جوان تتر
(سوريا)

( 1 )

عَاطِلْ عَن الأَمَلْ
إلى زياد الرحباني :
بما إنّو العيشَة سَوْدَا ومُشْ بَيْضَا

1

جوان تتر المَرايَا المُنْتَحِرَة
صُفوفُ الأَشْجَارِ تَرتَطِمُ بِهَوَاءٍ ,
صَديقي الشَّاعِر, بيَدِهِ يُشيرُ إلى أَلَقِ السّلحُفَاة, يَشتُمُ المَدينَةَ الوَادِعَة,
دونَ فَزَعٍ تَقْطَعُ الشّارِعَ الحَافِلاتُ الصَّفراءُ التي بِدونِ آَنيَةٍ لِرَمَادِ سَجَائِرِنَا الوَضيعَة,
يَرْميهَا السّائِقُ للقِطَطْ.
( وَلي رَأيٌ آَخَرُ في الأحْذيَة الجِلدِ ذَاتِ الأعْنَاق ِ الطَّويلَةِ " النَّعَامَةِ" ) قَالَتْ صَدِيقَتُنَا الفَاتِنَة.
أَشْتَاقُ لِوَالدي اليوم , وَ الكوخ , السَّطْحُ الإسمَنتيُّ الفَارِهْ , القَمْحُ الطريُّ , الشَّارعُ ,
الزّوَايَا الحَجَريّة,
أُوُهْ, وَصَديقي النّشِط "موتسارت" , أشْتَاقُ للسّمَاءْ.

2

الثّالِثَةُ
ضَبَابٌ كثٌّ يَرتَدي أَقْنِعَةَ الرَّاحلينْ , يُسَرْبِلُ البُرجَ المُثْبَتَ بِظلِّ غَيْمَةٍ
قَدَمَايَ عَلى الشُّرْفَةِ , شَيْخَانِ يَجولانِ في الدُّخَانِ النّديّ,
شَقيقَتي ( الحُجْرَةُ الظَّلمَاءْ) تُحيكُ السَّكينَة غَيرَ مُكْتَرِثَةٍ لِعَيني المُتَخَاصِمَة مَعَ مُحَيّايَ في الزُّجَاجِ الأَمْلَس ,
وَحينَ الظَّلامُ لِصْقَ السّرير وَادِعَاً كَإلَهٍ مُقَرْفِصٍ يَتَمَعَّنُ ( العَجوزَ العَاريَة)
مُتَثَاقِلاً أَجُرُّ الخَدَرَ الشَّغوفَ بِأطرَافي , بِلا خيفةٍ مِن دَاءٍ ازْدَرَدُتُ الذُبَابَة الدَّاكِنَةَ العَرْجَاء

3

الحُلُمُ, المَغَارَةُ الوَاسِعَة
فُنيَ كُلُّ شَيء , دَفَعْتُ بِعُمْريَ الثّاني إلَى النّار ,
رَجَوتُ السَّمَاءَ , كَدَّرتُ نَقَائَهَا ,
جَعَلْتُ النُّجومَ تَعْطُس وَتَفركُ عَينَهَا السّابِحَة في الدُخَانِ الأبَيَضْ,
" حَقَّاً لا تَثِقوا بِي"

4

يَتَنَاسَلُ الشّيطَانُ في مَدينَتِنَا
سَأَمٌ يَتَأرْجَحُ كَكُتْلَةِ ريحٍ تَصْفَعُ مَلامِحَ مَنْ تَرْغَبْ ,
دونَ خَجَلٍ مِن نَقَائِصِهَا, تَتَبَاهَى الحَيوانَاتُ التَّافِهَةُ بانْمِسَاخٍ,
هِبَةٌ قَذَفَهَا العَجوزُ المُنْتَشي خَلفَ السُّحبِ القُضْبَان,
لا بوَاعِثَ لانْغِمَاسٍ في الأُنثى غير انتقَامٍ منَ الفَرَاغ,
, حُبٌّ قوتٌ , حُبٌّ ضَجَرٌ ,
كُلُّهُنَّ , مِن بَاحَةِ المَدرَسَةِ إلَى الجَبَلِ المُستَلقي عَلى فِرَاشِ الفَجر
لا يُظْهِرْنَ الرَّأفَةَ بِنَا
( لِيَكُنْ,
فَلْنَمْضِ أيَّتُهَا الأرجُلْ) صَرَخْتُ

5

أرهَقَني الصّوتُ,
سَجينَاً أَتَنَزَّهُ مَعَ الخَيالِ في فَضَائِهِ المُسترخي عَلى بَيَاضٍ مُخَطَّطٍ,
أكَادُ الفَرارَ مِنَ الّلحْظَةِ بِتَفَاصِيلِها ,
وَكَدَأْبِ الصّيدَلاني في تَدبيرِ الوَصْفِ:
" جُرْعَةُ الفَجْرِ الوَحيدَة لَيْسَت كَافيَةً لإفْنَاءِ البَعوض"
, هَكَذَا أنْصَحُ جَارتي,
الأفقْ , الجِسْرُ الفَاصِلُ بينَ عَالَمِنَا وَ الأموات . العُشبُ (القِطَّةُ كَذَلِكَ مَيّتةً باسْتِرْخَاءٍ عَلى العُشْبِ )
الفَتَاةُ الرَّاقِدَةُ نَحيلَةً جِوارَ وَالِدَتِهَا عَلى الفِرْاشِ المُحَصَّنِ بكَآبَةٍ ,
هيْيْيْيْيْييييييييييييه...
" أيّتُها الفَرَاشَاتُ ابْتَعِدي ظِلَالُكِ لا تُؤْنِسْ "

6

"دي"
تَعُبُّ المياهَ مِنَ النّبعِ شَمَالَ القَريَة
"دي" هَشَّمَتْ إنَاءَ الفِطْر . لَن تَبكي لِتَسَاقُطِ الثُلوجِ مَرَّةً أُخرى .
قُلْتُ للطِّفْلَةِ التي أدْعوهَا ( الرَّاء) بُعيدَ مُشْاهَدَتي فيلْمَاً صينيَّاً هوَ ( طَريقُ البَيت)
الّلهَبُ يَصَّاعدُ لِصْقَ المَقْبَرَة .
في الحُلُمِ أُدِرُّ العَرَقَ بِغَزَارَةٍ كَأنَّهُ دَمٌ رُغْمَ بُرودَةِ الطّقسِ, رُغْمَ بَابٍ مَفتوحٍ عَلى خَواءٍ عَميق,
تَمَازَجَت الصّورْ . مَا أَفْزَعَني سُعَالُ شَقيقي المُزْمِنْ ( شَقيقي ) الذي أَغْرَاهُ الشّيطَانْ, المَمْسوسُ بِبرودَةٍ تَتَسَللُّ طَليْقَةً نَحوَ هَيْكَلِهِ النّحيل.
مَاذَا تَفْعَلُ الثّعَابينُ , مِن أين وُلِدَتْ وَأنَا أسيرُ غُرفَةٍ إسمنتيةٍ , رُبَّمَا مِن المَوقِدِ الهَرِمْ , أوَ يَعْشَقُ ثُعبَانٌ النَّارَ ؟ اسْتَنْطَقْتُ ذَاتي المُوهَنَة.
أَلْمَحُني بِمَلابِسَ بَاليَة , مُسَرَّحَ الشَّعرِِ , " دونَ تَلميعِ الحِذاءْ " أحْملُ قَدَمي اليُسرى مُنْتَحِلاً وَضْعيَّةَ مَن يُحاوِلُ إسْقَاطَ نَفْسِهِ , لَمْ أسْقُطْ , هوَ الإطَارُ تَهَاوَى.
قَبْلَ بُرْهَةٍ أَسَرَّ " كاواباتا " _ الأطْفَالُ لا يُخْطِئونَ أبَدًَا _ سِرٌ جَميلٌ ,
طِفْلَتي التي أدْعوهَا (الرَّاء) نَعَتَتني بالتّافهِ لأنّني لَمْ أبْتَعْ في دَربِ عَودتي " مُغَلَّفَ الشّيبس " لِمَ تُبْدِلُ مَوَاطِنَ الأَشياء في حُجْرَتِكَ؟
المحارُ الوَسيمُ كَانَ هَادِئَاً ,
ثُمَّ مَن أينَ تَبْتَاعُ هَذهِ الأَظَافِرَ الكَريهة؟ سَأُحَطِّمُ جُمْجُمَةَ صَاحبِ المَحَلّ .
( لَيسَ الأطْفَالُ كائِنَاتَ الطِّين, أتُدْرِكْ؟ )
رَبَمَّا مِنَ الأفَضلِ إقتلاعُ الشّجَرةِ البائِسَة التي تَتَوَسَّطُ الكوخَينِ أَمَامَاً !!!
لا تَدَعِ البَابَ حُرَّاً , لِصٌّ يولَدُ في شَارِعِنَا.
(لَنْ يَأخُذَ غيرَ هَواءٍ وَبَعْضَ الضّوءِ كوني آَمِنَةً) قُلْتُ.
غادَرَت الحُجْرَة مُطْبِقَةً البابَ بَقسْوَةِ سَجَّانْ

