(وقفةٌ خاشعةٌ أمام حياة أوغوست رودان وأعماله)

أكرم أنطاكي

على الرخام الساخن تتمايل هذه المرأة فوق الموجة، وقد بَرَتْها يدان تلتهبان بتكويراتها وتشغفان. إزميل في روحها ينقش آلاف الأجسام الغافية.

– هوغيت برتران
1

Sur le marbre chaud, cette femme tangue sur la vague, façonnée par des mains que ses courbes rendent fiévreuses, passionnées. Un ciseau en son âme grave des milliers de corps assoupis.
- Huguette Bertrand

هو ذا المسيح المصلوب، فاتحًا ذراعيه كعمود مؤشر على درب صليبِ الآلام كلِّها، يحتضر تحت وطأة قدره الساحق كهذه الصخرة المنصوبة فوقه، (صليب ضخم ومتحجر). وتلك التي جاءت قديمًا لتعانق قدميه اللتين لا يأخذهما تعب، تدنو منه، أما وأن القربان قد تم، لتغلِّف بجسمها جسمَه المتروك النازف، في تعبيرٍ عن الحنان متأخرٍ ومجنون.

– راينر ماريا ريلكه

Le Christ crucifié, aux bras ouverts, tel un poteau indicateur sur le chemin de croix de toutes les douleurs, se meurt sous le poids de son destin qui l’écrase comme cette pierre dressée au-dessus de lui, (une croix massive et pétrifiée). Et celle-là qui vint jadis pour joindre ses pieds infatigables, elle s’approche de lui, maintenant que le sacrifice est accompli, pour envelopper de son corps son corps abandonné et exsangue, dans un geste de tendresse tardif et insensé.
- Rainer Maria Rilke

1

1... ونبدأ من هاتين القصيدتين البديعتين، المستوحاتين من منحوتتين من أجمل وأعمق ما قدمه أوغوست رودان، هما "الدانايدة" [1] و"المسيح والمجدلية"، لنتساءل عن البُعد الروحي والفلسفي – إن لم نقل عن الخلفية السرَّانية الباطنية – لهذا الرجل الذي أنطق الحجر...

لنتساءل حول ماهية صاحبها ودوافعه، محاولين أن نفهم، وإنْ قليلاً، أي شيطان (أو إله) كان يتلبَّسه عندما أقدم على تلك الأعمال المذهلة... لأن صاحبنا كان إنسانًا مثلنا في نهاية المطاف – إنسانًا عرف النجاح كما عرف الفشل، فأحب وعشق، أصاب وأخطأ، مثله كمثل البشر أجمعين. لكنه لم يكن في النهاية ككلِّ البشر، بل كان بحق أحد أعظم الفنانين في تاريخ الإنسانية، لا يضاهيه، ربما، إلا ميكلانجلو.

2

البدايات أو "العصر البرونزي"

1والتاريخ يقول أن أوغوست رودان ولد في باريس من أسرة متواضعة في 12 تشرين الثاني 1840، وأنه التحق في الرابعة عشرة من عمره بمدرسة الرسم والرياضيات التي كانت تسمى "المدرسة الصغرى"، حيث تعلم مبادئ الفن والنحت – الأمر الذي دفعه للتقدم إلى امتحانات "مدرسة الفنون الجميلة"، حيث رسب ثلاث مرات متتالية ولم يُقبَل في نهاية المطاف. وفي العام 1862، التحق، بُعيد وفاة شقيقته، بسلك "آباء السرِّ الأقدس" بهدف أن يصبح كاهنًا؛ إلا أنه سرعان ما غادره بإيعاز من رئيس السلك الذي شجعه على اختيار طريق الفن – وكان هذا ما فعل. فما بين العامين 1864 و1874، عمل مع ألبير كارييه بيلوز في باريس، ثم مع فان ريپسبورغ ومع كارييه بيلوز أيضًا في بروكسل، حيث ساهم في أعمال ديكور "قصر الأكاديميات". وقد قدم في تلك الفترة أولى أعماله الملفتة للنظر، التي كان أهمها: قناع "الرجل ذو الأنف المكسور"، الذي رُفِضَ عندما تقدم به إلى معرض الفنون الجميلة في العام 1865، و"الصبية ذات القبعة المكلَّلة بالورد" الفخاري في العام نفسه.

أما في العام 1875، فقد أسعفه الحظ بالسفر إلى إيطاليا، حيث اطلع على أعمال دوناتيلو وميكلانجلو، الذي ترك فيه عميق الأثر، ليعود بعد ذلك إلى فرنسا التي زار معظم مدنها وقراها، متوقفًا أمام كاتدرائياتها وكنائسها ومنحوتاتها، ليعود من بعدُ إلى باريس، حيث قدم في العام 1877، في قاعة كلية الفنون، أولى أعماله الشهيرة: تمثالاً من البرونز أُطلِقَ عليه اسمُ "العصر البرونزي".

1وقد أحدث هذا التمثال فضيحةً عندما اتهِّم رودان يومذاك بأنه استعمل جسمًا حيًّا لصنع قالب الجص لتمثاله، الأمر الذي تبين فيما بعد أنه كان تلفيقًا.

