• يانيس ريتسوس
نبوءة
4 /12/2002
لبابلَ صوتٌ من البرقِ يدمي الشوارعْ ،
شِعرٌ يُزيلُ من الرعدِ ضوضاءهُ ،
فيرسو على مقلةِ الشمسِ والخاصرةْ ..
يُعلّقُ حبلَ سريرتهِ المتدلي من سقفِ غيمتهِ في الهباءِ،
ويخرجُ من بطنِ حوتٍ يجوب البحارَ كسائحْ ،
ويغرسُ زعنفةَ البوحِ في شاطئِ الإنكسارْ .
لبابلَ سنارةٌ لا تصيدْ
سوى الحجرِ اللولبيِّ المشاكسِ ،
مثل كلامِ القطارِ البخاريِّ ساعةَ صحوِ النهارْ .
********
وبين سماواتِ بابلْ ،
وبينَ النجومِ حكاية ،
حكتها العجائزُ في غفلةِ الريحِ للأنبياءْ ..
تقولُ النبوءة ْ :
( بأنَّ زماناً سيأتي ليسرقَ من طفلةِ البرقِ ألعابَها ،
وأنَّ دمَ الوردِ سوف يسيلُ على جرحِ دجلةْ،
وأنَّ الكلابَ ستنبحُ يوما بأبوابِها ،
وتغرقُ في لجةٍ من دماءْ ) ..
لـعل النبوءة َ تكشفُ سوءةَ حرفِ الغوايةْ ،
وأصواتِ جداتِنا الذاهباتِ إلى حيث تأوي المدائنُ أطفالَها ،
وتحضنُ آثامَنا في حنوٍّ ،
**********
كمثلِ حدائقِ بابلْ ،
تُعلِّقُ أشعارنا كالخفافيش من عقبيها .
لعل الخرافة َ تبحثُ عن طينِ عنقاءَ نارْ ،
شواظٌ يحرِّقُ ســِفْرَ الفجيعةِ ،
حيث القرابينُ أشهى لِربِّ الفراتْ ..
لبابلَ صوتُ السماءِ المزمجرِ ،
يأتي بطيئاً ليقصفَ رأسَ المدينةْ ،
فنخرجُ من عورةِ البوحِ أقوى ،
نسيرُ إلى غابةِ الأقحوانْ ،
لها جرحُها ،
لنا جرحُها ،
لهم جرحُها ،
ولكن .. إلى أن يحطُّ جرادُ النبوءةْ ،
فيكنسُ ما قد تبقّى من الحرثِ ،
والنسلِ ،
والأرجوانْ .
سنمضي الهزيعَ الأخيرَ من الحلمِ ثم نقومُ كما يفعلُ الخيزرانْ .
لم يبعث القمر رسولته هذا المساء..
وحين إبتدأنا الغناءَ وهبنا السماواتِ أصواتَنا
بكتنا الكوؤس على الطاولة
وقلنا : ( نعودُ ) .. وغبنا.
سنينا بقينا نقيسُ المسافاتِ ،
كي نستعيدَ بقايا ذرتها الرياحُ ،
إلى لا مكانْ ..
سنينا .. نعدُ وراءَ المعمّدِ أسماءَنا ،
ونمسكُ أذرعَ أحزانِنا ،
كأن الشوارعَ والعاشقين سكارى
يمدون أقداحَ أشعارِهم ،
فيدنو من الخيزران المطر .
لقد مرت الآن قيناتُهم يصلين شعرا ،
يخاتل قبل الرحيلِ النهرْ .
غريبانِ عدنا لننزعَ ـ في عتمةِ الجرحِ ـ أحزانَنا ،
لكي لا يراه المسافرُ حين يعودُ لحزمِ حقيبةِ قلبٍ
توحد فيه المدى والسفرْ .
وقلنا): نغيب ( .. وعدنا ،
على زورقٍ من صباحْ ،
نمسدُ موجا نسته البحارُ طويلا ،
على شاطئِ من قناديلَ ضلت طريقا إلى المستحيلِ ..
فصارت .. جراحْ .
غريبان نصغي لصوت القبيلةِ ،
حين تهم بقطعِ وريدِ الأحاجي ،
وتصطنعُ الأمهاتُ خرافاتِ أجدادِنا الواهمينْ .
نعودُ .. ـ لنصنعَ في عتمةِ الحزنِ ـ أقمارَنا ،
ونطهو الظلامَ على موقدِ الشمسِ ،
كي نستعيدَ سؤالا تشظى من الذاكرةْ .
نعودُ .. غريبين ، دون زمانٍ يخضّرُ ما قد تبقى من الحزن في قلبنا ،
و دون مكانٍ يعيدُ إلى الليل تشكيلهُ ،
كأنا بكينا طويلا
فصارت
وجوهُ السنينِ طللْ ..
سنمكث تحت خيامِ النجومِ .. دقائقَ ،
ثم نحمّلُ ظعنَ القلوبِ .. ونرحلْ ..
إلى حيث يسكنُ ـ كوخَ السماءِ ـ .. قمر،
سنكتب بضعَ قصائدِ ،
في ردهةِ الغيبِ ،
ثم نشدُ الرحالَ إلى المنتهى ،
ونبدأ في غفلة الليل ..
قصَ الأثر ،
لعل الظلامَ يعيدُ إلينا القصيدةَ ،
حين يعودُ من الغيم رخُ السفرْ
وردة
على أيٍّ روحِ تطيرُ الفراشاتُ
من حزنِنا ،
على أيٍّ جرح تغني الزنابقُ في وحشةِ الإنتظار.
وفي أي كونِ تحلّقُ تلك المواجعُ في زرقةِ اللانهايات؟
********
لقد كنتُ فوقَ سحابِ المسافرِ
أحتطب الوردَ ،
ألكزُ غيمَ الجبالِ ،
أهشُ الرذاذَ فيسقطُ من غيمةِ الروحِ
نفسُ السؤال .
أجرحٌ يسيّل هذي المدينةَ
أم في يديها يموتُ الغبار ؟.
********
قديما..
وحيث السماءَ تلاقي انينَ البحارِ،
نما الرمل و الشجرُ المكفهرُ وبعضُ السحاب
فغابت على غابة القلبِ : تلك المدينةُ
وانداحتِ الإحتمالاتُ
حتى غدا البوحُ : سيلَ لبان.
********
قديما..
ـ وكنتُ أشدُ الرحالُ على هودجِ الليلِِ ـ
تغفو السماءُ على كفِّ ساحر ،
وتدنو الشواهينُ حتى تصيبَ رؤوسَ الجبالِ بدوختِها ،
ثم تدنو الرياحُ لتزرعَ في هدأةِ الطيرِ أعشاشَها.
لقد كانت الأرضُ في راحةِ الغيمِ تفاحةً .
وكنت هناك أصلي على شرفة الإنتظارِ
لعل الجراحَ تعودُ لأوكارِها
فأغدو لأزرعَ فوق الرذاذِ قبورا بلا ساعةٍ أو يدين .
********
وهذي أنا الآنَ أبدو كطيرٍ يفرُ من الروح ،
من قفصٍ الغيبِ ،
حتى يلاقي السماواتِ دون جناحٍ ودون مخالبَ،
وهذي أنا الآن أدنو من الأرضِ
أدنو
وأدنو
وأدنو
ولا شيءَ غير َ الفراغ
وحده .. الليل
وحيدة ...والليل كرسي الفجيعة
ليس لي إلا ( أنا )
والغيمة الحبلى بأسئلة كثيرة..
