عبدالله ثابت
(السعودية)

عبدالله ثابتقلت لكِ...

* ذو اللحية البيضاء الخفيفة،
الذي لم يغسل وجهه من ثلاثين عاماً،

* ذاك الفلاح الذي جرح القصب ذراعه،
الذي لسعه الدبور في إصبعه الوسطى!

* الطالب الذي ضربه المدير عشرين مرة،
لأنه يهرب من المدرسة!

* الجالس على بعد شبرين من المصارعة الحرة
ويلكم شاشة القناة الأولى!

* آخر الإخوة الصغار،
الذي لم يركض معهم، فحمّلوه غسيل الفناجين وانتظار الأذان!

* النائم في المستودع،
حيث النافذة المخلوعة تساحق الشجرة،
حيث البرد والوضوء وسورة الرحمن!

* الطفل الركيك الضائع بين طلعتين،
الطفل الذي نسي وأخذ الطلعة الأولى،
لكنه لم يجد أهله هناك
وجد فتاةً تكبره بعشرين سنة،
كان لها صوت القدر، ولم يكن لها وجه ولا يدان،
وعلّمته أن لا يصعد أول طلعة كل حياته!

* ذاك الريفي الذي يصيح فوق البئر والشياه، ليثأر من ذئب الوحدة!

* الصبي الذي رقصت القرية في ختانه،
والجارات جئن له بالوعود والهيل والعسل!

ذاك...

* ذو الجسد النحيل والكتف المكسورة

* الزعلان على أمّه من ثلاث سنين، لأنها وافقت على الكفن!

* المخمور في أقاصي الشتاء
الذي تربّع وسط الشارع، ومرّت الأبواق من حواليه ولم يتحرك!

* الواقف في يسار الصورة
وأحدهم - في الصورة نفسها - ينظر إليه باستغراب،
الواقف في يسار الصورة،
ممسكاً بشيء ما، وذكرياته كلها تقفز من رأسه نحو الرصيف!

* المعتمر،
الذي يمشي ويمشي ويمشي فوق سطح الحرم باكياً من خشية الله!

* الحاج الذي ابتهل لله في عرفة؛
قال "يا رب... وزّعني كالرياح على عبادك"!

* الساكت في الركن منذ عام النصر،
وصدره مزروعٌ بالشيب والكلمات!

* الرجل المحتبي على الصخرة في رأس الوادي،
الذي يشبه العناد،
ولم يسمع بالأبراج ولا بالله!
:
:
ذاك الـ... أنا!

ويا كم قلت لكِ
قلت لكِ إني كل هذا الركام المريع،
إني ذاك الزحام الأبكم!
قلت لكِ إنكِ لا تعرفين هذا الفيلق الناقم،
أني غابةٌ من العاهات الحميمة،
أني صيحة بائسة!
قلت لكِ،
لكنك لم تسمعي...

*لم تسمعي!

النهار
27 يونيو 2010