في الثناء على (عش مهاجر)

علي عبد الامير عجام
(العراق/أمريكا)

مؤيد الراوي

كما في مفارقة "احتمالات الوضوح" ديوانه اللافت والمؤثر، حيث "احتمالات" اشارة الى التردد واجتماع النقائض، و"وضوح" في اشارتها الى العلني والمؤكد والجلي في حضوره، جاءت مفارقة "عش مهاجر" التي تضمنتها قصيدته "الوقت المتبقي"(ايلاف قبل ايام) حيث:

كنتُ يافعاً أبني عُشّي
فيمرّ هارباً مثل طائرٍ مهاجر

ثمة اذن "عش" في دلالته المؤكدة على الاقامة والهدوء والامن والرعاية والحنو والاحتفاء بالزغب، لكنه وان كان كذلك فهو "هارب" وان شئت "مهاجر".وابعد من المفارقة تمضي كتابة مؤيد الراوي، فهي انسجام عميق مع الذات وتضامن مع الهادئ في النفس حتى وان كانت الايام حوله صخبا وجلبة وفوضى. هو هنا "عش" لجهة احتفائه الذاتي والانساني بالدافئ والحميم والمنمنم المكتفي بالقليل القليل، مثلما هو "المهاجر" الابدي الذي لم يجد في عناءات ترحاله الطويلة والمضنية ما يبعث على الشكوى والبقاء اسير الحنين الى جذوره "شائكة" مع المكان الاول. أليس هو القائل في توضيح علاقته بثنائية تكاد تشكل جوهر حياته وعمادها: العراق والمنفى" قضيت حوالى أربعة عقود من عمري خارج العراق، ولعلني، ربما من العرب القلائل، الذين لا يعتبرون أنفسهم شعراء ينتمون إلى بلادهم بقدر ما هم شعراء في هذا العالم، حاضرون في كل الأمكنة، مدارهم رحب، يفعل فيهم جدل الثقافات أشد مما تفعل فيهم مشاعر بقعة معينة. تكتنز أعمارهم بمعرفة تمتد إلى قرون وهم يواجهون بها تناقض الأفكار وكثرتها والحفر فيها للاغتناء بها ". وهذا كلام جوهري، فثمة" عش" يقارب المعنى في "تكتنز اعمارهم" مثلما هو "مهاجر" قضيت حوالى اربعة عقود (اليوم تشارف على الخمسة) من عمري خارج العراق". هذا الاستدلال على حيوية صورة شعرية بما يتصل بها في كلام نثري جاء اقرب الى الشهادة عن اوضاع العراق ما بعد العام 2003، هو ما عنيته في الاشارة الى ان كتابة الراوي، انسجام عميق مع الذات وتضامن مع الهادئ في النفس حتى وان كانت الايام صخبا وقلة تدبر.

آمال العراق وآلامه

في أواخر الشهر الثاني عشر من العام 1982 كنت بدأت عملي ضابطا مجندا في الفوج الأول لواء المشاة الخامس الذي كان متجحفلا في جبهة البصرة الساخنة جدا تلك الايام، وقبلها بفترة قليلة كان قرار لوزير الدفاع قد وضع حدا لخدمة عسكرية مريحة نسبيا وسمت سنتي الاولى في الجيش حين كنت مجرد "طبيب بيطري جندي مكلف" أقضي أيامي في بقاع كردستان الجميلة، وتحديدا قاطع أربيل متوزعا بين وحدات تحتاج صنفي الطبي في توفير الخدمة الصحية للبغال (آلة النقل الرئيسة بين ربايا الجيش في القمم العالية) وفحص اللحوم والأرزاق الطرية وتبيان مدى صلاحيتها للاستهلاك البشري.

لم أعرف معنى ان أتحول من طبيب بيطري بجهد محدود في الجيش الى "ضابط آلي" مسؤول عن عدد كبير من عجلات الركوب والحمل والعجلات و"تناكر" الماء والوقود، الا بعد أن وصلت الى وحدتي الجديدة. فبعد أيام من تأقلمي على الواجب ومعرفة مكان وحدتي المتوزع ما بين الخطوط الأمامية قرب منطقة تسمى "البحيرة" وكانت شهدت أحد أكثر المعارك دموية في الحرب والخطوط الخلفية قرب مدينة الدير، حتى صدرت الأوامر لنا في الثاني من كانون الاول 1982 بالتحرك الى العمارة وتحديدا لاخذ موقع قتالي قرب مدينة "الطيب"، وبعد تأمين نقل جنود الوحدة وضباطها ومعداتها في عمل إستمر ثلاثة أيام بنهاراتها ولياليها كان علي أن أخلد للراحة قليلا في مقر إقامتي والذي سيكون قرب برج محطة التلفزيون في العمارة، وهو مكان تنفتح فيه عشرات المواقع العسكرية.

هناك في أرض مالحة التربة يتحول فيها المطر الى بحيرات من الطين اللزج الذي تغوص فيه الأقدام بسرعة، هناك بين تلال الاطارات المستهلكة والسيارات والمعدات المعطوبة، بدأت أتعرف شيئا فشيئا إلى منتسبي وحدتي وأقسامها:الضابط الإداري الذي أقاسمه إدارة المنطقة الخلفية ومسؤوليتها، بريد الفوج، بريد السرايا، الرواتب وغيرها. وذات ظهيرة كنت أتمشى مستمعا عبر راديو ترانسستور في جيبي الى أغنية جميلة لفريق "شيكاغو"، وكانت حينها تتقدم المراتب الاولى في لوائح الاغنيات الاكثر رواجا في أميركا وعدد من الدول الأوروبية، أغنية"Hard To Say I'm Sorry "، إستوقفني مشهد جندي وهو مستلق في غرفته يقرأ كتابا. دخلت الى الغرفة وكانت تعود الى "قلم الرواتب" نهض نائب عريف كان منكبا على بعض الأوراق فيما إستدرك الجندي القارئ تأخره عن النهوض فوقف مؤديا التحية، لكنني لم أكن مشغولا بذلك بل بالكتاب الذي عرفته على الفور من لون غلافه الاخضر الحشيشي وطريقة كتابة عنوانه"كيف كتب الاخضر بن يوسف قصيدته الجديدة"... ياه.. شعر وسعدي يوسف دون غيره وأين؟ في ثكنة عسكرية!

كان هذا هو جندي أول قلم الرواتب "صلاح كرادة"..ملامح عراقية مثالية أكان في سمرته وطوله وتبرمه أيضا.. ملامحه المتبرمة تلك ومشاعره غير الودية مني جعلتني أطمئن اليه على الفور، فهو يتوقعني ضابطا تقليديا إستحق منه الضجر لما عرف عن الضباط نفورهم من الجنود خريجي الكليات والمواظبين على الإتصال بالمعرفة منهم على وجه الخصوص..لم أطل مكوثي في الغرفة لكن عيني قفزت من عنوان "الاخضر بن يوسف" الى عيني صلاح فوجدت فيهما إحساسا بالضجر موجها نحوي، فاحترمت هذا الإحساس "النبيل" وخرجت.

ذات ليل وفيما كنت إنتهيت من قراءة ديوان (ممنوع) للشاعر مؤيد الراوي هو "احتمالات الوضوح" أرسلت أحد جنود قسمي بطلب حضور الجندي الأول صلاح، والذي جاء مرتبكا وقيافته غير مرتبة، فحاول تفسير ذلك بان الوقت متأخر وهو كان "محلل" أي خالعا لملابسه العسكرية، لم أرد على توضيحاته وطلبت منه الجلوس الى وسألته مباشرة: ما رأيك أن تبادلني كتابك بهذا الديوان (كنت ارفع بيدي وقريبا من الفانوس كتاب الراوي).. تطلع اليه صلاح وبرقت في وجهه إبتسامة فخرج مسرعا وعاد بالكتاب، وبدأنا الحديث عن الجامعة ومحنة الحرب وتحولي دون إرادتي من جندي الى ضابط....... وتحدثنا كثيرا عن الشعر.

نعم كان كتاب الراوي الي، مثلما سيكون الى صديقي الجندي الضجر، فانوسا روحيا يضيء في عتمة الحروب، ويبقي للنفس اغنيتها الخافتة لكنها الجهيرة في قوة اعلاء الامل وان كان معفرا بتراب الجثث المنسية!

شتاء 2003.. تفاؤلي وتوجس الراوي

في اوائل العام 2003 واذ بدا امر الحرب مؤكدا، نظم الصحافي والتشكيلي اسماعيل زاير ندوة قرب امستردام بهولندا للبحث في صورة العمل الصحفي في عراق ما بعد الدكتاتورية، وحضرها عدد من المثقفين والصحافيين العراقيين، وفي جلستها الثانية كانت لي مساهمة هي اقرب الى توثيق راهن البلاد (قبيل الحرب) انطلاقا من متابعاتي المطولة لوقائع العراق السياسية والاجتماعية والثقافية عبر عملي مراسلا لصحيفة "الحياة" اللندنية من العاصمة الاردنية عمان. وبحسه المرهف والعميق، وجد مؤيد الراوي في حديثي "نبرة تفاؤل" وان كانت غير جلية، فقابلها بشيء من التوجس القائم على خبرات شخصية وموضوعية في معايشة حصن الالم والقسوة: العراق.
الآن حين اعاين تلك الجلسة، أبدو اقرب الى هشاشة المخدوع بالامل، فيما هو كان اقرب الى تمعن الحقيقة انطلاقا من "خبرات في مجالدة الالم"، كما اقول في نص شعري لي.
تلك النبرة المتشككة، وان وردت بلطف غامر في تعقيبه على شهادتي في الندوة الصحافية، هي على الارجح مما تحول من نبرة الى قول واضح وصاف ضمن شهادته الشخصية عن حال عراق ما بعد العام 2003 وموقف الشاعر حياله (موقع ايلاف 2004)، فهو يقول:" من السهل على السياسي أن يحدد الاسباب ويقدم حلولاً إلا أنه يقوم بذلك على نحو آلي بعيداً عن الضمير وعن التأمل في المصائر الفردية التي حسبنا اعتقد هدف أي تحول وإصلاح. ولكن الأمر بالنسبة إلى الشاهد يمتزج بالمعاناة ولا ينظر بشكل جمعي وآلي لما يحصل هناك. الشاهد رهينة البحث عن المعنى وعن جوهر القسوة وعن اسباب الخراب، مثلما هو مبشر للفرح واللعب. وأعتقد أن الشاعر وكاتب النص شاهد بالدرجة الاولى يحفر في العمق."

ومع انه كتب في آخر شعره: "مرثية لنا نحن /الباقون والشمس تغرب" و "إنها عتمةٌ إذاً؛ هو الليلُ دامسٌ" الا ان في نفسي اغنية هي من "هشاشة المخدوع بالامل" ذاتها، اغنية المحبة الصافية لمؤيد الراوي في عيد ميلاده السبعين*.

****

مرثية لنا نحن

الباقون والشمس تغرب
مرّةً أخرى يجيءُ الذئبُ المبهمُ
غارزاً أسنانهُ في القطيع،
لم تبق إلاّ بضعة شياهٍ
مشتتة، ضائعة في البوادي،
تلعقُ حملانها الدم المر المسال،
تترنحُ القوائم، تُساق إلى المسلخ
والصيادون هناك يشحذون لها السكاكين.
إنها عتمةٌ إذاً؛ هو الليلُ دامس،
وما لا نراه غفلة ماكنةٌ يديرها المجهول.
عيوننا كليلةٌ وخلفها أشباحٌ تتراقصُ،
أطيافٌ مشوّهةٌ، كلابٌ مسعورة وعظايا
تهيءُ الوليمة الأخيرة

ثمّ ترصدُ وَهْنَ الجسدِ في الليل البهيم.
هو الليلُ إذاً، لا رجاءَ إلا لعتمةٍ تطول
نتوسل الوقتَ فلا ينصتُ لنا:
أيتها النجوم القميئةِ إلتمعي
فالليلُ اسود وبصرنا كليلٌ،
شبحٌ أو طيفٌ يتخيّلنا ويتبعنا
هو من الماضي أو في الحاضر يقفُ
يترصدُ ثمّ يعلن انه الحارس التوأمُ
فيأخذنا للرحيل سَويّةً
بعيداً عن رؤية الأشياء،
وعن الأوهام، وعن تراكم الذكريات.
يوعدنا: في الغد تطلعُ شمسٌ معتمة؛
لا نهارٌ ولا ليلٌ،
لنترسب في الأبدية
الآتية

برلين – تموز 2009

الوقت المتبقي

كم من الوقتِ تبقى لكَ؟
الوقت إسفنجةٌ، للنوم، للانتظار،
لتفحص ما رميناهُ في بئرنا المهجورة
لا أعني ذلك الذي تحصيه ليأتي الغدُ
حاملاً بشارتهُ، آملاً في مواعيدهِ،
بل الوقت بثقلهِ، حينما تُقرعُ الأجراسُ
وتفتحُ لكَ بوابة الأبدية.

