*
جرت هذه الأحاديث بيني وبين الشاعر في الفترة التي لازمته فيها من يوليو 1998 وحتى وفاته صباح اليوم. *
أنا لا أخشى الموت...
لقد فعلتُها ثلاث مرات من قبل!
صدقني
فما أن تظل واعيا
ومنفصلا عما يحدث
حتى ينكشف لك هذا الحفل التنكري
فيفرّ الملاكان بسجلهما الطويل
ويهرب الثعبان
الأقرع!
ولا تجد ضرورة للتلقين
فكل شيء يعاد من جديد
وكأنه يحدث في التو!
كل ما في الأمر يا عزيزي
هو الفقد
إذ كيف يمكن أن تهرع خلف أحبائك
أو تحدثهم
دون أن يعيروك التفاتا!
ظلي
الذي أعتزّ به
والذي يحمل خصالي الحميدة كلها
لم أفهم
كيف تهينه السيارات هكذا
أو
لماذا يضطر للنهوض فجأة
كلما مر بجدار!
إنني أشفق عليه
من تسكعه في الطرقات بلا هدف
من تواضعه الغريب
وغرامه بالزوايا المهملة
لو أستطيع أن أطويه كالسجل!
إذن لجعلته تحت إبطي
أينما ذهبت.
أخباره تأتيني
فقد شوهد في أماكن لم تطأها قدماي
وقالوا إنه يأتي بأفعال مدهشة
في الليل
أعرف أين يكون
فأحدثه عما يجب
وعما يليق
لكنه في الصباح
يركبه العناد من جديد
فيطول ويمتد
ساخراً من محاولتي
في جعله محترما
وعديم النفع
مثلي!
زرعت نخلة بالقرب من سريري
ورحت أتابعها وهى تنمو
كنت عندما أخلد للنوم
أتخيل اللحظة التي سيصبح فيها البلح
قريبا من يدي
والصباحات التي سأستيقظ فيها
على صوت العصافير
هكذا
راحت تنمو
ورحتُ أنتظر
أمس
سمعت طقطقة
ورأيت النخلة تندفع إلى أعلى
عبثا حاولت الإمساك بها
فقد عبرت السقف
وطارت!
رأيت من الثقب قطعة من السماء
وقليلا من النجوم
فصرخت: لا.. ليس هذا عدلا
ثم ما الذي أفعله بهذه النجوم!
وعلى عكس ما توقعت
لم تجبني الملائكة التي أطلت من الثقب
كل ما فعلته
أنها مصمصت شفاهها
وغادرتني
واحدا
واحدا.
ما إن يكون لك أصدقاء
من الجن والعفاريت
حتى تشعر بالقوة
فتستطيع مثلا
أن تفسد ما يحاك ضدك في الخفاء
وأن تموت من الضحك
وأنت ترى تخبُّط الخصوم!
ولكن
ما إن يكون لك أصدقاء من هذا النوع
حتى تمتلئ بالأسى أيضا
فسوف ترى المقربين وهم يدسُّون لك
وترى الحبيبة
وهى تتمرن على خداعك!
ستكون بجوارها على حرف السرير
تراقبها وهى تتثاءب معك في التليفون
بينما تضع اللمسات الأخيرة
للخروج!
الأمر المدهش يا عزيزي
إنني أصبحت أقوم من النوم
فأجد الشوارع قد تغيرت
ويصبح عليّ أن أبدأ من جديد!
أحيانا
كنت أضحك من نفسي
فقد أصبحت كالغريب
الذي يضع أمام عينيك عنوانا ما
راجيا أن تدله
على الطريق.
ومع ذلك
وفور أن أعرف طريقا إلى بيتي
(طريقا
على رأسه ثلاث نخلات.. مثلا)
يكفي أن أقوم من النوم
لأجده قد اختفى!
لا تظن بي الظنون
الأمر مقصود يا عزيزي
فلا يمكن أن كون مصادفة
أن ترى الناس هائمة هكذا
يسأل بعضهم بعضا
عن الطريق!
ذات مرة
فاجأني ملاك
في وقت متأخر من الليل.
كنت عائدا من موعد غرامي
أصفَّر لحنا
وأستعيد ما جرى
استوقفني برقة
وراح يتفرس فيّ بعينين
رأيتهما في الضوء
بلونين مختلفين!
رحت أرتعد
لكنه ربَّّت بخفة على كتفي
وقال بأسي
أنه واهم يا عزيزي
ثم توهج فجأة واختفى!
أحسست بالحرج
عندما متُ في غرفة ضيقة
بالكاد أخرجوني إلى الصالة
وبدأوا في العويل
كنت متضايقا من البدين الذي يدعك جسدي
بقسوة
ومن الرجال الذين يتحدثون بالخارج
قلت لزوجتي
: لا تصرخي
وحاولت أن ألفت نظر البنت دون جدوى
كنت تعيساً
لأنني لم أكتب وصية
ولأن الأحداث جرت هكذا
دون مشورتي
صرخت في الولد
أن يحرق مسوًّداتي جميعا
وألا يسمح لأحد من النقاد أن يستغلها ضدي
لكنه كان مشغولا بإلقاء التعليمات
أحسست أنني خفيف
وأنني هنا وهناك!
ضربت زوجتي على مؤخرتها مداعبا
(عندما وجدتها تفكر في النساء اللواتي عرفتهن)
لكنها لم تعرني التفاتا!
فكرت في المكتبة
والصور التي تجمعني مع كبار الشخصيات
ورحت أضحك
فلا أحد يعنيه شيء من هذا
ألقيت من الشرفة القصائد
والصور
ألقيت كلام النقاد
ولما لم يتجمع الناس كما قدرت
ألقيت بنفسي
عندئذ سمعت الصراخ
تجمع المارة
وامتلأت النوافذ بالوجوه
ثم رأيت جسدي محمولا
وأحسست بالحرج الذي سببته لهم
عندما راحوا يرتبون الصالة بسرعة
قبل أن يصل
هؤلاء الذين يصعدون السلالم
وهم ينهجون.
كان سعيدا
لأنه يستدعي كل شيء
بالريموت
هكذا رأى الدنيا وهو على كرسيه المتحرك
حتى الموتى
كانوا يأتون كلما شاء
ويسهرون معه حتى ينام!
أمس
رأى نفسه!!
(كان يتحدث عن طفولته البعيدة
وعن مواقف طريفة في حياته)
اندهش مما يجري
وغيّر القنوات دون جدوى!
رأى كيف اختلس قبلته الأولى
وكيف ضبطوه مع البنت في حجرة الفرن
رأى نفسه بالببيون
وطربوش والده يغطي حاجبيه!
حاول أن يعرف كيف يحدث هذا!
لكنه سرعان ما اندمج مع الأحداث
راح يضحك
ويثرثر
لكن التيار انقطع فجأة
وساد الصمت.
السيدة البيضاء
التي ترسم شفتيها بلونين
وتدوخني بنظرة جانبية
ستأتي غدا
وستجتهد لتكون أجمل من كل مرّة
ستبدأ مرتبكة
ثم تقول إنها كتبت كل شيء
لأنها
لا تقوى على الكلام!
سأطلب لها المانجو
والقهوة
وأنا أقرأ الرسالة التي
لم تخرجها بعد!
وعندما تتسع عيناها من الدهشة
سيأتي الجرسون
ليقدم لها ورقة
باعتذاري عن الحضور
لأنني
أنا الوسيم ذو الشعر الفضي
أنا الذي أمشي وراءها كالضرير
لا أقوى على احتمال
ما في الرسالة
من دم!
زارني الوالد في مكتبي
بدا سعيدا
وهو يدير عينيه في الغرفة
تحدثنا كثيرا
وضحكنا
حاول أن يعرف
ما الذي أفعله هنا بالضبط
وحاولت
ثم مال عليَّ فجأة وسألني
إن كنت أحتاج إلى نقود!
أمس
وأنا أقرأ نعيه
وجدته أمامي
صبَّ لي القهوة
ثم دار في الغرفة قليلا
وبدا أنه يتأكد من أن كل شيء
في مكانه
وخرج
دون أن يفتح الباب!
قالت: لم أعد أستطيع
وضعت الخاتم على الطاولة ونهضت
: فلنكن أصدقاء
في الليل
وضعتُ كتب العشق حولي
وأغمضت عيني
راغبا في الموت.
لكن العشاق أحاطوا بي
أخذوني، رغما عني، إلى البار
تحدثنا عن الأيام الجميلة
ثم بكينا
وغنينا في الطرقات.
ظلوا يحدثونني
حتى سقطت في النوم
وفي الصباح
لم أجد الخاتم!
ولم أجد الكتب
وجدت عاشقا مغمورا
يدخن على حرف السرير
ابتسم لي
فابتسمت له
وبدا أننا سنصبح
أصدقاء.
كنت أنهض فجأة
فأجد الموتى حول سريري
يسألونني
: لماذا تصرخ
فأدير فيهم عيني
ولا أجد ما أقوله!
الآن
أصبحت أذكر كل شيء
أحلامي
وأحلام غيري أيضا!
ثم طورت أعمالي
فعندما يحلم واحد من خصومي
أنه ينزلق إلى الهاوية
مقتلعا معه الجذور التي تشبث بها
سيجد عندما يهب مذعوراً
جذوراً في يديه!!
وعندما تحلم المرأة التي عذبتني
بأنني سعيد مع أخرى
ستهاجمها الكلاب
وستجد ثيابها ممزقة
عندما تصحو
سأفعل هذا
وفي كل مرة
سأجلس على مائدة الإفطار
أسمع ما يرددونه
سعيدا بأنني أصبحت في حياتهم
من جديد!
الأجمل
أنني أوشك على اكتشاف طريقة
لتوجيه الأحلام
سيكون أول ما أفعله
أن تراني ابنتي في الحلم نائما
أحلم بأبي
عندما كان يطارد أمي
وهو يحلم بي
غير آبه
بالخبط الذي يرج الباب
أو العيون التي تومض
في الركن
هناك!!
هذا ما حدث
كنت أحلم أنني في حديقة
معي امرأة جميلة
وبيتي ملئ بالكتب والبغبغانات
رأيت أنني أتريَّض في الصباحات
مع ملائكة وقورة
نتكلم في الشر
والموسيقى
كنا نقطف الثمار
ونطعم الغزلان التي نمشي وراءنا
لكن شيئا ما..
أرجو ألا تبتسموا
لأن ما حدث مذهل بالفعل
ولأن أية سخرية
ستزيد من أحزاني.
لقد رأيت عيني على الأرض هناك
تتحرك بها قبائل من النمل!
ورأت إصبعين من قدمي تتحركان
في اتجاه آخر
هل كنت ميتا
لكن السحب كانت تمضى هادئة
و رؤوس وعول تطل على ثم تختفي
كنت قلقا
لأن المرأة التي أعدت الإفطار
ستندهش من عدم وجودي
و لأن أصدقائي الذين سيأتون في التاسعة
لن يجدوا إجابة
عن اختفائي
كنت أسمع أصواتا لأناس أعرفهم
تتحدث عن شخص أشعر أنني اعرفه
وكنت حزينا
ويائسا
لأنني لا أستطيع أن أرفع صوتي
وأنبههم
إلى أخطائهم!
مثل ساعة معطلة
كان في لحظة ما
يبدو دقيقا
ومنضبطا تماما
ثم يبدأ في التراجع مرة أخرى!
وهكذا
كل يوم
كان يطلُّ على العالم كواحد منه
ثم يعود إلى نفسه وحيداً
ومهملاً
وغير مرغوب فيه!
عجوز
على كرسي متحرك
تدفعه امرأة بين السحب هناك
ثم تتوقف فجأة
و تواجه الجمهور
: لم يعد في إمكاني إرضاؤه
هذا الثرثار
عديم النفع
صرخ المخرج : لا .. ليس هكذا
أريد انفعالا حقيقيا
بدأت من جديد
و لأنها كانت منفعلة جداً
فقد طار الكرسي
و شهق الجمهور و هو يسقط عليهم من علٍ
كنيزك ٍ
قديم
" لنا أعضاء في كل مكان "
قلب الغرفة رأسا على عقب
ولم يهتد لمصدر الصوت!
كان قد قرأ الإعلان في مكان ما
لكنه لم يتوقع أبدا
أن يفاجئه على هذا النحو
مرّت الأيام
والصوت الغامض يطارده
" لنا أعضاء في كل مكان"
راح يتصرف وكأنه مراقب!
طالت لحيته
وأصبح جهما قليل الكلام
ثم بدأ يخرج إلى الأماكن النائية
يتمرغ على العشب
يصرخ
ويضحك
ويتكلم بالساعات
وهكذا
لم يمض وقت طويل
حتى وجدوا جثته في البيت
ولسانه
في حديقة مهجورة!
أن يتكرر الحلم كل خمس دقائق
كالمنبّه!
البداية نفسها
والنهاية أيضا!
أن تركض بك المهرة في خضرة شاسعة
ثم تكبو بك فجأة
فتطير في قوس هائل
وترى من هذا الترافع
دمها
ونهايتك الوشيكة!
أن تموت هكذا
كل خمس دقائق
يعني أنك مستهدف
وأن الأمر كله
رسالة!!
أنت لم تعش هذه الأيام
كان من الشائع
أن تصادف في الطريق ملاكا
يسألك مرتبكا
عن عنوان ما
فتصحبه إليه
آملا أن يعطيك ريشة
تزهو بها أمام الأولاد.
كان من المألوف
أن يتصاعد الصخب هنا
أو هناك
لأن واحدا من الأسلاف الغابرين
يزور ما تبقى من قبيلته الصغيرة
ويتناول معهم العشاء.
نعم
وكان يمكنك أن تنخرط في الحكاية
حتى تبدأ في النهجان
آملا في الخروج من الغابة
قبل أن تصل إليك الجنيّات
فتتوقف الجدّة
وتربت على ظهرك مطمئنة
بينما تتلفت حولك كالعائد من النوم.
إنني أتذكر هذه الأيام
الأيام التي لم تأت أبدا!!
يئس تماما
من عمل التمثال
كل المحاولات كانت ناقصة
ولا تليق بمكانته
دار حول المقام
ونذر إذا خرج من الحجر
أن يأخذ الله يديه
فما حاجته لهما إذا حدث.
وخرج التمثال
بهيّا كما أراد
لكنه بمرور الوقت
راح يكتشف العيوب
وأدرك أن في إمكانه أفضل من ذلك
لكنه كان قد أضاع يديه!!
لجأ إلى أصدقائه من النَّحاتين
لكن أحدا
لم يستطع
أن يرى ما يراه!
أمس
زارني السهروردي
سلم عليّ بالولاية
وجلس يشرب الشاي
كنا نتحدث عن الموت
فقال: قتلني خليلي ثلاث مرات
سلط عليَّ جوعي مرة
وألقاني من سور القلعة
مرة
وفي الثالثة خنقني بيديه
كنت كلما فعل عاتبته
وأظهرت له المودة
حتى كانت الثالثة فغضبت
ورحت أزوره في المنام مخنوقا
حتى تورمت عيناه
وقتلتْهُ اليقظة!
العفاريت
الذين كانوا يخيفوننا في الماضي
بأقدامهم المشقوقة
لم يعودوا يظهرون
ولم يعد أحد يخافهم
المساكين
من الرتب الصغيرة
يمضون في مجموعات آخر الليل
وقد تشابكت أيديهم
خوفا من مهاجمتهم
أما العفاريت الكبار
فمازالوا مخيفين حقا
فأقدامهم ليست فقط كالآخرين
بل
ومثلنا تماما!
قالوا أن البيت مسكون
وتعددت الحكايات
"امرأة مشتعلة
تتجول بين الغرف"
"دم يرشح من الجدران
ويسيل على البلاط"
"أحصنة
تصهل طول الليل"
تنهد العجوز
الذي يبيع الفخاخ لتلاميذ المدارس
لأن أحدا لم يعد يشتري الفخاخ
بالرغم من أن جدّه
استطاع بها
أن يمسك في ليلة واحدة
بثلاثة من العفاريت
وتركها تبكي
معلقةً على بابه
كالخفافيش!
كنت خائبا
وإلا
فلماذا راهنت على الخاسر طول الوقت
أحببت جمال عبد الناصر
وعبد الحليم حافظ
وليلى مراد
وها أنا يا عزيزتي
أجلس وحيدا في هذا القبو
مع الصور التي تحدق فيّ
الصور التي رفعت أطرافها عن الطلاء
كأنها تهم بمغادرة المكان!
جيفارا
وماو
وسعاد حسني
أتحدث معهم
وأعاتبهم
كما يفعل المؤمن مع الله
عندما يجد الكفار ينتصرون طول الوقت!
ثلاثون عاما وأنا في هذا القبو
تتسع الشروخ من حولي
وهم
يحدقون فيَّ ويبتسمون!
ثلاثون عاما
وأنا أنتظر علامةً واحدة
لأتأكد أن ما يحدث
يحدث بالفعل!
علامةً
غير حضورك هذا الصباح
وجلوسك هكذا على مكتبي
تقلبين في أوراقي وتبكين!
أرجو ألا تخدعكم ابتسامتي
فأنا أيضا
شرير!
تمنيت أن يموت رؤسائي فجأة
وتختفي النساء كاليود
بمجرد الاحتكاك!
وضعت خططا كثيرة للتخلص من خصومي
وشردت طويلا
لأراهم وهم يتساقطون
أحتفظ في ألبومي بصور عديدة
أقف فيها
والأسرى صفوف تحت قدمي
وفي الزوايا
يعكف أصدقائي على إحصاء كل شيء
الثيران
والأشجار
والخيول
بينما يضع الآخرون على جنب
الفيلات
وحمامات السباحة
وسيارات الـ 4 × 4
تعليماتي واضحة تماما
على كاتبي السجلات
أن يضعوا
الجنرالات وحدهم
والوزراء والمحافظين وحدهم
ويتركوا الكتاب المأجورين لي!
لست آسفا على شيء
فخزائني مملوءةٌ بالجبن والزيتون
وتحت سريري
حشد من الأرامل والمطلقات
وبين يدي
قططي التي انتقيتها بعناية
من الطريق
أما ما يراه الآخرون نعيما
فأنا زاهد فيه تماما
لأنني ببساطة
وخلال تجريدة واحدة
أستطيع أن أغيّر كل شيء
فأحبس الجنرالات في بئر السلم
وأغيّر الحكومة
مع تغيّر الفصول
وأمنح قططي الفرصة
للتشمس على حرف البيسين
أو النوم في مقاعد
البرلمان !
إنني شرير بطبعي
ولذا
أجهزة لضربتي القادمة
بينما أضع ابتسامة ملاك
على سبيل التمويه!
أنا الكومبارس العتيد
الذي
عاش أكثر من حياته
والتقى بكل الشخصيات
حتى التي لم توجد قط!
أنا الذي عشت في الماضي
قريبا من الرشيد
وأنبياء "العهد القديم"
واستُدعيت إلى حيواتٍ أخرى
لم تأت بعد
أنا الذي أفهم اللعبة تماما
لن أسمح بهذا العبث أبدا
إذ كيف أتمدد كجثة
طوال العرض
حتى لو كان كل شيء
كما يقول المؤلف
ليس إلا أخيلة تمر برأسي
وأن الشخصيات والوقائع
ليست سوى حلم طويل
سينتهي
عندما أنهض أخيرا
بين تصفيق الجمهور
لا
لن تجوز علىّ حيلة كهذه
فما الذي يحدث
لو أنني فاجأت الجميع
بالدخول في النص
سعيداً
بارتباك الأبطال أمامي
و بالشتائم التي تأتى
من خلف الكواليس !!
هكذا انتهى الأمر
طاولة في مكان ناءٍ
و عاشقان صامتان
يحدّق كل منهما في الآخر
كمرايا متقابلة !