7

رأيتُهم يهبطونَ الأفقَ ولادَةً دونَ الحَبلِ اللحميّ – إشَارةُ الهُبوطِ مَن مَجْهولٍ مُظلمٍ - كُلُّ خَطوَةٍ تُزيدُهُم عَامَاً في الحَيَاة , إِنْتَهوا إليَّ شُيوخاً بيَدِ كُلٍّ مِنْهُم فَرَاشَة ,
أقْدَامُهُم تَعلو الأرْضَ , يَسيرونَ عَلى أرْضٍ غَيرَ مَرئيَّةٍ تَعلو أرضَنَا سَمَاكَةَ ظِلٍّ مَرِحْ ,لَمْ يُبصِروني عَلى الشُرفَة مُلوِّحَاً بأقْدَارِهم ثُمَّ مُوليَاً ظَهري لِوجوههِم المُشعَّّةِ حَالَ دُنوِّهِم :
" أحَدُكُم سَيموتُ عَلى صَدْرِ فَتاةٍ مُراهِقَة , الآخَرُ سيموتُ لِصْقَ شَجَرةٍ , ثَالِثُكُم سَيموتُ فَجأةً دونَ مُبرّر , رابعكُم سيموتُ إِثْرَ كَابوسٍ عَن قِطٍّ يَبْتَلِعُ نَوَافِذَ البَلْدَة ,
الخَامِسُ –أنا- مُتَيَبِّسَاً عَلى هَذهِ الشُّرفَةِ كَتِمْثَالٍ حَزينٍ قَديمْ .

8

أيَّتُهَا الأُمُّ , لا تَخْجَلي مِن خَطَايا وَلدِك , إسمَعي فَقَط ,
سَتُنْشِدُ المَلَائِكَةُ خَجِلَةً أفْعَالَهُ :
كَانَ يُضَاجِعُ المَسَاءَ وَأنْتِ نَائِمَة , يُطْفِئُ التَّلفَازَ ويُشْغِلُهُ بِخفَّةٍ آنَ يَسْمَعُ خُطَاكِ هَابِطَةً السَّطْحَ إلى المِرْحَاض,
كانَ يَبْتَسِمُ لِتَأوّهَاتِ الأُنثَى الصّغيرة وَهيَ تُضَاجَعُ مِرَارَاً في الّليلِ مِن شَبَحِ زوجِهَا الحَطَاب ,
ثُمّ صَبَاحَاً مَعَ رَغيفٍ ساخنٍ يولَدُ تَأويلٌ مُغَايَرٌ لِمَغْزَى الصّوت :
(( جَارَتُنَا الصَغيرَة لَمْ تَنَمْ , إنّها الزَّائِدَة الدوديّة , مِسكينَةٌ , طبيبٌ والِدُهَا , أوّاهُ يا لَلبُخل ..))
كَانَ يَخْتَلِسُ النقودَ مِن مِحْفَظَةِ شَقيقِهِ ثَمَنَاً للجعّةِ الرّديئة , يَكذِبُ لَيلاً,نَهَارَاً وَاضِحَاً كَالشّمس , يُحْرِقُ سَاعَاتَ الّليلِ الأَخيرة مَعَ السّجَائِرِ مُضَاجِعَاً أَطْيافَ بَنَاتِ الحَيِّ القَاصِرَات , في رَحْمِ كُلِّ طَيفٍ قاصِرٍ حَيوانٌ مَنَويٌّ مُنْتَحِرْ .
يَسْتَدينُ دونَمَا اكْتِرَاثٍ بالوَفَاء ( الوفاءُ صَنيعُ الحَمْقَى ) , هَكَذَا دوَّنَ بِحبرِ الخَيالِ ذاتَ خَريفٍ ,
_ إبْنُكَ مُحْتَالٌ _ هَمَسَ أحَدُ البَاعَة في أُذُنِ شَاهِد قَبْرِ والِدِهِ مرةً وَهوَ يَبْصِقُ ,
يَلعَنُ الآَلِهَةَ دونَ مُبَرِّرٍ , يُنْفِقُ المَالَ خَاصَّتَكِ ,
كّانَت العَائِلَة تَنْعَتُهُ بالمَجنون, سِواكِ : لَيْسَ مَجنونَاً , ( وَلَدي شَارِعٌ ) عِوَضَاً عَن ( وَلَدي شَاعِرْ ) ,
يَتَوارَى إذْ ( هَاتِفُكُم مَفْصولٌ لأسبابِ مَاليّة ) أو ( أخي المُشترِك بَادر للإستِفَادَة مِن مَرسوم الإعفاء عَن الغَرَامات ) , وَلَدُكِ أغَلى غَرامة , كُوني مُتَيَقِّنَةً الأمْرَ .
كَانَ يُحَرِّرُ عُضوهُ لِرَسْمِ أبيهِ المُضْحِك , يَبْحَثُ في خِزَانَة ابنَةِ عَمَّتِهِ الضّخمَة عَن سوتيانٍ لائقٍ بِثدي حَبيبَتِه النّحيلَة . لايَكُفُّ عَن إعدامِ الظِلالِ رَشْقَاً بِنُصُوصٍ رَديئَةٍ .
أيَّتُها الوَالِدَة :
مرحَى لَكِ . لِرحمِكِ .

9

مَاكُنتُ أشْعُرهُ طُمأنينَةً لِصْقَكِ بَدَأتُ أخسَرهُ خَاتِمَةَ كُلِّ إغمَاضَةٍ، الخوفُ الذي كانَ يَطردهُ وجهكِ يعودُ مُجَدَّدَاً أقوى مِمّا كانَ في المَاضي، كنتُ أخدعَ العاطفةَ:
«لابأس... سوف تلقاها كسيحةً في ركنٍ يلي حُجرة الذكرى »
غَير انّي لا أرى سوى الصَّورةَ القديمة ذاتَهَا:
(دونما خوفٍ ألِجُ الرِّواقَ المُحْتَفِظ في نهايته بابَ منزلكِ العَطوف. بلا ارتباكٍ تَطرقهُ أناملي الميَّتة. فأجدُني فَارَّاً، قِطَّةً مَذعورة، لَكِ الضَّحكُ مُطَوَّلاً مِنَ الأمر إنّّهُ مُضْحِكٌ للغايَة، أنا أيضَاً أضحكُ لمرآيَ هَارباً كالمُنْتَشِل). صَباحاً حينَ أنَامُ نكايةً بالنّهار أعيدُ بِمَهارةٍ ترتيبَ ملامحكِ- هواجسكِ .
هذا أنفكِ. هَا هُنا الأذنُ الرقيقةُ الجَميلَة، شَعْرُكِ مردوداً للخلف بعناية، فمكِ .
هَكَذا بِتؤدةٍ أعيدُ الرَّسمَ. تُعينني رِيشَة التذكُّر.
يحدِّقني الجدارُ المبتسم، أهبُ رأسي للوسادة - آمناً أغفو-

10

يُتْعِبُني مَرأى الورود النَّائِمَة، الصّنوبرَةُ العَجوز، كَذلكَ وجهي الوَسيم « هَذا مَا أسَرَّتهُ صَديقتي» يَتَحوَّل إلى وَجهِ بوم .
هيَ دَقَائِقٌ فَاصِلَة بينَ عَيشي كَإنسَانٍ وَعَيشي كَبومٍ لايَبْرَحُ مُقيمَاً بأعلَى غُصْنٍ في الشَّجرةِ المَغروسَةِ سَهواً وَسْطَ الدَّار التي هَجَرَتْهَا الكائِنَاتُ مُنذُ زَمَنٍ، بومٌ- قَمَرٌ يَتَلَصَّصُ، لايتوقَّفُ عَن تَحريكِ رَأسهِ نِصْفَ دورةٍ ليُحَنَّطَ هَادِئَاً كُلَّمَا تَنَاهَى لِسَمْعِهِ نُباحُ الكلابِ عِندَ الفَجر.
أجَل. سَأنَامُ رُغْمَ كُلِّ شَيء.... رُغْمَ النَّهار الذي لَم أبْصرهُ طِوالَ خَمسِ سَنواتٍ خَلَت.
أُصَارِحُ النَّافِذَة:
(النَّومُ خِلالَ النَّهارِ كَمينٌ أثَابرُ عَلى تَدبيرهِ بينَ الّلحظَةِ والأُخرَى لِعَصَافيرِ الّليل.)

