-1-
باب موارَب
إلى ميديا عرفات
مَنْ إذا التقاني مطلعَ الصبح
سيسكبُ رمادي في البحر المجنون ؟
مَنْ سيأتي الآن
لينحرَ ثعبانَ انتظاري الضخم ؟
أيُّ صوتٍ سيدثّرني بفرائهِ الناعم ؟
يدورُ المفتاحُ المنسوخ في القفلِ الصدىء
فأقولُ أتيتِ
و يربكني ذهولي
فأخفي رقمَ هاتفك المدون على تذكرة سينما
و أهرعُ حافياً إلى العين الساحرة
يرنُّ حذاءٌ في ظلمةِ الدرج
فأقولُ سئمتِ فضللتِ إليّ
تلمعُ أزرارٌ مقطوعة عبر النافذة المقلَّمة بالمطر
فأقولُ اختطفكِ روّادُ المقهى المهجور
أو قتلكِ أقرباؤك النحيلون
و أراقوا دمك ساخناً على حشائشِ التلال
و من الآن فصاعداً
لن تأتي
و ساعةُ المنبّه ترجُّ حقيبتكِ
لن تطرقي بأنفِ حذائك أسفلَ بابي .
َنْ سوايَ أخفتُ
بضحكتي القصيرة ؟
في الباب المُوارَب
«مرّةً ، خلفه ،
و رذاذُ نيسان قد أطالَ شعرَها ،
أطفأَتْ كلَّ نور
وتهامسا
همساً مُبْهماً لم يُعْطَ لأحد»
مرّة ً أخرى
أنّةٌ خفيضة
خطواتٌ بطيئة غيرُ واثقة قطّ ؟
-2-
المنزل
مهدُكَ
مطوَّقٌ بالسكاكينِ و المقصات
يا ابناً وحيداً
بين بناتٍ كثيرات.
تتسلّى بك الورقةُ الفارغة
تشعلُ بالكحولِ نصلك
و تضيءُ ممشاك في المنزلِ الأسود
هناك ،
أسْرَرْتَ كلَّ ليلةٍ
هامساً تقول :
لا تسألِ المزيد،
عُدْ إلى البيت .
على هذهِ الأرض ، ههنا ،
أنهككَ الحبُّ فاصمتْ .
أريدُ احتفالي الأخير
في حضنِ النار
هادئاً
كجنازةٍ يُعَدُّ مشيّعُوها
على الأصابع
جافّاً
كنشيجٍ بلا دموع .
-2-
ماء النسغ
كدتُ أنسى الأزرقَ أبي
في غبار كتابه الأصفر (معجم ألفاظ القرآن) بثَّ من حياته .
الهيكَلُ العظمي النحيف يذود ُعن قبره ، لا ريب .
كلّ قبر ٍ شُرِّعَ لقوا هياكلَه قصفاً ، أو حطاماً .
صفحاته المتقدمة منثنية . لعلها علامة على لفظ منه، أو دلالة على اختلال حال .
وسط الكتاب قرأت نقشه ، دون حفظ تاه مني ،
إشارات موجزة حول جمل بعض الآيات بحبر الرصاص، على قصاصة كأنها من جنس الكتاب.
مذ رجعت لبيتي لا يخامرني إلا اضطراب ثقيل .قبلة اللقاء فوق راحتي الأم جرت كمصافحة بين مريضين ،
وسألت عن العقارب . كم واحداً سحقتم؟
_ واحداً في حجرة الأخت الباسلة . حجرتها طين غير جدار الشرق إسمنتٌ تشاركها إياه أخرى منهارةُ السقف .
إن نقصت العقاربُ فالمحنة كبيرة . كذلك فكَّرت .
شروط المهابة القديمة قد تلغي هذا المسخ ، ما استبنت منه سوى الرائحة .
أطبقت الغلافَ المجلد المفتوح على الثنيات ، إن لها دوراً في استنشاق المعاني .
على سريري بالباحة مَنْ انتظرَ منذ المساء ، ليلقنني عما سألقى كلَّ شيء ،
و لكنْ ، حرفاً لن أسمع .
-3-
حيثُ يشعُّ حزني
( قصائد هالة)
عليَّ أن أصمت يا هالة، عليَّ أن أصمت.
آلاف الكلمات. آلاف من الكلمات، لأجلها
عليَّ أن أصمت، عليَّ أن أحمي خيبتي!
هي شجيراتٌ تزرَقّ بداخلي مثل نجوم مختنقة،
وعطرُ أزهارها يسيل من فمي المرتجف الداكن.