ونسجل أن صاحبنا تعرف في تلك الفترة (في العام 1864 تحديدًا) إلى عاملة الخياطة روز بوريه التي كان عمرها آنذاك عشرين عامًا، فعملت لديه كموديل، ثم أصبحت عشيقته، وكانت المرأة التي رافقتْه طوال حياته والتي اقترن بها رسميًّا في 29 كانون الثاني من العام 1917، أي قبل أشهر من وفاتهما [2]. وقد أنجب منها ابنه "غير الشرعي" الوحيد الذي ولد في العام 1866، أي بعد سنتين من العام الذي ولدت فيه كامي كلوديل [3]، التي أصبحت فيما بعد عشيقة رودان، إن لم نقل إنها كانت قصة حبِّه الحقيقية الوحيدة.

3

"بوابة الجحيم"

بدأ رودان يشتهر في الوسط الفني الباريسي. إذ بدأ هذا الوسط، الذي كان (ومازال ربما) الأكثر حساسية في العالم، يشعر أنه أمام ظاهرة فريدة لم تعرف الإنسانيةُ مثيلاً لها منذ زمن طويل. فكان في 16 آب 1880 أنْ كلَّفتْ إدارةُ الفنون الجميلة أوغوست رودان، الذي لم تقبله ذات يوم طالبًا لديها، تكليفًا رسميًّا بتصميم البوابة الرئيسية لـ"متحف الفنون التشكيلية" المزمَع إقامته في باريس آنذاك – وهو المكان نفسه الذي بات يُعرَف اليوم بـ"متحف أورسيه" Musée d’Orsay – بوابة أرادوها مزينةً بصور منحوتة مستوحاة من الكوميديا الإلهية لدانتي، فكان هذا العمل الرئيسي الذي انكب عليه حتى مماته، وإنْ لم ينجزه تمامًا – هذا العمل الذي اشتُقَّتْ من موضوعاته غالبيةُ أعماله العظيمة.

وطبعًا، استوحى رودان في عمله هذا من المعلِّمين الذين سبقوه، وخاصةً من ميكلانجلو وغيبرتي، مع فارق أنه ركز، هاهنا تحديدًا، على "جحيم" دانتي الذي سَحَرَه. وهكذا أقدم على تلك المحاولات المعدة أصلاً للبوابة، التي أضحت فيما بعد أعمالاً قائمة بذاتها – تلك التي نستعرض منها، مثلاً وليس حصرًا، ...

1أ. "المفكر" (1881)...
هذا المنحوت الأشهر لرودان، الذي كان مُعدًّا لأن يصير جزءًا من البوابة، فأضحى عملاً مستقلاً – هذا العمل الذي عُرِضَ لأول مرة بحجمه الأصلي (71.5 سم) في كوبنهاغن في العام 1888، ثم دُشِّنَ أمام "مقبرة الخالدين" Panthéon في باريس، حيث أصبح رمزًا اشتراكيًّا، قبل أن يُنقَل في نهاية المطاف إلى حدائق متحف رودان، حيث وُضِعَ فوق ضريحه.
ب. "آدم وحواء" (1881)...
اللذان، كما جاء في العهد القديم، كانا أول من عصى أوامر الخالق الذي طردهما من الفردوس. وقد دُشِّنَ هذا العمل، كأول طلبية ملحقة مستقلة عن البوابة، وإنْ من أجلها، فكان هذا الثنائي الخارق: حيث يقف آدم ذو الإصبع الممدودة (نحو الأسفل؟) لتلقِّي الحياة وهو منحنٍ أمام خالقه تعبيرًا عن الرهبة والخشوع؛ وكذلك تقف حواء، كما وصفها ريلكه، "كأنها منكفئة من بعيد على ذراعيها، ويداها الموجهتان نحو الخارج تودان أن تدفعا كلَّ شيء، حتى جسمها المتحول نفسه" [4]؛ حواء الـ"... خجلى من الإثم، منحنيةً تحت وطأة الرعب، جزعةً جزعًا غامضًا، لا من ندم على الخطيئة، بل من فكرة أنها خلقت كائناتٍ منذورةً للعذاب الآتي..." [5].

ج. "القبلة" أو "پاولو وفرانتشيسكا" (1888)
كان هذان العاشقان من أوائل الذين قابلهما فرجيل ودانتي في الحلقة الثانية من الكوميديا الإلهية. وقد قُتِلا لأنهما، كما تقول الرواية، تعاطيا "الحب الحرام": ففرانتشيسكا كانت متزوجة، لكنها "أجرمت"، إذ أحبت پاولو، شقيق زوجها، الذي "أجرم" هو الآخر فأحبها. لكنهما قُتِلا عندما فاجأهما الزوج وهما يتبادلان قبلتهما الأولى والأخيرة! فـ"الحب يقودنا دائمًا إلى الموت الوحيد"، كما قال دانتي. وهذا الحب، المقرون بكامي كلوديل، هو الذي ألهم رودان حين أنجز مختلف نماذج هذا العمل الذي نجد نسخةً منه اليوم في متحف أورسيه ونسخةً أخرى في متحف رودان. وأيضًا...