حديث الموتى
لم يعتقد يوما أن الأشجار
بهذه الحكمة التي تقتل
القلق الكالح في السكينة,
وأن ظلالها تختفي آخر الممرّ,
تجلب أفكاره سهوا,
كلما حاولت المنكرات مبايعته.
الأشجار ( بكلّ أسفٍ ) لا تهتمّ كثيراً
بما يتحدث به الموتى أثناء السهرة
لم تحدّق يوما ما في وجهه
المصنوع من دنس الضلالة.
كان عليه أن يبدأ من شريانه
المشدود من طرف واحد
غير أن الشارع مرّ
ولم ينتبه.
رقْص
بعد توقف المارّة
شرع يرقص بهدوء
يداه تحرس أطرافه التي تتناثر
كرقائق القصدير.
دخل في رجفةٍ لم يعتدْ عليها,
رجفة تواصل تهديده بالذبح,
رجفة تتنزّل من شرفات المنازل,
كضباب دائخٍ في الأزقّة.
بكسلٍ لذيذٍ
تمكّن من رؤية جنازته
وهي تتجوّل في الميادين
فيما العابرون يحدّقون فيه
بسخرية.
ضواحٍ
متثاقلاً, يمشي في ضواحٍ مفترضة
حيث الفوضى التي تهبّ من النافذة
- غالباً النافذة تدفع ثمن السلوك السيّئ لليل -
بوهنٍ, يسحب ثيابه الجديدة,
تتبعه شهواته التي تتحرك بسرعة
تشبه تماما طريقته في الحديث.
لم يكتشف ذلك المساء أنّه نام
في سرير شرس,
سرير لا يستحقّ هذا السرد.
وجوه
الوجوه التي كانت
نائمة على ضمير البحر
لم تعد تسوّل لها نفسها
المريضة "كباولا الليندي",
الوجوه التي اطمأنّتْ على حائط اللامبالاة,
حكّتْ خشب الخوف بسبّابة الأمل,
الأمل الذي اصطحبني بحذر بالغ,
الأمل الملتبس بروائح شخصية,
الأمل الذي مشي بخطوات غير محسوبة
على الموسيقى, ونفض خيباته
بعد فوات الأوان,
غير مكترث
بأخطائه الإملائية, وهو يدوّن
مكابداته اليومية
في سجلّ الغياب.
اختيار
قبل أن يتلاشى..
همستْ الطير في أذنيه,
لامستْ أهدابه بمرارة,
وأحْصتْ خرافاته
فيما استعجل الدخول
إلى شجرة العصيان
شجرة كانت تحت جلده
كرة من لهب,
طغيانا مفتوحا من أثر الإهمال,
جحيما يتأهب للنوم المبكّر,
أفقا آخذا في الترنّح والسقوط,
فتنة لا تحمد عقباها,
حياة تصلح للزينة, والغربة أيضا.
هذه المرة لم يخطئ في اختياره
مع أن ثمّة هدفاً
لم تحدّده البوصلة.
لا بأس
لابأس...
أن تنزع عن ظلك ما تدثّر به مساء البارحة,
شبيها باللوعة التي كانت تجاهر بالدهشة,
وهي تتفرّس ملامحك الخشبية.
من البديهي أن تتذكر تلك اللوعة التي حاولتْ
أن تغيّر مسارها, ثمّ غدوتَ تتعقّبها حتى اللحظة الأخيرة
كنت تمارس هوايتك في تنظيف الهواء من القسوة.
كلّ منّا كان ينظر في عين الآخر, غير أن أحدا
لم يبح برغباته السرية.
فيما يخصّ المساء, لم تكن الظلمة تفزعني,
والقلب لم يتوقف عن الخفقان.
حسناً, سيكون هناك وقت آخر للمنازلة, حين القصيدة
تفتح ذراعيها, وتستعدّ للطيران.
لابأس ..
أن تبرّر للوعة سببا منطقيّا,
وتتدرّب على ضيافة العزلة.
طرف غير بعيد
غير بعيد من السرير المكسو بالوجع الفاخر
أزوّر الحنين الذي يتأرجح
في الغرفة,
حنين يختطف اللذة, ( دون أن يرفّ له جفن )
حنين ليس في انتظاره أحد,
يميل إلى الرياء حين يعبر منطقة الوجع,
حنين مثل مرتزق مأجور,
يعمل بأجر شهري.