11

أنثَى بِأكْمَلِهَا تَسْتَحِمُّ في مياهِ حُجْرَةِ القَمر، صُراخٌ في الجُمْجُمة لا يَدعني إلّا مَؤرقاً، طِفلٌ يُثَرثِرُ بوقَاحَةٍ كَحَكيم، دَمٌ يَسيلُ من فوَّهَةِ المِزرَاب، أشبَاحٌ تُغيظُني برؤوسِهَا النَّافرة من شُبَّاكِ الكوخ، وَالدي مُقَيَّدَاً بالقَدَمِ الأولى لِلطّاولَة، يُشيرُ بإصْبَعِهِ لِغَيمَةٍ في هَيئةِ رَجلٍ يَنْتَحِر،
«لَيسَتْ لَوحَةً»، هيَ حَيَاةٌ ، هوَ ذا مَسْرَحي البَاطنيّ ، بَيْدَ أنّي أَشْعُرُ وَحَسب دونَ إنَارَةٍ
(( أُخْتَاً مُفرَدَة تَتَقدَّمُ صَوبي عَبْرَ الضَّباب )) .

12

تَبَّاً، إنَّهُ الرَّبيع، أكرَهُهُ. نَادِرَاً أحِبُّهُ. فَقَط لأنَّ اليابانَ تُحبَّهُ، الرَّمَدُ يَقتلُ الرّؤية ، أظَلُّ سَخيفَاً يَثورُ لِدُعابَةٍ خَفيفَة، مَا مِن رَغْبَةٍ في رؤيَةِ أحَد حَتَّى ظِلِّي.
ثَمَة في مَدينتنا مَسَاحَاتٌ وَاسِعَة. بِحَرَكَةٍ نَحوَ السَّطح «مَنزلي ليسَ غَربيَّ البِنَاء إنَّمَا ريفيّ» بمقدوركِ إبصار المقبرة التي بدون سياجٍ تتوسَّعُ وتدنو. أخشى ذاتَ فجرٍ الإستيقَاظَ فلا أرى سوى المَقَابِرَ عِوَضَ البيوت ، الأشباحَ عِوَضَ البَشر المَغروسين عُنوَةً في هذا الوجهِ المُهمَلِ مِن الكُرَة، ما من صوتَ غير ضجيج الفقر، لكن، لَنْ أُُفَاجَئَ وأنا جَالسٌ إلى الكمبيوتر سَمَاعَ أحد المُغَنِّينَ التَّافهين، إنَّهُ عرسٌ إذاً، أجل سيتزوجونَ رُغمَ المَقبَرَة. رُغمَ نُبَاح الكلاب المسعورة لمجرَّد الوصول بالزَّمن إلى السابعة مساء، ما يومَضُ الآنَ في غرفتي هو شَعْري....
«هَيْ.. هَيْ.... هَيْ هل أنتَ ألمانيّ؟« هَتَفَ الصَّوتُ العَميقُ من قَاعِ الحُلُمْ

13

تتسع الأرضُ بلا شفقةٍ مثل آلامنا، الأحجارُ المتراصفة المطلية بسوادٍ وبياض يكسوها الآن لونٌ لا أميزه.
النغمة الثورية التي كان يرددها نادلُ البارِ النحيل أسمعها بوضوحٍ هذا الفجر،
عزفهُ الساخن بأنامله الرقيقة يحيطُ بالغرفة.

14

أُختنا الكبيرة كيف الحال.
عندما دوَّنتُ الرسالة هذه ورقيَّاً كانت الساعة تقارب ال 4.58 فجراً . أي قبل ركوبي الدراجة والإنطلاق للفرنِ القريب نسبياً لجلب الخبز الذي لا تَقبَلُ الأُمُّ سواه بحوالي نصف ساعة . تذكَّرتُكِ متأمِّلاً الإنتظار . لاشيءَ سوى غرفةٍ باردة دهمها شتاءٌ هو أقسى الشتاءات منذ سنواتٍ منصرمة , فراغٌ مُبهٍرٌ تصالحتُ معه , كُلُّ الأصدقاء يتَّجهون نحوَ موتٍ مجازيّ , لا أراهم إلاَّ كما أرى ذاتي , نحيلةً . شاحبة . نوباتُ شقيقة مُتتابعة اكتشفها طبيبٌ بأجهزتهِ الإستشعاريّة جاسَّاً دماغي بلغوٍ أكادُ لا أستبينهُ , الإيماءةُ وحدها أفهمتني بدنوِّ صيغةٍ مُسْتَحْدَثةٍ للحَياة تمَاشياً مع المَرض : تبغٌ قليل , قهوةٌ مفقودة , سهرٌ محظور , لكن هيهات أن أنفِّذ ما أُُوصيتُ , فليذهب مع الأطبَّاءِ للجحيم وليذهب المرضُ والرأسُ الذي يحويهِ لجحيمٍ أشدّ . خلالَ فترة التغيّب حدَثت أمورٌ ثانويّة غيرَ أنَّها تحملُ بذورَ الأهميّة , أعني تلكَ الأمور سوف تنمو لتصيرَ عجلةً تقودُ مجرى حياتي نحوَ هلاكٍ مُحتَّم , لعلَّ الأخطر قراري بإيداعِ الدراسة سلةَ المُهمَلات حيث لن أقدِّم موادي لهذا الفصل ولا لأيّ فصلٍ آخر ,تعبتُ من هِباتِ والدتي وأصدقائي اللذينَ أحبُّهم , لفترةٍ لازمني شعورُ أنّني شحّاذ, شحّاذٌ من صِنفٍ رفيع . ذلكَ ما هدّني وبذاتِ الوقت حَثَّني الألمُ المُرافقُ على تداركِ الأمر بسرعةٍ قصوى لإيجاد حلٍّ مُتمَثِّلٍ بالعمل .عملتُ في المشفى كمُحاسب إلاَّ أنَّ الموضوع لم يَرُق لي , الطبيبُ يقول: لدينا علبةُ دواءٍ ناقصة في غُرفةِ الزبون 33 , لاحظي , الزبون , " أنا نادلٌ والطبيبُ مدير ُكباريه " , إنتقلتُ عقبها للعملِ في صيدليّة وهربتْ لأننّي لم أَبِع سوى عُلبٍ من (الواقي الذكري) لاشيء آخر يُشْتَرى , هُنا كوني متنبِّهةً للسُخف , حاولتُ العودة للتدريس , والذي أدعوهُ " التهريب " أعني لا مفرَّ من ضرورة التحلّي بأخلاقِ المُهَرِّب في حالِ الرَّغبةِ بالإستمرار .

" أنا مُضطَّرٌ للتوقُّف , عليَّ الذهابُ للفرن "
البيوت ُ تتأمَّل هادئةً صياحَ المارّين متوجّسينَ من يومٍ ثقيلٍ ربّما .
في دربِ العودةِ أتخيّلُني مُمتطياً فرساً , الناسُ في هذا الوقتِ مُرْعبون . يركضونُ وكأنَّ مارداً يُلاحقهم , يا للنشاطِ السّخيف وَ البدونِ طائل : فَلْنَنَمْ إلى الظّهر ليتحوّلَ الظّهر بحركةٍ إعتياديّة إلى فجر , فيروز ظُهراً عِوَضَ فيروزِ الصّباح , ثُمَّ ما علاقةُ فيروز بالصّباح ... " أنا أهذي " ........ ليسَ مُهِمّاً .
الأرواحُ المُغتاظَةُ من لا مبالاتي حرَّضتني على الكتابة . أخطائي كَثُرَت , غيرَ أنّني لا أهتمُّ , إنَّهُ التناقضُ إذاً ذلكَ الدّليلُ الحيُّ على الجنون .
إسمعي سأقرأُ لكِ شيئاً لا أعلمُ من قالَهُ " حينما تتصالحُ معَ الموت وتتقبّل فكرةَ موتكَ الشخصي تصيرُ حُرّاً لتحيا . تكفُّ عن المبالاةِ بسُمعَتك وما يقوله الناسُ عنك . ولاتبالي بغيرِ الحياة من أجلِ يقينٍ تؤمنُ بهْ "
تُعذّبني الظُنونُ في استدراجِها لاحتسابيَ المجهولَ من المستقبلِ , تُضنيني الأشجارُ التي تتقمَّصُ أرواحَ الموتى الطّليقة , الموتى واقفونَ في مدينتي يَتخفّونَ بأقنعةٍ نباتٍ أو صورَ أشياءٍ جامدة , الطّاولةُ مَثلاً روحُ جاري المُنتّحر , النّافذةُ روحُ الكلب التي سفكها شرطيُّ البلديّة ,
صباحي عجوزٌ باردة , ثمّة ظلال ٌ مسجونةٌ في إطارِ لوحةٍ مُتحجِّرةٍ متدليّة كمشنوق , ظلالٌ أكادُ أشعرُ بإمكان قبضي عليها دونما عناءٍ لدقَّتِها , غيرَ انّني أفشل , ثمّ لبرهةٍ تتحوَّلُ هادئةً لحظةَ إمعاني في الوجوهِ والأجسادِ المرسومةِ بتشابكٍ إلى كائناتٍ تمتلك مقوّماتَ الطبيعيَّة ,
كلُّ شيءٍ مبتورٌ في هذا الرُكن الصّغيرِ من العالم , العالمُ المَوصوفُ وفْقَ مُخيّلة الرسّام , فراغٌ رماديٌّ , عزلةٌ تومِضُ في العينِ رغمَ إغماضها .... إشارةُ حُلمٍ بائس .
أختنا الكبيرة :

ألمٌ مستقِّر ٌفي الجزءِ الأماميّ للدماغ أعلَمُ استعدادهُ الهبوطَ إلى العين سأُبادره بضربةٍ وأركن للنّوم كونه الحُصنَ المنيع ,
أجَل أختَنا اطمئني , لازلتُ حياً

15

لا أحدَ يَسرّهُ أن يَشبَهَني في هَذا البَرْد ( كُلّهم تَجَمّعوا حَولَ المَوقِد ) ,
طُرِِدُتُ مُتَأمِّلاً الشّارعَ يَسيرُ بي والأرصِفَةُ مُتَأرْجِحَة ,
هَامِسَاً أكرّرُ مَثَلاً فَرنسيَاً : لاشَيءَ أروعَ من الطقسِ الرديء ,
مُسْتَذْكِرَاً مَا قَالَتْهُ المُذيْعَةُ المُرتَابَةُ مِن شؤونِ التَّنجيمِ كُلّ فَجر:
( حَيَاتُكَ سَتَعْرِفُ نَشَاطَاً مُتَمَيّزاً وستحْصدُ ثِمَارَ الجُهودِ التي بَذَلْتَ والشَريكُ يَرْغَبُ
في تَمضيَةِ المَزيدِ مَن الوَقتِ إلى جَانبكْ ( أيُّ وقتْ !! أيُّ نَشَاطْ !!
الأطْفَالُ يَقِفونَ في الطّريق : إنتبهْ , حَجَرٌ سَيصِلُكْ , طِفْلٌ أشْعَثٌ رَمَاه , الجَاذبيّة
أدّت مَهَامَهَا بِدقّةٍ , ثبّتَت الحَجَرَ عَلى بُعْدٍ مِن قَدمَي اليُمْنَى , سَالَت دِمَاءُ الأرض.

16

بِلا رَأْفَةٍ . هَادِئَاً . تَحَيِّنْتُ الغَفْلَةَ , سَفَحْتُ الدُّويبَة ,
أتْلَفَتْني وَهيَ تَسخَرُ , حَاجِزَةً هَيئَتَهَا القَميئَة أَسْفَلَ مَقْعَدِ التِّلفَاز . كُنْتُ قَرَّرتُ جَلْبَ السّائِل المُوكَل إليهِ مَهَمَّةَ الفَتْك,
غَيرَ أَنّي فَطِنْتُ لِأَمْرِ صَرصوري .
( لا أَعلَمُ كَيفَ سُمِحَ لهُ الهربَ شَاذَّاً عَن الرَّتل )
في المُطَارَدَةِ اصْطَدمْتُ بِكَوابيسِ المَنْزل وَأجزَائِهِ المُتواريَة .
لَمْ أَتَمَكَّنْ طيلَة الّليالي المُنْصَرِمَة رَصْدَ أسْفَارِهِ. أو تَعيين الرُّكْن الذي يتَّخِذُهُ عَرْشَاً ,
( بَعْضُ الإنتِظَارِ مُفيدٌ كَتَمْرينٍ رُوحَانيّْ )
إنْتَهَزَ انهِمَاكي في شُؤونِ القِراءةِ . لأَتَحَسَسَّ ظلَّهُ بُغْتةً عَلى الصّفْحَةِ مَادَّاً قُرنَيهِ الإستشعَارييّن مُنْتَحِلاً رَسْمَ الرّجلِ ذي الشّارِب الأطول سَاخِرَاً مِن بَلادَتي , يَرْمُقُ المَلَامِحَ المُرْتسمة على مُحيَّايَ التي أضْحَكَتْهُ حَتَّى الإعياءْ .

16مكَرَّر ومُصَفَّى

( أ )

فيمَا مَضَى , ارتَابَ بَجدوَاي . هُنَا . في المَاضي . " الآنَ تَيَقَّنْتُ"
أُديرُ كَلامَاً بينَ بَابٍ عَطوفٍ ونَافذَةٍ لاتَمْلِكُ غيرَ هَواءٍ حَزين , بينَ مَقعَدِ روحي الذي أمْقُتُهُ وَدربٍ يُحيلُ العُبورَ مَوتَاً

( ب )

الآنَ مُبْتَعِدَاً, أُمَسِّدُ شَعْرَ دُميتي الفِضّيّ, أُحَيّيِّ وَبِخفَّةٍ لا تُجَارَى الرَّغيفَ الذي نثَرَهُ صَاحِبُ الّلحيةِ السّودَاء قِبَالَةَ الفُرْنِ ليَبْرُدَ,
أُحَطِّمُ الرُّقَيمَ الثّابِتَ عَلى سَطْحِ الكُوخِ العَميقِ في التراب .
أُبَدِّلُ ذِكرَى الميِّتِ ثُمَّ وِلادَتَهُ.

( ج )

" لَكن, مَا هَذهِ الأعدَادُ الغَامِضَةُ, مَحْفورَةً, أعلَى الجُمْجُمَة, أيُّها الطَّيف ؟ "
هَل تَرَاءَت الوِلادَة , لِتَنْحَتَ المَوتَ بِأنَامِلِ طِفل؟
أَوَ لَم أتَمَرَّن كِفَايةً عَلى الغيابِ ؟ صَرَخْتُ.

17

هَكَذَا , مِرَارَاً أمَامَ النّافِذَة , مَشْهَدٌ لا يَتَغيّر , أمَامَ النّافذة _ تَمَامَاً _ التي تَسْتَنِدُ عَليهَا وريقَاتُ الصّفصافِ البَاهِتَة , أَعِدُ ظلّيَ وَالصباحْ بِتَعَابيرَ عَيشٍ جَديدة , بِأزهَارٍ
أرْعَاهَا كَتومَاً , " لَنْ أُطَارِدَ الهَواء , لَنْ أمْكُثَ كَسولاً لِمْرَأى الأمْنيَاتِ سَاخرةً في
مُضيّهَا , لَنْ أدَعَ النّحيلَ ( سَاقي البُستان ) يَغْتَالُ مَا أفَكِّرُ بِهِ , لَنْ أبتسِمَ لمُراهِقَةٍ, لَنْ أتنزَّهَ وَحيدَاً في الدَّربِ الطّويلَةِ, الفارِغَة .

18

ثمان وأربعون ساعة , ثمانٌ وأربعون شجرة ميتة , ثمانية وأربعون إلهاً يتجاذبون أطراف الشتائم , ثمانية وأربعون أباً يتزاحمونَ على الأبوَّة أمَام فُرن الحَنان , ثمانية وأربعون لايوجدُ من يقدِّم شَيئاً جَديداً , ثمانٌ وأربعون مُكَالَمَة-قُبْلَة فائتة إثنتان منها بالتحديد كنتُ في المرحاض , ثمانية وأربعون كتاباً يابانياً , ثمانٌ وأربعون مَحَطَّة وقود ,ثمانية وأربعون رجلاً , عُضوَاً , ثمانية وأربعون جنديَّاً مَريضاً , ثمانٌ وأربعون ساعة مُعَطَّلة , ثمانية وأربعون بيتاً دونَ سقف , ثمانية وأربعون بيتاً اسمنتيَّاً مُسَلَّحَاً وغير مُسَلَّح , ثمانٌ وأربعون دولة , ثمانية وأربعون كيساً , ثمانٌ وأربعون ليلة فارغة , ثمانٌ وأربعون نظَّارة طبَّية , ثمانٌ وأربعون ضربة على الرأس ( تؤلم ) , ثمانٌ وأربعون إبرة تُحْقَنُ في العَضَل , ثمانٌ وأربعونَ هَزَّة عَلى مقياس ثمانية وأربعون يوماً دون ضحايا ماديّة , ثمانية وأربعون سنتيمتراً يفصلني عن الجحيم , ثمانٌ وأربعون مِرآة مُحَطَّمَة , ثمانٌ , ثمانٌ وأربعون يا والدتي , والله العظيم ثمانٌ وأربعون , ثمانية وأربعون طَريقاً مَسدوداً , ثمانٌ وأربعون بطاقة لحضور حفلتي زفاف , ثمانية وأربعون طريقاً معوجّاً , ثمان وأربعون أذناً وأنفاً وحنجرة , ثمانية وأربعون خوفاً , ثمانٌ وأربعون حياة معطّلة يا " عبده وازن " , ثمانية وأربعون سفراً مريحاً برفقة ثمانية وأربعين طفلاً مزعجاً , ثمانٌ وأربعون درجة تُرقيك سنةً مفردة , ثمانية وأربعون كأساً مليئاً بالفودكا الأصلية , ثمانية وأربعون حقلاً موزعاً على ثمان وأربعين قرية , ثمانٌ وأربعون قطعة أرض يسرح فيها ثمانية وأربعين حماراً أعرجاً , ثمانٌ وأربعون همزة وضمّة واحدة , ثمانية وأربعون ظلاً لجسدٍ واحد , ثمانية وأربعون رأياً سَديداً , ثمانية وأربعون فقراً مُدقعاً , ثمانية وأربعون بنطالاً مرقعاً ثمانٍ وأربعين مرة , ثمانية وأربعون مَلاذاً آمناً , ثمانية وأربعون صرصوراً ميتاً , ثمانية وأربعون فراغاً , ثمانية وأربعون لاشيئاً , ثمان وأربعون ساعة للوصول إلى الله , ثمان وأربعون ساعة للوصول الى تهدئة ترضي ثمانٍ وأربعين الطرفين , ثمانية وأربعون لا داعي للتصفيق , ثمانية وأربعون لا مانع من السفر , ثمانية وأربعون ثق بنفسك ,
كلُّ هذه أرقامٌ , وأنا الرقمُ الذي في اليسار من جهة الثمان والأربعين .

