عند تمثال شرفخان بدليسي

محمد عفيف الحسيني
(سوريا/السويد)

عند تمثال شرفخان بدليسيشرفخان، ياأبي القديم الذي من الحبر.
شرفخان، ياأبي من الزمن،
لم ألتقِ بك،
لكنني رأيتكَ،

كنتُ معك أُشعل لك تاريخي المنفي، في أوربا.
مررتُ، بجانبك، ولم تعرفني، ياأبي الكبير.
كنتُ إبنك اليتيم، الوحيد، العذب، الصافي مثل البرونز،
وكنتُ معك، أسأعدك في تاريخك وفي رسوماتك للنساء الحافيات.
ساعدني، ياأبي، لأنساكَ، ياأبي.

***

من دار ابنك "عبدال خان", مخفية في أوراقك،
عن نشوة أعدائي بالدمار
إمراة منسية من حبر؛
إمراة كما لاأزال،
متمرغة في ألوانٍ،
تحمل ذكريات شجر،
اختبأتْ تحت ظلالها قبلاتٌ هاربة ٌ.
مخفية أنا
كما اللاشيء، كما اللاأحد،
لأكونَ
شاهدةً على تاريخٍ
لستُ فيه غير حبر وورق.

***

المنمنمات، هي تاريخك، وتاريخي.
والهجرة،
والقلق، والصعب، والفضول، واللذائذ، والهجران، والمجادلات الخفيفة بين صياديك، والرهط المكسور، والفضة، والشهيق، والدم، والنفخ في الأصابع من شدة اللون المتهتك النافر، والعلوم الضائعة، واللغة الضائعة، والعلامات الضائعة، والتاريخ الضائع.
ليكن، ياسيدي، لتكن رسوماتك، هي رسوماتي في المنفى، وفي الذين غدروا بك، وغدروا بي. لتكن أنت البعيد الميت، تقرأ تاريخي المقفل، المجلجل بألف وداع وزفير.
أحصنتك تتدرب على الإمارة،
وأشواقك تقترب من أشواقي، ياأميري القديم.
لتكن أختامك، هي أختامي، فأنا حفيدك، ياسيدي المشعشع.

***

من تاريخ اللامكان، واللازمان
هو رجل يحمل بين يديه
"أنا".
أنا, بأخطائي, بألمي وقلقي،
وكل ذلك التاريخ الذي خبأني في ذكريات كؤوس نبيذ،
لم أشرب منها غالباً.
أنا
بتاريخي المنساب على العدم كساعة "دالي"،
على خارطتي التي اختار لها الرب أن تكون للآخرين.
هو رجل من اللامكان،
وأنا
محملة بألمي،
منتشية بمواساة قبلات مثلجة،
أقِفُ عندَ تمثالكَ،
أبحثُ عني.

***

هايكو كردي للسيد البعيد: شرفخان بدليسي

لقد سقط حجرُ خاتمك، السندروس،
هو الخريف ياحفيدي.

جاءتك حفيدتُك، السندوروس،
هي ربيعك، ياحفيدي.

نضج تاريخك، السندروس،
هو تاريخك المكسور، ياحفيدي.

تساقطتْ أوراق شجرة السندروس،
هي إمارتي القديمة، يابني.

***

كانت الحفيدةُ، والحفيد، يتحاوران حول الحقائق البنية، والسندروس الضائع، والتاريخ المسوّر بالقيشان، ونقوش الألم، وصناعة الحكمة، وكيفية طبخ "ميافارقين"، وصناعة كتاب شرفنامه؛ الكتاب الذي أضاعه الحفيدان، وهما تحت شجرة السندروس، نائمان، مثل هايكو ياباني؛ هايكو ياباني، رسمه الجد، شرفخان بدليسي على جلد إمارته الضائعة: حفيدان عاشقان وقحان.

***

تولى مسند الحكم، بعد وفاة والده، الطائرُ الرقيق، الذي رفرف بخياله على خيال حفيدته الشقية، وحفيده الذي ينحف كل يوم، مثل جوقة من عازفي الأبواق القديمة النحاسية، وهي تنفخ للسيد: يمر بها، هادئاً، يفرك أصابعَه ـ ألمَه، فهو يريد أن يرسم، أكثر من أن يكون أميراً.
يريد أن يكتب عن بدليس، أكثر وأكثر، وعن طيور البازي والشاهين والدجاج الغبي، والحب الغامض، الذي أتاه من بعيد؛ الحب المرتجف، مثل أحصنته المرتجفة، وهي تصهل له، عندما يذهب إليها، عصر كل يوم، يطعمها من روحه، ويمازحها:
ـ كوني قوية ياأحصنتي، تحملي إمارتي التي ستتلاشى، كوني قوية ياأيتامي، بعدي.

***

مائة وسبعة عشر، من أحصنة السيد كانت تصهل، ترافقها، سبع عشر مهرة طائشة، في الغروب،
ومن الغروب، حتى الغروب، عطش الأمير، فنادى حفيدته: أين أنت أيتها العذوبة القلق؟.
كانت حفيدته تطبخ له البرغل الناشف، وبيديها المرتعشتين النحيفتين، تطعم أحصنته الشعيرَ؛ كانت حفيدته، مهجورة مثله.

***

وحفيده؟.
هو المدوِّخ من ولايته ـ ولاية الطيش، التي ألّفها بالفارسية، وترجمها بنفسه، إلى الشجن، وإلى لغة أن يصغي بنفسه إلى صوت جده القديم، وهو جالس تحت تمثاله، يسمع لهاثه، ويسمع أغنيته الملونة عن المزاج والصحة والضجر والجبن الأبيض والكافيار المقوي والندماء الهائجين والخرائط الثلاث لـ كوردستان وغضب أحد أحصنة الأمير وهو يحمحم، يلوك أوراق الأمير، ويأكل الإمارة كلها، والحب كله، فيطيش الأمير، وتطيش معه إمارته:
ـ لنذهب أيها الثرثار، ياحصاني.
تحمحم المائة والسبعة عشر من أحصنته، تراقبها المهرات الحزينة؛ فهي ستبقى.
لقد سافر الأمير مع حفيده إلى قلعة دياربكر، ليغسل حجرها بماء الحب، ويمسح عنها التطاحن؛ يجعل حجرَها أكثر هدأة في الحب، ولتكون صامتة عندما يمر بجانبها: الحفيدة والحفيد، اللذان من نسل شجر السندروس الذي ينتعش الآن؛ ينتعش، ويرتعش مثل الأمير شرفخان، وهو في طريقه إلى تدوين شرفنامه.

***

ـ هل تحبها، ياحفيدي؟.
ـ نعم، ياجدي الهايكو.
ـ هل تحبيه، ياحفيدتي؟.
ـ نعم، ياجدي الهايكو.

***

في الحلم،
شجرةٌ,, ضمتها, ابتسمتْ حالمة، تنهدت..
استيقظت.
كتب الله على الشجرة: ماكان يجدر بها أن تستيقظَ.
من منفاها الذي هو قريب من كل شيء، إلا هي, جلست تراقب وتستمع.
هو لم يفسح لها المجال للتفكير, للندم, لذرف الدموع, أو حتى لايجاد الكتاب الذي أضاعته الأيام,
كانت مجرد لحظة "كم تشبهين أنتِ بشعرك المموج"؛ استيقظت منها بسرعة لتجد الغضب والاتهام,
سألت: ماالذي يجلب كل هذا الألم؟.
سألت, سألت, وسألت، حتى قررت أن تتوقف عن السؤال..
وفي خضم ارتجاف القلب وفقر الدم وقلة الحيلة، نسيتِ الحفيدةُ جدَّها، وبدأت تغني.

المستمعة الوحيدة لغنائها
كانت القطة الجائعة,
وحين جلستْ بهدوء تنظر إليها
أدركتْ أن الله راضٍ عنها.

***

لم تكن ضائعة، كانت مدهوشة. لم تكن صامتة، كانت تسمع إليه. لم تكن خرساء، كانت نائمة. لم تكن ميتة، كانت تحت البنج القوي. لم تكن دون ألوان، كانت حيلةً. لم تكن دون قرون، كانت قرونُها مكسورة. لم تكن دون ألم، كانت هي نفسها الألم.
هي خواتمك، ياجدي، التي معي الآن، أيقظتُها، بعد أربعمائة سنة، خواتمك المقهورة عليكَ، تناديك.
وتنادي على أصابعك الملوثة الميتة، منذ عام 1604، وأنت تمهِّد خيالك، للذين سيكتبون عنك.

***

(ولما كان الشاه إسماعيل هذا في الواقع متلون المزاج، لا يستقر على قرار، وقد أثّر عليه أيضاً إدمانه تعاطي الأفيون أثناء ما كان محبوساً في القلعة، تأثيراً سيئاً، بحيث لايمكنه مصادقة أو مجالسة أحد أكثر من شهر واحد، فلذا وجدتْ هذه السعايات والوشايات من أهل الغيرة والحسد مجالاً فسيحاً ومرتعاً خصيباً لديه، فأقدم على قتل البعض، وحبس البعض الآخر، وعزله، وأما أنا الفقير إلى الله تعالى، فقد أمر بإخراجي من البلد بحجة إسناد حكومة نخجوان إلي، فأرفقني بقوة عسكرية، تخفرني حتى "آذبيجان").

***

كنتَ، مهجوراً، ياأميري، لم تكن معك أحصنتك ـ عذابك، ولم تكن ألوانك معك، كنتَ أنت الأفيون. ياسيدي، ماهو الأفيون؟. ومن بيازيد حتى السويد، كنتُ معكَ، وتوقفتُ معك، عندما سلخوا لك تاريخك، وكانت معك حفيدتك المجنونة الخافتة مثل رقة شال على كتفيها، وهي تقف بجانبك؛ تقف أمامك، وهي تنتشي مثل حبة فاصولياء، تنتشي مثل رهطك المتوقد، مثل حب، ومثل عينين في الانتظار، ياسيدي، ياشرفخان. مثل عيني قطة في الظلام، تبرق وتبرق.

***

وكأنه كان موجوداً منذ الأزل،
وكأنني احتضنته حين ولادته.
واليوم..
أبحث عن كتاب جاءني في زمنٍ
فاتتني فيه كتابة رسائل شغوفة، كانت صديقاتي تكتبها, في وقت كنت الوحيدة.. أبحث في تاريخ, ربما عن نفسي, ولا أزال..
غريب أمر صفحاتٍ.. ترشدني اليوم إلى رسائل كانت دوماً هنا..
شرفخان
ياجدي الذي مزجني بالألوان فبعث فيَّ الشعر..
شفافةٌ أنا اليوم, كنبع عشق وألم، أبحث عن نسيم عذب, كان دوماً هنا، وأنا لاأزال ..

الكتابة،
ليس لها مكان،
والحب لايعترف بالزمن
وهو يتدفق كزمزم بين الإثنين.

***

الترسُ العسكري، اللحية الناشفة، الأنشوطتان الجلديتان من أعمال هولير، والسبحة الزهر من أعمال البحار، العينان اللتان ليستا في الأمان، والقلق مثل خزانة النبي نوح، قبل أن يرسو بسفينته على جودي، الحصار الأبدي على خصلات شعر كثيف في الحناء.
سأعذبك ياسيدي، تحملني ياسيدي القديم مثل طغرائك بحبره الأسود. تحمل أشواقي للثديين المتفجرين، لثديي أمي التي فطمتني مبكراً، ياأبي.
الترس العسكري، السيف الذهبي المنور، البردعة السوداء المنقطة بالتاريخ، الرُسل الإثني عشر ـ العلوم، الخف الجلدي، الحفيدة الشاحبة، الأقفال التي ترتجف في غيابك، الشرود والشرود.
تعوي كلاب الصيد، فقد لمحتك، تعوي لك، تهز بأذيالها، تركض إليك، فتطعمها من إمارتك الضائعة، مثل حبك الضائع.
تخلع الترس العسكري، تخلع الأنشوطتين، وتذهب إلى منمنماتك ـ حبك، ياجدي.

***

شرفخان، ياجدي النبيل
كنتُ سأضع عمامة "شاه بك"، وأخطو, خطوة خطوة وراء أثرك, لولاه هو!.
كنتُ سأجمع من خلف عباءتك الحرير لآليءَ الكلمات وعطر الألوان وصدى الحكمة, لولاه!.
حمامة رقيقة, أنا حفيدتك, سحرني ريش شاهينك الجبلي، عشقت الطيران في حضن مخالبه الحنون.
كنتُ, ياجدي الجليل، لولاه, لأشعلتُ شموعاً أضيء بها طرقاً، ربما فاتتك.
كنتُ سأفعل أيها النبيل.
لولا أن خطواتي بدأتْ منه.
سحرتُ ياجدي في اللامكان, تسمرت يا جدي في اللازمان، واقتنعت بسرعة بأن الشمس لاتغيب!.
حلمتُ ياجدي العظيم "إنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ".
لقد وقعتُ في الحب.
وقعتُ في تلك الحلكة، فاشتعلتُ بألوان قوس قزح, سعيدة بتعاستي.
لقد عشقتُ ياجدي العظيم.

كوردستان ـ غوتنبورغ، 2008

أقرأ أيضاً: