أحمد زين
( اليمن )

ضوء،يهش بعيدا هسيس الأقدام
حارس
بيوت
نأي
بيوت أيضا
جثة
نجاة
عار
قطرة

أصابع ترجفها الخشية
باحثة أبدا
ليل
مشط الغائبة

جسد يضرع إلى أعال ظليمة
بلل
ميت
كوى موصدة

برد يقعي متأهبا
نزيف
تهويم أجنحة

طيور
طروات يدات
رغبات

يهبطون القماش ليكنسوا الممرات
فاطمة
أيوب
مخلوقات هاشم علي
س ص

هباء يطّاير في الظلام
صفير، متباعدا يلجّ
هوام
أضافر من نحاس
صورة

يصعد الجدار ليخيط النجوم
خائط
لفافة
صنعاء
أرواح تغتبط

ضوء،يهش بعيدا هسيس الأقدام

حارس

قدماك إذ تلكزانك ، لتمط جسدك من دفئ الألحفة ، تدفعانك عن عيون تغتمظ عليك، تهبّان بك إلى بعيد، تسوّلان لك الوساوس ،ملتذتان تطيران بك ، سوف لن تنمّا ن عن أي خطو تجاه ذلك البيت ، البيت الذي غشت الظلمات، تباعا نوافذه ، فجذبت الطريق أسفلك، أسفل قدمين إذ راحتا تمنيانك بمفاجأة أسراره . إذ في خطفة، الضوء الصغير ، رائقا يرتج ، لاصقا في استطالة الشق لأسفل الباب ، حجّرك . مثلما عين لا تغفو، وتحتد في كثافة الأسود ، أو حارس أبدا يقظ ، ليهش بعيدا هسيس الأقدام ، إذ تدهس باحتراس ، يبس الأوراق..

نأي

كأنما من أبد، يلوذ بالسطح الخشبي ، المقشور قليلا، للطاولة الوطيئة ، تتطاوح في قاعه مكعبات الثلج، أخذت تشف كاشفة ندوبا دقيقة . فيما هو يكاد يختفي ، إذ كان الغبش كثيفا يتسلقه ، يمحوه ، لاتلمسه أصابع الرجل ، الرجل الذي يدير رأسه للنافذة المدلوقة ، تكث مساء واهنا ، حيث الطائر يتقاصى ، ثم ينكفئ في اندفاعة جسورة ، فيروغ بجذعه ، لكأنما سيقتحم عزلته ، خابطا إياه بخفق جناحيه .الأصابع ، طويلة ونحيلة ، أضافرها ، متسخة قليلا ، تفيض على الأنامل ،إذ لا تحوط برقة الجدران الزجاجية ، آن لا ترفعه إلى مستوى فم ، ينشف وئيدا ، عروق طرية راحت تتعرج ساقطة ، تتكوم عند القاعدة الثخينة ، لتنفرط على قطعة القماش المخرمة أسفله . لكأنما الكأس وقد أبهضه نأي الوقت ، إذ ترك وحيدا ، هلّ دامعا بسخاء.

جثة

و رأسه إلى فوق ، حيث الكتلة الضخمة ، بفوانيس دائرية مشعة ، تحفه طرقعات معدنية رقيقة ، رعش لوهلة ، لوهلة فقط ، وانقبضت ملامحه ، لحظة أحس وخزا ما ، ربما دبوس، يخترق جلده ، قليلا وهفّت الدنيا قبالته ، ناثة ظلاما خفيفا . وحال أخذ جسده يعوم في الفراغ ، كأنما أجنحة تشيله ، راحت عيناه تتعقبان حاسرتين ، شيئا سال هابطا من صدغه ، شيئا صغيرا يسيح الآن في دفق الماء ، إذ ينثال في ليونة ، وإذ كان السائل يأخذ سبيله طولا باتجاه المرحاض ، خفّ ذلك الشيء ، وسحّ خارجا من أسفل الباب ، تخيله مغتبطا يغادره ، فيما بقي هو عاجزا كجثة تطفو..

عار

معقوفا ، يهمي ظله على أطراف قدميه، إذ تلوب به الطرقات ، كأنما حدبته عارٌ ، مصرور إلى كتفيه ، راح يخاتل نظراتهم . اللحية النابتة باستطالة ، التعاريج العريضة في جبهته وأسفل عينيه، العروق المزرقة على ظاهر اليدات ،شابثة بالعصى ، العصى التي تهش انحناءة جسده ، خشية أن يكب أرضا ، فتتبعثر أعضاؤه .كل هذا يبهضه . وحده الليل ، حين يتنزل كخيمة ، يستره . يخيط خطواته ، غير ذات صوت ، وحدها العصى يفضح الصمت جلبتها ، لحظة احتكاكها بالإسفلت. إلى الزوايا البعيدة ، الأكثر ليلا،يدفع جسده أماما ، ككومة صغيرة من الخرق، باحثا عن كراتينه ، مثبة إياها بحجارة من أطرافها ، لصق جدار ما، تسح عصاته من بين أصابعه، ثم يتكوم دفعة واحدة ، متوسدا ذراعه . عندها فقط ، يترك صوته يسيل ، صوت واهن يدندن ، ربما لائما احدا ما، أو حنينا ربما ،متقطعا في الكثافة الهائلة ..

بيوت

آن تسترخي ، مسدوحا فوق بعض أعضائك الثاقلة ، خدرا ، تبهتك جدة الأمكنة ، لوهلة، ربما أكثر. ستسمع صريخ أطفال ، خافتا كأنما في صورة . حفيف خطوات تصطك . أجساد تهف ، لفرط خفتها ، عابرة الممرات . ستنصت للرائحة ، أليفة ، ضاغطة إذ تنهال . ستبغتك ضجة أصوات ، حادة أنا ، راكنة إلى عمق غائر آونة ، تحك العتبات أو تخمش غفلتك ، وقد جلست متأهبا ، لأيّما نافذة ستصطفق أضلاعها ، راجة الحجرات الخالية ، فتفغر هاوية في جدار ، لتبصر الحيوات التي انقضت ، تنهمر فجأة نحوك . كأنما فقط ، كانت لابثة تنتظر ، لتخطر أمامك ، حيث تحل لأول مرة .

بيوت أيضا

وإذ تلمس برودة " الترباس"، كتوما يختض في لحم يدك ، كأنما أصابعك تتذكر ، ستعلق لهنيهة ، سترتد لاهثا عبر دروب وعرة ، ستشق طريقك في ظلام الذاكرة ، ستقي عينيك كثافة أغصان تظلك . بعد حين تقفز العتبة ، ملقاة فوق ركنيّ السياج . تنخلع أعضائك ، آن تسمعك ، خفيفا تعبر ، تطفو في مياه البيت . وستلمح الصرخة ، صرخة الأجير ، أجير جدك ، يسرج بغلته البيضاء ، بأن :"ابتعد" ، فيما أنت تتدحرج ، غير آبه بالمرة . تتخبط ، مأخوذا ، في أحلامك ، تقتعد زواياها ، أو ترشح من عليّة كنت تصعدها ، قاذفا أمامك ، كرة ضجرك.

نجاه

الفوهة الضيقة ، بحواف صلبة وباردة ،حادة تتربصه ، وحين رعشت نظراته باتجاهها ، لامحا الإصبع ، ثخينا يتململ ، لصق الحديدة المعقوفة،نحيلة . وإذ كان داخل إطار النافذة ، كما لو أمام عدسة مصور ، راح يضبط قامته . وقبل أن ينهال الدويّ ، صاما الحواس ، مع انفلاشة ومض خاطف ، فتطايش القطرات الساخنة ،فوق الملاءات الزرقاء ، السجادة المثنية على المقعد ، جوار السرير ، وتتهاوى روحه كخرقة ،كان يجهد، واضحا في تبديد كآبة صغيرة، تثقل ملامحه، لترتعش شفتيه بظل ابتسامة، أو على الأقل،حيادا ما، حيادا فقط.

قطرة

الالتواءات ، رشيقة، متمايلة، تدفعها القدمان في سائر الجسد كله ، القدمان ذاتهما، اللتان عما قليل ستهبطان العتبة الطفيفة ، تصطكان خائرة ، إذ في اللحظة التي تنثال فيها قطرة الماء ، قطرة واحدة من الصنبور، هاوية إلى الإناء فيطفح ، تتلكأ الموسى فوق الجلد الرخو، فتتنابت حبيبات الدم ، صغيرة وطرية ، وتتواهن الأصابع القابضة ، آن تضج المرآة أمامه بوجوه كثيرة ، وجوه لاتشبهه ، يطل من بينها وجها هضيما ، مخددا ، كاد يعرفه :" وجهي ؟" سائل نفسه ، وانكفأ متهالكا ، تاركا رغوة الصابون ، دامية ، تدلى من ذقنه نصف المحلوقة .

******

أصابع ترجفها الخشية

باحثة أبدا

لسنوات سيلحضنها، وسيتعقبنها في ملتوي الطرقات ، مباغتات إياها تارة وصدفة مرة . سيعٌدن إلى بيوتاتهن ، وسيتهامسن عنها ، ستكون حطب سمرهن ليلا، وشيئا يتحلب له حكيهن في الأضاحي الضليلة . ستتقاصى الأيام ويتجاهلنها، لكنها ستظل ولأجيال قادمة ، باحثة أبدا عن شيئها الضائع ، تحت قدميها ، إذ تشيل طرف الثوب إلى أعلى قليلا ، هامرة دموعها ، وحينا تنفلت عواءاتها وحشية ، وفي أحايين كثيرة تصدمهن ، وهي تخف مسرعة باتجاه بيتها ، توصد الباب بقضيب خشبي ، وتغيب مدندنة . عندها ستهف النظرات إليها من جديد ، لتكشف سرها لمرات ، وهي تحدب على أصابع قدميها ، تروح في انهماك ، تلصق الظفر المفقود ، إذ تخرجه من صرة بين نهديها الراشحين ، تشده في إصبع بخيط ، فلا ينزلق ضائعا ، وكما لو نائميين تخشى يقظتهم ، تمر أناملها ، ناعمة ، على باقي أضافرها ، تلمسهم واحدا فواحدا ، كأنما تدفعهم ، رويدا، إلى هدأة عميقة.

ليل

محنية فوق السعفات ، شرائط مستطيلة ناصعة ، تتقصف بليونة ، بين أصابعها ،فيما الجارة،إبرتها تخيط نسيجا من السعف ذاته ، ربما فراشا طويلا يضمد عري أسرة خشبية ، أوسجادة صلاة ، موشاة حوافها بألوان سوداء وحمراء ، تحكي عن " سنة الهربة "أو"حروب الأجداد"،يوم كانت الرؤوس تعود ، شاخبة دمائها، على أسنة السيوف . في اللحظة إياها ، لحظة انحسار النساء عند مداخل القرى ، تلعلع أصواتهن إستبشارا بعودة الرجال ، دوى اصطفاق أجنحة ، اصطفاق هائل لطيور البحر ،اللابثة فوق أعالي الأشجار ، عمق المقبرة ، وتطايرت مذعورة ، بيضاء ككرات ملتهبة تخافقت في الظلام ،إذ يسح في الجهات . انكفأت النظرات تحدق في الداخل ، بوجيف خافق ، تكأكأت الجارة ، فرقعت أصابعها . وكأنما لا أحد هناك سيستبطئها ،سيرشق الرخاوة القاتمة ، من فوق السياج الوطيء ، بعينين قلقتين، أو ربما خرجت قدمان، تستطلعان بصمت، استلقت فوق السرير الخشبي ، تمطت، ثم: "طريق بيتي ، بعييييد ".

مشط الغائبة

في رعش الفضة، تسيل من حالق ، تكاشفت لهم ، قرب شجيرات السدر إذ تتباسق في خلاء قريب ، تحفن التراب بكلتا يديها ، تكاومه لصق الحواف ، وإذ غارت الحفرة عميقا ، لم تكن سوى قدميها ترى ، حين تدلى جسدها ، ساحبة بطول ذراعيها ، طراوة تربة متقادمة . للحظة خمدت حركتها ، راحت أصابعها تفتش ثنيات تهدلت من ثوبها المكرمش ، ثم أخرجته ، صغيرا وقديما ،لاحت لها رائحة شعرالغائبة ، تضوع ، لحظة احتكاك أسنانه الطويلة ، بفروة الرأس ، ليل كانت تسرحه ، تحت رشق فضولهم ، أسفل شجرة الحناء ، منتصف كل شهر ، فيتهامر طولا متكسرا فوق أعضائها . أمتد جذع المرأة ، يسبقه ساعدها ، قابضة المشط بأصابع ترجفها الخشية ،خشية أن تٌمتص إلى أسفل ، لتتركه هناك ، في عميق الأرض . حينها فقط تذكرو ما أشعنهٌ نسوة ، أنها نذرت أن تعيده لصاحبته ، إذ طلبته منها ، ذات منام :"مشطي الخشبي يا جارة ، فشعري لم يمسس من سنيين "

*******

جسد يضرع إلى أعال ظليمة

بلل

كرشق متتال ، جرحتْ العتمة، شلالات سوداء راكنة إلى السقف ، تتهابط أبدا . ناثة وهيجا أخذ يلتهب، محررا مد النهر، هناك ، في لوحة الحائط . الذراعان تضمدان لدانة الأعضاء ، كما لو أنها لوعة،تباعا، ستفر. تتطايح فوق برودة الفراش ، وثيرا يعلو وينخفض ، قبة الجسد ضارعة إلى أعال ظليمة ، وإذ تطيش نظراتها صوب اللوحة ، حيث السائل يكب بارقا ،ندّت عنها أنّة كتومة ، راحت تتقلب بعدها ببطء حتى غامت . تغيب هي الآن شيئا فشيئا ، رويدا كان ثقلها يطفو، بلل هائج يتسللها، تنسحب مشدودة، ربما بخيوط وهمية فلا تطالها الأرض ، مثل سمكة هائلة تلوّت بخفة ، في ميوعة البلل ، لزجة تجول خلال الأثاث إذ يغرق .

ميت

لا الحيطان التي تنهض عاتمة في هذا الوقت ، ولا باحة الدار وهي تنصت لحكحكات الليل فوق أسوارها ، لا الشجرة الهاطلة أغصانها في استكانة خامدة، أو الملابس إذ تهف مبتلة ، د ونما إستطالة حبل ، لكأنما أصابع خفاء تشدها ، أوجست سر الشهقة . الشهقة التي دوّت مرتبكة ، ناصلة كعواء ، بعد لحظات من لمس الأصابع للزجاجة الصغيرة ، فتنسفح القطرات فوق صدر عامر ، لتتدحرج عابرة رهافة التثنيات ، تضيع هنيهة في حشائش الزعفران ، ثم تجد طريقها ثانية ، حين كان عود الكحل منهكا قد لان ، متوترا جائيا غاديا ببطء ، داخل العين ، تضمه باستماتة ، خوف أن ينزلق خارجا، فتفيض روحها . وحده الميت ، في انكفاءته على الفراش ، ببرودة أعضائه ، في انفتاحة عينيه على الظلام ، خارج الكوة ، قد شعر أي ثقل يناوشها ، أي فراغ يعيث داخلها ، في ليل بارد وقاس كهذا.

كوى موصدة

الريح التي تضج ، إذ تمر بالغابة الهائشة ، فتنحني منكسة رؤوس أشجارها العالية ، هي من تحث الخطوات ، دائخة ، خلال الأشجار ، لملاقاتها . وإذ لا مسافة تفصلها عنه ، ذلكم المرتفع ، راح جسدها ينثني طلوعا ، وقوفا كانت تستسلم لها في حين ثوبها الحريري الأسود ، بخيوط ملونه تفيض خلال حلقات ضيقة ،من ربوة الجسد هبوطا إلى انحناآته الخفيفة ، يهف بعنف كاصطخاب أجنحة . اختلج جذعها ، كما لو شظايا يتناثر ساعة المغرب ، هبات الريح السخية ترتطم بالطراوة ، يحفها زغب رطب متكاثف ،" سهلي الطريق إلى مجراه "،يداها تحاول الكوى ، إذ لزمن ظلت موصدة .سرت فيها الريح، ينحل انجدال شعرها ، لحظات ضاغطة ، حارة مرة ، لتنكفئ دفعة واحدة ، مثلما عنف موجة هادرة زجتها بعيدا ، تلهث فيما تتحرر الريح أسفلها، كما لو حبال رقيقة تمغط نفسها، تاركة إياها ملطخة برعشتها.

**********

رغبات تتلصص هاربة

نزيف

بهمهمات ،أخذ ينفثها في أنحاء الغرفة الغارقة في العتمة ، شد اللحاف حول جسده ، ملفوفا داخله ، راح يرهف لشبيه جلبه ، نائية تهس ، إذ أحكم إغلاق النوافذ ، راكنا أنه لاشيء سوف يعكر بهاء الظلام. تلاشى توتر أعضائه، كل الفتحات مكممة ، ولانأمة ضوء تأز منها، لكنه في لحظة يخف ، لاويا جسمه في الحجرة ، حواسه مستفزة ظلت ، آن كان يقف دائخا، يحس بوخزاته الحادة ، كأنما رؤوس أنصال ، تنخسه خطفا ، مرات متلاحقه فيئن موجوعا.وفي هفة رمش صرخ ، حد أن الظلمة ذاتها رعشت لوهلة ، ودفع خطوات نشطة، حيث خيط نحيل من صفرة مشعثة ، يابسا فوق الجدار ، قرب النافذة . اقترب اكثر ، خفت نظراته الى الستارة، تفيض على حواف المربع الكبير، " من أين يأتى هذا الضوء ؟ ". وإذ كانت عيناه لائبة فضاء الحجرة ، مرتطمة بجدرانها، لمحت فجأة قماش الستارة يرجف . امتدت يداه . تتحسسه الأصابع . لحظة أن أخذت أنامله ، تلمس النسيج الهاطل من أعلى ، تطامن رجيفه ، آخذا في اختلاجات صغيرة ، متقطعة ، كما لو أنه ينّه ، شاكيا، يتمسح بالأصابع ، يدفعها برفق إلي مزق يستطيل قليلا ، مثلما جرح ينزف والغزل ، شعثا، نابتا على حوافه .

