سيف الرحبي
(عمان)

سيف الرحبي عرفت حلمي سالم، منذ فترة مبكرة، منذ مطلع السبعينيات، كنت في المرحلة الثانوية، وكان في سنة ثانية كليّة الاعلام (أو الآداب) قسم صحافة، (إذا صحت المعلومة في ظل هذا الغبار الشمسيّ الكثيف).. أتذكر تلك الفترة المضيئة الصاخبة من حياتنا، وأنظر في مرآتها بنوع من التأمل الحزين... هل أقول أيضا الحسرة والحنين؟

لم يكن الوضع الدراسي والأكاديمي هاجساً بالنسبة لي ، كنتُ مأخوذاً بالمكان القاهري وصخبه الجديد ومحاولة اكتشافه بعينين ما زالتا قيد التلقائيّة الأولى والبراءة.. لم يكن (الدراسي) هاجسي، لدرجة انني حين التحقت بالجامعة سجلت في جامعة الأزهر (قسم الصحافة)، لكن وجودي اليومي مطلع النهارات كان في جامعة القاهرة بجوها السياسي ذي النبرة العالية، وهضاب بناتها الوارفات واللواتي قدِمن بالإضافة إلى الأرجاء المصريّة، من بلاد عربيّة كثيرة ومتعددة.

كان حلمي بوجهه المصري، المنحوت من تراب هذا البلد العريق وتضاريسه ونيله، وكنت المراهق القادم من شبه الجزيرة العربيّة تائهاً بين تضاريس البيئات المعرفيّة والسياسيّة التي تتوزع على الخارطة المصريّة بتعددها وأحلامها ومركزها القيّادي، حيث جمال عبدالناصر ما زال طرياَ في التراب والذاكرة. وما زال في هذه الأخيرة وان تقادم العهد والنكبات والأحلام..

القادم من بيئة تكاد تلامس البداية الملتبسة لقضايا العصر الحديث وأفكاره وآدابه، الى مناخ مضى ما يربو على القرن من محاولات التحديث والتجديد، على نخبه الفكريّة والسياسية.
كانت القاهرة بوابتنا نحو العالم والوجود آنذاك... أتذكر حلمي، في المقرّات الطلابيّة العربيّة بنشاطاتها وسجالاتها، ضمن معطيات تلك المرحلة وفي المراكز الثقافية والسينمائية الأخرى.

وأتذكر زياراته لنا في شارع سليمان جوهر أو شارع الزهراء في منطقة الدقي.. وأطروحاته الكثيرة التي تتوزع بين السياسة التي كانت تأخذ طريق وضوحها الساطع والقاطع في بداية وعيي حول شروط الخروج من حالة التدهور الحضاري والتخلف الاجتماعي صُعُداً نحو جنة الاشتراكية الموعودة والقوميّة والمساواة بين بني البشر.. وكان صديقي حلمي على ما أذكر أقل ميلاً وحماساً لهذه المناحي السياسية التي تأخذ طابعاً تبشيرياً بين الأوساط الطلابيّة غالباً، من ميله وحماسه للأطروحات الأدبية وأفكارها وحداثاتها المختلفة التي كانت تعج بها الساحة المصريّة والعربيّة في تلك الفترة والتي كانت رغم التباسها وغموض الكثير منها بالنسبة لشخص في مثل عمري وتجربتي، أتبناها بنزعة وثوقيّة عجيبة، مثلها مثل الأفكار السياسيّة السائدة في أوساط الطلبة ذات الميول القوميّة واليساريّة.

في ذلك المناخ الحالم، كانت الإرهاصات الأولى لما يمكن تسميته بالانشقاق الثقافي، الأدبي والجمالي لمركب الحداثة الشعريّة، السائدة برموزها شبه المستقرة الواضحة في تحديد دور الأدب والمجتمع، الواقع والتاريخ وسائر الأفكار التي كانت في معظمها ربما، أكثر التصاقاً بالخلفيّة المفاهيميّة لما سُمي بالواقعيّة الاشتراكيّة حيث أفكار الأدب والسياسة تتناسل من رحم واحد وحلم واحد بالتحوّل والتغيير.. في هذا المناخ وُلدت مجلة (إضاءة) و(أصوات) ومنابر أخرى.. وكان حلمي سالم وفي السياق ذاته وإن تفاوتت الأمزجة والميول، علي قنديل وحسن طلب وعبدالمنعم رمضان وأحمد طه ورفعت سلام وجمال القصاص وأمجد ريان والليبي عمر جيهان تشكيلياً وآخرين...

وأتذكر من الخليج والجزيرة العربيّة في تلك الفترة من المقيمين في القاهرة، وعلى صلة أكاديميّة وأدبيّة عبدالعزيز المقالح وعلوي الهاشمي وميسون صقر وغيرهم..
أشير إلى أن ذلك (الانشقاق) والخروج الذي ترك أثره في الشعريّة المصريّة يقتضي مغامرة أكبر من مثيلاتها في بلدان عربيّة مثل بيروت، العراق أو البلاد المغاربيّة... فمركب الثقافة المصريّة السائد، آنذاك ، كان من القوة والتماسك، بأن أي شيء يخرج عليه يُنظر نحوه إما بعين الريبة، أو النفي والاستصغار، وما أقصده هنا ليس Œالثقافة الرسمية˜ حرفاً ومصطلحاً، وهي في كل الأحوال ضعيفة، أمام هذه التي تحتكر المعارضة والضديّة والتحدث باسم المجتمع والمستقبل وغالبا ما تنبني من مكونات يساريّة ماركسيّة وقوميّة.

