(أعماله في معرضٍ باريسي شامل)

انطوان جوكي

انطوان جوكيماذا لو أن عبقرية بيكاسو لم تتوقف عند حدود الفنون التشكيلية بل طاولت الكتابة الشعرية؟ هذا ما يتجلى بقوة في المعرض الضخم الذي افتُتح حالياً في «متحف البريد» في باريس والذي يسمح لنا بالاطلاع على أهم القصائد التي كتبها هذا العملاق انطلاقاً من عام 1935، من خلال عرض جزءٍ كبيرٍ من الأوراق والدفاتر والملصقات التي خلّفها وراءه والتي تشهد على نشاطٍ شعري غزير وعلى تقنياتٍ كتابية مذهلة في حداثتها.
وفعلاً، يتبيّن لنا من محتويات هذا المعرض المثير أن بيكاسو افتُتن منذ صباه بالكلمات واستخدمها كمادّةٍ ملموسة، أي كأشياء وألوان وليس كمجرّد ركائز مسيِّرة لمعانٍ محدَّدة، فاستكشف طاقاتها السمعية والبصرية بحريةٍ كبيرة، وتمكّن من استخلاص أحاسيس مختلفة من المفردات اللغوية نفسها عبر تنويع طُرُق كتابتها أو العبور بها من لغةٍ إلى أخرى. وبذلك يبدو بيكاسو الشاعر معادلاً في حسّه الخلاق لبيكاسو الفنان.

صحيحٌ أنه بدأ نشاطه الكتابي متأخّراً، لكن صلاته بالكتابة ليست جديدة. فمنذ الثانية عشرة كان بدأ تجارب في هذا الميدان عبر تحقيقه صحفاً بخط يده كان يزيّنها برسومٍ يطغى عليها الطابع الهزلي ويرسلها إلى والديه كرسائل عبر البريد. في عامه العشرين، أصدر مجلة Arte Joven التي تميّزت بافتتاحياتٍ ذات طابع نضالي وبمواضيعها الأدبية والفنية معاً، ثم استقر في باريس، في العام ذاته، وانغمس خلال سنواتٍ في مناخٍ أدبي ثائر وارتبط بصداقاتٍ عميقة مع الشعراء مثل أبولينر وبروتون وكوكتو واليوار وماكس جاكوب وميشال ليريس وبنجمان بيري ورينه شار، وزيّن برسومه عدداً كبيراً من نصوصهم، فاختبر بذلك أفضل مدرسة شعرية في زمنه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بيكاسو كان أقرب إلى الشعراء منه إلى الفنانين، وغالباً ما كان يتحدّث عن فنّه بمفردات تعود إلى ميدان الشعر. ومنذ عام 1912، اختبر بنفسه ذلك الرابط بين المقروء والمرسوم عبر ملصقاته التكعيبية. وما انطلاقه في الكتابة عام 1935 سوى عودة في شكلٍ آخر الى تلك الأبحاث وتجديدٍ لمشاغله أثناء تلك الحقبة التكعيبية. وليس صدفةً أن يبدأ نشاطه الكتابي في العام الذي عُرضت فيه هذه الملصقات.

باختصار، لم تكن الكتابة بالنسبة إلى بيكاسو نشاطاً هامشياً بل امتداداً لهواجسه الفنية عبر وسيطٍ آخر. فبين عامَي 1935 و،1959، كتب بموازاة عمله التشكيلي نحو 350 قصيدة وثلاثة نصوص مسرحية. أول نص معروف له هو قصيدة باللغة الإسبانية تقع في ست وعشرين صفحة. وما عدا الفترة الممتدة بين عامَي 1940 و1947، تميّز هذا النشاط بغزارته. ونلاحظ في نصوصه الشعرية ندرة العناوين مقابل تأريخ دقيق لها يتضمّن لحظة كتابتها. ويتبيّن من ذلك أن الفنان كان يكتب في ساعاتٍ متقدمة من الليل لتجنّب أي إزعاج أو اتّصال من معارفه، ونلاحظ ايضاً استخدامه للغتين الفرنسية والإسبانية من دون أي تفضيل للغته الأم. ففي مقابل 200 قصيدة ومسرحيتين باللغة الفرنسية، نجد 150 قصيدة ومسرحية باللغة الإسبانية. وحتى عام 1941، استخدم الفنان اللغة الإسبانية، بينما طغت الفرنسية على المرحلة اللاحقة. لكن المثير هو أنه لم يتردد أحياناً في استخدام اللغتين داخل نصٍّ واحد.
وحين كان بيكاسو يشعر بحاجةٍ طارئة الى الكتابة، كان يستخدم أي ركيزة تقع تحت يده: ورقة ممزقة، مغلّف، دفتر، هامش كتاب، قصاصة جريدة، وحتى ورق الحمّام. وللكتابة، لجأ إلى الأدوات التي كان يستخدمها للرسم، أي الحبر الصيني، قلم الرصاص، قلم الحبر العادي أو أقلام التلوين. ونلاحظ اختلاف خطّه وفقاً لطبيعة الورقة أو القلم المستخدم. ولم تكن الكتابة بالنسبة إليه مجرّد عملية تدوينٍ لأفكاره بل متعة بذاتها، وهذا ما يشرح نقله مرّات عدّة قصائد يتغيّر مضمونها وطريقة ترتيبها مع كل نسخة.

وفي القصائد، كان بيكاسو يستسلم لمتعة استخدام الكلمات والأرقام ونوتات الموسيقى. وكما في أسلوبه الفني، كان يتمتع بحريةٍ كبيرة في كتابته، رابطاً الكلمات بطُرُقٍ مختلفة لخلق شعرٍ جد شخصي. وتتراوح قصائده بين أسلوبٍ عادي سهل القراءة وأسلوبٍ معقّد دائم التجديد، لا يحترم قواعد النحو، إذ نجد أنفسنا أحياناً أمام تكديس جُملٍ ومعانٍ غير مكتملة، تماماً كما في ملصقاته التكعيبية، وفقاً لقواعد نحوية خاصة به. وفي الواقع، تتعاشق كلماته وتنتشر في كل الجهات وكأنها تحت سطوة هذيانٍ يجعلها تخرج من سياقها ومعانيها المعتادة. وفي شكلٍ ثابت، كان بيكاسو يغيّر توازن قصائده إلى حد يصلح في هذه الأخيرة ما قاله يوماً في لوحاته: «أضع في لوحاتي ما أشاء، وعلى الأشياء أن تتدبّر أمرها في ما بينها». وفعلاً، لم يرغب الفنان في تشييد عملية سردٍ أو في وصف أحاسيس بقدر ما كان يعمل على الإيحاء بذلك عبر أصوات الكلمات. فهو لم يستخدم هذه الأخيرة كوســيلة تــعبير بل كحضورٍ يشرح ذاته بذاته، تماماً كما يضع أحياناً الألوان على سطح لوحته من دون أي نيّة ســردية.

والملاحظ بقوة في قصائد بيكاسو هو التكرار الذي استخدمه كمبدأ ثابت يمنح جملته إيقاعها، كما في توليفة موسيقية، ويقوم على التلاعب بالمقروء وبنية المرئي، وهو وسيلة لتفضيل الدال ولكن ليس على حساب المدلول الذي يخرج معزّزاً. وأحياناً، يلعب التكرار دور الإيقاع التعزيمي، كما في نشيدٍ أو رقصةٍ، رقصة المفردات وليس الأشياء التي توحي الكلمات بها، كتكرار كلمةٍ واحدة مرّاتٍ عدّة. وكتب بيكاسو قصائد نثر طويلة دفعةً واحدة وتبدو كفيضٍ متواصل بلا فواصل أو نقاط وبلا هاجسٍ بصري خاص، كما لو أنه أراد بذلك الحفاظ على نضارة الحركة الأولية. وكتب ايضاً قصائد عمودية يمنح تقطيعها إلى أبياتٍ أحاسيس سمعية مختلفة. ولكن في كل هذه القصائد وفي هاجس إعادة كتابتها مضيفاً إليها تغييراتٍ طفيفة، نستشفّ رغبة الفنان في عدم إنجازها وفي إبقائها معلّقة داخل عملية إبداع حيوية ومفتوحة باستمرار على كل الاحتمالات، تماماً كأي مادّة أو جسمٍ حيّ.

وغالباً ما تمت المقارنة بين كتابة بيكاسو الشعرية والكتابة الآلية. لكن الفنان صرّح يوماً: «لا أعتقد كثيراً بالتعبير العفوي للاوعي، ومن الغباء أن نظن بإمكان إثارته كلّما رغبنا في ذلك». وبلا شك، ثمّة نقاط تشابه كثيرة بين عديد قصائده والنصوص السرّيالية، كتداعي الأفكار والحرّية في استخدام اللغة والتلاعب في الكلمات. لكن هذه المميزات لا تحدِّد وحــدها أسلوبه، كما يمنح كل الفرادة لقصائده التي تركز في معظمها على مفهومه الخاص والمــعقّد للفضاء والزمن والجسد.

الحياة
10/12/2008