19

الجَارَةُ الأمُّ ,( التي في الشّمَال)
وَدَّعَت أوْرَاقَ السجلِّ المَدَنيِّ,
سَيُهديهَا الموظَّفُ بَيَانَ وَفَاةٍ يُلصَقُ بِبَابِهَا,
يَشْطِبونَ لَقَبَهَا بِأحْمَرٍ قَلَمٍ من دَفتَر العَائلة المُهترئ
أبْنَاؤُهَا طَرَدوا ( الكَلْبَ الأشْقَر) الذي كَانَ يَجْلِبُ طِوَالَ أعوَامٍ لُهَاثَ نِسَاءِ المَدينَةِ مُعَلَّبَاً .

20

في الشّارعِ المُظْلِمِ الطّويل , أَشْبَاحُنُا تَجْتَازُ الخَنْدَقَ , " تُصَافِحُ الجُدرَان "
بِضَحِكٍ فَاترٍ نَنْقُرُ أبوابَ أكواخٍ فَرَّتْ.
" لا يَأْبَهُ أحَدُنَا حَديثَ الآخَرْ "
بخُطَىً مُتَعَثِّرَةٍ يَطولُ الدّرب, لَمْ نَسْأل الزَّمنَ, إنَّمَا مَقَتْنَاهْ .

21

مِنَ الرُّكْنِ المُهَشَّمِ قَليلاً في النّافِذةِ ,
أُبْصِرُ وَالدَتي وإخوَتي يَسْبَحونَ مَعَ تَوابيتِهِم في بَاحَة الدّار ,
يَجْذِفونَ أروَاحَهُم ,
بِأعينٍ مُحْمَرَّةٍ يُحَدِّقونَ الشاطِئ
_ النَّسيمُ _
أجْبَرَهُم الإلتفات َ لأحْجَارٍ تَتَهيّئُ السّقوط.

22

حَريقٌ,
دونَ فَزَعٍ يَتَسلَّقُ الصّديقُ الغَاضِبُ سُلَّمَ الطّوارئ الحَلزونيّ .
قِطَعُ الزُّجَاجِ المُتَهَاويَة أحْلامٌ نَسيهَا القَاطِنونَ عَلى حَافَّةِ النّافِذَة, خَارجَاً,

( 2 ) هَوَاءٌ ثَقيلْ

" الفُصَاميُّ "
يَرقُصُ مَعَ صُورَتِهِ في المِرْآةِ المُتْعَبَة ,
الشّيطَانُ مُقَيَّداً يُرْغِمُهُ,
كَيفَ لِهَذا الجَمَالِ أنْ يكونَ سِجْنَاً ؟

******

تَعِبَتْ يدايَ , قرونٌ مَضَت وأنا مُمَدّد ٌعلى فِراشِ الخَوفْ , كُلّ مَساءٍ أُنَضّد أحلامي
مُفْرَدَةً . مُفْرَدة , عَنَاكِبٌ تَسْتَوطِنُ ذَاكِرَتي بخيوطِهَا الحَرير وَهَيْئَاتِهَا الغُبَارْ .

******

تأخّرتُ دَقيقَةً أو رُبَّمّا أكْثَر , المَقْعَدُ لازَالَ حَجَريّاً , ظِلُّ المُرَاهِق يَتَتبَّعُ ظِلَّ المُراهِقَة ,
قُلوبُ المَارّة مُصغيةٌ باهْتِمَامٍ لِنَغَمَاتِ " الأكورديون " المُنْبَعِثَة مِن نَفَسي " .

******

تَمَامَاً أُُدْرِكُ الدَّربَ ,
الطَّائِرُ مُجَدَّدَاً يُرْشِدُني لِ .نَافِذَةٍ,
تَطلُ أنثَى, بِأصَابعَ ورَقٍ تَدْفَعُ زُجَاجَاً كَذَاكِرَتي,
" لَنْ أقْبِضَ السّحَابَ" قَالَت .
الهَواءُ يُخَاتِلُ ,
" مَاكِرٌ أيُّها الهَواء "....

******

الآنَ فَقَطْ , بَاتَ بِوسْعِي اسْتِدعَاءَ الشّيطَان إلَى الحُجْرَة ,
قَابِضَاً عَلَى قِرنِهِ اليُمْنَى , جَارَّاً وَرَاءَهُ مَلائِكَةً مُبْتَعِدَة عَن النُورَانيّة ,
لَنْ أفْعَلَ أمْرَاً إنّمَا أُتَابِعُ الشّيطَانَ حَالّاً السوُتيانَ الأَحْمَرَ خَيطَاً فَخَيطَاً,شَادّاً الفُصُولَ مِنْ أعْمَاقِكِ فَصْلاً , فَصْلاً , إنْتَبِهي , لَنْ أَهِبَكِ فَاصِلاً كَمَا تَفْعَلُ المُذيعَةُ السَخيفَة وَ لَن أَتَأَثَّرَ بِالعُنف , بَل سَأقُولُ بِكُلِّ فَخْرٍ : طُزّْ ....

******

أقراصُ الإسبرين لم تُفِدْ بشيء , هيَ مَغشوشَةٌ كَحياتِنَا ,
عَلى الطّاولةِ أقتلُ عَقَاربَ صَغيرة تَتَساقَطُ من عيني اليُمنَى مَخَافَةَ نموِّها داخلَ رأسي
لادِغَةً كُلَّ أثرٍ لدواءْ , " حَبَّةُ إسبرينٍ أُخْرى للأستاذ " يأمرُ البائع , ثُمَّ مُطْمَئنّاً :
"لا يَتَعَلَّقُ الأمرُ بمثلّجَاتِنَا كُنْ وَاثِقَاً ".

******

تَتَذَكّرُهم :
حَرَكَةٌ نَقومُ بِهَا جَميعَاً ," لَكن لا بَأس "
صَوتُهَا وَلَجَ ثُقوبَ رأسي ,
الوجْهُ الشَّاحِبُ كَضوءِ شَمعٍ يَأبَى أن يَكونَ إلّا كَذَلِك ,
( انْظُري الجَدوَلَ إنّهُ يَدنو فَلْنَمْضِ )

******

دَوَّنَ أسْرَارَ وجوهِهِم عَلَى جُدرٍ,
مَزّقَ مَعَهُم أشيَاءَ لاتَليق ,
إنَمّا ريحٌ غَبيَّة أمْحَتْ , سِوى أطْيَافَ سُحنَاتٍ يَرنوهَا هَادِئَةً عَلى وَرَقٍ مُقَوّى .

******

غَدَى وَسيمَاً أكثرَ مِن ذي مَضَى حينَ جَلَسَتْ لِصْقَهُ ,
غَبيَّاً , أوشَكَ إخْفَاءَ مَلامِحِهِ خَلْفَ المِقْعَد ,
لَكن . بَدَا ظِلُّهَا جَميَلاً وَهي تَرنو لِبَعيدٍ كُدَميَةٍ تَنَاسَاهَا أحَدُهُم عَلى طَاولَةِ خَشَبْ .

******

طَقْسٌ جَميلٌ ,
الطِّفلُ الغَائِبُ بينَ أحْضَانِ إحدَى النِّسوَةِ كَتِمْثال ٍ بُرونزي جَانِبَ الطَّريق مَادّاً ذِرَاعَه اليُمْنَى ,
مَارّةٌ يَتَدَافَعونَ ,
_ مَعَ القَوافِلِ مَضى _
غَيرَ أنَّ شَيئاً ما , ظَلَّ سَاكِنَاً ,
............................ ( لِمَ نَسيتُ لَثْمَ جَبينِهِ الثّلجيّ ) ؟

******

في الجَانِب الموَازي لِشَجَرةِ التوتِ تَمَامَاً ,
كانَ بَابَ الإسْكَافيّْ ,
أَتَذَكُّرُ يَومَ أخلوا الدَّار , هَرولتُ نَحوهم بِخفّة قِطٍّ مَذعور ,
" هَيْ ... هَيْ " نَسيتُم حِبَالَ الغَسيل !!

******

في ضَوءِ الشَّمْعَةِ يَغدو الشَّيءُ شَاحِبَاً ,
النَّافِذَةُ ,
الكُرسيّْ المُثْبَتُ في زاويَةٍ مُسْتَقرَّةٍ ,
السّريرُ الغَافي ,
النَّغَمَاتُ البَعيدةُ ,
" سِوى "
رَسْمٌ عَلى الطَّاولَةِ مُفْعَم باللون , مُذْ أضَئْتَ الشّمَعَة .