لم أكتب في (إضاءة) فأنا لم أبدأ الكتابة Œالحديثة˜ على مستوى النشر آنذاك، كنت من قرائها، وعلاقتي بحلمي على الأخص كانت عميقة، وكما قلت للصديق محمود قرني، ان هذه العلاقة أظنها قادمة من أزمنة وحيوات سابقة وسحيقة.
هذه الإشارات السريعة لملامح تلك المرحلة، تجعلني أستعيد قسمات الصداقة والأخوة الروحيّة الشعريّة للعزيز حلمي التي ظلت على تقلبات الأحوال ومرور الأيام والسنين تتوهج شفافية وعمقاً ومرحاً في أكثر من بلد ومكان..
التقيت حلمي خارج القاهرة عبر صُدف متكررة لا تخلو من الغرابة والسحر والمفارقة.. منها انني حين غادرت القاهرة وأقمت فترة من الزمن غير قصيرة في دمشق، كنت ضمن أحد الأيام في حي الصالحيّة وأسواقه ومحلاته، أدخل محلاً لشرب العصائر.. وأنا داخل المحل أرى فيما يشبه هلوسات ما بعد ليلة سهر عاصفة، رجلاً يقف بين الشارع والمحل، مبهدل المظهر أشعثه مرتبكاً، يتطلع في الجهة التي أقف فيها..

أنظر باللامبالاة نحوه، ثم أخذ النظر طريقه نحو التركيز والتعيين، كأنما الذاكرة القاهريّة تنفجر دفعة واحدة.. حلمي حلمي... هل أنت حلمي؟..
كان حلمي بالطبع.. أخذته الى البيت وانضم لاحقاً إلينا أصدقاء، أتذكر منهم يوسف سامي اليوسف، طاهر رياض، صالح العياري، أمين الزاوي، وآخرين..

ملخص الحكاية أن حلمي كان مقيما في بيروت يعمل في الصحافة الفلسطينيّة، (بيروت) التي لم يغادرها على الأرجح إلا بعد الغزو الإسرائيلي 1982م ذهب من بيروت إلى عمّان في واحدة من مهامه الغراميّة المعهودة، (كانت المرأة والشعر حلم خلاص جوهري في حياته) وهناك بدل أحضان الحبيبة تلقفته أحضان المخابرات الأردنيّة ورمته مع غيره في السجن.. أياماً وقذفته لاحقا على الحدود السوريّة.. وهكذا صَنعت هذه الحكاية ذات المناخ العاطفي البوليسي الصدفة التي أتاحت لقاءه بعد غياب..
صدفة أخرى جمعتني بالعزيز حلمي، بما أن الحياة التي كنا نعيشها وربما ما زلنا، ليست إلا ذلك الشتات من الصُدف التي تتجمع لاحقا في نسيج متماسك كأنه تخطيط صنعه دهاة أفكارٍ وتاريخ..

كنت جالساً في مقهى (كلوني الكبير) في الحي اللاتيني بباريس، وسط ضجيج المقهى ولغط الألسن المتداخل العالي، ألمح حلمي، بوضوح ، هذه المرة وبمظهر حسن حليق، تعانقنا بذلك الدفء العميق الذي يتميز به العزيز حلمي.. وعرّفني على شخص أشيب كان بصحبته..
كان طارق عبدالحكيم، صاحب (الأقدام العارية) حول تجربته ورفاقه تلك الفترة في السجون المصرية المرعبة، قدما الى باريس لإصدار مجلة فكريّة حيث ضاقت أجواء الحريّة في مصر في تلك الفترة لإصدار مثل هذه المجلة..
حكايات كثيرة وأماكن ومواقف، تجمعني بحلمي، هو الأكثر قدرة على سردها، أكثر إدهاشاًَ ونضارة ومرحاً.. حلمي الذي يحيل أكثر المشاهد مأساويّة وحزناً الى ضحك ومرح لكنه الضحك الذي يشبه البكاء..

* * *

مهما عصفت بنا الأيام فراقاً وأمراضاً، حبا مبتوراً وهو يحلم بالوصول الى الذروة، وأحلاماً كثيرة مجهضة، يظل حلمي سالم الشاعر الكبير، مشرقاً بفرح غامض وطفولة متجددة وإن كانت جريحة..
سنعيش رغم الداء والأعداء حسب الشاعر التونسي الذي قضى باكراً.. وسندافع بالوسائل المتاحة وغير المتاحة ضد تلاطم الأقدار العاتية.. وحين يحين أوان رحيلنا، سنرحل باصقين على هذا العالم، مرددين أنشودة نصر مجيد: لقد عشنا حياة طيبة، وفق الفيلسوف الإغريقي.

* حلمي سالم .. قُرئت ، ضمن ندوة احتفائية بالشاعر، إثر محنة صحيّة صعبة بدعوة من تجمع قصيدة النثر (غضب) .. وكانت بنقابة الصحفيين في القاهرة.