هنري ميشونيك

ترجمة: عبد اللطيف الوراري

هنري ميشونيكيرى ميشونيك أنّ التباس الشعرية مع البلاغة والأسلوبيّة يدلُّ على فراغ النظريّة، وهو فراغ العلاقة نفسها بين الإيقاع والمعنى !.
إنَ الخُطاطة القديمة للدَليل، التي تُقيم نظريّة الإيقاع التقليدية، تحكم التَعارض العقلاني من النثر إلى الشعر مدعوماً من قبل النزعة الوضعية. وبقدر ما يتمّ شعرنة الشعر يجري تأكيد هذه الخطاطة التي سلبت من النثر والشعر تاريخهما، ليصنع منها حديث خرافة. لن يؤخذ الإيقاع كتاريخيّةٍ للغة والذات إلا بتحديد النثر والشعر تاريخيّاً، في تعدُّدهما. وتُعدّ إيديولوجيات اللسان كما الممارسات الأدبية، في هذا الاتجاه، كاشفة . ولا نبغي من وراء دراسة بعض المجالات الأجنبية شعريّةً عامة بمعنى النحو العام، ولا عقد مقارنات، ولكن موجزاً للشعرية التاريخية، الذي يعيد التعميمات إلى مكانها. بما في ذلك أثر الشًعر على نظرية اللغة، وأثر النظرية على الممارسات، حتّى تُردّ لكُلّ منهما مغامرته.

النَّثْر، الشِّعْر:

تَرْتهنُ القضايا النظرية والسياسية للكتابة وتاريخيّتها جميعَها بهذا التعارض. وبقدرما أنَّ مقولة النّوْع المنطقية والتاريخية أسندت إليه بلاغةً ثقافيّةَ، بقدرما أدّى ذلك بالرّفْض الحديث لهذا النّظام إلى أن يجعل منه مُطْلقات خارج التاريخ وخارج النظرية، مسحورةً وساحرةً.
تكشف المقابلة بين النَّثْر والشِّعْر عن نفسها في ثلاثة معالم : البيْت الشّعري، الـ'صُّورة' والتَّخييل، بما هي معايير استعماليّة. الأوّل الذي يُعرّف الشعر من خلال البيت، والإيقاع من خلال الوزن، يجعل النّثْر تالياً؛ ويُميّز الآخر الشِّعر من خلال الصُّورة، فيما يكون النثر معقوليّةً وتَمْثيلاً ذِهنيّاً. وفي كلتا الحالتين، يكون الشِّعْر مُركََّزاً عليه: النّثر هو ما دون الإيقاع، وما دون الصورة. بينما النثر يكون مُركَّزاً عليه في مهيمنة التخييل فحسب، والشعر بخلافه؛ على الأقل وفق المقولات الجارية
هذه الخطاطة، مع ثباتها، ثَمّة داعٍ لتحليلها كـمتغيّراتٍ ثقافية. والمُفارقة الفارقة للطّلائع الشعرية الغربية تتمثّل في أنّه بقدر ما أرادت لنفسها أن تكون مُناوئةً للعقل، بقدر ما قوّت المُتداول الوضعيّ الذي يجعل من النّثْر هو المعقول، الخطابي، الوصفي ـ التمثيل. وحدُّه النموذج هو النّثر العلمي عند كلود برنار. فيما الشّعر، داخل النُّصْب العقلي الشاخص، هو اللا معقول، اللّا خطابي واللا وصفي. وأيّاً كان موقفنا منكراً، فإنّ نموذجه الأقصى هو الشّعر الصافي. تُؤكّد تقنيّات الطلائع هذه الخطاطة. وهذه الخطاطة هي الشعريّة، بل وسياسة اللُّغة أيضاً. يتعلّق الأثر الثاني بحجب السياسة ورفض تحليلها. وهذا ما يرفع من نسبة ضرورة التّحليل واستعجاله.

كلّ شيء يجري كما لو أنّ الممارسات والإيديولوجيات الأدبية تحافظ على الأنثروبولوجيا التي عفى عليها الزمن، والمهجورة داخل العلوم الاجتماعية، مثلما حال سياسة اللغة التي تقوم على النقيض من سياستها المزعومة. إنّ نقد الإيقاع ينشئ نقداً للحداثة، وهو يبحث ما يبرز تاريخية كلَّ ممارسةٍ لِلُّغة، والتي تمرّ عبر نقد كل أدْلجة، وكلّ برمجة. ليس ثمّة، على الدّوام، من كتابة إلا داخل التوتّر الذي يؤكّد أنّ النصّ هو الصّراع والذّات في أقصاهما على السواء، ضدّاً على كلّ الخطاطات.

وبقدر ما أنّ الحداثة بذلتْ قُصارَى جهدها لمقابلة الشعر بالنثر، بقدر ما أنّها عملت على إزاحة حدودهما، وعلى تشويش التمييزات بينهما. وقد اعتبر فاليري أنّ 'استحالة اختزال [الشعر] إلى نثر' قد سنّ 'الشروط الصارمة لوجود' الشعر. لسْتُ هنا بصدد وضع 'قائمة لـ'معايير' الفكر الشعريّ المضاد'، بل تحليل الكليشيهات التي تحكم الممارسات والمقولات معاً.

تُعدّ نظريّة الإيقاع بمثابة المُميِّز للعلاقات في الخطاب، من أجل أنْ تُفكّ المتآلفات كما المتعارضات، تلك الّتي تقدم من الكليشيهات إلى الممارسات، بدلاً من التّجريب إلى النظريّة. هكذا يكون النّثر، بالنسبة للكثير، متماهياً بالخطاب العادي، ومن ثمّة مُعارِضاً للشّعر. إنّ كلا النّثر والشّعر يتعارض، لسانيّاً وبلاغيّاً، مع الخطاب العادي. هناك الأنثار مثلما الأشعار التي لا تتماهى بالبيت إطلاقاً. من منطلق هذه التعدُّدية، يبدو عديماً للمعنى أنْ يقابل الشّعر بالنّثر. وتتركّز سخافة الثنائية داخل البديهية الزّائفة التي تجعل من الشعر مضادّاً للنّثر؛ فليس غياب الشّعر هو النّثْر، بل ليس هناك من غيابٍ للشّعر، ولا يمكن أن يتمّ. في حين لا يمكن، بشكل متماثل، أنْ يتمّ غياب النّثْر مادام لا يوجد خطابٌ مكتوب أصلا.

ضدّاً على المسعى التّقليدي الذي ينصرف من البيت إلى النّثر، تُمَوْضع نظريّة الإيقاع الأنثار والأشعار داخل الخطاب. يكتب هاردين: 'عن الإيقاعات المتأصّلة في الكلام الطبيعي من خلال اللُّغة تصْدُر كم كتابةٌ إيقاعيّةٌ'. من هنا، يعمل الخطاب ضدّ المعلوم الذي يتمثّل الشعر كما لو قُيّض له النجاح، فيما اللّغة العادية تُخْفق، طالما أنّها ستكون مبذولةً للعموم. من معارضة العامّ بالخاصّ يثبت براديغم التّعارض بيْن النّفعي الوظيفي حيث النّثْر شبيهٌ بالمشي، وبين البذْخ ـ العيد حيث سيكون الشّعْر رَقْصاً. لا زلنا لم نهجر الإيقاع بعد.

فإذا كان الخطاب هو تاريخيّة اللُّغة، وكانت الخطابات تاريخيّة، فإنّ النّثر والشّعر تاريخيّان بدورهما، لا مُجرّد جنسين. إنّهما يشتملان على غير نوع من الأنواع، ولكن ليسا منها بحال. فهما يسنّان الشّروط بقدرما يضعان صيغ الخطاب. ومن الضّروريّ تحديد وضعهما، لأجل أن نُميّز في كلّ مرةٍ عدد الضربات التي تمّ اللعب بها سابقاً، والّذي يستفيد من التأخُّر الذي يُتعرَّف عليه متجاوباً مع المغامرة التي ليست إلا تقليداً (للأصل). فالعلاقات بين الشعر والنثر ومنطوق العصر تتعلّق بمتغيِّرات الصراع من قريب أو بعيد، والأنواع تأخذ دَوْرَها داخلها. إنّ ما يُكتب هو ما يُنْشئ التاريخية الخاصة للذّات التي تتمُّ في الكتابة وعبرها، داخل الصراع بين المصوغ وغير المصوغ، في كُلّ لحظة.

