عبدالكريم كاصد
(العراق/لندن)

-1-

عبدالكريم كاصدمقهىً عند الجسر
تؤمّهُ القوارب فجراً
تنتظر
تنتظر
ثمّ ترحل فارغة
دون مجاذيف
أين تٌرى ترحلُ القوارب؟

-2-

المقهى الذي جرفهُ النهر يوماً
بزبائنهِ
وكراسيّهِ
وطاولاتهِ
ها هو الآن يهبط عند الجرف
شجرة تنبتُ في جبهتهِ،
كالقِرن
شجرة في العراء

-3-

في طفولتي
ثمة مقهىً لا أتذكّر منه أبداً
غير جلد ثعلب أبيض
يلتصق بالحائط
عند الباب
بوجهه الصغير
وعينيه المغمضتين
وغير أشباحٍ تكاد أن تعثر بالهواء
...............................
لعلّهُ مقهىً أبصرتهُ في الحلم!

-4-

مقهىً
تقابله دكة
ونهر
عند الدكة ثمة منْ يجلسُ يرتشف الشاي
ويحدّق في مرآة المقهى
حيث تمرّ الحوريات
(في الشارع أم في النهر؟)

المقهى ماعاد هناك

-5-

المقهى لم يعد في مكانه
الشارع لم يعد في مكانه
الناس لم يعودوا في أماكنهم
حتى الموتى غادروا إلى قبورٍ أخرى
عمّ تُرى تبحثُ
أيّها العائد؟

-6-

لا أدري ما الذي يسرّ في هذا المشهد
ثلاثة مشنوقين تتدلّى أرجلهم في الهواء
وشجرة وحيدة
وناسٌ يحتشدون
وقد يفضّل الجلوس بعضُهم هناك
في المقهى الذي يقابل الشجرة
محدّقاً
في الأرجل التي تتدلى في الهواء
الأرجل التي ستهبط بعد قليل
لتغادر المكان إلى الأبد

-7-

مقهىً يقطعه الشارع نصفين
التخوت على جانبيه
تمتدّ
ولا تنتهي أبداً
- "أين تنتهي التخوت؟"
قال الطفل
وقد اصابه الدوار

-8-

مقهىً بعيد
أستعيده شجرة
سقفها ورقٌ وغصون
وكراسيّها خشبٌ
والذين يؤمونها
يُؤثرون الجلوس خفيفينَ
فوق الغصون

-9-

المقاعد لا تثغو أبداً
فهي صامتة
تحدّق في النهر طوال النهار
كأنها تنتظر أحداً
لكنّها فجأة في المساء
تهبط النهر
مقعداً..
مقعداً
مالئة الجوّ بالثغاء

-10-

السفينة الراسية عند النهر
المحاذي للسوق
لم تعد سفينة
منذ أن فاجأها الصيف بالبياض
وصُفّت عليها المقاعد
وجاء إليها الذين يمرّون
دون أن ينتظروا صفيرَها ثانية

-11-

هنا المقاهي بعدد الأرصفة
أنا وظلّي
كثيراً ما نقتسم طاولة واحدة
دون أن نملّ الانتظار
(انتظار منْ؟)
أحياناً يغادرني ظلّي
فلا أكترث
(أين يغادرني ظلي؟!)

-12-

ذلك المقهى الموشك على الطيران
كمركبة فضائية
لم أرهُ حين عدتُ إليه
ولم أرَ روّادهُ .. أصدقائي
أين هم الآن؟
في أيّ كوكب تُرى؟

-13-

مقهىً أعرج
يقف على حافة نهرٍ بساق واحدةٍ
ولا يغادرها أبداً
حتى تقترب تلك الشجرة
سابحة في الليل
لتصير له ساقاً ثانية

-14-

الشمس
غارقة،
تستغيث بالقوارب
والنهر
ما أشدّ وحشته!
وقد ضاع
ثمة ضوء
ينطفئ الآن
لعلّه مقهى!

-15-

مقهىً
تلتقي عنده الطرق
وتفترق
في الليل
تؤمّهُ الذئاب
وفي النهار
النهار الطويل
- يا للهول -
تختلط الأشباح فيه بالبشر

-16-

الحافلات مضت
سائقوها مضوا
الطاولات فرغت
والكراسيّ أيضاً
السماء فرغت
لا أحد هناك
صحراء...
لماذا المقهى إذن؟

-17-

مقهىً ناءٍ
يسوّره الماء
وتحرسه الفزّاعة
(ممّن؟)
وقد دخل العصفور الآن
وحطّ على كتف الفزّاعة
مقهىً ناءٍ
لا يحرسه أحدٌ

-18-

في يومٍ ما
في مقهىً
لم أعرفْ أنه مقهى أشباح
أمضيت نهاري
لم يزحمني أحدٌ
أو يوقظني أحدٌ
(حين غفوتُ قليلاً)
أو.....
كانوا يأتون ويمضون
ويخشون..
الهمسَ
تراهم يخشون الحيطان؟
تراهم يخشون..
تراني شبحاً أيضاً؟

-19-

أراد محمد خضير مرّة أن يهبط النهر لينادي على حوريةٍ كي يُجلسها في مقهى الدكة إلاّ أنّ صديقاً منّا ضحك كثيراً وكان الأوّل من غادر معها
.............
لم نرَه بعد

-20-

القفص
ذاهباًُ، آيباً
تؤرجحه ببغاء
لن تهدأ
حتى لو غادر كلّ الناس
وشبّ حريقٌ في المقهى؟

-21-

مقهىً
ما دخلتهُ يوماً
إلاّ وكانت نراجيله وحدها
تئزّ
(أين روّادهُ؟)
قال لي عبدالأمير الحصيري فيما بعد
إنه مقهاه

-22-

أوه..
يا لذاك المقهى
كم يبدو بعيداً..!
كيف ترى أجتازُ إليهِ صحارى سنواتي
لألامسَ سدرته الواقفة أبداً
عند الباب

-23-

كم يضيق صالح الشايجي بالمقاهي ..!
حاملاً قطاره السريع في جيبهِ
ليقلّنا جميعاً
إلى أوّل بارٍ في الشارع

-24-

ثمّة مقاهٍ تنبتُ كالفطر أيام الحرب
مرّة
كانت الحرب تقترب
ومقهانا يتسع ويتسع
مكشوفين للطائرات
طائرات..
طائرات..
ونحن ننمو كالفطر
ونحدّق..

-25-

في محطةٍ نائيةٍ
ثمة كرسيّ
وقدح شاي
ولا قطار هناك
أو مسافرين
المقهى وحدهُ!

-26-

يا لهدوء قلبي
بعد العاصفة!
أية عاصفة؟
فنجان القهوة
يلمع في الشمس
والكرسيّ
في الفراغ