في الساعة التي عثرتُ عليه
مسجّى كان ( لقد أكّدوا موته )
وروحه لم تكن طاهرة
فيما قافيته صعدتْ
كرايةٍ محترقة.
وقت كافٍ
لديك وقت كافٍ لتدرّب
شفتيك على ماء مثلّج
استعداداً لأيّ طارئ.
أنت لا ترتكب إثماً, حين تجرّد
القصيدة من كامل ملابسها
ستكون قلقة من محاولتك الغريبة,
متّهمة إياك بمحاولة اغتصاب.
لا تخفْ..
تلك محاولاتها البائسة
مع كلّ الشعراء الذين سبقوك
لا تلبث أن تكون غارقة
في جدولها المهجور
ربما تتصل على هاتفك الذي
دوّنته في الفيس بوك,
وتدعوك للممارسة.
الآن
الآن ..
يتخفّف الليل من عتمته
في تباطؤ, تجرحه الذكريات المكفهرّة
لم أره, وهو يصحب
الأناشيد على الشرفة,
الأناشيد التي تنبض في حصى الكلام,
الأناشيد الساطعة بالضجر,
الأناشيد التي ترفع قبضتها ولا تبالي,
الأناشيد الخارجة بمفردها
مخفورة بالجوارح واللعنات
الآن فقط..
ترتعش روحه , وتلتقط وصيّتها,
وصيّة كانت رهينة الفحشاء,
وآهلة بالذنوب
كحقائب السفر.
خروج
الليلة يعبر رهانه حدوده الشاسعة.
نام متأخّراً,
باحثاً عن قمر لئيم,
عن شغفٍ مجازي,
يستنشق العطش في صحبته.
خروجه متوتّر هذا المساء
خروج لم يره في كتاب الأبدية,
خروج يضمن لفؤاده الوحدة,
خروج خائر القوى,
خرج يحسن الإصغاء للخطيئة,
خروج كان يقْسمَ أن يكرّر قيامته
بعيداً عن التسلية.
غير متأكد
لا شيء أكبر من هذا الضجيج
أعزلاً, كجدارٍ يتذمّر من وحدته
بحساسيّة مفرطة.
غير متأكد
من معنىً يبلّل رمق القصيدة,
معنى ينزع ما تبقى
من غطاء البلاغة.
...
...
لا شيء أكبر من هذا
الضجيج الذي يجترئ عليك
لسبب غير خافٍ؛
غالبا, يسرف بسوءٍ في الوزن,
ويسرد نشيداً,
يتكرّر بحْره دون شفافيةٍ
لا أقلّ ولا أكثر.
من الضروري
من الضروري أن تعرج كشظيّة تتبختر
في الأعالي, ثم تعود إلى الظهور
تقتفي أثر طفولتك.
من الضروري زجْر القصيدة إذا كانت
كلماتها عُرضة للقنص.
من الضروري أن تكون مجهولاً مثل قبر
على جزيرة تتعالى على قراصنتها.
من الضروري دفْن رأسك ببسالة في الغموض المباح,
حتى ولو لم تقرّ بذلك علنا أمام الناس.
من الضروري أن لا تسامح نفسك إذا كنت لم تحرّر
السراب من عزلته, وتحترم نفسك بالكتابة فقط.
من الضروري النزول إلى ضريحك, بأسرع ما يمكن, إذا ما بدا
قلبك غارقا في عتمته, وشعلتك تنهار, وليس هناك نجمة
واحدة في السماء.
من الضروري أن تصاب الصور الفوتوغرافية
بظلال شاحبة من الشمس, أو من عينيك في أحسن الأحوال.
من الضروري التصالح مع هذا الفراغ حتى لا يكرّر
الحنين شراسته.
من الضروري أن تضرم النيران في بدن الاستعارة,
إن لم تجد في الليل ما يشعلك.
رنين
أخيرًا
ابتكر طريقة تدخله بسهولة
إلى فسحة غامضة,
فسحة تبلّل فجيعته
في غبطةٍ ظاهرة,
فسحة كالطين اللزج,
كالرنين الذي في رأسه.