وجهُ اللحظة هذه كأنه سماء في حضني!
الشفتان مطفأتان ساهمتان، وقلبي هناك
بقوة أكبر يخفق ويخفق مثلما طفل خائف
يركض على سجادة حمراء ذات أشواك!
الشِّعر، الشِّعر. آه نضوجُ غياب أبديّ.
أيتها الحجارةُ المارّةُ لا تشتمي أحداً غيري،
لا تعنّفي المراهقَ الذابلَ عند الناصية مثل جرو جائع!
هذا هو عملي كزهرة أولى على شجرة صغيرة،
وعينٌ خلف زجاج نافذة، وملاكٌ خلف سياج أحمر؛
حيث العاشق، كالمعشوق حائر، لا يحرّك ساكناً، لا يُرَى!
رغم حديد العالم، عليكِ أن تثقي بقلبي مثلما بكلب ذهبيّ،
مثلما ريشة تطير عبر شفتيّ الهاذيتين، شفتيّ الملتهبتين مثل عينيّ،
ومساءٌ بينهما، برهة، مثل توهّج عود كبريت أخضر الرأس!
لمسَتُكِ، أو فقط أثر أصابعك على كوب لازوردي،
أغمضي عيني كي لا أراكِ، لئلا تتحولي إلى شيء حقيقيّ،
أرفعه معي خوفَ عشرة سيول تجرف روحي إثركِ!
دعكِ من كل شيء، وأنا من سيرسم ظلالكِ،
أنا من يلتهم قلبكِ. أراقبكِ ضاحكاً،
وأنتِ تنزعين دبابيس فستانكِ من صدري!
كبحّارٍ حالمٍ في جزيرةٍ ذات تلال بيضاء،
هو قلبي من شجرة إلى أخرى،
يخاطر بالطيران؛ رجاءَ ألف عشٍّ صامتٍ!
رأيتُ كلَّ الأحاسيس، ورأيتُ القلائد والأساور،
لكنْ فقط قرطاكِ المتهدلان الناعسان، وساعةُ يدكِ
الفضيةُ؛ حيث يشعّ حزني، حيث يشعّ حزني!
السماء بلا حياة، ولا شيء أقرب من قلب الحيوان.
صمتي ينمو مثل زنبقة تصدّأتْ تحت المياه،
وحنيني يلفّك، يجمّلكِ مثل شالٍ على كتفيكِ!
اتركيني، لحظةَ انسكاب نجمة، أظنّ أنكِ قربي.
أنّكِ لا تزالين تحرقين أنفاسي بين أسناني.
شجاعٌ؛ ذاك الذي يفني نفسه مثل نسر!
غائباً، غائراً، كنصل الندى في ضلع الفجر،
سأبقى قربكِ مثل هالة حول القمر، مثل
رطوبةٍ شفافة تحت ساق بنفسجة برية!
يكفيني أنكِ تتذكرين الفجرَ، تراقبين الأزهار.
لا أعرفُ إنْ كنتُ سأحيا بعدكِ مثل بخارٍ ثلجيّ،
وإذا متُّ أيضاً مثل حمامة بين يديكِ، مثل أمنية!
بلى، جبل الأمس، كان الأفضل،
لأن الذاكرة بلا عبء، مرآةٌ نقيةٌ؛
تعرفين كيف تعكس وجهكِ داخل عينيّ!
امنحيني كلمة تشبه فمكِ المغلقَ،
أنظري كيف تشعلين قلبي.
كلمة واحدة، ولا شيءَ غيرها سواكِ!
الكلمات التي تترنح ليست أبهى من طعنات خرساء.
دعي اللغات تمضي وحيدة، دعيها مخمورةً فاسدة.
أعطنيها يدَكِ المشمسة؛ حيثُ ينبض قلبُكِ في وريدِ رسغك الشهيّ!
إني أتبعكِ على درجٍ حجريّ؛ نشطة أنت مرحة
كزهرة شمس، وفمي مغلق على قلبي، وعيناي
في شعركِ، وعيناي على كتفيكِ.
عبر اللهب، هما عيناكِ، عبر اللهب في
أصابعك البرونزية، أمرّ وأنحني مثل كاهن،
أعود وأرتمي مثل شحاذ لا ترينه أيتها النائية.
أبعد مني، يا هالة، صوب شرّ أقوى من الخلود ذاته،
ها أنا ذا أستسلم مثل سكران مُهان، وعلى يدي
عبير جسمك، وعلى يديَّ طفولتي.
