أحمد العمراوي
(المغرب)

أحمد العمراويما جدوى الشعر؟ هل يحق لنا طرح هذا السؤال ؟ وإذا حق لنا ذلك فكيف سنتلمس أو نفترض جوابا محددا ولو بشكل نسبي عن السؤال ؟
سيكون الجواب في حالتنا هو جواب شاعر عن شاعر . شاعر ينوب عن الآخرين . هذا توريط قد يكون ضروريا كضرورة الشعر نفسه. من سيجيب إذن إذا لم يجب الشاعر نفسه عن السؤال؟ الناقد. قد يكون الناقد. وناقد الشعر هو شاعر يشعر بترجمة أشواق الآخرين وينقلها بطريقته الخاصة التي لن تخلو من شعر أو فلنقل من شعرية . توريط الناقد أيضا سيقود سلفا إلى جواب ظاهري مفاده الجدوى التامة للشعر دائما وأبدا، ولكن ليس أي شعر الشعر المنسجم مع مقروء الناقد، والمرتبط بقوانين قد تكون صارمة وضعها تنظيرا لذلك، وإلا فلا شعر ومن ثم لا جدوى. والشعر رغم ذلك باق في البدء وفي الختم. على هاوية الأشياء وفي الدوائر وحتى في حالات الاستقامة النادرة.

هناك مخرج قد يقودنا للتوسع قليلا في البحث عن جواب للسؤال وهو كلمة اليوم. ما جدوى الشعر اليوم؟ الشعر اليوم . اليوم . الآن. راهنا. حاليا. في هذا الزمن الذي نعيشه. في هذه اللحظة من يوم السبت 29 مارس من سنة 2008 . على الساعة 10 صباحا. بهذا المكان . نحن نحتفل بأيام الشعر العظيمة هنا في المحمدية المدينة التي انطلقت منها الدعوة لتخصيص يوم عالمي للشعر . للمكان بعد رمزي . المحمدية وبيت الشعر والانطلاق والاحتفال ولكن أيضا السؤال عن الجدوى وجدوى الشعر اليوم . بمعنى حاضرنا محليا وعالميا . حاضر تلاطم الصور . السرعة. القلق. الاكتئاب الثقافي. الانحباس ومزاحمة الصور الخارجية للصور الباطنية. مزاحمة المرئي للمستور. ما جدوى الكتابة كلها في سرعة متسارعة لا مجال فيها للتراجع ولا حتى للتأمل.
ما الذي يمكن للشاعر أن يقوم به الآن ؟ نحن لا نتحسر على زمان كان . لا نتحسر على زمان الوصل بالأندلس . ولا نتحسر على ديار دمرها الدهر فتحولت أطلالا خصيصا ليقف عليها الشاعر. ولا نتأسف متسائلين عن شعراء غادروا مما جعل الفرس أو الناقة تتيه بلا منقذ. لا نتحسر عن قيمة مادية ومعنوية كانت للشاعر العربي خاصة . من الأخطل إلى البحتري وأبي تمام. لسان القبيلة ولسان الدولة. نحن نتساءل عن الجدوى اليوم الآن وكفى . فهل يفيد الشعر اليوم في شيء؟

سيصعب أن نجيب بالنفي، أي أن نقول : لا جدوى من الشعر اليوم. ولكن سيصعب الاتجاه نحو الإيجاب خاصة إذا احتفظنا في السؤال بلفظ اليوم. هل نحن في مأزق؟ نحن نشكك في الشعر نفسه إذا تساءلنا عن جدواه، ولفظ اليوم قد يغير وقد لا يغير شيئا في حالة التشكيك هذه . فهل هو زمن اللاشعر؟ هل هو زمن موت الشعر؟ ولكن موت الشعر هو موت الشاعر فهل مات الشاعر؟
لسيجموند فرويد _ وهو أب التحليل النفسي _ قولة رائعة مفادها : إن آخر من سيموت من على وجه الأرض هو الشاعر. الشاعر هو آخر المنقرضين من البشر على الأقل حسب التحليل النفسي وهو تحليل للنفس البشرية وهنا نتساءل: إذا كان الشعر ومعه الشاعر قد مات في زمن نفترض فيه اللاجدوى منهما ( الشعر والشاعر ) فهل معنى ذلك أن لا شيء تبقى؟ كل الكائنات البشرية الموجودة أمامنا إذن هي مجرد وهم كائنات. وهم بشر . وهم أرواح . ورغم أن للوهم الصوفي قيمته فإنه لا قيمة له مع سؤال اليومي.

لنبحث عن الجواب بشكل أكثر وضوحا عن سؤال المأزق الذي وضعني فيه الصديق الشاعر صلاح بوسرسف ، ولأقل بإصرار وتأكيد وسبق : الشعر هو جدوى اليوم، وكل يوم غاب عنه الشعر احترق برماده وانقلب إلى لايوم. اليوم أبيض لماع ساطع بالشعر (يوم الشعر) . الهواء شعر. الماء شعر . والحياة. الشعر والحياة مترابطان إذا انفصل أحدهما عن الآخر حدثث الكارثة . حدث الخواء الداخل الذي يحول الوردة سكينا، والورقة مدفعا . والجسد قنبلة موقوتة عمياء قادرة على العصف المبين دون تمييز بين شجرة زيتون مباركة وكرسي إسمنتي يخطط للقتل باسم العولمة وحقوق البشر غير المتساوين في الجغرافيا لا في البدايات .
وإذا كان ما سيتبقى أو ما سيبقى يتمه الشعراء حسب قولة هولدرلين الخالدة فإن هناك اليوم الكثير مما على الشعر أن يرممه . عليه أن يدخل في صلب اليوم واليومي لتحقيق الجدوى. عليه أن يحمل الموقف لينوب عمن لا موقف له. عليه أن يسير على أرض الناس عوض التشبث بأهداب البلاغة وجلابيبها القديمة. هو السباق دائما لمناطق الاحتراق فليشعل الضوء عوض الفتنة. هو فاك الظلمة بالبوح لأنه البواح الكبير فليبح ولو نيابة عن الآخرين.

نحن الآن نتحدث عن الشعر وعن جدواه اليوم كحالة جمع ، وشاعر مسكين جالس أمامكم يتلمس طريق الجواب . يستنجد بالتراث . يستنجد بالقيم . ويصطدم بالعصر. لنتخيل أن سؤالا من هذا القبيل كان قد طرح فيما قبل ، في الماضي . ماض لا يخالف الحداثة بالضرورة ( نحن في بحر من المفاهيم غارقون) يوم أوفيد أو المعري, يوم أبي تمام أو المتنبي ، بوشكين ، بابلو نيرودا... يوم وزمن بلاط الأمراء وأيضا زمن الفيافي الداخلية والخارجية . لو طرح السؤال آنذاك ( وأعتقد أنه يطرح دائما ) لأثار بعض الضجة ، كيف يمكن التشكيك ولو بطريقة مضمرة في قيمة الشعر والشاعر يقام له ويقعد، يقيم الدنيا ويقعدها.

واليوم، نحن نتحدث عن الشعر الذي لم يكن أبدا جمعا للقصيدة ولا كانت القصيدة جمعا له حسب الشاعر والناقد صلاح بوسريف. حالة جمعية الآن أكثر من أي وقت مضى وثلاثة شعراء يتساءلون ويترافعون ضد اليوم وانتصارا للشعر. ماذا نتوقع منهم سوى العض على الورقة وأخذ القلم والضرب على الطاولة بالأيدي والأرجل والصراخ في وجه الغمة : انفرجي بالشعر في يوم الشعر . لا بد من الشعر لأن في كل منا يرقد شاعر وما علينا سوى إيقاظه.
" في كل منا يرقد شاعر وما علينا سوى إيقاظه " لا أذكر صاحب هذه القولة الجميلة وتمنيت لو كنت صاحبها فلنوقظ الشاعر بداخلنا . للبحث عن جدوى الشعر اليوم.