لم يتبقّ شيء يملأه بالمهابة,
بالمصابيح التي تهدّد الظلمة,
بالسواعد المكتظّة بالسيئات,
بالفضول الذي يوقظ الفتنة النائمة
في خرافته.
ذلك عيب يخصّه وحده
عيب سيجعله سيرة قذرة
في أحاديث نزقة,
ومجوناً أشدّ إثارة
من أيّ شيءٍ آخر.
تاج
تحوم في فلك
خِيطَ من قماش المخيّلة
يرجمك الشعراء, ثم يرتجلونك
نجمة من فخّار,
مركبا يخوض حافة البحر.
أنت عروة الأحلام,
وخلاصة النفير.
فلتحلّ في بدن الينابيع
متوّجاً بالذهب والخطيئة.
عزاء
يتذكّر العزاء جيّداً,
ما تساقط من روحه الخفيّة في الأعالي,
النوافذ الأكثر ظلاًّ,
أولئك الرفاق, من لا يطالهم الشك أبدا,
الواجهات الزجاجية في المدن العمياء,
شعاع العاشقين حين كان يتسرّب خلسة إليه,
قلبه الذي تربّى على الظمأ, ولم يعبأ بتوسلاته,
ما اعتُبر في حكم الموتى.
فلتكنْ الجذع الذي يترقّب قسوة الحطّاب
ويتهيّأ دائماً لاستقباله.
غناء
قرب منفضة السجائر
- رغم أنه لا يعرف التبغ بما يكفي -
غناء يليق بمزاج العتمة,
غناء يصغي إلى جنّة تفصح
بالكثير من الشرّ,
غناء يستدرج الأسئلة المراهقة,
أسئلة تلمع على رسْلها,
في بهاء سخيّ,
يباركها مطرٌ ساخنٌ,
وبعض بروق الخسارة.
هُمْ
ها هُم في سُعار الليل,
أقدامهم تتعثّر في منتصف النشيد,
يتصيّدون الطمأنينة الهشّة,
النوايا المخمورة بالمعصية,
العفاف السادر في همجيّته,
المدائح وهي تنزلق
على رغيفهم الناضج حينما يحدث
ما يشغل اليقين عن نفسه.
ها هم في سعار الليل,
يخيطون بأكبادهم جلد الخسارة,
غير مكترثين بصدورهم,
وهي تصعد محمومة
على وحش الرغبة.
معاملة
لم يكن الأمر حقيقيّاً
ذكريات كالدم العابس
تصطاد مزقا من ملامحه المنهوبة,
ملامحه التي كانت تتنزّه في فناء المدرسة,
ملامح يصعب التعرف عليها
أثناء ثرثرة مجّانيّة,
أو بحث عابر في قوقل,
ملامح كان يستطيع الوصول بها
إلى غيبوبة حقيقية,
ملامح لم تعامل جسده وهو ينتحب
باحترام يليق بالقسوة.
لا تطلق رماح شياطينك بهذه الرومانسية.
لا تجازف ,
فالنزوات تتمدّد في فخامة
وترقد إلى جانبك
على فراش الغثيان.
خيال شقيّ
لك شغف يشدّ إطار الصورة
يعشب في ندائك الخافت,
شغف يتوهّج ,
يقضم ظلّك الأعرج
يتنزّل بين ساقيك,
شغف يخرج للعراء
طافياً كخيالك الشقي,
ومتطايراً مثل الذباب.
وسط الفوضى
قال لنفسه:
قُضي الأمر
لم يترك له الأثر فرصة لليقظة.
في ضراعة يجذب الدروب النائمة,
دروب تدسّ هواجسها في إزاره.
وسط هذه الفوضى
طلع النهار من جهة أخرى
لدرجة يمكن استخدامه
كخلفيّة لجهاز الكمبيوتر
قرّر أن يبقيَ فمه مفتوحاً,
أو تتوقف طفولته عن التحديق
في بشاشة الكلمات.
ظلّ يراقب المشهد
وهي تجرّ قدميه
إلى حجرة تستبيح طرائدها
...
...
يحدث ذلك
لأنه لا يرقص بما فيه الكفاية.