-4-
تراب مشلول
(إلى كل هابيل)
بعد تفاحة آدم الفاسدة
كبر المستنقع
في البداية خرجت الشجرة طاهرة"
ثم خرج الحيوان
أما الإنسان
فأراد أن يتعفَّنَ أكثر•
وزّعت الحياة نسيانها على الإنسان
كي ينهض من هذا الغموض
ثم أعطته أحلاماً
كي يبقى بذاكرةٍ ميتةْ
كلّ شيء مستريحٌ في مكانه الثابت
ما عدا القبور
إنها تمشي
تمشي في التراب المشلول
فدائماً هناك قابيل
ودائماً هناك غرابٌ حكيم•
منذُ فجرِ الإنسان
والإنسانُ يقتلُ الإنسانَ
فكل ما فعله الله
أنه تركَ الأرضَ
وأستقرّ في السماء
-5-
قبر واحد لسماء كاملة
-1-
بلا طائلٍ أغوصُ في العُمقِ ، هباءٌ يغمرُ كلّ ما كانَ ، كلّ ما هوَ كائنٌ ، هباءٌ يلوّحُ ثملاً في الأفقْ .
فكّرتُ بعقلِ المكانِ : ما الذي يعنيهِ مسافرٌ ما ؟
بعقلِ المسافرِ: ما الذي يعنيهِ مكانٌ ما ؟
بعقلِ الطريقِ : ما الذي تعنيهِ خطوةٌ ما ؟
بعقلِ الخطوةِ : ما الذي تعنيهِ خطوةٌ أخرى؟
بعقلِ الحلمِ : ما الذي يعنيهِ صباحٌ آخر ؟
بعقلِ الدائرةِ : ما الذي تعنيهِ بدايةٌ- نهايةٌ أخرى ؟
بعقلِ النهايةِ: ما الذي يعنيه كل هذا ؟
بعقلِ كلِّ شيءٍ : ما الذي يعنيهِ أيُّ شيء ؟
-2-
لا أشعر بذاتي بين ، فقط في البداية ، فقط في النهاية، ما عداهما في الحلم وحسب.
أعتقد ثمة فناءٌ في كل هذا ، أو وجود بمعنىً آخر ، أقصدُ أنا ، حيث كل شيءٍ عدايَ فناءٌ ، أو وجودٌ بمعنىً آخر ، أقصدُ ما عدايَ .
ثمة فناءٌ يمدُّ رأسه في كلِّ هذا ، يُحملقُ من كوّة الحلم، أتسائلُ : ما الذي يهبُ المكان وجوداً ، هيئةً مختلفةً عن الحلمِ ؟ ما الذي يهبُ الزمان كذلك ؟ .
أخالُ : ثمّةَ مكانٌ آخرٌ غيرهما ، وما الحنينُ سوى لما لمْ نرهُ واقعاً أو حلماً، إنهُ فناءٌ ووجودٌ في آن، وبمعنىً واحدْ.
ثمةَ شيءٌ مختلفٌ دائماً في مكانٍ ما ، شيءٌ لن نعرفهُ قط ، شيءٌ يتملّكُنا على الدوامِ، ويُشعِرُنا أننا نحنُ ، وما عدانا شيءٌ واحدٌ بالمعنَيَيْن .
-3-
الحقيقةُ إنّني كثيرُ التكلّمِ عن ما لا أعرفهُ كما لو أني أعرفهُ بطريقةٍ ما ، كما لو أنّي فكرتُ فيه بعقلٍ آخرَ هو لي أيضاً بطريقةٍ ما .
ثمةَ شيءٌ خارج المعنى واللامعنى معاً ، شيءٌ مُبهمٌ وجليٌّ في آن ، الغموضُ مُأطّراً بالبداهةِ ، البداهةُ مأطّرةً بالغموض .
ثمة لوحةٌ لا إطار لها ، ثمة إطارٌ بلا لوحةٍ ، لكنْ ثمةَ ما يؤطرهما ، وثمة في النهاية ما لا يُؤطّرُ أبداً .
أعتقدُ إنهُ ليسَ بلوحةٍ ولا بإطار ، إنهُ شيءٌ مختلفٌ تماماً ، شيءٌ لن نعرفهُ قط ، شيء يتملكنا على الدوام ويشعرنا أننا وما عدانا شيءٌ واحدٌ بالمعنيين.
-4-
الخيالُ الذي فتحََ البابَ أغلقهُ أحدُهمْ - الذي لن يمرَّ مِن هنا ثانيةً- ،الذي لن نراهُ ،ولن نعرفهُ أبداً، الذي لنْ يبصرَ البابَ لكنهُ يعرفُ أنّهُ موجودٌ في خيالٍ ما ، خيالٌ لن يفتحَ بابهُ أحدٌ ، خيالٌ ليسَ بلوحةٍ ،خيالٌ ليس بإطارٍ ،خيالٌ فتحَ البابَ وحسبْ.
-5-
بلا طائلٍ أغوصُ في العمقِ مُبرراً ما ليسَ كذلكَ ،أيُّ حكمةٍ تبرّرُ ذاتها ، أيُّ معنىً يصدّقُ ذاتهُ كمعنى ، ربما يكون شيءٌ من هذا القبيل لكن بمعنىً آخر.
أتسائلُ : ما الحكمة من فعل أي شيء ؟ ما الفارقُ الحقيقيُّ في حال لم يكن ؟ ثمَّ ما المُمكِنُ حقيقةً ؟ ما المعنى غائماً في سماء الحقيقةِ ، ما الحقيقةُ غائمةً في سماءِ المعنى؟ .
من لهْوٍ تتقافزُ الفِكرةُ إلى لهْوٍ مُبرِّرةً كونَها كذلكَ .
-6-
بلا طائلٍ أغوصُ في العُمق، العقولُ خابيةٌ في أعماقها ، ظلامٌ وسكونٌ رهيبٌ ، بابٌ أغلقهُ أحدهم، خيالٌ محضُ الصدفةِ ، خيالٌ محضُ الرغبة ، رغبةٌ محضُ رغبةٍ ، رغباتٌ تسبحُ في فلكِ الهباء ، هباءٌ يغمر الخيال معنى وحقيقة ، ثمة من فتحَ البابَ، ثمةَ خيالٌ أغلقهُ، ثمة من لم يرَ هذا ، ثمة من لن يراه أبداً .
-7-
لكلِّ مكانٍ عقلهُ كما لكلِ عقلٍ مكانٌ، لكنْ ثمةَ خيالٌ لا يعرفُ الاثنينْ ، صرخْتُ : أيّ ألمٍ صارخٍ تديرُ لهُ ظهركَ ؟
أطرقَ الخيالُ صامتاً، تداعى البابُ في مكانٍ ما ، أحدُهم مرَّ مِن هنا ، لكننا لم نرهُ ولن نراهُ أبداً.
-8-
ما الفارقُ بعقلِ أيِّ شيءٍ ، برئةِ أيّ شيء ؟
فكـّرْ بأيـّما عقلٍ ، بأيـّما رئةٍ ، عقل الخرابِ ، أو رئة الحلمِ ، عقل المعرفةِ أو رئة المجهول ، عقل الصيفِ أو رئة الشجرة .
ما عليكََ سوى أنْ تفتحَ البابَ ، لكَ عقولٌ ورئاتٌ كثيرة ٌ، افتحْ البابَ وحسبْ ، افتح العقول والرئات كلها في رحلة الفارق ، جدْ الفارقَ في أيّما بابٍ ، فكر وتنفّسْ الجهات كلها ، افتح الباب وحسبْ ، بعقلِ الرئةِ ،أو رئةِ العقلِ ، ثمّة شيءٌ ما في مكانٍ ما ؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!.
-9-
الذي لمْ يشعر بهِ أحدٌ، لمْ يُغلِقْ البابَ حتى الآن ، ريناتو ذو السروالِ القصير . الرغبةُ التي أسقطتْهُ عن الشجرةِ زرعَتْ في ساقهِ شجرةْ ..
السقوطُ الذي لمْ يعتذرْ حتى الآن .. الرغبةُ التي تضحكُ في الأعلى، السروالُ الذي لا يزال يقصرُ........
ريناتو الذي ما يزالُ طفلاً لنْ يغلقَ الباب أبداً.....................