كم تقاطر حولها الأطفال والأشجار
فانثالوا كماء آسن
غاباتهم تمضي إلى وكناتها
( زرقاء .. يا زرقاء )
يا تلك النبوءة كيف جئت
وكيف فات الجند من ثقب الحقيقة .
كيف كان الموت يهذي
والجنون يسير مخبولا
على عرباته
والليل يسكنني كجني
يسافر في دمي المسجور
بين الضلع والضلع.
والأشياء تشبهني
الغايات تشبهني
اللاشيء يشبهني
و ... ( أنا ) أتابع ظلي الممدود
خلف الحائط المرئي
تهتز المسافة بين أسئلتي
فأصغي للمدينة كي ( تفضفض )
سرها المعقود من زمن
واسترق ( السماع )
أدغدغ القطط التي ( ماءت )
وسال لعابها
وأهدهد الشيطان
كي يهدا قليلا
عل هذا الليل يتبعني
فأخطو نحوه .
سأجادل ( التعويذة )العذراء
أحرقها .. لتهديني السبيل
إلى شياطين الظلام
( أأ نسن ) الجني
أتبعه ..
لعل الأرض تعشبني
فأنمو مثل ( أنكيدو )
فهذا الليل خلفي
سوف أمضي ..
سوف لن أبتاع شالا
للشتاء
وسوف اقتلع الشجيرات
التي دفنت خرائطها على جسدي
وأمضي ..
حلم أخير .. لليلٍ آخر
سأختار هذا الذي لم يمت ،
سأنهي مراسيم دفني ،
سألغي مسافات هذا الذي لم يحط .
جنوبا الى حيث تنمو الكتابات من زهرة ٍ
أو تموت على شارع ٍ من سحاب يبيض قناديله
كي يجرّب فخ القطط .
غريبا على حافة الشوق تلهو عصافيره .
قريبا من الريح حيث غنائي هباء ً،
وحيث المراجيح غيم يسوق النهار الى غيره ..
أجمّع نار المجوس ،
تصلي الكثيرات في ساعة الغفل .
عند التقاء المواجع .
عند احتقان المدامع
عند الدروب التي أوصدتني .
وغابت على شرفة القلب تبكي .
لعل السماء تعيدُ
جناحيَ حين المدينة تجثو على ركبتيها
فتغلي .. كما مرجل الغيظ .
فوق الأثافي .
وأغلي على جمرة الوجد
عند سويعات فجري المكبّل بالاحتراقْ .
سأختار تلك المنافي البعيدة .
أعيد الى الليل تشكيلة الانعتاق .
وأسَرْجُ حلما لأنثى تصلي على
غيمةٍ .
ستحملها نحو ذاك السديم .
تعلق فوق السماوات .. أوجاعها .
لقلبي الذي لم يمت .
لحلمي الذي فتت الغيب أحجاره .
لنزفي..
بقية ذاك الرماد المبارك
نثار الغواية .
جب المسافة بين انعتاق الرياح من الغيب حتى الألم .
سأختار نصف المشارق
نصف المغارب
نصفي الشماليَّ من مركبي .
سأغرق .
أغرق .
أغرق .
حتى تقوم القيامة .
ثم أقوم ..
لأغسل نصفي الأخير الذي لم يمت
سقوطٌ مدوٍ لريشة !!
حين تنكشفُ السماواتُ،
تسقطُ أجنحةُ الشمسِ
لتصنعُ العرّافاتُ من مفارقِ شَعورهنّ،
أفلاكا وحظوظَ.
( منسأة داوود )
السماءُ تمطرُ دمي،
تقودني العاصفةُ إلى عماي،
والريحُ ذَهَبُ التلاشي،
كغيمةٍ تحطُ رحالَها بعدَ ألفِ عامْ،
تتأرجحُ السرادقُ التي نصبتَها الفراغاتُ،
كي تطرد أشباحي،
وتلوذ برؤيايَ الثلمة،
كسكينٍ شحذتَها ذاكرةُ النساءْ.
قصيدةٌ تتلّبسُ الخرافة
تقول :
(أنَّ المطرَ جَمَعَ أحداقَ الضفادعِ،
وراحَ يتمعنُ رائحةَ العاصفةْ).
لم تزلْ تشربُ فقاعاتِ المطرِ،
وتلوذُ بالتلاشي.
صفرَ اليدين،
أخرجُ من منسأةِ داوودَ،
إلى سِفْرِ الخطيئةْ،
تترصدني فزاعاتُ الحقولِ السبعْ،
كجنيةٍ تلعبُ النردَ في أرضِ القساوسةْ،
حيث الملكُ (لير) تعِبٌ من مقارعةِ ساحراتِ النهرِ الخرافيّ،
تتنفسُ ببطءٍ.. ويقينْ..
والأرضُ لفافةٌ من عجينٍ نتنةْ،
موحشٌ هذا الترابْ،
وغااااارقٌ في خرافةِ الماءْ..
وحكاية الشياطين..
ومَرَدةِ الأرضِ العابثينَ بقبورِ جدّاتنا الفارغةْ.
قلبٌ برائحةِ (العشب):
من المسافاتِ المرتقّة بقميصِ يوسف،
إلى هزالِ ألأسنمةِ المعبأةِ بماءِ الوضّائين،
وضعتُ بيضةَ رخٍ في مهدِ الخرافة،
وسقيتُ قلبا أخضرَ.. لبنَ العصفور،
أخبرتُكَ آنذاك :
( أن اللوتسَ لا ينبت هنا !! )
نحنُ فقط الباقون .. والماضون
( أكبرتُكْ ) .. بعيدا عن أيدي ( نسوةِ المدينةِ ) المقطّعةْ .
* يالعفة الجوعى !!
تذوبُ الحكاية ..
كحاراتِ الفقراء
بين فكيّ مارد.
يرتدونَ جلدَ الفراغِ
ويعبثون بأعضاءِ البردِ
كي يبللَ أطرافَ نهارهمْ
كما كان يشتهي:
في قريةِ الصنوبرِ البرّي،
التي تبعدُ عن الشمسِ خمسةَ فراسخْ،
وعن القمرِ ليلتينْ،
كانت هناك نسوةُ يقتتنَ الماءْ،
يزرعنَ قمحَ الشهوةْ،
وحين يجنّ الليلُ،
يتهادى أمرؤ القيسِ في عباءةٍ زمرديةٍ،
ليقطفَ ما زرعنَهْ،
ويركزَ خارج الخيامِ رمحَ الخطيئةْ..
كانت هناك عشرُ جوارٍ..
وأنثى واحدةْ.
آخر الشمس ..
(1)
الغيمةُ .. أمي
تقيسُ لهاثَ الحجرِ
تخرجُ من كوّةِ النورِ
تسقطُ .. في الروحِ
قالت مرة:
(الغائبونَ ، يقتنصون الليلَ ويقتسمونَ أحلامنَا ).
الشمسُ تسترقُ الحكايةَ
يستدركها ضوءٌ في عينيِّ أمي .....
فتغيب .
(2)
وجهُ جدتي يحملُ أسماءً منقوشةً على شواهدِ ذاكرتِها
كانت تقرأُ فاتحةَ الوجوهِ وتشهقْ
النهارُ يشتبكُ بدمعِها ويشتبكُ مع بصيرتِها
(وحدهنَّ الآراملُ يستيقظنَ في كنَفِ العفةِ
بعد كنفِ الدمعةِ )..
حين الرحيل!!
****
(3)
خارجونَ عن طواعيةِ التابوّاتِ
رهناءُ الظلِ القاتمِ فوقَ الحكمةِ
رهناءُ الوجعِ الممتدِ فوقَ الرأسِ
الى أخمصِ أرضْ .
****
(4)
حين تستيقظَ لتجدَ الصبحَ مقتولاً على صدرِك
فاضحاً عريَّ أحلامِك
تتعرقُ الأزمنةُ تحت إبطيك
وأنت الخارجُ للتوِّ من سُرة ِ الطبيعةِ
تشذّبُ أوراقَ الذاكرةِ الرافلةِ بالأسماءِ
والوجوهِ المرهونةِللغيابْ
تقفُ محنطاً بغبطةٍ فارغةٍ/فاغرةً أشداقَها للريح
تتكسرُ فجأةً على موجةِ أسئلةٍ
لفظتها القطيعة ..
سارجاً ولعَ الروحِ في حضرةِ الموتِ
لا شيءَ يجعلك كقطعِ الهباءِ .. هكذا
غير الأصدقاءْ .
****
(5)
عرباتُ الوقت ِ تمشي بتؤدةٍ
تدخلُ في أردانِ الفراغِ ..
القلب ُ أرضٌ تنهبُها الجنادبُ والغيابُ
ثمةَ من يمرُ على عَجَلٍ
وثمةَ من يمرُ على مَهَلٍ
الريحُ وحدها تبقى طاهرةً
يتوارثُها المارون .
****
(6)
تطلعُ الشمس ُ من أكمامِ الزرقةِ
مشمئزةً ولاعنةْ..
تجرها العادةُ .. لا أكثرْ
****
(7)
للتاريخِ.. رئةٌ مسلولةٌ .. مثقوبةٌ كأسمالِ الفقراءِ
نربطُ جأشَهُ وجشعَهُ
ببعضِ أكاذيب
تحكيها الأمهاتُ قبلَ النومِ
وبعدَ الهزيمةْ .
****
(8)
ألملمُ مساحاتِ الزرقةِ
من جيوبِ السماءِ
مذعنـــــــــــــةٌ للتيه.
أمشــــــــــي حذوَ نفسي
الريحُ تحتسي وجهي ..
أنتهي.
قصائد تقضم أظفار القلق
(1)
لماذا .
كلما مد الضوء يده
نحو الغابة
قطعها الحطابون
(2)
توت .. توت
تمر العربة من ثقب الإبرة
تثير شغب الطرقات ،
تسير كأرملة ،
غير آبهة بعيون الجنازة .
كانت وحيدة .. وتائهة .
(3)
معلق على قارعة الطريق ،
تمخر – من بين فخذيه – الريح ،
يحمل مشعل الحرية بيد .
وفي الأخرى
( عنق ) طفل أفغاني .
(4)
الوعول لا تزال مطلوقة السراح ،
خارجة للتو من غبار القبيلة ،
دثارها الشمس
وقربانها المكان ،
لا واحة تخلع على مشجبها
قرونها المشرئبة ،
كخارطة لا نهائية للعالم .
( دعوها فإنها موتورة ).
(5)
كمحارب منغولي ،
أشك برمحي صدر الغيب ،
نتبادل الطعنات ،
حتى تدق الحرب طبولها
المعبأة بالدم.
سأصلي الليلة خلف الجند .
علني أحظى بقاتلي .
مرة أخرى .
(6)
كجندب أنقلب على ظهري ،
اغرق في لجة الضحك ،
أحرر ذراعي من زناري ،
وأغيب عن وعي الكلمات ،
لا مكان في هذا الحزن .
للهذيان .
(7)
وحيدة .
أرتب صفوف الوقت ،
أشعل الفنار ،
السفن لم تداهم اليابسة هذا المساء ،
والبحار ضل الميناء ،
إلى جزيرة غير مأهولة بالذاكرة .
عقارب الساعة تلسع البحر
بمخلبيها ،
الريح أطفأت الفنار ،
وهربت إلى مخبئها ،
دون أن تترك وصيتها .
للسندباد .
للصمت المقرفص في الزاوية .. ذاكرة
(1)
لماذا أتحول الى مأتم.
بعد ليلة فرح طويلة ؟!!.
(2)
مامن جديد .
سوى رحيل
جديد .
(3)
للصمت أذن
تسمع الله .
(4)
بعد هذا البعد .
بامكاني قطع
رِجل المسافة .
(5)
كلما رفعت رأسي اليه.
ردني إليّ !!
(6)
نحن مشيمة الأرض .
نعّلم أطفال الريح
خطوات العاصفة .
(7)
ثمة غريب .
يسرطن دماغ المنفى ،
ويستأصله الوطن
(8)
رغم كل هذا العشب.
نفتقد الأخضر .
(9)
ارجم ذاكرتي
بقطع منقوعة في ماء النسيان
ترن في الغياب .
وتذوب.
(10)
ذات عشق
كنت جميلة .
ووحيدة .
(11)
بحجم كآبتي
سأصمت.
(12)
السقوط أسهل من الوقوف
على قدمين خائفتين.
(13)
ممددة في قلب جدار
كطعنة قديمة
رسمها عابر.
ومضى.
(14)
لست الا ظلا مهملا
يمشي على نور خافت
يبحث عن ذات.
(15)
تسأل :
ألم تقتلع السماء مشانقها بعد ؟!!
بعد سفر ٍ .
وجدوك ظلا معلقا يترنح ،
وخطواتك تتدلى في الفراغ.
(16)
أقراص الكآبة التي أدمنتها
تجعلني أحيا كعجوز تبلغ الموت.
(17)
الريح التي انتزعتني من حضن الفراغ
تعيدني إليه .
(18)
ليكن هذا القلب جحيم
أشعل فيه أوجاعي المخضرة دائما .
(19)
لم تعد المسافة ساخطة علي
انها ترحب لضياع أكبر .
(20)
خطوات ممزوجة بأنفاس الريح
تترك أجسادنا تنز عرقا .
مثخنة بألم الاشتهاء.
(21)
الشيخ العجوز لا يبصر جرحه
والغريب يفتح عري الضوء
يخيط المسافات .
بعين واحدة
وشبه قلب.
(22)
أشعة الشمس على زاوية الصمت
تجلس القرفصاء
والغريب .. يتوكأ الحنين على جدار ٍ
يضج بالركل
والتآكل.
(23)
بعد هنيهة .. اسحب يدي من يديك
واطلقها لراحلة الغياب
غرق
(1)
الليلُ زنجيٌ نائمٌ على مفرقِ الريحْ
تتكدسُ السماواتُ على أرصفةِ الغيبْ .
ثمة أسىً يجيءُ كنعاسٍ مضطربْ
ومسافة ٌ تندملُ بين عظمٍ وجلد
تقفُ شاخصاً في حدقةِ ضرير
إفتني : ( لمَ الطيرُ تأكلُ من رأسي نتفَ الريح ) ؟!.
لا تسعفك الهاويةُ لالتقاطِ وجهِكَ
من مرايا الغيابِ المتكسرةِ على قارعةِ الرأس
لكنك تتناثرُ في جهاتِ العبثِ الصاخبةْ
****
عبءٌ يغمرُ صرتَكَ بالرماد
ووجهك سردابٌ يكتظُ بالمسوخِ والأشباح
تجتثُ من فمِك المدى
تسيُر إلى مواطئ الجحيم
كفراشة ٍ أغرتها المصابيحُ بمدنِ النهار
وحيدا .. تعبر الحلمَ بلا جناحين
****
في هيئةِ النوم
حواسُك تكتظُ باليقظة
تستقطبكَ جللُ الخطوبِ
وأنت في أقاصي مرورِك السقيم
ميمماً صوبَ سَفرِكَ الفادح .
****
تتهدلُ كخرقةٍ مدلاةٍ بلذةِ السقوطِ
على هواءٍ شاغر
هتكت عرضَها الأزمنةُ
ومزقتَها نميمةُ الريحْ .
******
كأضرحةِ الأنبياء..ِ
المزهوةِ بتضرعاتِ الخطّائين
تنثالُ في بهوِ الفضيلةِ
متأبطا معجزاتِ الماءِ
تجركَ اللججُ
توغلكَ في البياض
تخلعُ لها جسدكَ المشحوذُ بالعزلة
تستحيلُ فرسَ نهرٍ متعب
جسدُكَ الطاعنُ في الأعلى
بحثاً عن وطنٍ يقفُ بينَ عينيكَ
تضيّعهُ كلما استدارَ نحوكْ
. ويضيعكَ كلما استدرتْ
الصوتُ .. في زنازينِ الفجيعةِ .. تأخذُهُ الريح
، تنزُ الذاكرةُ من جبينك .. يخرجُ الأصدقاءُ
والنساءُ اللاتي تلفعنَ مسافاتِك،
تصابُ برهابِ الماءْ
ولفرطِ الغرق..
تغرق
****
تطأ العتمةَ .. رغم إتقادِ الروحِ بالجمر
ثمةَ نجمةٌ تنضجُ ملءَ راحتيك
أيها الماءُ .. ياسيّدَ الأجنةِ وأولَ القيامة..
من أضلاعك نأخذُ هيئةَ السفر
كيف إجتزناك كسهمِ ضوءٍ شفيفٍ
دون أن تقطرَ منّا وردة ؟
كيف فعلْتنا دون هيئةٍ
، كمحاراتٍ تتأبطُ حكمةَ الخلجانِ
وبدءِ التكوين ؟.
****
المساحات ُ تلوذُ بالبياض
الموتُ سؤالٌ طويلٌ
أفلتَ جيادَنا المطهمةَ بالشمسِ
إلى جهات ٍ تلوذُ بنفسِها عن نفسِها
موجةٌ تعيدُ لي جلدي الممتقعَ بلونِ الغيابْ
الساحلُ .. يراودُ أحلامَكَ عن نفسِها
يقدُّ ريشَ النوارسِ من دبرٍ
تستيقظُ من ذاكرتها..
مضمخاً بزبدِ مَن غرقَ قبلَ هنيهة .
أشششششش . . لا توقظ الدببة
في كهفها تنام الدببة البيضاء
لشتائها طعم الثلج الأبيض
المتربص خلف النوافذ الزجاجية ..
للصقيع أغنية بائسة ، تمخر عباب الألوان الشاحبة ،
المدلاة كمشنقة أخيرة
.... للعالم .
أششش.. الدببة في بياتها الشتوي
لا توقظها ،
لا تسلخ أجزاء الفرو الناعم عنها ،
لمخالبها صنارتان لصيد السبات ،
وهناك .. حيث المدى يتثاءب في هدوء
طفل يهرسه البرد ،
ويقف على جسده شاهد كتب عليه :
( مات وحيدا )..
الدببة القطبية بفرائها المكسو بالكستناء
تقذف منيها في وجهه،
وتغرق في
سباتها.
*******
العجوز يهش الليل بعصاه،
عار كيوم ولدته أمه ،
وعلى جسده الشبيه بعلامة استفهام محنطة
شاهد كتب عليه :
( مات شريدا )..
*********
أششش..لا توقظ الدببة
دع لها بقية الشتاء ،
لقد خزنت كفايتها من اللحم النيئ
وبصقت من مؤخراتها ،
طعام العام القادم لأطفال العالم ( الآخر ) .
************
يقترب القطار المحمل بالموت ليدهس بعجلاته
أجساد الوجع القادم من آخر اصقاع الأرض ،
حيث الكلب يغوط على وسائده الحريرية
والألم ممنوع بأمر الجلادين .
وفي صدر النهار..
امرأة خمسينية تزرع شاهدها على قبرها
قبيل لحظات من توديع إبنها السادي ،
تكتب :
( ماتت حزنا .. عليه ).
*********
أششششششش...لا توقظ الدببة
فقد نصبح حين تصحو من بياتها الشتوي
أول وجبة تتناولها ،
وتركز عظامنا شواهد تكتب عليها :
عاشوا وهم ( ُيـؤكلون ) !!
فلا منكو
الزرقة التي خلقت ذات بحر
هربت نحو السماء
تتدلى الكروم لتصنع نبيذ الخلفاء
الشارع المجنون في قرطبة
يلهث خلف كلاب
شهرت انيابها في وجه قمر.
أتخلق الآن بجعة تحوم حول بحيرة
لترقص الفلا منكو
وتوزع ابتساماتها
على السمك الملون كحصيرة العشب.
أدلي رأسي من النافذة الشرقية
أتحول الى أسد يزأر
أمام قصر الحمراء
ليطرد الأرواح الشريرة .
اترنح كقطعة نرد
اسقط على رقعة بسطت ذراعها
أمام موري
يدخن الحشيش ذات ليلة بائسة.
النافذة تعشق القمر الذي دلى رأسه
متلصصا على نهد غجرية
تشبه أزميرالدا
عادت للتو لتخلع وجهها
المليء بالندوب.
وأسبانيا.
تعيد تشكيل تضاريسها التي
نحتتها الريح
طوال سبعة قرون.
أرقب النجمة البيضاء
التي عشقت أرخبيل الليل
أقترب من السماء
أسكب الشرق
في فنجان قهوه
اشرب نخب الليلة الأخيرة
وأنـــــــــام.
************
ليلكة في آخر النفق ...
(1)
القبّراتُ اليتيمةُ،
كانت تبني أعشاشها..
كلها تهاوتْ.
(2)
سرتُ وحيدةً نحو الفراغ..
أبديةٌ هذه الرحلةِ..
ومزعجةْ.
(3)
في شتاءِ الكلماتِ تتزاحمُ غربانُ الموائدِ،
تبحث أيقونةُ الرمادِ عن ظلّها...
(4)
شَعْرُ الأرضِ النابتِ في أحشاءِ الزهادِ،
ترامى على شواطئِ المقابرِ
زاهدةٌ هذه الحياةُ ومخاتلةْ.
(5)
قديسةُ الترابِ الشاخصِ بعينين من قمر،
ترجّان الأرضَ،
وتزحفان نحو أفاعي الكلماتْ..
(6)
في فمِ وحيدِ القرنِ..
بصيصٌ من سباتٍ،
وخواءْ.
(7)
شمسُ المرفأ
تخوضُ حربَها،
والبحارةُ مشغولونَ بتكديسِ الذبابِ،
وزرعِ الماءْ..
(8)
مرّتِ الغابةُ على مقربةٍ من النهر،
ذبلتْ عيناها،
لم ترَ سوى سحنةِ المومياواتِ،
قادمةً على ظهرِ سنديانةٍ عرجاءْ.
(9)
شهرانِ وهذا الفراغُ يتعاظمْ..
(10)
غرزتِ الإبرةُ عينيها في قفا الثوبِ المترعِ بالثقوبْ.
(11)
كشطةٌ صغيرةٌ من موسى قديمةٍ تجعلنا أكثرَ انبهاراً بالكائناتِ وأقلَّ شراسةْ..
(12)
تلفظُ شهرزادةُ الصباحِ آخرَ أحلامِها،
يبدأُ الديكُ الغجريُّ بنقرِ التفاحةِ المغريةِ..
لم يبقَ منها سوى قضمةٍ أخيرة..
(13)
في نهارٍ مشمسٍ،
فضّتِ الريحُ بكارةَ العصافيرْ.
(14)
لم تغرق في البحرِ كما أشاعَ الجنُّ،
الغرفةُ المظلمةُ كمسربٍ رطبٍ،
تتهيأُ الآنَ لدفنِ ذاكرتي...
(15)
(شاي)..
هذا ما أفعلهُ كلَّ صباح..
أرتشفُ الفراغَ..
ويمضي كلٌّ منّا إلى حالِ قيلولته..
(16)
شجرةٌ تتربعُ على قمّةِ الموتى..
تتضرعُ للفقيرِ المفتونِ بحبلهِ السريِّ..
أنْ يأكلَ رغيفَ العفنْ..
(17)
لم تذهبْ هذا الصباح إلى المدرسةِ..
كانت تشنقُ الوقتَ في غرفةِ المذاكرةْ..
(18)
طويلٌ هذا الدربِ،
وموحشٌ..
كأنهُ الليلْ..
(19)
لكي تصلَ إلى النقطة ش المقدسةِ ..
ادلقْ كأساً من الخرابْ..
(20)
حتى أنتَ يا ضوءَ المخابئِ لم تعدْ مغرياً بنفقْ..
(21)
سرٌّ يتدلّى من حبلِ المنتهى..
قريبٌ ومشاكسٌ كطفل..
(22)
سَحَقَ القطارُ رجلَهُ..
عاشَ برجلٍ واحدةٍ وعينين..
لم يعدْ إلى فراشِهِ الليلةَ..
كانَ يدهسُ القطارَ بروحِهْ..
(23)
لم نعدْ قادرَينِ على كنْسِ الوردِ..
إذن لنعدّهُ ورقةً ورقةْ..
(24)
في الحادي والعشرين من مارسَ عام 5...ق.م
قُبضتْ روحَهُ..
هذا العامُ بدأَ بالتفتّحِ من جديد..
(25)
سرّان لا أحتملُ كتمهما:
أنا ..وأنا ..
(26)
شبرٌ من الوجعِ يذرعُ فاصلتَهُ الأخيرةَ،
لم تعدْ هذه المسافةَ محتملَةً،
ولم تعاودِ الشجرةُ الظهورَ مرةً أخرى.
(27)
قبلَ أنْ يسحبَ القمرُ هديتَهُ للشمسِ القادمةِ من وادي العتمةِ..
سأتناثرُ في مهبِّ البحرِ..
ساعةَ أن تلتقي شعرةُ الليلِ بمعاوية.
(28)
قد يعاودُ القمرُ الظهورَ لكنه لن يجدَ أمامَهُ سوى خيطٍ معتمٍ..
يرشدُهُ طريقَ العودة..
(29)
قفْ هناكَ..
الأرضُ لن تبتلعَ الصعاليكَ..
إنّ دماءَهمُ المُرّةَ ما زالتْ تلعقُ الشارعَ المؤدي إلى غرناطةْ..
(30)
قامت الريحُ بفعلتها..
لم يعد في المكانِ سوى شبحٌ ضئيلُ الظلِّ،
يلقطُ عصاهُ المتربصةُ بالظلام..
(31)
شاهدتُهُ ذاتَ خليقةٍ يمضي في العتمةِ،
ويذوب ..
(32)
سوف تتلاشى كملحةِ الأهوار..
لن ترَ في العالمِ الآخرِ سوى وجهٍ سَلّمَكَ للغربانِ المتفشيةِ في دهاليزِ الخراب..
(33)
شحيحةٌ هذه اللحظة،
ومغريةٌ بقبضِ الأرواح..
(34)
كنتَ هنا في سريرك ..
لمَ تركتَ دميتك على رفِ القلب؟!!.
(35)
الليلُ العَطِش يسهبُ في سردِ حكايتهِ..لعجوزِ السماءِ..
ساخرةٌ هذه الرفيقةُ،
كنخلةٍ غرستها يدُ الحماماتِ البيضِ..قبل رحيلها.
(36)
في قبوٍ مظلمٍ مسحَتَْ جان دارك،
سيفَها المثخنَ برائحةِ الخمّارين..
لم يتركْ لها الوقتُ متسعا من الجحيم..
(37)
كنتُ هناك أتربصُ بالبردِ،
شاحبٌ هذا الشتاءِ ومغرقٌ في رذيلته..
(38)
القادمونَ على طوربيداتِ القتلِ..
شهروا بنادقَهمْ في وجهِ يماماتنا..
(39)
ضربَ البرقُ بسوطهِ جسدَ العشبِ،
لم يحترق سوى ما كانَ يابسا..
(40)
أشعرُ هذا التوّ بصخبِ الميلادِ،
كنتُ هنا قبيلَ دقائق،
لم أعدْ هناك بُعيدَ دقائق..
(41)
سدرةُ النجومِ
تتناسلُ..
لم تعدْ الآن ثكلى..
أولادُها الكثيرون..
أصبحوا أقلَّ بهاء..
(42)
في صبيحةِ اليومِ التالي ..
وجدوه مصلوبا على جذعِ نخلتهِ الأثيرةِ،
لم يعد قادرا على بلعِ الأشياء..
إلا أن غنيماتَهُ الثلاثَ كنَّ أقربَ للبلحةِ المتطفلة..
(43)
يطلقُ الفضاءُ صرختَهُُ،
طفلةُ البرقِ كانتْ قابَ صرختينِ من الولادة.
(44)
ندفعُ نصفَ أعمارِنا،
كي نخسرَ النصفَ الآخر.
(45)
(عذرا..
شاهدتُها مختبئةً في سحابةٍ طوّافة،
مرةً على شكلِ حدأةٍ،
مرةً على شكلِ طحلبٍ،
مرةً على شكلِ كرسيٍّ مذهّبٍ،
ومرةً على شكلِ زهرةِ لوتس..
في يدها سفينةٌ دون كتف..
كانت ..كأنها هي..)
كان حلما مجنونا..كأنثى.
(46)
الفجرُ يُسلِمُ روحَهُ للشمسِ،
نغرقُ في قبضةِ الدخانِ،
ونـ..مـ..ضـ..ي..
(47)
في المرجِ الأخضرِ،
زحفَتْ ساحرةُ الشحاتين،
كانت تنصبُ سلالمَها في السماءِ،
وكنا نخطو دون أرجلٍ نحو الأبدية.
(48)
للنساءِ ربيعٌ واحدٌ،
وخريفٌ يسكبُ أوراقَهُ على خاصرةِ الضوءِ..
ليس فيهنّ من لا تعشقْ.
(49)
قفْ..
لا ترمِ نردَك على طاولةِ الروليت،
الحظُ ليس مسكونا بالمعتوهينَ هذه الليلة.
(50)
الحصانُ الجافلُ،
خرجَ من الإسطبلِ،
لم يجد غير الفضاءِ،
وكان (أنكيدو) في انتظار دائنيه.
الموت يمشي وحيدا
يخرجون من أجداثهم ،
حليقي الرؤوس ، ملتحين ، ومدججين بالأمل ،
يتمددون كإخطبوط بألف ذراع..
بأنصاف جماجم ، ومشاجب يعلقون عليها رائحة الموت.
الشارع مكتظ بأذرع مبتورة ،
والماء سريرة الوجع
*****
فارغة هذه القنينة هذا المساء،
لا عطر يسحب رداءه ورائحته ،
لا صدر عار يبرقع أغشيته ،
ولا غريب يحضر عشاءه الأخير قبل أن يلفظ أنفاسه ،
دافئون كقصيدة..
خرجوا للتوِّ من الأجداثْ،
سخروا من روحِ مقابرِهمْ،
وتولّوا صوبَ الأرضِ البكرِ،
بلا وجهةْ..
كانوا نحو الخمسينَ غريباً،
كانوا يتغنّونَ بلا شعرٍ،
ويجوبونَ الآفاقَ الخرساءَ بلا فرحٍ..
كانوا شعراءَ يسوقونَ حمائمَهْم نحو الفجرْ،
يتسلّونَ بخاتمِ فضتِهمْ،
ويغنّونَ:
(سلاما للموتِ الرابضِ في الأجفانْ..
ونحنُ كما هنّ الأوطانْ..
لا تغربْ شمسُ ليالينا)
كخرائطِ نبضِ أقاصي الليلْ..
كسماواتٍ هتفتْ بالقدّيسِ..ملايينَ المراتْ..
(الروحُ قرابينُ الغرباءْ..)
والبرقُ يسلَّ لسانَ حريقتِهِ،
ويذوبُ إذا حطَ على كتفِ الأشجارْ،
وتتوه على شفتي الكلماتْ،
ويعود الشاعرُ من رئتي،
يتنفّسُ غربتَهُ الأبديّةْ،
ويسيرُ إلى المطلقْ،
لا يخشى غيرَ عبارتِهِ،
لا يحزنْ..
إلا حين العصفورُ يضيّعُ ريشَ قصيدتَهُ،
ويؤثثُ عشَّ الليلِ على غيمةْ..
قشةْ..قشةْ..
لا يرقصُ هذا الشعرُ سوى مرةْ..
حين يموتُ بسيفِ الوقتْ،
حين يداسُ بأقدامِ البلهاءْ،
والشاعرُ جسمٌ نورانيّ،
لا يعشقُ إلا الأسماءَ العظمى،
يصّاعدُ نحو النجمِ ولا يذوي،
تحترقُ الشمسُ ولا يذوي،
تسّاقطُ حباتُ القمحِ..
ولا يهوي..
الشاعرُ وطنٌ شبحيٌّ،
لا يعرفُ غيرَ السيرِ إلى أرضِ الكلماتْ،
ينزفُ..
حرفاً..حرفاً..
فلتهدأْ روحُ الليلِ..
وروحُ القبرِ..
وروحُ الشاعرْ..
وليبدأْ هذا الآنَ يصلّي..
كي تنبتْ في الروحِ..
قصيدةْ.
لا وقت للموت هذا المساء
(1)
الصبح يتنفس من رئة العالم ،
مشدودة إلى وتد خرافي ،
باعة الأحلام يجوبون الشوارع
بأيديهم عكاكيز يلوحون بها في وجه السماء ..
( إمطري .. حلما .. وغانية ) ..
***
(2)
قنينة عطر تشبه وجه جدتي الخرساء ..
تقبع وحيدة في زاوية الغرفة ،
بخة واحدة على ثوبي الممزق ..
أغتسل من رذاذ حلم البارحة.
***
(3)
قطط مخملية تموء
على كرسيها الوثير ،
تلعب بكرة معلقة في سقف غرفتها الأثيرة ،
كانت تلعق بقايا حليب
أطفالٍ عراقيين ..
***
(4)
الأصدقاء يتحلقون حول سيرك هندي
شاحبة وجوههم ..
جمرات تهرول في حمم أفواههم الملأى
بكبريت اختزنوه ذات تبغ .
نافورات النار إلى أعلى
تتسلق الضوء العالق بحبله السري في بطن الشمس..
لا وقت للموت هذا اليوم.
إغفاءةُ الروحْ / مرقدُ الجسدْ..
بابٌ موصدٌ في وجهي طويلا،
هذا الحظُ،
وأنتَ العابرُ ممراتِ الذاكرةْ،
تتركُ حنجرتُكَ زهرةَ بنفسجْ،
ورأسي .. إناءٌ فارغْ.
****
الصمتُ مأتمٌ .. والنهارُ حكايةُ شمطاءُ
تقلّبُ قائمةَ عشّاقِها
المتحولين إلى غبارٍ منسيًّ..
ونتفْ..
****
وحدك من يحملني على جناحيهِ
ونمضي..
والفراغُ ملاذُ المعتوهينْ.
****
أحكُ جلدَ الوحدةْ
وعلى ركبتيها أنام.
****ْ
تتكدسُ جبالُك فوق رأسي
وأنا الواهنةُ كعظمِ شيخٍ يهادنُ قنينةَ بقاءٍ..
تنفدْ..
****
ما الذي نسيناهُ وتذَكَرَنَا
ف
ج
أ
ة
؟!!!!
***
الجسدُ وحلُ الأرضِ،
لكنك سماءٌ وأنا نورسةٌ عمياءْ،
تتخبطُ في الغيبْ،
أنت بحرٌ شاسعُ الزرقةْ،
وأنا
ز
ب
د
****
كلُّ شيءٍ يتسخُ قي هذه المدينةِ
حتى النورْ.
****
أعبثُ بالجهاتِ كفراشةٍ ضالةٍ ..
ينكسرُ الوجهَ .. كقناع.
هل رأيتَ ظلالا تتخبطُ على الجدران؟!!
****
كيف أندمجُ لأصيرَ..
أنا؟!!
****
الحزنُ..
غرابُ بينٍ
ينقرُ القلبَ
بمنقارهْ..
****
جئتُ من بعيدٍ
بحثتني لكنني سراااااابْ
انظرْ كيف نمضي سريعا باتجاه الحفَرْ!!
قلتَ :: افتحي شبابيك الشمس ..
فاحترقتْ..
****
لغتي تتبعثر .. تطير..
ليتني شيئا يطير !!!!
****
أنت حلمٌ ضدَّ الموتْ
تتجاهلُ الهياكلَ المهترئةْ
تشهرُ صدرَكَ للبحرِ
ونحيبُ الريحِ يضطجعُ في شفتيكْ
****
أغلقتَ نوافذَك مع نجمةٍ
وحين أسدلتَ الستارةَ
واقتربتَ
غرقتَ في لجةِ السماء..
****
حين تغتسلُ الجدرانُ،
من غسقِ الرغبةِ
تستحيلُ أنثى
بأربعةِ وجوهٍ
وعينٍ رمداءْ
****
البدايةُ طُرفةْ
الفاصلةُ طعنةْ
النهايةُ مأتمْ
لا شيءَ يبقى سوى دودةِ الجسد
ْ
***
ماذا تقولُ للصبحِ الذي تنفّسَكَ
واختنقَ بكْ؟!!
ماذا أقولُ لأوجاعكَ
العالقةُ في المسامْ..
(كنتَ هواءً فتبعثرتَ في عتمةِ صندوقْ).
****
نقفُ على شفرةِ السقوطْ،
والموسيّ تقرظ أطرافنا.
****
كثبانُ الرملِ التي اهترأتْ ما عادتْ تقدّسُ الأرضْ،
لا شيءَ مقدّسٌ هذا الآنْ..
****
أفلّتُّ حمامةَ الطوقِ،
فطارتِ السماءْ..
تضربُ بجناحِ الموتَ سريرتها..
وتلوذُ بجبالِ الراقدينَ بطن جنائزها..
****
كطائرِ الفينيقِ نتربصُ الرمادْ،
ننفضُ شهقةَ الغريبْ،
ونتسوّرُ جدارَ النارِ،
كنّا قاب قوسين من الحريقْ..
*****
برزخٌ من جحيمْ،
شارعٌ رماديُّ طويلْ،
وحلمْ..
من قالَ أن الأرض كرويةْ؟!!
****
الغرباءُ يقضمونَ تفاحةَ السندبادْ،
يحْلقونَ أفواهَ الجوعى،
و"سيزيف" يحملُ كرتَهُ كمعتوهٍ أخرقْ..
يالقوة الضعفاءْ..!!
****
قمْ..
فهذه الغابةُ ملأى بالضفادعْ..
لا تخشَ المدينةَ..
إنها قاتلةٌ كـأنثى فارغةْ.
*****
ٌ
ُ
ً
،
هذه الفواصلُ الغبيةُ تشي بالقطيعةْ..
اختر مقصلتكْ من بينها.
****
الروحُ سادنةُ الجسدْ،
الجسدُ فرااااغُ المشيمةْ..
والنورُ خواءْ.
فخاخٌ لعصافيرِ الجنة..
(1)
جسدٌ تلوَ جسدْ،
موتٌ تلوَ موتْ،
والحياةُ
برزخُ
الفناااااااءْ
(2)
وحدُها الجرارُ
تعتّقُ جراحَ الطينْ.
(3)
تورقُ الخطايا
حين ـ في الجنةِ ـ أفكرْ.
(4)
الحكايةُ يا أبي
أنني أخطأتْ
(5)
لا أجدُ سوى الموتِ
قادرٌ على تولي الأمرْ.
(6)
الحقيقةُ قناعُ الحكماءِ
ولعنةُ البسطاءِ
(7)
وحدهُ الصمتُ
الروحُ تلاشتْ
خرجتْ
عن طواعيةِ البقاءْ.
(8)
ماءٌ بدونِ طينٍ..
أسماكٌ أضاعتْ سربَ الزرقةِ
حيث أقاصي الشكْ.
النهرُ يشحذُ مسماتنا المتقرحةَ
بنشوةِ الفناءْ.
(9)
أضيئي أيتها الروحُ المتقدةُ خطيئةً،
تهّربينَ الغيمَ من السماءِ
وتقايضينَ الصحوَ بإغفاءةٍ باردةٍ
تنسلّينَ من كمائنِ العتمةِ
وشراكِ القبورْ.
(10)
تفركينَ الوقتَ بأصابعَ رخوةٍ
وفقدكِ الآنيّ
يشقَ ذاكرةَ ساعةٍ وحيدةٍ
بالقربِ من الضوءْ.
(11)
ما جدوى أن نتركَ أصابعنا تحفرُ الحياةَ
بينما في الماءِ الشفيفِ
ثمةَ ذاكرةٌ تأفلُ كلما أضاءَ الفراغ؟!!.
(12)
نشبه أروقة طويلة
تصرُ في
داخلها
الريح.
(13)
الحبُ ....
دمارٌ جميلُ
نذهبُ إليهِ..
يحملُ جسدَهُ فوق كتفهِ،
ويرمي في قبرهِ وردةْ.
(14)
نحنُ .. ما نحنُ ؟؟
ضدان..
حبٌ
وفناءْ..
لا نستحقُ كلاهما.
(15)
في جيبي صورةُ جبلٍ
وحيدٍ
وحيد تمام
كمثلي.
(16)
سربٌ من النخيلِ يذوي هذا الآنْ..
والماءُ ثغرُ غانيةٍ تبوحُ بسرها للفلجْ..
(17)
موجعٌ هذا الفراغُ..
والقيظُ غرابٌ يفتحُ شَرَكَ خطيئتهِ..
منطلقاً نحو الفناءْ..
(18)
سأعدّ أصابعَ الديناميتْ،
أحمحمُ كفرسٍ شاردٍ..
غارقا في ترياقِ الوحدةْ..
(19)
ينسلخُ جلدُ الأفعى الملعونةْ
ينبسطُ كقميصِ حسناءٍ متوحشّة.
(20)
محنطُ هذا المساءِ،
يشربُ من نهرِ سفينةٍ جانحةْ،
يمطرُ المرفأ القديمَ بالأحجياتِ الساخرةْ.
(21)
تتربصُ الحنطةُ بالحقلِ المفرّغِ من الفلاحين،
فتسقطُ سنابلُ الروحِ،
تهتكُ جسدَ الخطيئةْ.
(22)
ترتعشُ الأمنياتُ في وجهِ السهوبِ،
تتلفظُ بقصيدةٍ غجرية،
لم يكتبها شاعرٌُ جاهليّ،
إلا حين خافَ أن يرثَ ترِكتَهُ الأنبياءْ.
(23)
لم يكن (طاغور) يغنّي قبلَ أن يموتْ،
والجدرانُ الثملةُ ما برحتْ تسترقُ النظرَ نحو الكلماتْ،
فاغرٌ هذا المكانُ فاههُ الغوليُّ،
مندسٌ بين أصابعِ اللاهوتِ والناسوتْ،
باحثاُ عن (نرفانا) التجسّدْ،
من يتركُ خطاياهُ معلّقةً في الهواءِ المبثوثِ بين الحناجرِ والخناجر؟!!
(24)
تقفزُ أمامَ عيني الفئرانُ الصغيرةُ،
تتأبطُ ذراعَ الفناءِ الخلفيِّ للحديقةِ المهجورةْ،
ترقصُ حزناً لأنّ البراغيثَ غادرتِ المكانَ قبل ساعةْ.
(25)
الرغبةُ في انتظارِ القطارِ لم تعدْ مغرية،
والنحاةُ لم يضعوا في صرفهمِ الغبيّ،
فرصةُ للصغارِ كي يناموا..
(26)
الخلاصُ من موسيقى البدءِ،
يبدأ هذا الآن.
(27)
نرسم مقاطعَ دائريةٍ في الهواءِ،
نلوكها كمضغةٍ شهيةٍ،
ثم نلفظها،
فنرتكبُ حمقَ القصيدةْ.
(28)
أنا ...
لستُ هنا..
ربما سأعودُ لأقتسمَ الطريقَ مع السراب.
كشبحٍ قليلِ الرغباتِ يبدو..
تفلتُ من بين يديهِ خواتمُ الرغباتْ،
تتساكبُ قطراتُ اللهاثِ المعبأةِ في صديدِ الشغفْ،
رهينٌ لمومساته الحزيناتْ،
يرتّل شغبَهُ الأخيرَ،
ويمضي ساحبا وراءَهُ قنديلَ الأعمى،
ممرَّغا بترابِ الفضيلةْ،
ما كان للأرضِ أن تلدَ أمَتَها،
ما كانَ لـ(سرفانتس) أن يوقف رغبتهُ الأبديةْ،
وما كان عليّ المضيّ نحو اللاشيْ..
أوشوشُ الرصيفِ بأمنيتي:
********
لم يسمعها أحدٌ غيري،
ربما لن يسمعها أحدٌ (حتّاي)،
أدفنُ الرغبةَ في الجحيم،
أتوارى خلسةً عن القبرِ المدفون في رئتي،
أشتعلُ كمومياءَ فرعونيةٍ خانها الدودُ،
أتجسّدُ في صورةِ زنبقةٍ محشوّة بالنسيانِ،
أتكوّرُ في صورةِ نهرٍ قادمٍ من الغابةِ البعيدةْ،
ما كانَ لهذا النهرِ أنْ يسيرَ في هذا الاتجاه،
وما كان عليّ أنْ أتبعهْ،
أوشوشُ النهرَ برغبتي:
********
ربما سيحملُها إلى التنينِ الرابضِ خلفَ الغيمةْ،
ربما سيبسطُ (سيزيفُ) يديهِ ليتّقي لعنةَ التماسيحِ الصغيرةْ،
عندها ستسقطُ الأرضُ عن كاهلهِ،
ويحلُ مكانهُ غبيٌّ آخرَ،
ليدفعَ ثمنَ التمردْ،
ولكنّ الرغبةَ المبيّتةَ لم يحنْ موعدها،
والريحُ لم تضربْ أجنحةَ العصافير،
وأنا أوشوشُ أذنَ الكونِ المتمددِ بين الأحراشِ برغبتي:
(أيها المرهونُ بالرغبةِ الملعونةِ اكتبْ للأرواحِ الشبحيةِ هيبتها،
أعدْ للقرصانِ سريرَهُ الخشبيّ..كي يقطعَ الرؤوسَ المثخنةَ بالتعبِ والهذيانْ)
ربما لم يسمعني أحدْ..
ربما لن يسمعني أحدٌ..
حتى تلك القبورُ الباردةُ،
المزروعةُ في الجحيمِ،
وعندها سأحاول من جديد..
زعزعة الموتِ من طريقِ البحرْ،
لتخرجَ السلطعونات من جحورها،
وتبدأَ رحلتها الأخيرة نحو تابوتِ الماءِ،
دونما أمنياتٍ
أو رغباتٍ
أو طريق
موسيقى الروح السابعة..
(1)
كنّا نتفصّدُ ملحاً،
يختبئُ الحنظلُ بينَ الأجفانِ الغضّةْ،
وندوخُ..
نفتّشُ عن قيظٍ عفويًّ،
نسترُ عورةَ شمسِ ظهيرتنا،
ونهرولُ كالأحزانِ بلا وجهةْ،
نبحث عن جهةِ الغربةِ،
كيف تماهتْ في سردابِ الزمنِ البائسْ؟!!..
كيف تولّدتِ الأرحامُ النيّةُ من عودٍ يابسْ؟!!
نتساءلْ..
والبردُ يدقُ مساميرَ العزلةْ،
تتدحرجُ حنجرةَ العصفورِ،
تتوهُ كليلٍ غجريًّ،
ينتفُ ريشَ الفصلِ الثالثِ،
من عمري..
ويدوخْ..
(2)
تحت الظلِ ينامُ الوقتُ،
يغادرني الزمنُ المندّسُ كتابوتِ الموتى،
يسّارعُ نزفُ الساعةِ،
يلسعني عقربُها الرمليُّ،
يبددُ من عينِ الشمسِ حرارتها،
يقذفني كالبركانِ إلى أعلى،
أتحسّسُ هذا البوقَ الفارغَ..
إلا من صوتي،
تتعرّى في عينيْ الأشياءُ،
تتوقُ الرغبةُ في صمتي،
تتلوّنُ كالحرباءِ دروبي،
وتسمّرني فوقَ الحائطِ أشباحُ الغيّابْ،
وأدوخ..
كمن يبحثُ عن ظلَّ طريدته،
لا ملجأَ لي غير جنونِ الحنطةْ،
طفلُ الشمسِ يذوبْ،
والشمعُ يذوبْ،
ونهارُ الغرباءِ يذوبْ..
والنهرُ العاجيُّ يذوبْ،
وتدوخُ الدنيا..
قبل الحلكةْ،
قبل الصبحِ المشطونِ كبئرِ (السيّابْ)،
كبرتْ كالماءِ معلّلتي،
وكبرتُ ..
كبرتُ ..
وغادرتُ قماطي،
نحو الأقدامِ المنتحرةِ في الطرقاتْ،
تدهسني كالخبزةِ حين يفتتها الأطفالْ،
أتوارى خلف عباءةِ ساحرةٍ خرساءَ،
أصيخُ السمعَ لخطوتها البلهاءِ،
وأبدأ في تهجئةِ أغاني الفقد،
كبرتُ..
وعادتني الروحُ كنجمِ الظهرْ،
تكنسني كالفرسِ الشائخِ،
تنهرهُ البيداءُ،
ويلحقه طللُ الشعراءِ،
ولا يخبو..
كبرتْ..
تلك الدميةُ في يدها،
حطّتْ في كتفِ امرأةٍ،
غادرها الزهّادُ،
وما ابتلتْ..
بالماءِ الرابضِ في الأصلابِ،
وكانت تتفصّدُ ملحا،
وتذوّبُُ كبدَ فجيعتها،
وتذوبُ..
تذوبُ..
كشمسٍ تحترفُ الغيبةَ،
حين الزمنُ يشيخُ،
ولا ..
يكبرْ..
الملهاة..
(1)
من قال لهذا الكون البارد الأطراف أن ينهض،
لا شيء ينبئ بالغصّة،
سوى ورقة التوت الغضّة،
تلك الوارفة الأجساد،
كدمية.
(2)
لم نكتبْ غير فجيعة شِعر غجريّ،
لم ننزف غير العجز،
لم نذرف غير شموع لاهية العينين.
(3)
من قال لهذي الطفلة أن تنهض،
من سر لها أن الحرب خراب،
من أغدق فوق جواربها عسل الأجداد؟!!
(4)
خبأتها في أحداق الرمل،
فقأتُ عيني طائر ذبيح،
ثم أعتقته،
طار نحو السماء،
وسقط.
(5)
آمنتِ بالقصيدة،
أدمنتِ تلاوتها،
فرغت محبرة الشر من الياقوت،
وبدأتِ تتوقين لبحر،
بللك الشعراء،
بقافية عاجزة عن فعل الإرباك،
ما أقدم هذا الحرف،
ما أعجز هذا الحرف.
(6)
و..وقفتَ طويلا في قبوٍ مندس بين الأموات،
تتجمهر في يدك أغنية،
تتحجر في دمك القبلات،
ما أنت سوى (تابو) وثنيّ،
يتلبّسه نسر ينقض على طريدته الموتى.
(7)
أفل النجم،
وغابت في الغابة،
تبحث عن بيت قصيدتها،
تتلّمس درب البئر المسكون بحزن الفقد،
تتلوّن كالحرباء على جدران الأشجار،
ما أكل السبع سوى فمها.
(8)
تقرأ سِفر التكوين الأول،
تمضغ غليون الرغبة،
تتربّص بالضلع المتآكل مثل الدود،
من يخرجها من روح العتمة؟!!..
من يحمل فوق عجيزته الأرض،
ويدّثر راحلته بالبرد،
من يسكنها لحد الصحراء ؟!!
(9)
شاعر يكتب فوق شاهده:
( ليس من الحكمة أن تموت قبل أن تنهي تلاوة القصيدة)..
(10)
رتيبٌ هذا الوقت،
يتسمّر فوق حائطه عقرب الساعة،
يلسع يده،
ويختبئ في رمل السكون.
(11)
أفلت من قبضته،
كاد أن يخنقني بقصيدته.
(12)
لا شيء أكثر جرأة من قصيدة،
كأنثى،
تترمّل،
تنسج فوقها العناكب،
وحين تهم بالانقضاض على فريستها،
تهرب..
(13)
أشعلتُ قنديلا مليئا بالثقوب،
كفّنتُ ترياقي،
أرجعتُ رأس غنيمتي إلى الوراء،
وبدأت في تلاوة ما تيسّر من النار،
علّ القصيدة تنجو.
(14)
كبلادٍ تتصيّد الغرباء،
تتحلّى باللازورد،
وتريح راحلتها على نبعٍ يتغنّى عليه الشعراء،
تأتين أنتِ من رحم السماء،
غارقة في سرابٍ يحتمي بالبيد،
وتمضين إلى المنتهى.
(15)
عبأتُ جرار الزمن،
وقفتُ طويلا على أطلال الغجر،
سافرت في ملهاتي،
أحرقتُ في رحلتي المسافات،
وها أنذي أجلس على طريدتي،
وأبدأ في مضغ الوقت من جديد.
***************