وما يصف إيخنباوم به بوشكين هو مثالٌ عن تاريخية الأشكال، بمعارضته مع كوكبة من شعراء فرنسا، بخلاف مارو marot، واللغة الشعبية. يستشهد إيخنباوم بكتاب جاك بليتييJ.Peletier 'الفنّ الشعري': 'لهذا، سأشير على شعرائنا بأن يصيروا جريئين إلى حدّ ما، وأقلّ شعبية'. وتبعاً للعصر والوسط، ستتمُّ حركة معكوسة: لدى بوشكين، وبعكس القرن الثامن عشر، ميْلٌ نحو الشعبي، والسُّوقي. وأحياناً تكون هذه 'الجراءة' مُغايرةً حيث الثقافات تعكس القيم. وذلك شبيهٌ بما قاله غابرييل صيلايا من أنّ 'النزعات النثرية بمثابة محسِّنات للكتابة الطقوسية'. فعلاقة الأبيات بالنثر، وبالتنثير لم تكن لها الوضعية نفسها، ولا التاريخ نفسه داخل التقليد الأنغلو أمريكي ولا التقليد الفرنسي. وكذلك الحال بالنسبة للعلاقة بالمكتوب والشفاهي، ولا بالبيت الشعري ترتيباً على ذلك. في أيّام البلياد، كان البحر الإسكندري نثريّاً وفق التقدير. يكتب رونسار في مقدمة 'فرنسياد': إنّ شعراء الإسكندري 'يشعرون بنثرهم أكثر ممّا يجب'. ولقد أتى بودلير بصنيع معكوس بإزاء الإسكندري في زمنه، إذ جعله لا يقترب من إسكندري النثر. واليوم، يحمل الوزن الإسكندري، 'نثريّاً' كان أو منثوراً، كُلَّ إرثه.

الشعر داخل البيت:

أَوّل سؤال يُطرح هو لماذا ظلَّ الشعر، ولا يزال، متماهياً مع البيت. يُنْظر إلى البيت، ولا يزال الأمر لبعضٍ منهم، بوصفه ليس التقنين الوزني للإيقاع فحسب، بل هو تقنين الإيقاع الذي يقوم بردّ فِعْلٍ ضدّ تقنينه الخاصّ. البيت هو وحدة، عنصر: السطر. إنّ لغات مثل الإنجليزية [Vers, line]، والروسية [ stix, srtoka]، والألمانية [der Vers, die Zeile] يضمُّ كلٌّ منها مصطلحين كما يظهر. في الفرنسية الحديثة قلَّما نقول [السطر[ la ligne، وهو ما قامت به مقالات البلاغة الثانية في القرن الخامس عشر، فانْضَاف التباسُ الإيقاع والقافية إلى تماهي الشعر بالبيت. بالبلاغة الثانية 'تُعْرف الأشياء المقفّاة'، و'تُمْلي بلاغة ثانية لسببٍ من أنّ ما هو نثْريٌّ سابق على غيره'، والشعر أَدْخل في البيت طالما عُدّ الشعر بَيْتاَ. لم تَعُدِ العلاقة علاقة مُجاوَرة، إنّما تحوّلٌ في الخصوصيات بالنسبة إلى أحدهما في علاقته بالآخر. لهذا، فإنّ البيت هو حدّ النثر، وإنّ كلَّ خطابٍ يكون إمّا بيتاً أو نثراً. تجريبيّة شائعة غدت معها البداهة، فيما يبدو، واضحة للعيان. حتى داخل السيميائيّات الأدبية بعد البنيوية، كان يوري لوتمان يعتبر 'طبيعة الشعر' مُطابِقةً لطبيعة البيت، غير أنّ اللغة الشعرية واللغة المنظومة، المصطلحين معاً، يلتبسان علينا أكثر من أن يلتبسا ببعضهما البعض. وقد سبق لأرسطو أن رأى صراحةً، وبخلاف الرأي المضادّ السائد، أنّ البيت ليس هو الشعر: 'على أنّ الناس قد اعتادوا أن يقرنوا بين الأثر الشعري وبين الوزن'، و'أنّ الشاعر يجب أن يكون صانع حكايات وخرافات أكثر منه صانع أشعار، لأنّه شاعرٌ بفضل المحاكاة، وهو إنّما يُحاكي أفعالاً'. ولا يمكن لأرسطو أن يقول بذلك إلا داخل نسقيّته، وما ليس له من معنى هنا يضيع تلقاء نفسه.

يجمع تاريخنا الثقافي، بشكْلٍ غير قابل للفصل، البيت والشعر معاً. هكذا يتحدّث طومبسون عن الشعر بالمعنى العامّ، الذي أصبح أمراً طبيعيّاً من أن لا يُعرَّف، ويُسمّي البيت 'ضرباً من الشعر'. ويُلاحظ غيرو تغييراً في تعريف كلمة شعر، من ليتري إلى روبير. بالنسبة إلى ليتري: هو 'فنّ تأليف أبيات الشعر'، على نحو كامل، وهو'الخواصّ التي تُميّز الأبيات الجيّدة، والتي يمكن أن توجد في مكانٍ آخر عدا أبيات الشعر'. ويُعرّفه روبير: 'فنٌّ لغويٌّ يميل إلى التعبير أو الإيحاء بشيء ما عن طريق الإيقاع (ولا سيما عبر البيت الشعري)، والتناغُم والصّورة'. ويظهر أن الفهم يدقّ أكثر إذا ما توسّعنا فيه. ففنّ اللغة يُحيل على المحاكاة مع ما تحتمله هذه المقولة من صعوبات، كما أنّ الأمر يتعلّق هنا بالتوازيات المفهومة بوصفها حِيَلاً. ونسأل: 'إلى أيّ حدٍّ يستطيع الشعر أن يوجد وهو يستغني عن النظم؟'؛ فغاية ما نعرفه، للوقوف على الحدّ، هو 'أقنوم الدالّ'. لقد حُدِّد العروض بأنّه 'قائمة الإيقاعات الشعرية بالقوة داخل اللسان'، ونُظِر إلى الوزن كـ'أساس الإيقاع'، ما لم يكن التمييز بين الشعر والنظم ممكناً، غير أنّ الأمر جارٍ تمام الجريان. من هنا التعريف المتحفِّظ: يستند النّظْم على نحو الأبيات الذي يُشكّل بنيتها الوزنية؛ ومن ثمّة تغدو الشعرية متماهية مع 'البلاغة'، ومع 'أسلوبيّة' 'الآثار الموزونة والمتحقّقة في السياق بحرّية وضمن حدود القاعدة'. وهكذا لن يترك الدليل للقصيدة موضعاً آخر. إنّ التباس الشعرية مع البلاغة والأسلوبيّة يدلُّ على فراغ النظريّة، وهو فراغ العلاقة نفسها بين الإيقاع والمعنى. وبعيداً عن نؤرِّخ للتمييز بين البيت والشعر، والذي من المُهمّ أن نلاحظه عند الرومانسيّين الألمان، فإنّه طالما عرفنا، وبشكل يقطع مع الشكّ، أنّ كلَّ ما يُنْطم ليس شعراً. يكتب أوغست ويلهلم شليجل أنّ 'وحده الشِّعر ممّا ينبغي أن يكون مؤلَّفاً من أبيات'. ذلك هو الشِّعر الذي يجب أن يُدْعى نَظْماً، وليس النَّظْم الذي يجب أن يُدعى شعراً. من هنا، 'كلُّ شِعْرٍ هو شِعْر الشِّعر'. في كتابه 'دفاعاً عن الشعر' 1821م، يقترح شيللي نموذجاً تمثيليّاً عن مقولة الشِّعر هاته. فالشّعر يتمُّ بطريق النّظْم، وهو موزون، لأنّه يُعبّر عن النظام وتناغم العالم الذي يغدو معه الوزن رمزاً، وتراسُلاً. أمّا الشعراء فهم أولئك الذين 'يتخيَّلون ويُعبّرون عن هذا النظام الذي لا يمكن أن يزول'. لذلك، يقترب الشِّعر من الدِّين، ومن النُّبوءة التي هي 'صفة الشِّعر'. وبالمعنى الواسع: 'تُعدّ اللغة، واللّوْن، والشكل وصيغ العمل الدينية والمدنيّة جميعها، أدواتٍ للشِّعر وموادّه البانية؛ ويمكن أن ندعوها شعراً عبر هذه الصورة من الخطاب الذي يرى في الأثر كَمُرادفٍ سببيّ. بيد أنّ الشِّعر، بالمعنى الأكثر تقييداً، يعكس هذه التنظيم بطريق اللُّغة، ولا سيّما اللغة الموزونة التي تبتكرها هذه الملكة الإمبراطورة التي تحجب عرشها عن الإنسان في ما وراء الطبيعة'. ويحدث أن يتواصل التمييز بين 'اللغة الجارية على قياس أو على غير قياس'، 'لأنّ التقسيم بين النثر والنظم لم يكن مقبولاً داخل الفلسفة الدقيقة'. ويخلق التعليل الأصلي المُعمّم الضرورة الشعرية التي يكون بها الشِّعر إدراكاً: 'من هنا، فإنّ لغةُ الشُّعراء طالما اصطنعت ترجيعاً صوتيّاً متناغماً ومتماثلاً، من غير أن يكون ذلك شعراً'. فالشِّعر، مراعاةً له، هو ـ 'نسقٌ ما من الأشكال المتوارثة عن تناغم اللُّغة'؛ لكن حتّى الجديد ينتمي إلى الشعر. بعد كوليردج وووردزورث، يُقرّ شيللي بأنّ كُلّ شاعرٍ عظيمٍ يُجدّد بالقياس إلى العرف. وتقوم لعبة التجديد والإيقاع المركوز في الفكر بالاعتراض على التمييز بين الشعراء والناثرين باعتبار ذلك 'خطأ عامّياً'. ثُمّ يبسط مقولة الشعر بقوله: 'يرفع الشِّعر الحجاب عن الجمال المختفي للعالم، ويُثبت أنّ الموضوعات المألوفة تبدو كما لو أنَّها ليست مألوفة'. بواسطة الأبيات أو بدونها، يصير بعض الفلاسفة والمؤرّخين شعراء؛ فليس البيت أكثر من شكل ضمن أشكالٍ أخرى للكشف عن النظام الكوني، والقصيدة هي 'الصورة نفسها للحياة المُعبَّر عنها في حقيقتها الأزلية'، مثلما أنّ الإيقاع يتحرّر من الأبيات. وحيثما وُجِد ثمّة 'صدى من الموسيقى الأزلية'، وُجِد إيقاعُ وشِعْر.
هل يجوز القول إنّه كُلَّما قيل إنَّ الشعر ليس هو النّظْم كلّما كانت مقابلة البيت بالنثر والإيقاع بغياب الإيقاع مدعاة لعدم الرضى؟ إنّ الشعر، ثُمّ البيت والنثر ليست مجرد كُلّيات مُضلّة. ولقد أربك النثر الشعري وقصيدة النثر نسق التقابلاات التقليدي متروكاً يضعف، وفي مكانه حتَّى(...).

الإيقاع ـ الوزن، الشعر ـ البيت:

يُحدّد الترابط هنا خَلْطاً وزنيّاً كان أن أُعْلن عنه في 'أزمة اليت الشعري': 'إنّ البيت لا يوجد إلا في الإلقاء مرتكزاً عليه، والإيقاع في الأسلوب'، حيث يُرْجأ النثر على نحو غريب ـ لا يوجد النثر، إذا كان البيت هو الإيقاع كلُّه: 'البيت في كلّ موْضعٍ من اللغة حيثما يوجد إيقاعٌ، وفي كلّ موضعٍ داخل الإعلانات والصفحة الرابعة من الجرائد، يحظى بالقبول'. لا شيء أصعب من أن نبرز أنّه، بهذا المعنى أيضاً، يوجد ثمّة بيت. يواصل مالارميه القول: 'داخل الجنس المُسمّى نثْراً، توجد أبيات، رائعة أحياناً، بالإيقاعات جميعها. لكن في الحقيقة، ليس هناك من نَثْرٍ: هناك الأبجديّة ثُمّ تعقبها أبياتٌ تنتظم أو تنتشر، قليلاً أو كثيراً. في كلّ المرّات عندما يكون هناك مجهود في الأسلوب، يكون ثمّة نظْمٌ'. يقترح روبو مقولة 'نثر البيت' بخصوص 'إشراقات' رامبو، 'بمعنى أن تكون اللغة مرتَّبةً ترتيباً نثريّاً عبر إزاحة حدود البيت الممكنة، ابتداءً من الشعر الحُرّ الذي لم يكن موجوداً بعد، بيد أنّ رامبو يستحدث أوّل نموذجين منه، هما : Marine و Mouvement. لكن ليس من أداةٍ لتحليل كٌلٍّ منهما وموضعته.

تُفضي هويّة شعر/ بيت إلى تعريفٍ سلبيٍّ للنثر ـ غياب النظام والإيقاع ـ الذي لا ينزع الشعر من تاريخيّته فحسب، بل من الشعر نفسه. وكان جان مورو قد لاحظ أنّه في مراحل من نقد البيت [القرن الثامن عشر، بداية القرن التاسع عشر] سيتمّ نظم النّثْر وتدريسه مما أفسد التمييز بينهما. ولقد أحدث النثر الشعري والشعر المنثور ثُمّ ترجمات القصائد المنظومة نَثْراً، تشويشاً على هذه الماهيات. وينتهي لوت lote، الذي دوّن بدوره نشرةً دِعائيّة، بالتعرُّف على أنّ اختلافات الإيقاع بين النثر والبيت 'هي في الدرجة فقط، وليس في الطبيعة. الإيقاع الموسيقي هو نفسه في كلِّ مكان: يُؤسّسه تعاقب الأقدام الممتدّة إن قليلاً أو كثيراً، وكلُّ قدمِ منها يتركّب من سلسلةٍ من المقاطع الخفيضة، وينتهي بمقطعٍ حادّ، وقد يلحق بها مقطع جديد مؤنَّث حادّ يقفل المجموعة'. من هنا، يختصُّ كلُّ قدم بمجموعةٍ إيقاعيّة.

تتخبّط البداهة، المدعومة بيقينيّاتٍ مندفعة، في غياب نظريّة. ويخلق منتهى تحصيل الحاصل منتهى الالتباس الذي لا يثبت إلّا من تكراره. فالنثر ليس هو الشعر، والشعر ليس هو النثر، وليس النثر هو البيت، والبيت ليس هو النثر. إنّما الشعر هو البيت، أو إنّ البيت هو الشعر. لهذا السبب، تبدو التعريفات خرساء.

تُسْهم الإثيمولوجيا في تقديم النثر كمقابل للشعر، وتُشِيع الكتيبات أنّ النثر هو Oratio Soluta ، 'الخطاب غير الخاضع للقواعد'، لكن الشعر 'خطابٌ خاضعٌ لقواعد الإيقاع'. مع Versus، 'الخطّ، السطر، البيت'، يتعارض prorsa oratio ، 'الخطاب الذي ينشأ دون عوائق'، حتّى وإن كان كلّ تقليد النثر الإغريقي والنثر اللاتيني يُفنّد ذلك. إنّ النثر هو الخطاب 'الذي يسير في خطٍّ مستقيم'، فـ prosa (oratio)، prorsus ناشئٌ عن proversus ، ومنساقٌ مسبقاً؛ و prorsa هو بدوره اسمٌ لإلهة الولادة، كما يُسمّيه شلوفسكي، 'إلهة الولادات المطّردة والسهلة حيث يخرج الطفل 'سليماً'، أمّا الـ versus فهو بالضبط، مثلما الأصل، 'يُوجِّه المحراث إلى طرف الخطّ، الدّوْر، السطر' بحسب إرنو Ernout وميّي Meillet، ثُمّ 'سطر الكتابة'، وبخاصّة 'البيت'. إنّ الشعر والنثر، أصليّاً ووظيفيّاً، يدوران بانتظام، والنثر يتقدّم مستقيماً.
وبعكس تحديد الهويّة الوزنية للإيقاع بالشعر، ميّز أرسطو الإيقاع كخاصّيةٍ للنثر عن الوزن المُميِّز للشعر: 'إنّ شكل الأسلوب لا يجب أن يكون لا وزنيّاً ولا غير منتظم..'. الإيقاعي والوزني متمايزان فيما بينهما تمايزاً جذريّاً. ولا تتحدّد أسبقية العدد بالوزن: 'كلُّ الأشياء يُحدّدها العدد، إنّما العدد الذي ينطبق على شكل الأسلوب فهو الإيقاع الذي لا تمثّل الأوزان إلا أقساماً منه'. ويستنتج أرسطو: 'يجب أن يكون للخطاب، بالنّتيجة، إيقاعٌ، لا وزْنٌ ؛ وبخلاف ذلك تكون القصيدة'. ومُعتدّاً بالإيقاع اللغوي مثلما فهمه، يقول: 'يمتلك الوزن الإيامبي إيقاع الكلام العادي نفسه'، وهو ما ينتج عنه، بدلاً من التقسيم الثنائي نثر/ شعر، تقسيمٌ ثُلاثيٌّ، هو:
النثر، الخطابة والشعر؛ وذلك هو ما يُمثِّل أصل التقسيم الثلاثي للبلاغة العربية.

**

النص مأخوذ بتصرُّف من كتاب الناقد وعالم الشعرية الفرنسي هنري ميشونيك:
Meschonnic H., Critique du rythme, 'd Verdier, 1982, p395-405.

القدس العربي
2011-10-27