قرأ الرسالة
وتأمل الكارت بوستال
بدا كل شيء وكأنه مغسول لتوه
الحديقة
والمنزل ذو الأسقف المائلة الحمراء
والغابة
والجبال المغطاة بالثلوج
كان في استطاعته أن يرى ذلك
وأن ينفض عن كتفيه نديف الثلج
ويعدل من رباط عنقه
فقد رآها هناك
خلف النافذة
تكتب الرسالة
وتصف الطريق المتعرج
الذي تقطعه في الخلفية
عربة بستة جياد
تحوم حول أنوفها سحب
صغيرة.
غسلتْ الأواني
ونظفت البيت
ثم شرعت في إعداد الغداء
كان يتابع فيلم الظهيرة
عندما انحنت أمامه
بما يسمح له أن يرى ثدييها
(يتدليان كثمرتي مانجو)
ثم كمشت الفتحة بيدها
بعدما تأكدت من التماعة عينيه
واستدارت
تلتقط شيئا
واضعة مؤخرتها
بينه
وبين التلفزيون!
خرجوا جميعا
وها هو الآن وحده
قلب في الكتب قليلا
ثم نحَّاها
خلع ملابسه
وراح يذرع الشقة عاريا
شاعرا أنه خيف
كزغب يسبح في الضوء
ياله من إحساس
أن تتمرّغ هكذا على البلاط الرطب
أو
تقترب إلى هذا الحد من الشرفة
راغبا في مباغتة الفضوليين
كما تفعل صاعقة الناموس!
أمسك بالتليفون
وراح يضرب نمر صديقاته القدامى
ساءه أن كن مشغولات
فراح يضرب على غير هدى
آملا في العثور على صوت آخر
يستطيع معه
أن يبدأ من جديد
ويقدِّم نفسه
بشكل مختلف!
بعد موته
بسنوات
عثرتْ على خطابات غرامية
وصور لأخرى!
هوت على الكرسي مذهولة
وقررت أن تعاقبه!
نعم
عندما يعود في الليل
متأخرا كعادته
لن تلقي له المفتاح
ستتركه ينادي
دون أن تتحرك من فراشها
ستتركه وحيدا
تعيسا
كما هي الآن!
فتحتْ عينيها
وبدتْ مندهشة من شكل الغرفة
راحت تحرك رأسها ببطء
لترى بشكل أفضل
الشلالات التي تهدر من بعيد
وتلفّتت
تبحث عن النسانيس التي تصرخ
دون جدوى
وفجأة
تعلقت بي
وظلت تصرخ وأنا أشدها لأعلى
ثم طوح بنا النهر
فجلست أدخن
وهى سادرة في عريها.
أطفأتُ سيجارتي فانتبهتْ
وجذبتني إليها بلطف
: ياله من حلم
كنت فاتنا
وكانت الهاوية رخوة
وتمتلئ بأصوات غامضة
ولكن
لماذا كنت عنيفا هكذا
وأنت تدفعني
إلى الطيران!
"قابلت غجرا سعداء"
المرأة تستحم في برميل
والرجل يقلم أظافره بمطواه
لم تحتمل المرأة
التي جلستْ بجواري
أن يلمس كوعي صدرها عرضا
حدجتني في الظلام الشفيف
و
توالت الأحداث
لكنها
عندما مزّق المتوحش سوتيان البنت
ودفن لحيته الكثة
بين ثدييها
وضعت يدها عليّ!
فمددت يدي إليها
كانت مبتلة ودافئة
نظرت لها فأشاحت
وقبل أن ينتهي الفيلم
اختفت
بين الذين يخرجون في الظلام!!
كانت متأكدة
من علاقتي بأخرى
وكنت مندهشا
وهى تعدد صفاتها
وكأنها موجودة بالفعل!
كانت متأكدة تماما
فصدقتُ!
ورحت أتابعها وهى تتجول في مخيلتي!
كانت مدهشة
وغيّرت شكلها ثلاث مرات
من أجلي
كنت متأكدا بدوري
أنها ستعرف أين تجدني
فرحت أجلس كالعادة
في المقاهي البعيدة
أشرب القهوة
وأنتظر
لكنها لم تأت أبدا
أمس
كنت غاضبا
ومحرجا
من الذين ينظرون تجاهي
وأنا أتفرس كل قادمة
منتظرا
أن تومئ لي.
قالت
: أنت أناني
أنت متوحش
كنت أعتبر هذا سبّا يليق بزوج
استمر خمسة وعشرين عاما !
لكنها في هذا الصباح
عندما قالت
: أنت أناني
أنت متوحش
رأيت نفسي ميالا لتفحص الأمر
أغلقت الباب
وتفرّست في المرآة
اكتشفت أن الابتسامة ليست في مكانها بالضبط
وأن العيون لا تلمع بالقدر الكافي
واستطعت للحظة
أن ألمح الحيوان الذي يمرق في السواد!
كدت أكسر المرآة
لولا أن هذا الحل سيكون مليودراميا
ولأنني
لا أجرؤ على القتل
فقد رحت أبتسم أمامها
وهى تهدر في وجهي
: أنت أناني
أنت متوحش
اغفر لي
لقد خدعتك يا عزيزي
فقد زارتني نساء كثيرات
وكنت أعاشرهن في خيالي
بينما تقدم لهن العصائر
أو
تستعجل القهوة
كنَّ عندما تخرج
يجلسن حولي
يعصرن يدي أو يقبلنني من فمي
ثم أنني
أخفيت عليك أمر الممرضة
كانت تطلب منك الخروج
ريثما تنتهي
ثم تخرج
تاركة حقنة فارغة
وفوطة مبللة
أرجو أن تغفر لي
فما الذي يستطيعه مريض مثلي
سوى أن يتذكر
مثل عداء قديم
صيحات الفرح
التي كانت تصاحبه
وهو يدنو
من النهاية!
طلب من الممرضة
أن تبقى معه الليلة
وهمست: سأحاول
في الليل
أبدت خوفها من عملٍ كامل
ثم صرخت
: كفى
عندما وجدت أسنانه تسقط
كلما عض ثدييها
حاول أن يجذبها فتملصت
وتراجعت خائفة إلى الباب
فقد بدا لها فجأة
مثل فراشة
متآكلة
في فخ
من الخراطيم.
عندما جاء دوري
لأقول شيئا عن الرضا
تذكرت اللحظات التي
كنت أغلق فيها السوتيان
كانت تعطيني ظهرها
وكنت أجتهد
لإدخال أربعة خطاطيف
في مكامنها
بينما تطل عليَّ من أعلى
وتبتسم
أحيانا
كنت أشتعل من جديد
فأجرها
والسوتيان يتأرجح
مثل طائر أبيض..
تذكرت هذا
لكنني رويت شيئا آخر
قلت إنني عرفت امرأة
لم يكن زوجها حصيفا بما يكفي
فلو أنه
لمرة واحدة فقط
أضاء الغرفة وهى تحته
لأدرك أنه ينام على بستان
صنعته
بأسناني!!
منذ هربت مع آخر
وهو يجلس أمام بيته
يتفرس بعينين كليلتين
في وجوه الأغراب
كان يستطيع
في يوم السوق
أن يلتقط واحدا من هؤلاء
ليكون ضيفه
شريطة أن يحدثه
عن الهوى
والهجر
فإذا تهدج الضيف
وتغيّرت الفصول في الغرفة
رقّ له
وكافأه بحكايته الغريبة
ثم اصطحبه
دامع العينين
إلى أول الطريق!
******
للشاعر
- السفر إلى منابت الأنهار- شعر- مطبوعات الرافعي.
- وردة للطواسين- شعر- الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- الغزالة تقفز في النار- شعر- دار الغد (الديوان الحائز على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر).
- ردة القيظ-شعر- الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- ذاكرة الوعل-شعر- الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- طائر الكحول-شعر- الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- عندما ترتفع الهارمونيكا- (مسرحيتان) مختارات فصول- الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- حيوانات الليل- (ثلاث مسرحات) سلسلة أصوات أدبية- الهيئة العامة لقصور الثقافة.
- ليلة السهروردي الأخيرة- المجلس الأعلى للثقافة.
- سماء على طاولة- شعر- الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- مكاشفتي لشيخ الوقت.
farid_abouseada@hotmail.com
عن مجلة (الحقائق)
http://www.alhaqaeq.net/
إقرأ أيضاً: