع
مَلَكَ الغرام حشاشتي فيكم فلا
عذْلُ العذول ولا ملامٌ ينجع

أهم ممثلي التيار الإحيائي الجديد كانوا من الأعضاء المؤسسين للنادي الأدبي سنة ،1920 لكن ما يميزهم هو انخراطهم في الموضوعات السياسية والفكرية السائدة وتعاطي شعرهم معها بوضوح كالدعوة إلى الإصلاح والنهضة والتحرر من الاستعمار ومناهضة الأفكار التغريبية، والدعوة إلى تعميم المدارس وتعليم الناس، والقبول بالانفتاح على الأفكار والعلوم الإيجابية التي تخدم تطور الأمة وغيرها من الأفكار التي كانت سائدة، ومساندة حركات التحرر وقوى المقاومة في فلسطين والجزائر وباكستان وغيرها من بلاد العرب والمسلمين، ويمثل هذا التيار الشيخ قاسم محمد الشيراوي وعبدالله بن جبر الزائد الذي يعتبره علوي الهاشمي رائد الفكر التنويري ومؤسس الصحافة في البحرين ومنطقة الخليج العربي بجلبه أول مطبعة آلية حديثة إلى البحرين سنة ،1934 كما أنشأ أول دار سينما عام ،1937 سماها “مسرح البحرين”، وهو أول من أصدر جريدة سنة ،1939 سماها “البحرين” وكان أثرها بالغاً في التأسيس لحركة إعلامية وأدبية على مستوى البحرين والخليج كله . ومن رواده أيضاً عبدالرحمن المعاودة والسيد رضي الموسوي، وقد كان لهما أثر كبير في الشعر الوطني، ويعتبر المعاودة واحداً من رواد الشعر المسرحي حيث ألف فيه أكثر من عشر مسرحيات شعرية .

الاتجاه الثالث في الشعر تمثل في التيار الرومانسي وعبر عنه إبراهيم العريض ويحدد الهاشمي ملامح هذا الاتجاه في الالتفاف حول الذات الشعرية بما في ذلك ذات الشاعر ومكونات فنه الشعري، فنجد شعراء هذا التيار يغرقون في ذواتهم متناسين أنهم على أرض كانت تغلي على صفيح ساخن غير أن هذا الأمر لم يمنع شعراء الرومانسية في البحرين من التعبير عن قضايا عربية وإنسانية أوسع وأشمل من قضايا الوطن الصغير” .

ورغم وجاهة هذا التصنيف لتلك التيارات ولو من الناحية الإجرائية فإنه في الواقع يصعب التمييز بينها، لأن ما أسماه الهاشمي بالإحيائية الجديدة لا يختلف عن القديمة فنياً، فالمعايير الفنية واحدة، ويبقى الاختلاف في فترات نمو تجربة الشاعر، وتفاعله مع الظروف من حوله والتي تفرض عليه موضوعاً معيناً، ولا يمكن القول بوجود مدرسة أو تيار ينسحب على فترة زمنية معينة على الأقل في ما بين الاتجاهات الثلاثة المذكورة، فسماتها ظلت تتجاور وتتداخل جميعها في وقت واحد وربما لدى الشاعر نفسه، حسب فترات إنتاجه ومستوى تطوره، لكن الاختلاف الحقيقي هو الذي نشأ مع ما سمي شعر الحداثة، الذي شكل منعطفاً حقيقياً في مسيرة الشعر البحريني منذ السبعينات، رغم أن شعر الإحيائية أو الشعر العمودي كما يسمى لم يختف ولم يمت، بل ظل له حضوره في الساحة البحرينية إلى اليوم، وكدليل على هذا التداخل بين الاتجاهات السابقة وكونها مظهراً لاتجاه واحد، هذه القصيدة للشاعر إبراهيم العريض الذي اعتبر من رواد الرومانسية ويتداخل فيها القديم بالجديد:

سَقَتِ الغادياتُ أرضاً رعتْني
طاب للظبي في رُباها المقامُ
ورعى اللهُ تربةً أنشأتْني
وعهودُ الصِّبا بها أحلام
خلعتْ حسنَها عليها الليالي
وازدهتْ في ظلالها الأيام
وعليها تناثرتْ دُرَرُ القَطْ
رِ انتشاراً وانحلّ ذاك النِّظام
إن غصناً أطلَّ في القلب غَنّى
فوقه بلبلٌ وناح حَمام
كلّما اهتزّ جانبُ القلبِ للذِّكْ
رى، فللوجدِ فوقه أنغام
ساقني موطني على البعد شوقَ الطْ
طَيْرِ للظلّ قد براه الأُوام
والمهى للمروج والأرضِ للغَيْ
ثِ إذا أمحلتْ وماج القَتام
جئتُها والخشوعُ ملءُ ضلوعي
بعد أن عُلّلتْ بها أعوام
فرأتْ من خلال دمعيَ عيني
أثراً للذين في الربع ناموا