أصوات
كلُّ صوتٍ لغة ٌ
كلُّ صوتٍ كائنٌ
تُرى كيفَ للعقلِ أنْ يرصدَ الخاتمة ،
أنْ يُشيرَ إلى الشيءِ من حيثُ ليسَ لهُ أيُّ معنى ؟
وكيف يكونُ لنا ما لنا ؟
كيف ندخلُ أحلامنا ؟
كيف نخرجُ منها ؟
وكيف نعودُ إلى ذاتنا ؟
قانطاً أتسائلُ :
كيف نكونُ لنا ؟
كلُّ صوتٍ هاجسٌ
كلُّ صوتٍ فلاة ٌ
يقولُ صديقي : " ينادوننا من بعيدٍ فنبصرُ صوبَ السماءِ ،
ينادوننا من قريبٍ – ومنّا - فنشردُ من دونِ مغزى"
هنا أو هناك
بأيِّ اتجاهٍ سنسْردُ هذا الحديثَ ؟
بأيِّ لسان ٍ سنعلنُ أنا ابتدئنا الكلامَ ؟
وأيّة ُ آذانَ صاغيةٍ سوف تسمعنا ؟
ثمَّ هل أنتَ حقاً صديقي ؟
وهل من يُحدثكَ الآنَ حقاً أنا ؟
كلُّ صوتٍ لعنة ٌ
كلُّ صوتٍ فناء .
-6-
ضوعٌ على الأرصفةِ
-1-
ضوعٌ على الأرصفةِ
مُطرِقاً جلسَ
تنبعُ من صدره الآلام
يناجي حلماً رأه يمشي
على شارعٍ
مرآةٍ
عكست فيه دموعُ السماءِ بدراً
تبخترَ
أمام الأعين الزجاجية, بجوار النهر
الجاري.
لا تُكدرُ صَفوهُ الأتربةُ
ولاتبدد ضوعه الريحُ.
برقٌ هو في عليائهِ,
مَزقةُ ضوءٍ على الأرصفةِ.
تجّعد له القلبُ
حينما توقفَ,
مرَّ
ليفيضَ على الضفة الأخرى
من النظراتِ.
-2-
ستائر
كانت خلف الستائر تقفُ
ترصدُ كوكباً عندَ الأفقِ
سَطَعَ!
تنثرُ صحوناً على المائدةِ
تُغمضُ الضوءَ
وتوقدُ الشموعَ
تنتظرُ ,
طرَقاتِ بابٍ
يدخلُ,
يحيي الستائرَ ويداعب الوجودَ
يُزيل عزلةً عن الزوايا
طارحاً على الجدارِ الراكدِ ظلاً, محركاً
في دخيلتهِ الورودَ
نافخاً في أرجاءِ الغرفةِ حبقاً, نغماً جاء
مع المطرِ المنهمرِ.
أقبلَ, يدنو كشعاعٍ عَبَرَ الزجاجَ
يُقَـــّبلُ بفمِ الوردِ سماءً بلا غيومٍ,
جسداًً جعلته يد الريح الخشنة أملسَ.
جلس والماء ينبع من كفهِ
يتأملُ قواربَ ورقيةٍ
أطلقها في أرجاءِ اللقاءِ
حبراًً يسعى إليهِ الورقُ.
-3-
لقاء
كان بعيداً عنها
يستحم في ألقٍ.
كانت غيمة تدّفعها الريح إلى صدره
تُخفي الشمسَ خلفَ ضفيرتها.
-7-
الوردةُ
طائرٌ لا إسمَ لهُ
في قفص الترابِ .
فزّاعةٌ
لا تخيفُ أحد .
شعاعُ نورٍ
في غرفة الحديقة .
منزلٌ
أو
قلعةٌ صغيرةٌ ...
للتأمّلِ
للحريةِ
و الحبَّ .
الوردة ...
فجرٌ أخيرٌ
في حياة العالم .
فصول أخرى للسنة
1- فصل الإنتظار :
كما لو أنّي معكِ
تماماً
في طريق الحلمِ
إلى البعيد أنظر .
-2 فصل البرد :
تحت شجرة الغياب
الأغصان لصق جبيني؛
يدي في جيبي
و أسناني تصطكُّ
بسبب ِ حبّكِ.
-3 فصل القلق :
"على قلقٍ"
الحارسُ ينتظر مجيئكِ
لئلا تذبل الحديقة
دفعة
واحدة.
-4 فصل الخوف :
القمر الخائف.
كلانا
والمساء المغنّي
نرمي حصى إلى الماء
كلٌّ بما ملكتْ يداه
من حصىً
.........
نرمي إلى الماء
حصىً
إلا أنا
لا حصى لديّ.
-5 فصل أخير :
ـ لا ماءَ بدونكِ
تقولُ الزهرةُ ـ أسفل الحديقة ـ .
ـ لا هواءَ بدونكِ
يقولُ الطائرُ ـ الذي في الأعلى ـ .
ـ لا نارَ بدونكِ
أقولُ ...
-8-
الأرَقُ الأخيرُ.. الشَّبَق
ثَمَّةَ زَغَبٌ رَفيعٌ .
لا رَفيعٌ كَحُدُودِ شَمْعَتَيْكِ
واحتراقي !
لا زَغَبٌ كاحتِراقِ شَمْعَتَيْكِ
وحُدُودي !
وتَلُوذينَ بيْ لا سيَّما حِيْنَ يَعْتَريني
رِداؤُهُ الرَّماديُّ القاتِمُ
آخرَ البَرْدِ.. أَوَّلَ الاحتِواءِ.
والرِّيْحُ صَرَّاً.. تنْفي فَراغَ العُتْمَةِ في ظِلِّ العَدَمِ
مُتَجاورينِ مُتَحاربَيْنِ مُذْ رَفَعَ جُثَّتَهُ وسَقَطَ..
فَصَرَمْتُ الباءَ بَعْدَ أَوَّلِ الهُتافاتِ
ووَلَجْتُ ما بَعْدَ الهاءِ
ثمَّ شَنَقْتُ آخرَ العُروقِ على مَجْراها العَقيمِ
فَسَها مَوْتاً.. رامَهُ المَوْتُ
كَضَرَمِ النّارِ في مَجْرى الهَشيمِ.
حينَما حَشَرْناهُمْ.. جُرْحَ ما انْتَشَلَ الرُّعاةُ
مِنْ أَديمِ النَّشْوةِ..
وأَنْسَيْناهُمْ سِراجَ الصَّباحِ الأَحْمَرِ
هَيْهاتَ المُوْقِناتِ يَجْلسْنَ خَلْفَ أَثْدِهنَّ
لا شُرُودَ آنذاكَ .. ولا بَرْدُ
لا انتفاخَ في أَوْداجِ الثُّلاثاءِ.
لا اعتكافَ بَيْنَ الذَّاتِ والذَّاتِ
بَيْنَ الذّاهِبِ الآتي .
لا نَفْسٌ.. بل رَمْسٌ
لا يَراعٌ.. لا يَراعٌ..
بَلْ صُداع.
يا أيُّها المُولَهونَ بَيْنَ أَفْدانِ المَسالكِ والمَهالكِ.. أيُّكُمْ أَعْمَقُ جُرْحاً ؟
أَوَبَيْنَ البُطَيْنَيْنِ وعُرُوقِ المَسَرَّاتِ فَوْجٌ مِنْ آهاتِكُمْ يَوْمَ اللَّحْدِ إِذْ بَشَّرْناهُمْ بِعِشْقٍ عَظيمٍ؟
يومَ أَدْخَلنا سَرَاديبَ الرَّجْفَةِ في حُجُراتِ ما قَبْلِها .. إِذْ كانَ بَيْنَ المَعْقلينِ هباءٌ فَنَثَرْناهُ ورَدَدْنا بُعادَهُ سِرَّاً يَؤُمُّكُمْ مِنْ حَيْثُ النَّزْعُ ما قَبْلَ الأَخيرِ.
فَتَثَاقَلَتِ الشَّفَةُ السُّفْلى حيْنَ أَوْحى إِليها الشَّوْقُ أَن ارتَجفي فارتَجَفَتْ .. عَبيراً أَغْرَقَ القاصي على ببَّغاءِ البَيادي.. والدَّاني بَيْنَ أَصداءِ الرَّحى يأتي مِنْ بَعيدٍ..
واحترقَ الحريقُ.. وأُغْرِقَتِ المياهُ في رَحيقِ الهوى
فإذا الشَّرايينُ جَرَتْ، والعُرُوقُ ارْتَوَتْ، وازْدانَ القَلْبُ بِرمادِ العِشْقِ المُنْسَرِحِ على بِساطِ المَوْجِ.
حينَئِذٍ.. تهرولُ الرّيحُ فوقَ ثلوجِ الرّغبةِ، وتَنْسَلُّ دامِعَةَ الجِراحِ تُعيلُ الجانَ في مُقْتَبَلِ الضِّفَّةِ حَيْثُ كانوا يَتَسامَرُونَ..
ثُمَّ لا تَلْبَثُ مُدْرِكَة ًخُيُوطَها الَّتي غادَرَتْها وغادَرَتْهُ وكانَ الَّذي سَبَق.
تِلْكُمُ نِهاياتُ الشَّبَق.
