محمد إسماعيل زاهر

توماس مانالكتابة وفق الروائي الألماني توماس مان عملية “اسوأ من محاولة تربيع الدائرة، إنها تربيع كرة”، وصفها ب”الجديدة”، ربما يحيل الذهن إلى رغبة في إجراء قطيعة معرفية مع التراث أو الكتابات السابقة، ونحن لا نسعى إلى ذلك، فالمتنبي وأبو تمام وأبو العلاء المعري والجاحظ ونزار قباني وأمل دنقل وغيرهم ربما هم أكثر معاصرة واستشراقاً لراهننا، وربما مستقبلنا أيضاً من عشرات ممن نقرأ لهم الآن في الساحة الثقافية العربية .

الكتابة ابنة المجتمع وصورته، أحياناً تتخلف عن مسيرته، وفي أحيان أخرى تسبقه مستشرفة لخطواته وكاشفة لأخطائه، ناقدة، محاسبة، وفي أحيان ثالثة تأتي مستنسخة لكل ما يحدث على أرض الواقع، وفي الحالة الأولى تعيش الكتابة آلام التراجع التاريخي وفقدان المركز والدور، وفي الثانية تفرز الكتابة تياراتها وقضاياها وفضاءاتها المغايرة الدافعة إلى الأمام، وفي الثالثة الكتابة تعبير عن خلاص فردي للمبدع المهموم وانتهازية لمدعي الإبداع .

لكل جيل إبداعه/ كتابته، أسلوبه في التعبير، إن الملاحظة التي يمكن الخروج بها من هذه المقولة المعروفة/ المكررة، أننا لا نعلم شيئاً عن الأجيال الجديدة في التسعينيات من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الجديد، فمعظم من يمارس الإبداع نشراً ووجوداً في الساحة ينتمي إلى الأجيال السابقة، لقد صادرنا الجيل الجديد في أحكام مقولبة بدءاً من وصفه بأنه “جيل بلا رأس”، عنوان لكتاب يتحدث عن سطحية الأجيال الشابة، لا هم له إلا الولع بتقنيات العصر وملاحقة متغيراته التكنولوجية المتسارعة، وليس انتهاء بالسخرية التي نستشعرها من قراءة التحليلات الراصدة للأدب الإلكتروني، وهي سخرية تمتد إلى قصيدة النثر والكتابة النسوية بمعنى أن الجيل الجديد ربما يكون مغيباً تماماً عن المتابعة والتناول النقدي الجاد .

الكتابة المختلفة ليست إفرازاً لجيل جديد وحسب، ولكنها نتاج رؤية وموقف ينبعان من حدث مجتمعي، هكذا يخبرنا تاريخ الثقافة سواء في الغرب أو في أقطارنا العربية، إن تتبع نشأة المدارس الأدبية ودخول الرواية والقصة والمسرح وحتى الصحافة في ثقافتنا يؤكد ذلك، وفي عصر تغيم فيه الرؤية والموقف، يصبح الحديث عن كتابة جديدة محل سؤال إشكالي .

الجزئية السابقة تدفعنا إلى سؤال آخر، هل الكتابة الجديدة متأثرة بالمحلية بالدرجة الأولى، أم منخرطة في ما يدور في العالم؟ وهل الانخراط في العالم يقتصر على الترجمة والقراءة أم الدعم والمساندة؟ وما حدود العالم الآن بالضبط؟ وكيف نفسر مفارقة تقارير أخرى، تؤكد أن نصف البشر لم يتحدثوا في الهاتف ولو لمرة واحدة في حياتهم، بينما ينفق 20% منهم معظم أوقاتهم في المجال السايبري الافتراضي؟ وما موقف الكتابة الجديدة من قضايا المناخ وبراءات الاختراع؟

مدارات أية كتابة جديدة ينبغي لها أن تكون قلقة، ناقدة، متمردة، تطرح الأسئلة وتؤجل الإجابة، باحثة تبصر ما هو آتٍ، تنحت أسلوبها الخاص، وفي دأب وجلد تصر على قضاياها الفعلية أو تلفت أنظار المجتمع إلى قضايا هو في غفلة عنها أو يتحاشى الخوض فيها، تمتلك لغة مميزة ويرافقها نقد متخلص من عبء الرصد السطحي، أو التأويل المبدع لنص آخر ربما يفوق في جمالياته النص الأصلي .

على كتابة جديدة أن تخرج من كل ما هو مطروح بخصوص قضايا اللغة العربية، عليها أن تفسر لنا لماذا نلاحظ أن نخبة من أبرز مفكري العالم الآن جاؤوا من دراسات حقل اللغة والأدب وبدرجة ثانية الإعلام؟ تودوروف تشومسكي ، باختين، بورديو، دو سوسير، هابرماس، بودريار، ليوتار، والقائمة تطول، في حين مازلنا نعاني خوفاً مفرطاً على قواعد اللغة وتعرضها لهجوم اللغات الأخرى، لقد قرأنا تشومسكي السياسي، ولكننا لا نعرف شيئاً عن إسهاماته في علم اللغة، لقد ترجم القدماء المنطق اليوناني بسياقاته الثقافية، وانتقدوه، برغم وجود وجهات نظر أبصرته آنذاك كلغة بإمكانها التأثير بالسلب في اللغة العربية، الترجمة المعاصرة نقلت دو سوسير كمعادلات رياضية، نفرت جمهور المثقفين من متابعة الفكر الفلسفي في الغرب خلال العقود الأربعة الماضية على الأقل، وجذبت الساحة الثقافية إلى نقاشات مسطحة حول اللغة .

على كتابة جديدة أيضاً أن تسائل المنجز النقدي العربي، إن أية مطالعة “متعثرة” لترجمة كتاب صادر حديثاً في النقد تكشف لنا تجاوزه لكل ما هو مطروح في ساحتنا الثقافية، أصبح للأدب فلسفته وسياساته الخاصة، وقراءته الشديدة الخصوصية والجمالية في آن واحد، هنا بإمكاننا استعادة رأي تولستوي الذي كان يعتقد بوجود حقائق أدبية تفوق في موضوعيتها نظيرتها العلمية، ومقولة منسوبة إلى مارتن هيدجر “علينا ممارسة الفلسفة في شكل قصائد” .

هل بإمكان كتابة جديدة تجاوز مفارقة عصرنا الأساسية؟ كيف يمكن فهم أننا نعيش زمن ثورة الاتصالات، بينما الإبداع يطفح بالذاتية والمركزية؟ وتفسير ذلك التراجع المعرفي الملحوظ في ظل هذا الكم اللانهائي من المعلومات الذي توفره التكنولوجيا الحديثة، الكتابة خصوصاً عندما نلحق بها صفة الجديدة، ليست إبداعاً جيداً وحسب على مستوى اللغة والأفكار، إنها ضمير عصر، وخلاصة رؤى اجتماعية، وموقف من العالم ومساءلة بديهية ربما تحتاج إلى فطرة طفل، وقلق مفكر مهموم وروح شاعر مغامر .

الخليج
1/1/2011