اتجاه الحداثة الشعرية وهو التيار الذي تبنى منذ الستينات أطروحات حركة الحداثة الشعرية العربية التي تزعمها السياب والبياتي ونازك وأدونيس وحاوي ومحمود درويش وعبدالصبور وعبدالمعطي حجازي، وكان على اتصال مباشر مع بعض أقطاب تلك الحركة، جاءت بدايته مع علي عبدالله خليفة في ديوانه “أنين الصواري” تلاها ديوان “البشارة” لقاسم حداد .

وشكلت تجربة الشاعر قاسم حداد المستمرة منذ الستينات إنشاء وتنظيراً الأساس الذي انطلق منه كل شعراء الحداثة الشعرية في البحرين بل وفي الخليج كله، لما لها من اتساع وطول نفس، وما صاحبها من ثورية جذرية ضد الأشكال الشعرية الخليلية، ورغم أن حداد كتب التفعيلة وقصيدة النثر إلا أن كثافة إنتاجه في قصيدة النثر جعله شاعرها الأول على مستوى الخليج والقدوة التي تتبع، وعزز ذلك تنظيراته في مقالاته وكتبه لاتجاهه، وتميز شعره بالاهتمام بقضايا الإنسان في مواجهة الواقع، وقضايا الإبداع في مواجهة المكرّس والثابت . وباعتماد الحدس والحلم وعوالم الباطن في تشكيل التجربة الشعرية، والبحث عن تشكيلات سردية وبصرية ومشهدية كبديل للإيقاع الشعري . يقول حداد في قصيدة “وجوه”:

غابة أم بشر
هذي الوجوه التي تأرجح أحداقها في زجاج الفضاء
بهجة أم كدر .
ليست نزهة،
من يعرف،
لكأن ما أراه من بياض هو الكفن المنتخب،
من يعرف،
هل أنا في الحرف الأول،
في الكلمة الأخيرة .
أرشح أكثر الأعضاء خفاء لكنيسة الجسد .
كيف أقول . .
عن ارتعاشة جسد في التجربة
يضطرب مثل طفل خالجته الصاعقة .

على هذا المنوال انطلق تيار الحداثة متصاعداً قاطعاً الصلة كلياً مع ماضي الشعر العربي باحثاً عن آفاق جديدة للقول الشعري وانفتحت أمامه كل السبل لصنع كتابة مغايرة تفيض بالرمز بكل أشكاله، وبالحكاية والمشهد السينمائي والصورة البصرية وتبحث من دون كلل عن جديد لا تكاد تصله حتى تتخطاه في لهاث لا ينتهي، جديد لن يتحقق حتى يصير قديماً من خلال صيرورة بناء وهدم كلمة السر فيها الحرية المطلقة التي لا تعرف حدوداً ولا تتوقف عند شكل، وتعتبر كل قالب هو تهديد بقيد يجب تحطيمه، وقد مثلت هذا التيار مجموعة أولى من الشعراء منها يعقوب المحرقي، وعبدالحميد القائد، وعلي الشرقاوي، ويوسف حسن، وإبراهيم بوهندي، ثم تلتها مجموعات أخرى منها سعيد العويناتي، وأحمد مدن، وحمدة خميس، وفوزية السندي، وحسين السماهيجي، وجعفر حسن، وإيمان أسيري وغيرهم، ومن أمثلة أشعار هذا الجيل هذه المقاطع من قصيدة “مشمولاً بالوحدة” لأحمد مدن:

فقط
أشعلَ ماءه
ورمى حافة الورقة
جلس قريباً من الذاكرة
ومضى بعيداً
يهزّ شبّاك ليلته
تسّاقط الفضاءات
والنوافذ تصبو إليه
كأعناق القرى
كمن يخيط الرأس
متحفاً للعبور،
والنظرة الطائرة
يشفّ الكلام،
ويرشف الحزن
ويستقي جلسة المطر
ها هو يعلق النقطة في الخاتمة .

***

غفلة
أول الروح
شمس تتفقد الحديقة
شجر ترسمه الرياح
وظلٌ ينوء بوصفه
نبتكر الحلم والزهر وماء الضحى
ونرشّ بعض القصائد
ندهن الروح بنبتة القول
ونلغو
نلوي عنق الأخضر،
والبسرة اليابسة
نتداول هذه الغفلة
والوقت ملقى كالسرائر
في جبين النهار
فنفّرك آخر الضوء،
وأول العناق .

الخليج
05/03/2011