-9-
يديكِ
-1-
يديكِ
ساترك يديك فارغتين على الطاولة
وساترك بقربهما منفضة سجائري
وسرير الخراب
فلتدخل إليها
من النافذة المفتوحة
الريح الهاربة
كان في الغرفة بقايا من روحي الهائمة
كان فيها شيئا ً مفزعا ً من أقداري
سأترك يديك فارغتين من اللوعة
ليكن هذا وعدا ً قاطعا ً
لانتحار الغياب في حنجرتي
كان في الحكاية وجعا ً رهيبا ً
ألما ً آخر
غير الذي تركته على الطاولة
في المنفضة
لم تكوني لقلبي
سوى قسوة الآشوريين
على فتيات سومر
هكذا كان بونابرت طويل القامة
في دخول صولجان العدم
لست سوى مرآة مشوهة ً
أنزلت روحي إلى المتاهات
فكان الطين
أبجدية المكان لي
هذه ليست محاولاتك
لانكسار العبرة
بين أصابعي
هذا شغف الخيانة
في تأملاتك للبعيد
البعيد
-2-
أخذتك الريح على غفلة
إلى الراحل بشير كوسه
• رحلت باكراً ...
وتركت عصافيرك للرياح القارسة
قلتُ : هكذا انطفأ القمر أمام بيتك
إلى الأبد ...
قلتَ : يا أخي ...
الشِعر متاهة الكلام
سأرحلُ دونَ وداع ٍ أخير
لتعرفوا ... مذاق المطرَ الخريفي
والغياب َ جيداً
من بعدي
لتعرفوا ... ما تبقى من قسوة
لأطفالٍ كأنهم خناجر
على أعناق الطغاة
• كم وردة جميلة
تركتها للذبول الأكيد
كم دمعة حرى
ستسيل كل عيد
• تنتظرك الملائكة
لتخبرها عن أنبيائك
الصغار ...
عن ذروة الحزن القاتل
في أعينهم
عن بكائنا الصامت
في تلك الليلة الباردة
خلف نعشك
• ربما أحتفي بك
كل عام ٍ
على طريقة
غيمة فارغة اليدين ..
• هذا الليل
القلم في متاهة خطوطه
يناديك ...
الورق بياض قلبك
فماذا أكتب
كأنها النوافذ وحدها
تأتي بالسواد القاتل
إلى سريري
• الفضاء غربتي
وأنت حبر النور
على شفاه الدفاتر
باكراً أردت السفر
مرغماً ... أنيني على الحبو
أمام قبرك ..
•أمشي وحيداً
بين غزلانك
أنام وحيداً
ثم تأتي المناحات فجأة ً
إلى مائدة الفطور
فأركض سريعاً ، سريعاً
إلى جهة الغياب ،
• لست وحدك
في هذا الوداع
ولا وحدك نائم في حنيني
لكنك الوحيد
الذي قتلني على غفلة
في الكرنفال
لكَ الوردُ
ولأنبيائك قلبي أبداً.
• ما بيننا
ليس كلاماً فقط
أكبر من أخوَة عابرة
كنتَ صياد حكمة
لتحولات الأبجدية
بلحظة آفلة
أهدرت دم البراري
وأقدمت على الموت
تاركاً خلفك
قصيدة ألم ٍ
رجلاً يلوح للراحلين
بمناديل بكائه
ينكسر وحيداً
على عتبات الفقد
تأتي المقابر
لأحضانه
وتكون ُ أول
من تغفو على زنديه
تلقنه وصايا الحنين المهدور
• أشجارك ما عادت من اخضرارها
نام الضوء في يقظته
لتبحث سلالة الصمت
في محطات العبور
إلى ليل الأزل
• الأرض في خريفها البليد
تودع أناملك
لمسات التعب
رفرفي يا ( شر مولى)
الآن ، فقط
أتوسل
لما انحل مني فيك ِ،
فاخرجي من عزلتك ِ
واهربي
كي لا يدمع عينأي
أكثر من هذا النجيع
ما بيننا
أكثر من بكاء وضحكات
أكثر من قدر ٍ
ارتمينا على صدره
في غفلةٍ عن النسوة
والأبقار
أيها الغريب
عشت طفولتي
وكأنني عشت
الشيخوخة الباكرة
لإمرأتك
-10-
بدون ........... ن
الليل المار من هنا
لا تخف ضربات الخوف
اجمع تشويش النهار
في شؤون آلهة
تطبخ الثلوج بتوابل العبث
اعتنق السهر
كل المتسولين ينحدرون من طهاة الهبل الشمسي
القمر يفك أزراره، تتعرق السماء غموضاً ووجعاً
يتهاوى سلسبيل متواطىء معك،
دع كبريائك يراقب جليداً نائماً منذ تدحرج فجراً يكرع الظلام،
بأصابع مغسولة بندم
صوت يتنفس برزانة ثمل، يسحق قبلاً مختصرة بأصيص مذهول.
هاربون حتى النهاية
أنت هاهنا، ابقَ هنا، تعبر أوردتهم
تعبر زئير الشباك
تعال تسول معي هذا النهار، لنا أرقام شاسعة اجتازت الشتاء
تواطىء الحدائق والجسور
تنبؤات الفاكهة في نبيذ العزلة
غياب الهواء في لفلفة المدن
ربط الأحذية بقياس الأكتاف
تخبط الدم في ساقية فاجرة، تعلك الأسماك في حساء مسموم
حوريات معنفة بأقلام مشاجرات دامغة للحي الهلع
شوارع بأرصفة سقط حليب الرعشة في عريها.
ينهمر فراغ عجاف على سبات الأيام
اقسم بكل الألوان لن نخذل ورقة الفجر برجاحة الطين المشاغب مبشراً بخلاصة
العزلة.
بجهات الوجع الهمجي نطوق مؤنة ملائكة
مكتنزة بتفاحة الجحيم لمصائب أكثر دقة
من رهافة قلبك.
ابق هنا أنت، أسفل القيامة
اعبر الظلال المتورمة من أعمدة الغضب
ثلاث نجوم رابعهم أنت الشريد من لسانك اللاهث
بنهايات الحرائق المنقوشة بحرش تموز،
زنزانة وأعواد كبريت وحَمَام أعمى يتعثر بزيت القشور
وكروم الله الواسعة، عربات وحوانيت
نسوة وأطفال ومساحات مغلقة
هكذا الله في كل مكان نداء قديم، حين كنا أطفالاً
نتوضأ بدم أخطائهم خمس ركعات
نصبح أحجاراً لتتسع لنا المدينة.
عفوكم أيها العابرون من رابع رمم الجهات
بكفن بندقية قهقهت بأظافر مالحة
انتحلت اليباس مفترعة المياه
اعتنق جيدها. استعرض الطواف في حلبات السكاكين النافرة كأصابع مفقودة،
ارتدت عن الهراء.
لاعليك تنفس بيدك النبي.
سماؤنا متوعكة من هرطقة المريد.
أغلق الهواء واملأ فمك بأنقاض منحوتة على خامة طازجة بعفوية رمل.
-11-
قُرونُكِ أيَّتُهَا الغُزْلان ، أَشْجَارٌ أتعَبَها الشِّتاء
-1
المُنتحِرُ من أعلى البناءِ
عيناهُ
تلتقِطُ صوراً سريعة
سِهامُ الرِّيح ِ تَجرَحُها
الدِّماءُ في الأسفل ِ
لا يُصَوَّر
-2
الأُمُّ التي فقدتْ ابنها
في أحشائها
طفلٌ
يَخشى الهبوط
-3
حَديثُكَ
مع الفصاميِّ
يَجعلك أكثرُ دِقَّة ً
غَيرَ أَنَّه يَسخَرُ مِن
جحوظِ عينيك
-4
المُهرِّجُ ، الدُّمى، حَديقةُ الأَطفال ِ
الخَلطةُ الأمريكية
لطفلٍ يَتجنَّبُ اللَّعِب
-5
الحجة الأليفةُ بينَ ظلِّ شَخْصَينِ
ثَلجٌ رتبته السِّنين
كلمةُ (بين) ثغرةٌ تنتظرُ قدَمَ أحدِهِمْ
الشَّخصان متحابان،
و مفترقان.
-6
كَم مِن حَجَر ٍ حَطَّ أَلَمي
حَافةُ الوَقتِ
وَغِيابُ أحدِهِم
-7
الوَجْهُ الأَبيضُ
الدَّخيلُ على لوحةٍ ورقية
قمرٌتؤطره لحية
وَ بَدرهُ لمْ يُكْتَمَلُ بَعدُ
-8
القَمرُ محتفلا ً
كعلبةِ سمنٍ مكوَّرة
ينهمرُ من أسفلِ المنحنى
قطراتٌ تُضيفُ النجومَ سطوعاً
-9
فتاةُ العَاشِرة
أغلَقَت عينيها
أَسْفَلَ البِئْر
المدينةُ متأسِّفة
دُمُوعُ البِئْرِ لا تَرْحَم
-10
الأشهب جَادٌّ
الأجعد جادٌّ
الأصْلَعُ جادٌّ
جَميعُهُمْ جادّون أَمَامَ المِرآة.
عن مجلة أبابيل.نت
www.ebabil.net