ينشر للمرة الأولى - المجموعة الأولى
في ريف بين عينيكِ
وُلِدَتْ أمهاتي
كلهن رجالٌ
وأنت لا تشبهين أباً.
اسألي جمالك
في أول قبلةٍ
وَصَفهُ ريقي لريقِك
كل عِرق يرمش
كل عضلة تمرح
في نصفك الخمري
ونصفك القمحي
كل عسلٍ تائه
كل ظل منحن
في نصفكِ السائل
ونصفك الآتي.@
فراشنا القديم
أنتظركِ في ظلِّ أبيض
مضاء بكبريت أعواد الشجرة
التحتها افترقنا
حين تأتين
ينبتُ الماءُ في عروقي
كما السحاب من البحر
وأسير بين فخذيكِ مُترنحاً
نحو ضمادة جرحي النازف دائماً
فراشُنا الرملُ ساكنُ الأعماق القديم
غير مُحدد كإشاعة
معاً على هذا الحرير
تملأ الرغبةُ أصواتنا طيوراً
كما تملأ اللياليَ صداقةٌ جديدة
أنتِ وأنا حوارُ ساعةٍ متأخرة
تحت ثدي الأفق
في حانةٍ بحرية
نرضعُ الانتظار
نأتي إلى هذا الشاطئ
لنعلّمَ الفجرَ الوقوف على قدم واحدة
ونذهبَ إلى الغابة
لنحتطبَ أشجار الاحتمال
الحجرُ يلد الحجر
وأنا دائماً أنتظركِ
خلف لا شيء
يوقف كُرة الأرض
المتدحرجة من جبل الكون.@
الساعة الناطقة
صورتكِ
هنا
ترفرفُ كقميصٍ مسروق
وأنا بين يديكِ
لوحةٌ لم تكتمل
مات الرسامُ في الطريق إليّ
وراء كل هذه السنوات
أنبتُ كما العشب بعد عاصفة
أنا عناقيدُ أخطاء
وأنتِ شجرةُ العنب
لم نعصُر لليالي كفايةً
نسيتْ جفونَها الليالي
تدلّت المصابيح مشانق للظلام
والرِّباط بيننا شجرةٌ مُسنّة
نتدفأ بخشبها الذي لا يكفي
جسدين
أنا عناقيد أخطاء
وأنتِ تملئينني كما يملأ الدمُ
الجرح الجديد
المرآةُ خلفكِ
وأنتِ تمشطين شعركِ
في بياض عينيّ
فأرى على ظهركِ نَمَش نداءاتي
والظلامُ حولنا نسرٌ أبيض
نسي بيضهُ على إفريز نافذتي
مثل ساعةٍ معلقةٍ في الأفق
حين نظرتُ إليكِ
عرفتُ كم تأخرت
وحين ابتلّ إصبعي أول مرةٍ
في سُرَّتك
دارَ رأسي دورةً كاملة
فلم ينفصل
كنتِ عُنقي
شكّلتُ أصابعي طائراتٍ ورقية
نفختُ في يدي
فهبت ريحٌ
أنا صائد الفلين
في بحر الليالي
شربتُ طويلاً
فلم يرجع أحدٌ بعدي
إلا طافياً
اختاري الشتاء
وعليّ المطر
صُبّي لي كأساً
وضُمي شفتيكِ
كِدنا نسكر
أمامنا ليلٌ
وكثيرون يرسمون الصباح
على ظهورنا.@
مهد النسر
كضلعٍ مُلونٍ
سريع كحشرات المساء
كصرير الأبواب
أغمر ظَهركِ بالأيام
فترمينني بثمار السّهو
تدفعينني من حافة حَلمتيكِ
واحداً واحداً
غائبةً، تهيلين كُتل الأنفاس
كأنني لا أحد
يا كمين الرغبات المجيدة
حتى لو لم تمطري
فسأبقى غائماً إلى الأبد.
* * *
الهواء يمرغ شفتيه
في يدك ترفعينها كرمشٍ
يُظلل الهواء آن يلتفتُ ظَهرُكِ
وتلوحين:
موعدنا الأربعاء للذهاب
للمسرح، أليس كذلك؟
كذلك لولا هذه اليد المنسية
زئبقاً في مختبر
كذلك لولا الدمُ يتدفق
من رؤوس قدميّ
فأرتفع ممثلاً على المسرح
يصفع البشرية
كذلك لولا الطائر الذي غادر
عش الرسائل بعد سبع سنوات
فارتَطمَ بأشرعة طُويت
لمراوغة العاصفة
كذلك،
أريد أن أقف أكثر
في قبر حضنكِ
لأقيس علوّ الحنين
فوق الساعات
أريدكِ دون سياج الحليب
على مشارف حلمتيكِ
أريدك لافحةً كضلوع الزوايا
أريدك طعنةً لم تولد بباب أحد.
أريدكِ كالسياط حائرة الأعصاب
أريدك واسعة بين الحواس
بين قاع اللمس
وخُطة اللسان
أريدك أنظرُ إليكِ لأنتظر
يتُها الحياة
لم أتبعكِ
لن تتبعينني إلا عارية
أذابت شمسُ رأسي
ملابسكِ
يتها الحياة
إنني السؤالُ ملحدٌ بالفطرة.
* * *
صوتكِ يتدفأ بفركِ رعشاتي
وشعرك القاني يسيل
على سيرةِ خديك
فلماذا تبتسمين كخسارة
نبتت في الشتاء
أركض معتوها في أميال عينيك
المغمضتين
وأجمع قطع الأرض المتساقطة
من انحناءة ركبتيك كل صباح
في الصيف تجرّين ضلوعك
كقاربي المثقوب
وكلما أصمّتني أصواتُ غرقاي
يبحر القارب المشطور
بين فخذيكِ
إلاّ أن اليوم عادةً ما ينأى
كعنق الديك
كما أن رغباتك
بلون النوم في مهد نسر
* * *
حين ترتفعين في متاهة لهاثك
ويغشاك صمغُ أكتافي
أهوي كمرساة تسبق منطادها
على أرض رعشتك الأخيرة
بينما الطيور المطرودة
من غابة التفاتك
تخلع أجنحتها في رأسي
كنحّاتٍ يستدرج خصراً
ليراقص الأبدية.@
فكرة السفينة
لن يحتاج خزانُ الفصول
قطرةً مبللة
فلا تعودي بجسدي من شتائك
لا تعودي بالماضي حارساً
فلن يتكحل غيري بظلالك
في مرآة ذراعيك
حبيبتي
الحليبُ قَوّادُ الحياة الأول
فلا تحرقي نملةً تضيء لك
رائحة الإنسان
الدرسُ أول من ينام
والمساء آخر من يعلّقُ منشفته
على شجرة
حبيبتي لم يكن الشِّعرُ خراباً
لأنك تجلسين
تحت الأنقاض
تمُدين لي نَفَساً
أشعل به أعواداً لأحرق
بيوت من لم يروكِ
سيذهب الجميع إلى الموت
في سيارة إسعاف
دون زرٍّ واحد من خصرك
سيسقطون من جسر رأسي
سُكارى كشاحنات ثقيلة
حبيبتي لم أر من قبلُ
ضمادةً تلحسُ جرحين
ولا كلمةً تتدلى من آخرها
مرساة
رأيتُ كل ما تكتبينه
تزوره الغابات
ورقةً ورقة
وكل مصباح في الأنفاق
عَمّر لأجل أن يلمحك
ذات قطار
رأيت السهر
أرجوحة شلال مقلوب
تحت جفنيكِ
يا للسهر أطاعك
فازرقّ
أطاعك لأن ما من أعمى
يلوحُ بعد كل لقاء
ظاناً أنك تغادرين
حبيبتي
لن ترسلينني على كتفيك
لأقلِّب دفاتر ظَهرك
فأنا ببساطة لن أُسمم حياتي
بين ضفتين
كنهر في الجغرافيا
لم يكن هناك شراعٌ
قبل أن يسمع الهواءُ
رَفَرفةَ عُنقك
لم يكن غيركِ
نجوتِ على ألواح ظهري
فابتدأتْ فكرة السفينة
سأمسك بين أسناني دبوساً
حتى لا
تشربَ عصابةُ دمي
من دم شفتيكِ
حبيبتي كنتُ أحسب أني
أعتِّقُ دمي
لكن السماء تفوح من ركبتيك
كالشمس أنتِ
لا تكبرين ولا تكتملين
فقط تَطلُعين.@
* * *
ينشر للمرة الأولى - المجموعة الثانية
حياة
أتأرجحُ لأن قدميّ ريحٌ
وأمشي حافياً
لأنني صيّاد غاباتٍ
الشِّعرُ حياةُ الوحوش.@
حطَّاب
بِتُّ أحتطبُ الليالي
حتى أنه لم تبق شجرةٌ ببابي
صباحاتي إن استوتْ
سكّينٌ
إن تقوّستْ
منجلٌ
مع هذا لم يشهرني أحدٌ
ولن تحصدني ريح.@
عُبور
العاصفة التي لا تصادف
في طريقها شيئاً
تَنفُقْ
والجُمَل القصيرة
أجمل وسيلة لعبور المحيطات.@
فكرة غيري
لا أجيدُ الكلامَ
ليس في نيّتي تعلمهُ
أنامُ الظلامَ
وليس في نيَّتي ليلٌ
أغمضُ جفوني
على الأشواق حليقةً
كرؤوس الجنود
والمصابيحُ ترعى في كسلٍ
على حُدود الحقل
أغمضُ جفوني
على الأرض
شاعرٌ يذكرُ شاعراً ميتاً
أفتحُ جفوني
وأقول كن مثل ماجريت
واضحاً
إذا أردتَ أن ترسم طائراً
فَضَعْ أمامك بيضةً.@
إشاعة
لزمنُ إشاعةٌ
أسألُ
من أطلقَهُ عليّ
هذه مروحة تَنُشُّ الذباب
ذيل بهيمة
يدي مشقوقة الرأس
مَن أسَالها
ريشة بين أصابعي
مِدادها أصفر
كالضجر الذي يُعلِّمُ المشي
والفِراقُ الذي علمني الكتابة.@
مشاعر الغروب
النهارُ واشٍ يرتعش
والشمسُ تهوي على مهل
حجراً
مقذوفاً منذ الأمس
إنها العتمة
أُذُنٌ أكبر من العالم
أضنَتها كلمة مهموسة
شفتاي جُملةٌ مقلوبة
وبسالةُ الجاهل
هي ما ينقص هذه الأفكار المشقوقة
كلسان الحيّة.@
سرعة
أنظر بخفةٍ إلى أشياء
ربما كانت ثقيلة
مثلاً أعرف أنني مسافة قصيرة
بين رصيفين
أقطعها بكل سرعتي.. لماذا؟
ولأنني غامرت بصوتي
أتعثر دوما بالهواء
وأول قطرة نزّتْ من جبيني
بدل أن تجف
أغرقتني
أنظر بخفةٍ إلى أشياء
أعرف أنها ثقيلة
تلك لحظة حقيقية
أما أنا محض خيالٍ
مصباح يدوي
أتخبط في دغل
ومن يجد كلماتي
يجد حجراً كبيراً
يمكنكم بسهولة
قذفه في وجهي.@
القفز الحُر
أي الألوان تفضِّل
وبأي منها سترشق
انتظاري الأبيض
****
تصوّبُ سهماً
فيعبر قالباً من الزبدة المجمدة
تُطلق طائراً
فلا يهم، إن شَقّ منقارهُ الهواء
أو جِلدُ رضيع
****
حلقُكَ مجرى
يذرعه الأعداء على رؤوسهم
وبرؤوس الأقلام يجزّون البياض
كلما تناهى
أن هواءً ينزل بالمظلات
على ساحلٍ تخبئه السلطعونات
قطعاً قطعاً
في كهوف عارية
****
الأرضُ توازي رأسَك
تقطر على السماء
ظلاً
والصمت
شلال
على ظهر عتّال
****
طويلاً
تُقبّلُ سمكةً مشوية
لأن فمها بلا لسان
لأن قلبها
دوامةُ ماء
لا تبرح مكانها
ولا تفنى دوائرها
****
قميصكَ الحمراءُ تبلل شفتيك
بنبيذ لم تشربه بعد
جسدك خابيةٌ تفلّقَت
عليه تصحو الأيام
تنبت
ولا تصبحُ أشجاراً.@
هليكوبتر
من جبهتي
انطلق رمحُ الصداع
فما انفتحَتْ
مظلةٌ في قفزاتي
وما أدلَتْ هليكوبترٌ حبلاً
نفخَتْ جبهتي الليلَ
فما عاد خادمي_
انعكسَتْ عليه صورتي
فانتظرتُهُ
كمن عَلَّق إعلاناً
في مقبرة.@
رجاءً لا تَلِدي عُمانياً
لم يكن بالحسبان
يوم مولدي
والنهدُ الذي أرضعني
جرّة نسيانٍ
أراقها الغُزاة
أرتمي على ظلِّي
أفديه من عجلات القطار
أستدير أمام الحِراب
كتروس أجدادي
أتنزَّه على القِمم
حافٍ على ساحل
الجبال بحاري
والمغاراتُ مَحاراتي وأيامي
الآن كل شجرة تخفي
تحت لحائها حائطاً
ما أن ألمس شجرةً
حتى أصبح
فجأةً في أملاك الآخرين
وإذا جلستُ على صخرة
ينمو جناحان وتطير
أين أذهبُ
أين أترنحُ
أنا المعلق مثل ظفيرةٍ
تقسمُ ظهر حبيبتي
إلى أين
وخلفي الله على المآذن
كالسوط على كفل الفرس.
****
لم يكن بالحسبان
يوم مولدي
والنهر الذي حملني
دفنوه أرضاً تتثائبُ
كأنها الأبديةُ
أجْريها بلا أجنحة
مثل ماء
إن تبخرتُ أطير
إن انحدرتُ من شاهقٍ
وتكسّرتُ
صفَوتُ
كلما داعبتُ اليابسة
انتفخ بطنُها
رجاءً لا تلدي هذه المرّةَ
عُمانياً
يسألني
كم عاماً دام هذا القرن
ويدعوني إلى أعياده
أشرب الطاعة في فنجان
وفوقي
منطادٌ
علامة تعجبٍ
تملأ السماء.@
سرطان
حيوانٌ ضال
مصاب بالماء
تحركني حصاةٌ تسقط
في أحضاني
أنا السرطان
أمشي على قدمين
غريقاً يقرأ وصيته في القاع
وزناً ثقيلا في حلَبة خفيفة
ذكرتُ الشجر والبرْدَ والآتي
احمرّت المرآة
السرطان في قلب العالم إذن
ذكرتُ الصحف والمقاهي وسيارات الإسعاف
فبدوتُ كمن يأكل قشر التفاحة
ويرمي روحها لنمل الغابة
قطفتُ ثماري من جذور الهواء
اسودّت في رئتي
التفتُ فغيّرتْ جلدها الأفكارُ
وفكرتُ ماذا سيحصد العمانيون
إذا اندلقت أحشائي
وأنا بين جبلين
غمامةٌ تحفر نهراً
وإذا كنتُ أسّاقطُ
ذرةً ذرةً
كتراب المنحدر
فأي لعبةٍ ستبقى
وفكرتُ في القصد أمامي
يعترض خيالي
فأسعفني جرّاح أسمر
نقل قلبَ عدّاء منسي
إلى جذع شجرة
وإذا كنتُ جذع شجرة
فأين الظل
ولماذا لم يسترح بقربي أحد
لولا الخريطة المعقوفة خنجراً
في خصر شعبي
لما نمت واقفاً أخاصِرُ ساعات الفجر
على أقواس المُدن
وحتى لو لم تكن هناك
سماء ونجوم
فالليلُ غمدٌ
لمن كان مثلي نهاراً يقطر دماً
أنا السرطان
حيوان ضال
ما بَقيتْ هناك أوطان.@