******

قصائدٌ , شمعٌ ,
والظلال المتألقة المتحركة وراء النافذة توحي بأنَّ الغسيل قد نُشِلَ من على الحبل,
أصواتُ ديَكَةِ جارتهِ المبتلةِ جنوناً تملأُ باحة الدار صخباً مؤلماً ذا صدى ,
وذاكَ الكئيبُ الذي ندعوه جداراً ينهارُ حجراً ...حجراً ,
الجميعُ,
صغارُ الحيِّ , حشراتهُ ,
رابضونَ أمام البابِ المودي إليه يصرخون:
" كلُّ الأشياءِِ أمكنةٌ " سواك

******

الليْلَةُ المَطيرَة ,
عَبْرَ نورِ الحَافِلَة, يَدَعُ رذاذُ المَطَرِ في ضَرْبِهِ الأرْضَ فُقَاعَاتٍ تُمَاثِلُ خُطَانَا.

******

في ترابها غرسَ والدي منذ قرونٍ زجاجيةٍ
زهور الليل ,
"ماتَ والدي"
ولَمَّا تزل الزهورُ تروي متى تشاء عن فراشاتٍ غباريةٍ كان والدي يصطادها في الحديقة.

******

اليراعُ , ذي الريشة المذهبةِ
ينصتُ مُذْ قرأْتَ.
غير أن أحدهم بقميصٍ دونَ ياقة
دفعَ بهِ نحو ظلِّ امرأةٍ كانت تتأمل .

******

لايهمُّ إن كانت الأصابعُ ذاتها ليست لكِ ,
إنما في ركنٍ مؤرِقٍ
شيءٌ ما كعنفوان القصيدةِ يباغتني

******

لا أملكُ , غيرَ
أناملٍ تجيدُ إضرامَ النار
في الموقد الراقد بهدوءٍ
زاوية الغرفة.

******

البردُ قارسٌ الليلة,
نجومٌ مشعَّةٌ,
وحدهَا ( شجرة الصنوبر )
تُدْفئُ العصافير المختبأة
بين أغصانها.
" يبدو لي"
يبدو هذا,
يبدو أنني سأنامُ وحيداً
مع سريري المستلقي
على سجادةٍ من أرَقْ .

******

بابٌ ذو مقبضٍ خشبيٍ
مرتجٍ منذُ ظلال
صاحبه مغشيٌّ عليه ,
جرَّاءَ ضحكٍ
دهورٌ
وأنا أفتِّشُ عن حشراتهِ الضائعة .

******

ربما يستطيعُ الضوءُ مداعبةَ شفتيكِ ,
غيرَ أني المسحورُ بأصواتٍ هلاميةٍ
لا أقدرُ سوى ابتلاعَ ربطةِ شعركِ

******

العزيزةُ "ن",
سنعثرُ على رقعةٍ أوسعَ لإخفاءِ ألعابنا , لا تقلقي .

******

من أزاهير شحوبكِ
الى الوسائدِ المرتَّبةِ بفوضىٍ جنونية.
دعِ فسحةً أتأمل,
الشاطئُ بعيدٌ , وأنا دونَ أرجلٍ بحريةٍ تلتهمُ بُعْدَ المسافة .

******

دونَ خَوفٍ
أزاحَ التَّابوتَ جَانِبَاً
سَرَقَ المَارَّةُ الشّاحِبونَ , كُلَّ الضّوءْ .

******

حُجْرَةُ النّورِ الأخيرَة
فَضَاءٌ دونَ عَصَافيرٍ أو نُجوم.

******

" أَلَنْ تَعودَ الأشياء هَادِئَةً " ؟
"َأَلَنْ أُحَطِّمَ البِلاطَ المُودي لِغُرْفَةٍ" ؟
وَمَرَةً أُخرَى تَشَبَّثتُ بِريحٍ خَجولَة ...

******

عَابِسَةً, وَدَّعَتْ سَمَاءَنَا , الغُيومُ ,
حَزِنَت نُدَفُ الجَليد المُتهاويَة مِنْ عَلٍ.

******

إنَّهُ الطَّائِرُ يَصدحُ
مُذْ رَأى الفَجر ..

******

يَحتَرِقُ الشِّتَاءُ وَئيدَاً
كَعودِ ثُقَاب , _ سَأُحصي عَصَافيرَ المَلَلْ _

******

وَجهي مِرْآةٌ لأُنْثَى تَقَمَّصَتِ الفَجر .

******

أَخْفَتْ حُلْمَهَا الشَقيِّ ذَاتَ لَيلٍ تَحتَ المِخَدَّة ,
وَنَامَتْ كَمُسَافِرٍ .

******

قَويَّاً يَحتويني ذَاكَ المُتَحَجِّر ..

******

الشَّمْعَةُ يَخْفُتُ نورُهَا رويدَاً , رويدَاً ,
تُرى أتَنَام ؟

******

الوقتُ صَدَفٌ رَاقِدٌ عَلى شَاطِئ بَحر .
وَقتٌ غَيرُ مُتَّفَقٍ عَليهِ ,
لِنَتَسَمّرَ قِبَالَة مِرآةٍ صَدئة
_ أمَامَ أنثَى _

******

لاشَيءَ يُدْفُئُني ,
, الشّجَرةُ عَاريَةً , عَنْكَبوتٌ _ عَجوزَاً _ يَتَنَزَّهُ ,

******

" هَيْ .. هَيْ .. هَيْ.."
مَن يَطْردُ الَعصَافيرَ,
أيَّتُهَا الأشْجَارُ الغَبيَّة !!!

******

الممّرُ غبيّاً يَستقيم ,
ظِلُّ البابِ الموارَب , طَيفٌ صَادَفْتُهُ في الدَّربِ للمَوت .

******

تَبَّاً لَكِ !! أعبرُ الشّارِعَ بِخَطَوَاتِ مَجنون , نَظَرَاتُ المَارّة تُربكُني , حَتّى المَقْعَدُ
الحَجَريُّ مُتَرَبِِّصٌ , تَبَّاً لَكُمَاَاَاَاَاَاَاَاَ .

******

النيرَانُ انْدَلَعَت لِصْقَ المَقْبَرَة ,
الكلابُ مَذعورَةً تَجوبُ النّهْرَ الجَافّ ,
صَفَعَ الهَواءُ بِيدِهِ الثّقيلة وَجْهَ مَا أتَذَكَّر.

******

الشِّتَاءُ آتٍ, إذَاً, " شِتَاءٌ أحْمَقٌ"
أورَاقُ الرِّيحِ مُخْضَرََّةٌ , غَيرَ أنّي شَاحِب .

******

الوَقْتُ مُغادِرٌ كَنشيجِ الدُّميَةِ الخَشَبْ
القَاطِنونَ.هُنَا. زُهورُ حَجَرٍ
أبْنَاءُ الرَّغْبَةِ في الفَرَاغ.

******

اليومْ , في السّادِسَة صَبَاحَاً ,
قَبْلَ عِشرينَ مَوتاً ولِدْتُ .

******

بَردٌ ,
البومَةُ أَعلَى السّروة ,
تُُصَافِحُ بِوجْهِهَا آخِرَ الأروَاح .

******

الوَردَةُ , الأختُ الوَحيدَةُ , الأخُ الأصغَرُ ,
الغَرفةُ عَاريَةً إلاّ مِن جُُثَّتي,
وَدَاعَاً , الزَّهْرَةُ تَنمو , أمْرٌ أكيدٌ .

******

البَدويُّ المَسرورُ بالقِطَّة الكَهرُبَائيّة
تُحرِّكُ ذيْلَهَا الأبيضَ القَصير ,
" سَيَفْرَحُ طِفْلُنَا " قَالْ

******

هُنَاكَ دَائِمَاً عَلى رَبْوَةٍ
أُنَاس ٌ طَيّبونْ .

******

الأَصَابِعُ تَلهو في السّوادْ , الرسَائِلُ تَلوَّنَت, طَارَت,

******

شَمَالاً تُولَدُ القصص
تَمُرُّ الثواني عَلى لَهَفِ الآذَانِ ثَقيلَةً .

******

حينَ يَجيءُ النِّدَاءُ نَغْمَةً
تُصَلّي الفَرَاشَات للفَجر .

******

أنَا عَرَبَةٌ تَجرُّهَا أحْلامي .....

******

القَمَرُ , يُودِعُ الأسرَارَ في غُرَفٍ وَاطِئَة .

******

هَذهِ يَدُكِ , لَن تَرْبتَ كَتفي النّحيل مَرةً أُخرَى
لَكن , الشّجَرةُ قِبَالَة الدرج الرّخامي سَتُدَاعِبُ القِطّة السّودَاء .

******

لن تتركني الشقراءُ نوماً. أعرف ذلك.
ولن أُسْلِم رأسي للوسادة إلا لأنساها.

******

أجلْ
لن يشعرَ البردُ بي
ولا مربّع الإسمنت التافه
سوى كلبٍ يطردهُ المارَّةُ الأغبياء.

******

قبل ولوجي الغرفة علّقت معطف ذاكرتي على مشجبٍ.
لم يقل أحدٌ من أنت ,
لم يقل أحدٌ أين كنت ,
لم أجد سوى طيفي بانتظاري ,
سوى المقعد المتوحش .

******

الغرفة سرُّ عزلتنا.
الكتب أرواح طيبة لشيوخٍ طيبين.

******

النادلُ لطيفٌ.
ليس معي نقود أهبكَ إياها سوى ثمن القهوة.
هكذا أشرتُ للنادل الأصمّ.

******

صوتُ الموقد لا يُطَمْئِن.
صوتُ المغني لا يخلقُ فرحاً.
صوتي ليسَ شيئاً.

******

بعد ولوجي الغرفة، أحسست بها سفينة إسمنت بلا قبطان ومسافرين.
أنا القبطانُ المسافرُ.

******

المقبرةُ المُنارَةُ مرتعدةٌ من جثمان الجبل المارد.

******

خائفٌ من نغمة «الجوَّال» إذ أعيده لصوابهِ

******

كأنني فجرٌ، كأنها شمسٌ تأخّرت.

******

كلُّ هذهِ الأرض،
ولا سنتيمتر يسعني!!!!

******

تبّاً لكَ أيها الربيع.

******

كانَ على تلكَ الأنثى الراقدة في زوايا الخَدَرْ
أن ترميَ الكلمات كما هيَ .

******

لعلَّ شَدوها لا يُقْلِقُ
إلا أنهُ يستحضرُ الليل .

******

الجدارُ الملوَّنُ بالضوءِ
يهزأ من اصفرار وجهها !!!

******

مرحُها المستعار
ظلالٌ هندسيةٌ.
جلوسها على حافَّةِ المقعدِ المشبعِ بضجيجِ الوافدين من إلهٍ ,
كانَ شذَىً يهبطُ , حينَ تلمُّ شتاتَ شعرها
بهدوءٍ مرجانيّْ .

******

الحُبُّ طائرٌ واضحٌ
لكن,
الجميعَ خفافيش .

******

كنتُ السامعَ
وقعَ خُطى أقدامهم على البلاط المودي لردهة المقصف
ذكرياتهم المثرثرة ,
المدنُ الخاويةُ سوى من الزحام ,
كنتُ أسمعُ ,
, لكن , لا أحَدْ .

******

ها أنتَ المُحَاصَرُ
كم كانَ عليَّ منعكَ من نثرِ البكاء .

******

لن تطرقَ البابَ كثيراً
في الخارجِ بردٌ .
لن تطرقَ الباب طويلاً
في الخارج ينامُ الغيمْ .

******

ربما كانَ محقَّاً
" العصفورُ"
حينَ عَطَسْ .

******

ثِقْ بي تماماً " يا عصفورْ"
أبصرتُ اللهَ منطلقاً على دراجةٍ ناريةٍ .

******

تقفزُ الفتاةُ ,
مقعدٌ خشبيٌ ينوحُ تحتَ وطأةِ أنوثتكِ .

******

الخوفُ ,
الرغبةُ ,
الأطفالُ ,
الفراشاتُ المبعثرة " ثُقُبُ ضوءٍ"

******

أحقاً ستكونُ الأشياءُ في زواياها
"مثلَ أشجارٍ" ؟
أخيراً,
في داخلي الأشياءُ تُغْمِضُ قلوبها .

******

نفدت كلُّ الأحذية
وأنا أطردُ هذه _ القطة_

******

يا لِهذا العصفور المتباهي بموتهِ

******

الطفلُ الأصمُّ
عاملُ الفرنْ .
تعمَّدوا تنبيهه بصفعٍ خلفَ الرقبةِ .

******

إلامَ سيظَلُّ هذا الوقتُ غبياً
يتأخَّرْ ؟

******

وَ المَقْبَرَةُ مَوتٌ آخَرُ
_ أَعْلَمُ ذَلِكَ _

( 3 ) حَقيبَة يَابَانيَّة

made in Japan
وَجَمَعوا ديَكَةً ذاتَ صياحٍ طوَيل وَجَعلوهَا تَصيحْ , إنَّهُ إجرَاءٌ قَديم لِجَعلِ الشّمس تَطلَع .
( من, الكوجيكي , الكتابُ اليَابَانيّ المُقَدَّسْ )

******

هَطَلَ مطرٌ غزيرٌ خِلالَ ثلاثةِ أيّامٍ خَلَتْ , " أحَدُهم تَكَهّنَ " الهَطْلُ مُسْتَمرٌ طِوالَ أُسبوع ,
لا بَأس , بوسعي سَمَاع المَطرَ يُدْاعِبُ بِلَّورَ النّافِذَة الموازيَة لِشَجَرةِ الصنوبر المُهتزَّةِ
الأغصَان بِفعلِ الرّيح الصّاخِبَة .

******

الآن , بعد قراءة " راقصة إيزو " , سِرتُ في دربٍ وعرةٍ مع ( الشّاب العشرينيّ
الذي يلبسُ قبَّعةَ تلميذٍ وكيمونو أزرق ذا زركشاتٍ بيضاء وبنطالاً ذا ثنياتٍ, يحمل
على ظَهْرِهِ حَقيبَةً مَدرسيّة , إلى أين صَديقي ؟
- طَبْعَاً نَحوَ شبهِ جَزيرة إيزو .... الأنثى الصّغيرة تَرْقصُ .

******

ُأصغي بِدقةٍ دونَ النَّظَر , غَزَارَةَ المياهِ المُتَسَاقِطَة , يَبدو المَطرُ شَديداً يَحولُ دونَ
إدراكِ بدايةِ الفَجر , لا أملكُ سَاعةً لِصْقَ الصّورة تلك .

******

أقْرُأ بِهمسٍ لِطِفْلَةٍ هيَ جَارتي عِباراتٍ لِ " شُوهي أُوُكا " :
" عَلى أجسادِنَا أن تَتَحَوَّلَ إلى أشكَالٍ أسمَى "
غيرَ أن الطّفلة تَثَاءَبَت قَلِقَةً , " وَلكن مَن هوَ "شوُهي أُوُكا " , هَذَا ؟ !!!!!

******

أمسْ إحمرّت السّمَاءُ خَجَلاً لِغَزَارَِة مياهِهَا .

******

ظِلُّ النيكوتين على أظَافري الوَسيمة , أطْيَافٌ لِوجُوهٍ طِفْلَةٍ .

******

بُخَارٌ يَتَصَاعَدُ مِن جَورَبٍ مُعَلَّقٍ عَكْسَاً , مِسكينٌ , مُتَجَمِّدٌ هوَ الآخَر .

******

قَبْلَ نِصفِ سَاعَةٍ في الباحَةِ الرّخوةِ كَذاكرَتي , بِصَخَبٍ صَفَعْتُ أحَدَهُم مِنْ أطْفَالٍ
مُتَجَمْهرينَ حَولَ قِطَّةٍ عَرجَاء .

******

منذُ أربعِ سَنَوَاتٍ بالتّحديد , إنَّهُ البَاصُ يَتَأخَّرُ دَرْبَاً كَامِلاً .

******

لا أرواحَ في القَلْعَةِ ذي , التي أقْرَعُ خَشَبَها منذُ نِصفِ زَمَن .

******

إسْتَعَنْتُ بِلوحةِ إعلانٍ مَغروسَةٍ أمَامَ البَاب , " مِرْآةٌ بِدَائيَّة "

******

لا أشْعرُ بالخَاتَمِ الفِضّي لِقَسَاوَةِ البَرد , " أَسيرُ وَأدوِّنْ "

******

الحِذَاءُ صَغيرٌ , جَورَبُكِ كَذَلِك , إلَى مَتى أيّتها النّاعِمَة سَتَبْقَينَ هَكَذا بسُحْنَةٍ لا تُفَسَّرْ ؟

******

ذهبتُ للمَقْبَرة حيثُ يَرقُد وَالدي , أعْوَامٌ لَمْ أرَه , اليومَ فَحسب شَعرتُ أنّّني أنمو حَقَّاً .

******

فَجْرٌ آَخَرٌ , بَرْدٌ طَفيفٌ , رَسْمُ " كينزابورو أوي " مُطْمَئِنٌٌ وَهَادِئ عَلى غِلاف الكِتَاب .

******

السّيدةُ هُناك , تَرنو لِسَاعَةٍ مَاسيّةٍ بِمِعْصَمِهَا , " إنّها تَتَأفَّفْ "

******

تِلفَازُنَا فَقَدَ ذَاكِرَتَه !!