طيور

ها ينثني جسده ، جاثيا فوق ركبتين حاسرتين ، في ساحة وسيعة ، كما لو نبتة تركت نهب خلاء فسيح . وإذ كانت اللمعة ، لمعة النصل ، تطول بانخطافة حادة ، وتّر حشد المخلوقات المتفرجة ، يحفونه كدائرة ، خفق عيونهم المتسارع نحوه ، بغية رؤية انهمار السائل الحار، يتشاخب ، بعنف ، حتى انه ليطال حواف ثيابهم ، أصابع أرجلهم ، من عنق مجزورة بعناية ، آن كانت الرأس تدحرج لائمة . لكنهم لم يروه ، ذلك الساخن اللزج ،الصاخب أبدا ، آن ينطرح هلالا رقيقا ، منحوتا من حمرة زاهية ، وقد تبدى لهم نابضا ، يرتعش ، فوق الرمل . فقد بغتتهم كثافة طيور ، صغيرة ، داكنة ، لها لون الرمل البهي ، طافرة بشدة من حواف الرقبة إذ غاصت قليلا ، لائذة بالفراغ أعاليهم ، تاركة رياشا ، راحت تهف ، بطيئة ، تجاههم .

رغبات

لمحا ، يقفز الفاصل إلى المرآة ، دونما زعيق معدني لصلافة منبه ، أو تعالي ضجيج يصعد نافذته المجروحة ، بأن يضع استطالات أطرافه داخل حفر متناثر بين البلكات ،إذ تساقط عنها طلاؤها . وحال يبصر إستدارة وجهه ، لاتخف يداه فاتحة الصنبور ، ليرشقه ببعض القطرات ، كما لاتتحرك أصابعه تجاه أنبوب أسطواني ، ضاغطا منتصفه فيهلّ خيط متماسك من مادة ليّنة ، يهبها مساحات من ذقنه النابته ، كل ذلك ليس من جذبه بعنف، من غائر نومه . إنها تلك التي ما إن تأخذ أنفاسه في نفخ الحجرة ، كأنما توسعها ، حتى تنفذ بطيئة في تلوّ رهيف ، من صدغيه الراشحين ، كشرائط رقيقة وناحلة . وإذ يشعرها تنسل في الظلام، يفز جاذبا مقصا كبيرا ، رابضا أبدا أسفل وسادته ، وبتؤدة يحز ، حانقا ، الفراغ حول رأسه ، يتأنى قليلا عند الصدغين ، كأنما يشذب شعيرات طالت ، ثم ينكفئ نعسا، قاذفا بالحديدة المتصادئة . وقبل أن يهمل جسده ، تاركا إياه يسقط على الفراش، بغيرما حذر ارتطامه بالعوارض الصلبة للسرير :" سأجزها ، كوبر يشيخ ، رغباتي تلك ، التي تتلصص هاربة كما لو أنني لا اليق بها".

تهويم أجنحة

تسح رغوة الصابون ، هشة ، بانتفاخات طفيفة ، هابطة السفح الآدمي ، لتتلقفها بلاطات القيشاني ، ملساء با زرقاق متموج ،تقودها إلى عتمة مستديرة ،تبقبق فيها المياه ، مجهدة عقب مهامها اليومية ،فيما يداه منهكة تدعك الجلد، الطيات الخفيفة ، تلمسها برفق وحنو، الأصابع مرات. هو الآن واقف ، تضج أعضاؤه غبطة ، آن تمسها كثافة ناعمة من "منشفة " ثخينة بوبر غزير ، إحدى يديه ترتفع قليلا، بأطراف أنامله يتفقد الخيط العريض ، قصيرا وأسود، فوق شفتيه ، يعيد شعيرات شتتتها رعونة الماء ، حال انثياله ساخنا بقوةمن السخان الكهربي .وإذ استعد لمواجهة البرودة القارصة ، يحسها تتهددة ، لحظة تهرّ من أسفل الباب ، خاطفا ، بانتعاش ، نظرة صغيرة لوجهه المدعوك وذقنه الحليقة ، من مرآة لصق الباب، تحفها أرفف صغيرة، عمقها أنبوبة أسطوانية لمعجون حلاقة ، أخرى للأسنان ، علبة أمواس مفتوحة ،مكنة بشفرة عارية ، شعرات مجزوزة متيبسة لاصقة بحافتها ، قنينة مطهر قاتمة ، وسائل يشف لونه خلال جدران البلاستيك ، إذ تحرس فراره . وإذ ذاك ، حين غمرت يده صلابة وملاسة مقبض الباب ، شادة إياه قليلا إلى أسفل ،وقبل أن تنفتح أمامه طرقة عريضة ، حيث البرد يقعي تأهبا ،بعد أن جال الحجرات ،تاركا أنفاسا عالقة في الهواء ، هاله المنظر خلفه ، في المرآة . وإذ لم يلتفت ،كان بؤبؤا عينيه يحتدان .أبخرة رقيقة تصّاعد ، تتلوى متكاثفة ، في الفضاء الصغير . الواجهة الصقيلة للمرآة ، تزاحمت عليها الأنفاس ،حارة تغبشها ، فامّحى الوجه . بمشقة راح يشحذ نظرته ، فيبصر سحبا رابضة ،رويدا تدنو منه ، كما لو أليفة تهبط السماء ،لتنحني عليه . دهشا كان يشعر بخفة ذراعيه ، إذ راحتا تهوّمان خلال الكثافة ، رخوة ترتطم به . أحس الأرض تتركه وئيدا، تنزلق من تحت قدميه البليلتين. يشف، كان ،جسده …يطييير أخذ الآن ، يطير ، فيما كانت السماء متباطئة، تتنآى فوق جناحيه العاريين.

طراوة يدات

وإذ انفلتت قدماه ، تجتازان ،قفزا، البلاطات، لصق باب غرفته، كانت الطاولة لا تزال تهتز ، كأنما ترجّع صوت دمدمة كتومة ، تعالت مرتين . فزعت نظراته تدعك الجدران ، تنزل متسللة إلى ثنيات الأوراق ، طيات الكتب ،منتفخة بها الأدراج . يداه واجفتان تتلمسان الأشياء ، تتوقفان للحظة ،أكبت الأصابع فوق كدس أوراق ، تتحسسه ،ذات الدائرتين بليلتين منفلشة ، محفورتين كأخدودين صغيرين، ولا أثر لبلل فوق، كي يندى السقف . عاليا قليلا نهّض رأسه ، كان المنظر مهيبا فوق الجدار ، أسفل منه الطاولة ، البحر في اتساع هائل ،جزر خفيف يحرث سطحه ،وزبد يتكاثف على خطوط عريضة ، لكنه نفض رأسه ،كمن يهش ظلا لفكرة مارقة . الضجة الخافتة تجهد في تسلق العلو، إذ يفصله عن الشارع،رويدا كان يميل على حواف النافذة ، ربما عجوز تلوم الدهر ،الذي لم يحفظ ماء عيناها ،أو مجنونا يلعلع صوته بكلام يندفق عفوا، غير أنها هذه المرة : أعلام صغيرة ملونة،لافتات ورقية وطراوة يدات تتعرق أصابعها ، قابضة عيدان نحيلة ، ترف فوقها مزق قماش ،فيما أسراب العيون ،لامعة، تتقدم ،تقض نعاس الطرقات ،تتلوى لتفضي إلى أزقة ضيقة . انحنى على الطاولة ،جذب قلما ثم آخر ،حاول أن يخربش شيئا ، فلم يندلق الحبر ضاجا اسطرا متماسكة ، تهز بياض الورقة . مسامعه لا تزال تتسع لضجة الصغار،إذ يغيبون دونما تلكؤ ، دون حتى أن ترمش نظراتهم ، للقامات إذ تحفهم شفقة .عصر الأقلام ، تركها تسيل من أصابعه .نهض وإذ إنصفق الباب خلفه ، وأخذت قدماه تهبطان درجات السلم الحلزوني ، إلى ضيق الشارع ،تناهت إلية ذات الدمدمة، كتيمة ،وظلت للحظات قارة في سمعه ، كأنما انفراط أيائل مروعة من وعورة جبال .حين عاد ليلا ، مخذولا يجرجر أعضاءه ، وآن اعتادت عينيه الأشياء ، راعه ابتلال الحجرة بالكامل ،حتى أن بركا صغيرة ، لا تزال راكنة في الأرضية الخفيضة . هذه المرة ، لم تفزع نظراته بحثا ، أذناه فقط قد حددتا للوهلة الأولى، السبب. إذ ما أن فاض من حواف الباب حتى كانت آخر القطرات ، تسّاقط من أطراف اللوحة ، إذ نزع عنها إطارها السفلي ، فتحدث تموجات صغيرة على سطح البركة ،لترتفع مرة أخرى كخرزة دقيقة فضية ، وداخل الإطارات المتبقية ، كانت الصورة خالية ، فقط أخاديد غائرة ظليلة، مجرى عريض ،عمقه صخور صغيرة مدببة ،منقطة بحبيبات سوداء، و إنشعاب طحالب ملحية.

***********

يهبطون القماش ليكنسوا الممرات

إلى
محمد الشيباني وعلي المقري

فاطمة

الصوت ، حاكا الهواء في فراغ الصالة ، إذ ترقب تخبطات مويجات ضوئية، تدريجا، تخفق عبر مطافات لانهائية ، في ذبذبات تروغ ، يكحت وجودات انبنت قبالته : لوحة لطفل يتقدم عربة، تقعي داخلها جراء صغيرة . تكئات من قطن وإسفنج، تطلع من دوار الانقذافات العالية ، بأيد صغيرة ، في مرأى من شفقة الحيطان . تكات ساعة تطال بتؤدة ، الخمس دقائق بعد منتصف الليل .أزيزا تتقطعه هد آت صغيرة ، لبراد رابض هناك . هذا الصوت ، صوتها، بعد إذ همد الأطفال ، تقاسمت رءوسهم جسدها المهدود،من محاولات كبح شقاوتهم ،إذ ينفلت مرتبكا وغائرا، مياه ترحل خلل أنابيب عميقة ، مصطدما بعزلتي ، حتى ليسقط الكتاب ، أحيانا القلم ، فتتشاخب أنفاسه . ينشعني من غفلتي ، لأتسللها من ثقب في سقف رأسي ، وقبل تضبطني متلبسا بها ، المح كلتي يديها ، اليدان اللتان عما قليل ، ستحرث أصابعهما يباس جسدي ، فا غفو كآخر طفل بين ذراعيها ، تمسكان بالقرآن ، فيما الكلمات الجليلة ترف بأجنحة رهيفة ، في اتجاه الليل.

مخلوقات هاشم علي

الخطوات ، ترود فسحة الصالة ، سترتعش خوفا، إذ من زمن تقاطر الزوار انصرافا، الصمت يهف من انفراجات الستائر ، تنسدل فوق زجاج النوافذ، وثمة دعسات مبعثرة . روائح هائمة . وبقايا كلام . فجأة ينطفئ النور ، وحده مع كل هذه المخلوقات المعلقة، يبقى. عند الطرقة ، في نهايتها ، مفضية إلى الدرجات القليلة ، نزولا إلى الخارج ، أوجس شغبا ما ، وظلا يلمس جسده : " ليس من أحد" ضاءت عيناه. قبل أن يغادر وأسفل الاحمرار الساقط هناك ،في الزاوية ، أبصرهم لمرة واحدة فقط ، إذ كانت قدماه ، منكفئتين ، قد انزلقتا تماما، يهبطون القماش في سيولة رائقة ، يمطون أجسادهم ، ككائنات هلامية ، وكما لو أنهم اخذوا يكنسون الممرات ، تناهى إلى مسامعه وشيش ، أخذ يحث جاهد ، متقطعا : "هل نزلوا لترتيب المكان؟ ".

أيوب

العجوز ، بخفة جسدها ، لائبة في الزحام ، بأخاديد تستلقي هانئة في الوجه إذ يذبل . بعينيها المتشاقيتين . بتلكم الصٌرة ، قارة فوق رأس مضمدة بغطاءات سوداء . بالنسوة يتمسحن إلى جوارها . أي شيء يبهضها، لينكسر قلب "أيوب" في صوتها ، فتنطفر الكلمات سخية ، دونما صبر . كأنما خوف أن يظل عليها الوقت فتأسن ، أو تنزلق خاثرة فلا تنصفق الكوى فاتحة لها ، بغيرما وجل من نظرات تمد أصابعها لتمس شفتيها ، فتختلج قليلا وتصمت . بل كانت عيناها تطرفان ، يتسارع بؤبؤاهما ، كأنما منهما يندفق الصوت . الصوت الذي ، رعشا ، سيخاتل الضجة . ووحيدا سيبقى ، رفيعا ، يتلكأ على أبواب مسامعنا ، بعد أن تكون ، طيفا ، أمحت:"

كن شي نحاكن ولي يزهد يوطي تمايم
يفتح لقلبي امكتاب لكل معلول دوى إلا
أليل أمهوى "  

س ص

إلى حمود الأعجم

أصابعه قوية ، متثاخنة ، تهصر هشاشة الزجاج ، ترتطم بحوافه صلابة الثلج ، فينّه رنينا خفيضا . عند الإرتشافة الأخيرة ، إذ تخر خيالاتهم ناشفة ، أو يطّاير الكلام ناصلا ، فيجرح أعضاء تصدت . بعد أن يندفع ليل الليل ، فارا الى هدأة ركن يتقاصى ، يفجؤك صوته ، متباعدا " حاسّ موتي قريب" ،ثم "طززززز على هيك مثقفين " ، ينحفر في ثخانة أدخنة ، زرقاء ، لابدة هناك، تُتكأ طلاء آيلا. بإصبع يدفس إطار النظارة إلى عينين ، ترتج فيهما حمرة واهنة . تنسل يده إلى صدره ، خلال إنفراجة أزارير متباعدة . يصلك صخب الأصابع ، تفرك لحمه ، لكأنما ستفر روحه ، توقا ، الى شسع برية . أوهو يهدأهن ، عشيقاته ، يُطامن من جذبهن لشغافه ، إذ يغتبطن مصطفات فوق مصاطب قلبه . قليلا ، ويتناهض مثلما ابيضاض شال يٌنفض عاليا . يسحب سلك التلفون . يترك دفق أغنية ، يتلوى في الأنحاء ، يحرس غيابه . ثم كما لو دما فارها وفجأة يباح ، الأمكنة ، الأشياء كلها : حجرات خالية ، صالة تتنصت ، كتب مسدوحة ، باب يئزّ ، أسنان قوية تقطر، شجرة الأسماء ، تصاوير الأصدقاء، تلوذ بالأجدرة ، كلها، دفعة واحدة، تتلاشاه فيختفي.

*******

هباء يطّاير في الظلام

صفير ، متباعدا يلج

من بعيد، كأنما قادما من أطراف لبرية نائية، ترهفه أذناه،واهنا، تتقطع أنفاسه، ذلك الصفير، الصفير الذي يهبط الآن ربلة ساقيه، إذ ظلتا لزمن عاجزتين،تتوانيان في أن تنجزا حلمه الليلي ،بأن يلهب هدأة المدينة صفعا بقدميه العاريتين، حتى تصدّع الأسوار ، وتفيض أعناقهم على حواف الشرفات ،ثخينة ، مسحوبا منه الدم ،هلعا. حين الليل يدلي ظلاما هائلا، بخيوط سوداء ، لينحشر شاغلا الزوايا، ضاغطا الخانات بجسده المتلاين.ماأن تلسعه سخونة الدم ، ويركل إحدى ساقيه أماما، حتى يبرك خائرا، ووراء يتخيل كل النوافذ عيونا ، تجحظ في مؤخرة عنقه . وآن أن راح يخطو قليلا، حاسا برودة الإسفلت، إذ تنفذ إلى مسام أطرافه ، تذوي شيئا فشيئا،تستحيل إلى دفء غامر ، يجذب قدميه لأن تدبا اكثر ، باغته اندفاع كلب وأنثاه ، من منعطف ظليم ، فيتزحلق ملويا على بعضه . يلهثان ، الكلب وأنثاه ، توقف الكلب، باعد بين ساقيه الخلفيتين ، نتوء صغير اخذ ينز خيطا ضئيلا ، لكن متوترا وبارقا، يتعرج فوق انحدار لامع ، ارتعش قليلا، دافعا أنثاه أماما . أخذ يغيب ،فيما صوت دعساتهما على سكينة الشوارع ، يصله متباعدا، فتباغته بهدوء رغبة وحشية ، تعقبها رعدة يحسها لذيذة تصعق أجزاء جسده . لكنه ناصلا الآن ، يحفنه بأطراف مسامعه :" من أين ياربي يأتي هذا الصفير ؟"وإذ افترّت نظراته بحثا، تدعك جعلكة الظلام حتى …خطوات مشدودة تخبط الحصوات الناتئة للإسفلت .عرق يتهالّ ، ساطعا ، فوق تموجات أجسادهم . سكين لامعة ، رعشات عيونهم تجرح نوم المدينة . استعّرت قدماه، حرائقا تدفقها ثقوب جسمه ، اندفع باتجاههم ، واجههم ، عيونهم تحدق أماما، تشع بريقا غامضا، تماهى فيهم، انصهر معهم ، ومن فم واحدا كان صفيرهم دافقا يلج، وأقدامهم ترج بشدة صلابة الطرقات ، رجا أخذت تردد تباعا صداه المدينة.