أي وقتٍ غريبٍ هذا وأنا لم امسكهُ بعدُ
وأدعوهُ إلى الحوار، أو أطعمهُ من زادي.
كنتُ يافعاً أبني عُشّي
فيمرّ هارباً مثل طائرٍ مهاجر.
أتحدثُ عن زمن الأنهار التي جفتْ،
زمن ما في الأرض من أنقاض وبقايا،
ومن شظايا عدّوكَ وعدّوي؛
عهد شيخوخة الملتاع بالنساء، ثمّ تآخى معهنّ
فتحوّلنَ إلى أخشاب.
زمن الأشجار حينما تجفّ الأغصان،
وتكسو جذوعها العقدُ،
تبني تحت لحائها الحشراتُ والنملُ
بيوتها، وتضعُ بيوضها، آكلة مع الوقتِ
قلبها المريض.
لمْ أعرف هذا الوقتَ،
كان غريباً عليَّ، ربما انقضى لوحده.
هكذا، قبلَ وهلةٍ فقط تقابلنا،
مَسّني فشككتُ بنواياه.
ولأنني ما زلتُ فيهِ ولم أرث نهايته،
أخادعهُ ويخادعني، وأعرفُ أنني
صيادٌ أهملَ فخاخهُ والفريسةٌ تريد أن تلعقَ الدمَ.
هو هناكَ إذاً، يمضي، ويمضي بكَ،
يترككَ، يهملكَ، ثمّ يأتي.
مع ذلكَ مملكتهُ مَسرحٌ للضباعِ
تمضي إلى الجثةِ المتروكة:
وليمة الوقتِ هيَ
خاتمة المطاف.
أنا أواجهُ الـضيفَ وأدعوهُ إلى مائدتي،
لنحصي بعد السكرِ
ما في الأقداح من مرارة.
أداورُ الوقتَ، أخادعُ الساعات
أحاول أن أنسى أولئك الذينَ حاصرهم الوقت.
لكنَ المحطة قريبةٌ،
سوفَ تنزل فيها وتجتاز الطريقَ دون متاع
منتظراً القطار التالي الذي لن يأتي؛
حَملَ المسافرينَ ورحل.
أتحدثُ عن أولئك الذين وصلوا،
رَموا ساعاتهم، وامتلكوا الميعاد.
الموظفُ يرافقهم منذ زمن،
يشطبُ على الأسماءِ، واحداً واحداً،
يبحثُ عمن يتغافلُ حتى النهاية
يأخذُ وديعته فلا يعود للتحولات من معنى.

حسناً، أريد أن أتآخى معه.
أتواطأ مع مُلكِهِ ـ
أي بنيان صَمدَ كلّ هذا الدهر.
أكتشفُ تلك المملكة التي يجيء منها.
ربما هي أطول من الوقت
أو انها غير ممتثلةٍ لهُ.
وربما الوقتُ فيها ملفقٌ
أو حاجةٌ للتمايز تخافهُ العادة
و نريد الآن إزاحته.
لكن الوقتَ وقتٌ، سيّد نفسهِ،
لاعبٌ ماهرٌ
لا يتساءل عن العدالةِ ولا يعرف المماطلة.
يستلّ سيفهُ، في الغيابِ وفي الحضور،
ويلعبُ بهِ مثل بهلوانٍ
مبهم النوايا يجتذبُ الجميع.
حينما تحين خفقة ذلك الغريبْ،
يودّعنا ، لنودّعهُ؛
شبحٌ تراءى فتغلّبَ علينا
بعد أن تغلبنا عليه في الوداع
فلم يعد للوقتِ معنى

ولا لهذا التصالح من بريق.
خفقة ذلك الغريب الأليف حاضرةٌ
يمسّـنا مبعوثٌ منذ الأزل
فيمضي بنا إلى الـمجهول

17 شباط 2008

* عيد ميلاد الشاعر مؤيد الراوي في 13 آب.
كاتب المقال شاعر وناقد موسيقي وصحافي مقيم في اميركا وصورة الشاعر الراوي بكاميرته.

ايلاف 12 اغسطس 2009