******

دوّنْتُ لَقَبي عَلى سَطْحِ طَاولَةٍ أسْفلَهُ عِبَارةَ " كُلّ الأيَّامْ "

******

للتعسَاءِ حِسٌّ خَاص لِفَهْمِ تَعَاسَةِ الآخَرين .
( أوسامو دازاي )

******

َأتَسَاءَلُ عَمّا إذا كَانوا يُطْلِقونَ العِنانَ لِميَاهِ النّوافير في الأيّام ِالمَطيرة , تِلْكَ هيَ المَسْأَلَة :
نَوَافيرٌ في المَطَرْ .
( يوكيو ميشيما )

******

إنّ الثيابَ ليسَت هَامّة , بَل المُشكلة الحَقيقيّة تَكمُنُ في مَن يرتديها.
( هاروكي موراكامي )

******

على الأقلّ هناكَ شيءٌ جيدٌ في التلفاز , قالَ بعدَ فترة صمتٍ ثمَّ أضاف :
تستطيعُ أن تغلقهُ عندما تشاء ولا أحدَ يتذمَّرُ من ذلك .
( هاروكي موراكامي )

******

إنّ الناسَ يفكِّرونَ بأشياء كثيرة في الساعة الثالثة صباحاً . كلّنا نفعلُ ذلك ,
لذا يجب على كلِّ واحدٍ منّا أن يجدَ طريقةً ليطردَ هذهِ الأشياء من تفكيره .
( هاروكي موراكامي )

******

أنثى تَعْتَمِرُ قُبَّعَةً ثَلجيّةً وفُسْتَانَاً طَويلاً بُنيَّ المَلامِح , تَنْتَظِرُ هُبوطَ المِصْعَدِ إليَهَا .

******

الوَرَقةُ الصّفراءُ تِلكْ , آخِرُ أوراقِ السّنَة .

******

صَوتُ ارتِطَامِ المَاءِ بالصّحنِ الزجَاجيّ الأبيَض , غُموضٌ ُأدْرِكُهُ مُنذُ سَنَوَات .

******

المَطَرُ عَجوزٌ الّليلَة .

******

سكرتَيرَةُ عَميدِ الكُليّة , الشقرَاء , كَانَت مَسرورةً هَذَا الصباح وَهيَ تَقْفِزُ من درجٍ رُخَاميِّ لآَخَر .

******

المَلامِحُ التي شَكّلَهَا صَديقٌ بالشّاي والزَعْتَر , لَم تَبرح مُبْتَسِمَةً عَلى جِدارِ الوَحدةِ السكنيَّة .

******

اليأسُ هوَ أن تَرَى فَتَاةً في حَافِلَة وَكَأنَّكَ تَعْرِفُهَا " صورٌة سَديميَّةٌ تِلكْ "
تُحبُها عَشْرَ ثَواني فَحسب ثُمَّ تَمْضي أنْتَ وَتَبَقَى الحَافِلَة وَيَبْقَى الحُبّْ .

( 4 ) ظِلُّ الفَرَاشَة

( 1 )

مُوشّاةً، بِخَوف، تَدلُّ عَجوزًا لِمَمٍرٍّ مُحْتَجَبْ ,
أَحدُهم يَهْبطُ حَذِرًَا شَجَرَةً تُغَطّي ظِلالُ أورَاقِهَا الضّخْمَة دَرْبَاً وَاسعاً
أخْرَجَ مِن الكيسِ المُعَلَّقِ بِحزَامِه غُرَابَاً شُنِقَ للتّو، غُرَابٌ لا يَبدو عَلى
وَجهِهِ مَلامِحُ طَير إنَّمَا سُحْنَةُ طَاعِنٍ ـ كَهْلٌ غَائبٍ عَن الحُضور ـ
في مَسَاحَةِ الأرْضِ، تلك، الشّاسِعَة، المُحَصَّنَة بأرتالِ أشجَارِ مُتَعَانِقَةِ الجُذورِ بَاطِنَاً، هَروَلَ قَبْلَ ثَلاثٍ باتِّجَاهِ التَلَّةِ الرَّابِضَة، نِهايَةَ صُفوفِ الشَّجَر،
(( إنَّهُ )) الغُرابُ، انْقَضَّ عَلى قَدمِ ظِلّي،
أبْصَرْتُهُ مُرَفْرِفَاً صَوبَ التَلَّة
كانَ الظِلُّ يُهروِلُ بِقَدَمٍ مُفْرَدَة، مُتَأبِّطَاً عَصَا نَاعِمَة المَلْمَس،
إسْتَعَارَها من شَجَرَةٍ واطئةٍ، لِصْقَ الدّارِ الخَاوية .

( 2 )

صَغيرَتي،
رُبَّمَا تَوقَّفنَا أُخْرَى، الغُبَارُ المَرِح يَهِبُ عَمَاءً للحَدَقَةِ الخَجولَة ،
الكأسُ، ذات المَلامِح البيضَاء، مَغروسَةٌ في رَمْلِ جَارِحٍ ،
مُسَافِرونَ ضَجروا من نَافورَةِ مَاءٍ ، جِوارَ العَمودِ المُنَارِ، مُنذُ فَجْرٍ.
وفي (( الفِنَاءِ الرَّحب ))
الرّياحُ التي تَصْفِقُ الوجوهَ المُتَذَمِّرَة،
وَدَّعَتِ المَكَانَ لِتغدوَ أشَدَّ انْفِلاتَاً وَصَخَبَاً

( 3 )

المَقهَى الطيني ,( أرْبَعَةٌ أطْيَافٌ) ,
نِادِلٌ طِفْلٌ , لا يَبْرَحُ يَسْخَرُ مِن أحَدِهم مُتَأمِّلاً السّقْفَ
ذا عَوَاميدِ النّور .

( 4 )

حَسَنَاً إذاً , سَأُدَاعِبُ وَجْهَ الزجَاجِ الصقيل،
( بِمَا فيهِ الكِفايَة )
) أصيص نَبْتَةِ الصبّار) , ( أكيَاسُ وَرَقٍ مُتراخيَة جِوارَ البَابْ(
مَاذَا دَهَاك أيُّها الّليلُ ، الجَائِعُ ، المُتَسَوِّلْ ؟
وَ ، طَويلاً سَأنْتَظِرُ ، ( بِمَا فيهِ الكِفَايَة )
أمَامَ نَافِذةِ غُرْفَةٍ لَيْسَتْ لَنَا.

( 5 )

الوَافِدونَ , لِمَقْبَرَةٍ, هَناك , أمَامَاً ,
كَانوا يُخْفونَ أحْلامَهُم تَحْتَ ثيَابِهم كأطفال ,
يُودِعُونَ أفْئِدَتَهُم في عُلَبٍ مَعْدَنْ .

( 6 )

الفَجْرُ ،
لا شيءَ وَسيمٌ ،
وَ ، هَديلُ اليَمَامَة ِ
حينَ يَغدو نُبَاحَ كَلْبٍ ،
( )نَغْمَةٌ ، أختٌ ، تُنَادي للعَشَاء))
ـ عَقَارِبُ السّاعَة ـ
سَتَلْدَغُني .

( 7 )

ظِلُّ المَنغولي ،
ثِمَارُ ليمونٍ عَطْشَى ،
وجوهٌ جَافَّةٌ تُدَاعِبُ زَغَبَ الجِدَارِ المَائِلْ ،
(( مَن ذا يَبْتَسِمُ لِقوافِلِ الوجوهِ هَذه ؟ ))

( 8 )

في المَسَاءِ ذَاتِهِ مِن كُّلِّ عَامٍ , أغدو وَحيدَاً, غَريبَاً عَن ضَوءٍ مُتَسَلِّلٍ للغُرْفَةِ المُعْتَمَة
_ عَبْرَ القُضْبَان_

( 9 )

وَ , عِنْدَمَا سَتُغْمِضُ عَينيكَ،
يَأتيكَ الضّوءُ ، بَعيداً ، كَمَا رِحْلَةٍ، طَويلَةٍ ، مُضْجِرَة ،

( 10 )

حَسَنٌ صغيرتي
إنّهُ ، الفَجْرُ ، ذاته،
يَخْدَعُ مُخيلةَ العَصَافير .

( 11 )

كانَ بوسعي ،
أن أبدوَ أشَدَّ رَأْفَةً
لَولا أنَّهُ حَطَّمَ ألعَابَ صَغيرتي
التي أُحِبّْ .

( 12 )

وَ ، لَكن ،..... (( والدي يَعرِفُ أيضَاً((
يَنْثرُ قَمْحَاً للعَصافير
عَلى هَوائي
مُنْتَصَفَ البِناءِ الشّتائي .

( 13 )

أَلَنْ ، تَتْعَــبَ، أيُّهَا الطَّـائِرُ الصّغير
ذو المنقَارِ المُدَبّب
وَأنْتَ تَسيرُ جَيئَةً وَذهَاباً
في المَمَرِّ المُعتمِ هَذَا ؟

( 14 )

ظِلُّ الفَرَاشَة ,
الفَرَاشَةُ ظِلُّ الهَوَاءِ حَتْمَاً حينَ يَتَبَدّد ,
صَبَاحٌ قَلِقْ ,
يَا لَكَ مِن صَيف .

الديوان الحائز على جائزة الملتقى الثاني لقصيدة النثر \ القاهرة \ 2010م
الصادر عن دار الكتابة الأُخْرى / القاهرة / 2010 م