كلام أكثر جدوى
هبْ أنك ساعة من حجر,
ريح جامحة في الجغرافيا,
ليل يعلّق الشمس في عنقه.
هبْ أنك "محبوبة توني موريسون"!!
هبْ أنّك ميّتٌ..
كيف ستعرف العائلة هذا النبأ العادي,
وأنت تُحْكم قَفْل الأبواب
أثناء تصفّحك مواقع محظورة
في الساعة المحرّمة من الليل.
هبْ أنك لا تعرف أدوات الربط
من سيوثق أعضاء الجمَل التي لا محل
لها من الإعراب.
هبْ أنك لم تكمل هذه النصّ
هل سيلعنك هذا الدفتر, أم سيدّخر
كمّية البياض الفائض عن الحاجة
إلى كلامٍ أكثر جدوى؟
مشنقة
على وجل من حياته التي تتشبّث
بالإقامة على طرف جناح,
بخفّة الذاهبين لنزالٍ عبثي,
يحمل لحظاته الخفيّة,
إلى خراب يمجّد خطوته.
قبل أن يصل إلى أول سلالته
تأخذ الطريق شكل الهاوية.
ليس ثمّة من يحتفل بمشنقة
تهزأ من عظامه جهرة.
ها هو يتساقط كالسخافات
التي تقنعه أحياناً.
ي
ت
س
ا
ق
ط
كخيالات ملعونة
بمحض إرادتها.
يمسك جيّدا بالغيم
أضاف صفة
(من المحتمل أنها ليست حسنة)
إلى يقينه المرتبك,
يقينه المغمور بالفحم,
والصدف غير المحتشمة
يقينه المشنوق على رصيف الغفلة,
المرضوض بحجر الأخطاء المبجّلة
لم يفكر في نهاية
تجفّف فواصل الرياح
أو تمسح الرمل عن فمه.
هو الذي لا يصدّق أحداً
يمسك جيّداً بالغيم
غيم فوق ما تتحمّل مراهنته.
ولفرط ما كانت نهايته متوقعة
لم يطلْ مكوثه عالياً.
مأخوذٌ بصواعقه
تنضج اللهفة من ملامحهم,
من غيوم سجائرهم,
تتهدّل في المنحنيات,
عارية,
تقود عربة الغواية,
في ليل القرى المهادن,
والحياديّ أحيانا
فيما الجسد
ينهض مأخوذاً بصواعقه
التي تتلألأ في العزلة.
لسبب ما,
سببٍ ليس واضحا حتى الآن
لم يجِدْ الوقت الكافي
لسحْب الأهلّة من نواصيها,
والذهاب لحتفه على طريقته الخاصة
دون أن يخرج كثيرا عن النصّ.
فكرة
يتفحّص قامته
يتأكّد أنّه ما فتئ مجرّد
خيال شاحب
يتمتم بطريقة لا حياء بها:
الباب لا ينكث عهدا مع الجدار,
الباب يغمض عينيه لو رأى نزوة فاضلة,
( أنتم يا منْ أردتم أن تخرجوه من البيت ..)
الباب لا يغتاب الفوانيس في الغرف المظلمة.
بحكم العادة كان يهجس بأصدقاء
يشاركونه هذه الفكرة التي يكتبها وهو بكامل
قواه العقلية, فكرة حاول أن لا يبوح بها لأحد
لكنها كانت تنهره, وتخرج عنوة
من فضاء الشبكة,
من الماء,
من العشب,
من زرقة السماوات.
اخترتُ أن أصطفيها لنفسي,
أرتّب أطرافها,
أتتبّع روائحها في الضواحي,
أعاشرها قبل شروق الشمس, وبعد الغروب,
أخْتلي بها في الشوارع الخلفيّة لقلبي,
أحرس وجهها المأهول بالعسل.
كان الأصدقاء يتخافتون
وهم يكيدون لها كيدا:
في الخارج ضوء
يحتمل أن تكون فكرةً,
فكرة لن تصمد طويلا
أمام الحرس الشخصيّ للوحشة,
أو نهاراً انتهت مدة صلاحيته.
الآن
الآن فقط
يمكنه أن يكتب
دون أن يتحاشى تعاسته.
*من ديوان يصدر قريبا عن المركز الثقافي العربي