أظافر من نحا س
أو
رشيد الحريبي

بالخفة ذاتها، لطائر تصطفق جناحاه عاليا في سماءات صافية، كان ينهال على مسامعهم، خلال الفسحة الصغيرة ، لصق نهايات الباب، أو يبرده الهواء في ثقب المفتاح ، ذي السنون الدقيقة ، يترنحون قليلا، كأنما عنيفا يرتطم بهم، فيتهاوون وئيدا ، نافرة نظراتهم من حدقات هالعة . وقع الخطوات ، تحدثها أقدام تحث مشيا ، إلى غايات غائمة فوق أرصفة مجهولة ، تغمرها أثقال لغبار وكراتين وأوراق وأشياء متسخة ، يرتبك ، فتسكت الأرجل . كما لو انه كاتم ، يقضم صوت الخطى . بطيئا يتخللهم ،يصلهم في تموجات هوائية ، يقلبها الفراغ تجاههم . الهرهرات ، دفيئة ، تنفلت من قطيع الكلاب إذ تتلوى متقافزة ، عاضة الوبر الناعم
لبعضها ،فتقعي هذه ملتذة على أقدامها الخلفية ، آن يمسها من بعيد ، تنفرط عواء مباغتا ثم تصمت فجأة ودفعة واحدة .فيما هو ، وبعد أن تفري طراوة قدميه، بنعلين أزرقين قديمين ، شوارع المدينة كاضة أغبره وعري مجانين لاتني المنعطفات
تضيق بهم ، لصيقا لحافة البناية إذ عاليا تنمو كل يوم ،
تضمدها أخشاب طويلة مثبتة بحدائد نحيلة ، نابتة في رأس تقاطع، رويدا يدفع عنه ضجيج الظهيرة ، إلي استطالة فوهة لقناة مكشوفة .مثلما كائن يهبط من الأعالي أو يطفر من أسافل ظليمة ،ينحني فوق آلته الغريبة ، تفصلها عن جسده ، قطعة كرتون بكتابات ملتوية،باهمة،وحوائج مصرورة في خرقة معقودة إلى منكبيه . دونما ريش أو أظافر من نحاس كانت أصابعه ليّنة تعابث دخائل تلك الآلة ، طويلا ينكفئ بصره ، كأنما بنظراته لا بأصابعه ينز ذلك الصوت ، جارحا ، شائقا . ما أن يسيل هنيهة تجاه الأرض ، حتى تحفه أجنحة صغيرة ، تطيّره بعيدا في ظلال خفيفة ، لظلام يتدافع رويدا،
من جهات عديدة . يحوّم الصوت ، تخفضه الأجنحة آنا وتعليه حينا، إذ تتخافق به ، حتى لايصطدم بزاوية بناية، أو في صلابة عمود فولاذي فيهوي متشضيا. مرات قليلة ، تكاد تكون نادرة ، ينهّض فيها بصره ، فقط إذا ماعبره أحدهم ولا تختلج أنفاسه أو تشرقّ خطاه ، حال يحزها رهافة الصوت ، ويغيب مضمدا عينيه ، برموش طويلة متكاثفة ، مجهدا أصابعه العابثة أبدا، حين يحتد اصطخاب الأصوات أو التواؤها في مسامعه ، إذ يلمسها النغم ، تنزفه الآلة تلك ، كما لو نذيرا يخضهم ،سهما يجرحهم ..

هوام

وقت أن تهامت فوق طبلة أذنه ، رفّات صغيرة ، قاضة خدرا، كان بطيئا يترك دعساته الناعمة على مساحة جسده ، فيتضعضع ثاقلا ، هبّ واقفا يفتش . وإذ لاشيء ، راح يهبط ضوءا، يترجرج بين يديه ، شاغلا مساحة ضئيلة تحيطه . الظلمات الراكنة إلى عطفة الدرجات ، كانت تئن ، تتبعثر فالتة إلي الأسافل ، آن يدهمها النور المنزلق . وإذ تجول الصفرة الراعشة ، متسارعة من خانة إلي أخرى ، ثمة باب راح وئيدا يصرّ، نافذة متكاسلة طقطقت ، أزيز ريح يتخلل الأنحاء . كما لو جناحين رقيقين ، يضربان في خلاء مسامعه ، أو طرقعات مطرقة تتقاصى ، كان رجع الرفيف يزّايد . دعسات قدميه إذ تعلو خفيفا ، أثناء احتكاكها بغلاف هش لغبار قديم ، تتوقف طويلا، قبل أن تخف مرة أخرى ، جائلة وهاد المكان .ووقت أن أخذت يائسة ترقى العلو،عائدة،
طاش الضوء فجأة،كأنما عنوة ، كاحتا عتمة مستطيلة ، لينتهي إلى خانة قصيّة،فيلمحهم صغارا يلتصقون ببعضهم ،مسحوبة أجفانهم على ثقوب صغيرة طرية . وأذ انهمر الأصفر ،صابا حدته عليهم ،علت وصوصاتهم ، تلبط أجنحتهم اللحمية ، فتنث من تحتها هباء ، راح يطّاير في الهواء ، إلى أن غاب متفرقا،في الظلام.

صورة

وسمعتني ، لحظة أن كان الضباب ساخنا يدوّم حولي، والسماء تهوي عليّ كسفا ، في حين الحبيبات الصغيرة تنزلق طرية ، طافحة بها أخاديد جسدي . أصواتهم ، إذ تنكفئ درف أبواب محالهم إلى الخارج ، واليدات فقط ، ضامرة بعروق ملوية طافية فوق سطح الجلد، تقلّب حزما صغيرة ، تنوشني صاخبة من بعيد، كأنما تدفعني لأغوص عميقا أسفل مني . وأصغيت لي وسط غبشة تدلى فوق عيني الشاردتين ، أهبط مترجرجا درجات قليلة ، تلك الدرجات التي تسند سدة إسمنتية عالية ، أجلسها في صورة قديمة ، وضعت قبالتي، فوق أحد الرفوف،الصورة التي فيها يفيض فخذاي ، مشدودين من حواف بنطال مجزوز منتصفه ، فيما شرابات نصف مقشورة ، تحف ساقيّ الناحلتين ،بشعر خفيف،تمسكهما فردتا حذاء بسيور عريضة ، ناشبة في حلقات نحاسية رفيعة. وإذ تأخذ قدماي هبوطا الدرجات العريضة، كنت أغور شيئا فشيئا تحتي ، مررت بي فهزتني الرائحة،رائحتي إذ كنت صغيرا ، لا تمل يداه مشاغبة الأعالي ، قاذفا بخشونة حجارة صغيرة ، فتنتفض الشجيرات مطقطقة لوهلة ، إثر تحليق مندفع ، من أسراب كثيفة لطيور البحر بريشها الثلجي ، وقبل أن يصطفق الباب عليّ ، فيرجني وحيدا رجعه ، دافعا إياي بكل ما أوتي من قوة إلى قرار ليس ذي نهاية ، وقبل أن أشعرني متخبطا في جنباته الرخوة ، قتيمة تتلقفني ، أرهفتها خطفا ، تلك النظرات ، نظراتها شاخصة ، تنشف على زجاج النافذة ، إذ تطل على حيز،كنت يا جسدي محموما تشغله.

***********

يصعد الجدار ليخيط النجوم

خائط

الباصات ، حين تذهب أو في مجيئها لمرات عديدة ، ستخطف صورته عبر التماع زجاجها ، لائذا بجدار، قدماه تناوشهما الشمس . وفيما الوجه يدّارى ، خلف الهباء والشعر الملوي ، أصابعه راحت ترفوّ خرقة تلوخرقة ، في ثوبه ذي الطبقات . حتى إذا ما همّ واقفا ، خلته أثوابا تسير وحيدة ، تهدهد صلادة شوارع مهدودة من لطم الأحذية .هواء ، ربما أياد ، يدفعها في الطرقات ، دون أن تبصر دكنة جسد ، ينفخ فيها الروح . هذه الليلة صعد الجدار ، وامتدت ذراعاه عاليا بالخيط والإبرة ، لم يبالي البلكات العارية إذ نمت عن حشرجة ، أسفل ارتعاش أصابع القدم ، ولم يخطر له أن يأبه بالسيارات إذ تمخر الهواء قربه ، فقط اليدان متوترتان، ما فتئتا تشيران بحنق إلى تلكم النجوم العالية ، كما لو أنه لأول وهلة يلمحها ، وتدرج في إلتواءات ليّنة ، لكأنما هي ثقوب تكشف عورة ما، أخذت بدأب تخيطها واحدا واحدا.

صنعاء

عسس الليل يهشون ذبالة الظلام إلى غفلة الشوارع . طلق ناري تشهق به رشاشات مجهولة. يرقش جدار الهدأة . يعطل نعاسا فائضا، يتنزل من عتمة القمريات ، خلل حبال تساقطت من أعال . زبّال يعتل أدواته ويدفع عربة أما ما ، يتلوى جسده ، آن تطرطش حذاؤه في بلل الصمت، وصولا إلى نفايات تتنفس أبدا. امرأة ، عجوزا، اسفل بناية تهرب ثرثراتها، من مواسير مفغورة في منتصف الطريق ، بانكفائتها عن الوقت ، بتحديقها في نشاف قدمين ، شعرها نارٌ تتسلق انحاءا فوقها . فيما ذلك كله ، ثمة كلب وشعث آدمي ، راحا في طمأنينة ، يسيّلان شباكا مائية ، تحط لامعة فوق هامة الإسفلت ، لتطال أجزاءه الباقية ، في تتالي بطيء ، إذ كانا يفركانه من ظلال أسنت ، ولا تزال تصخب ، ملصوقة أطرافها بمغاليق محال ، تستطيل مصمتة .

لفافة

كأنما اللفافة ، اللفافة الداخنة ، اللامعة كثلج يهطل ، في ظهيرة قائضة ،الراكزة إلى أعلى ، النحيلة كإصبع مستدق :حياة هاربة ، راحت شفتا المرأة ، مشعثة، مثنية في استدارة حوض لشجيرات صغيرة ، محفوف ببلكات حمراء عمق الرصيف، معصوب رأسها ، لافتا وسطها بأطراف الثوب، فيما ينسحب للأسفل سروال طويل مزمومة حوافه ، بدأب وجهد مستميتين في جذبها ، ببطء شديد، بإغماضة عينين ملتذتين ، إلى الداخل . في حين كانت قدمها الراكنة على أخراها ، مركوزة وغير آبهة، تدعك الوجوه إذ تطل من نوافذ مزججة ، لحافلات هادرة ، أو تهش نظرات تركها عابرون، تتسكع بالجوار .

أرواح تغتبط

كما لو ذراعان حانيتان تضمانه ، الأغصان الرفيعة النازلة ، من علو أشجار النادي العسكري ، فائضة أطرافها على السور بطلائه الأبيض ،ذي البلكات المخرمة ، كلما مر المجنون ، بشعره المضفور ، خصلات طويلة ، وشعث لحيته لاصقا بها الهباء، كفراشات حائل لونها ، كافا ذيل ثوبه إلى منتصف فخذين متسختين ، ساعة تتعالى حكحكات حذائه ، فوق أحجار الرصيف ، تندفع خفيفا إلى عنده ، لامسة بأصابع وديعة، خصلات الشعر الساقطة فوق جبينه، ياقة قميصه إذ تتهالك واهنة ، الأزرار النحاسية ، تطل لامعة من ثقوب صغيرة . أحيانا تعلق به لهنيهة ، كأنما تستبقيه ولو قليلا ، غير أنه ينفلت خفيفا ، في إبتسامة تتسع ، ليركل امتداد الرصيف عجلا، حيث عساكر الحراسة ، يتبادلون سيجارة واحدة ، ويرتشفون شاي أسود من علب صدئة . وككل مرة ، لوى رأسه بغتة ، كأنما من بعيد تشده من ظهره ، لتخفق نظراته عاليا باتجاهها، فيلمحها لا تزال تهتز ، راهفا في اللحظة ذاتها ، همهمات تندلق ناحلة كخيط ، مغتبطة تبقى ترقبه، وهو ينأى.

أقرأ أيضاً: