نجوم الغانم

نجوم الغانم
(الإمارات)

1

أخذَتْ ما تبقّى من الليل
ومضَتْ تَحيكُ للأوقاتِ
قصصا وأساطيرَ لتهدأ،
أو يخفُتَ صوتُ قلبِها.
لكنها كانت تنتحبُ طيلةَ الطريق
موقظةً الكائناتِ من بيوتِها
ومؤلّبةً سكونَ الأزمنة
كانت تعرف
لماذا بكتِ الينابيعُ ما أن أَقْبَلَتْ
ومتى ستتوقف؟

* * *

2

سيذهبُ الأصدقاءُ
ونبقى أنا وأنتَ
نتأملُ الحكاياتِ التي تركَتْها الليالي
فوق وجوهِنا،
في خطوطِ أيدينا المحتقنةِ
بعرقِ كلِّ تلك الأعوام،
وفي الصمتِ الذي يتبارى بيننا
حينَ يتفاقمُ الكلام.

* * *

3

هل كان هو نَفْسُ البحرِ
المصطخبِ في دفاتِرنا؟
المحاراتُ التي رافقتْ خطواتِنا
على حوافِ الشواطئ
وحفظَت قُبُلاتِنا؟
هل كانتْ تلكَ نفسُ الأسبابِ
التي جعلَتْنا نستبدِلُ ثيابَ السهرةِ
ونخلُدُ لقُمصانِ النسيانِ باكراً؟
هل كنتَ تعرفُ أننا سنَفْقِدُ أَحذيتَنا
ولن نعرفَ كيفَ نعودُ لبراءتِنا
أو نستسلمُ
للغموضِ الذي يبدو آمِنا لكِلينا؟

هلْ كنتَ تعرف؟

* * *

4

الضوءُ يتمايلُ فوق طاولتي
تاركاً أِيايَ أتأملُ العابرينَ
وأخالُ خطواتِهم
أجراسا تقرع في مفازة رأسي..
تاركاً أِياي حائرةً: كيف أطفئُ
كلََّ ذلكَ الضجيجِ
وأستعيدُ الحقولَ
أو سكينَتَها.

* * *

5

وقفتُ قُرْبَ حافةِ النهرِ
استجدي الأمواه أن تغسِلَ
قلبيَ من الظلالِ
التي أَحْنَتْ
كاهلي الصيفَ بِرُمَّتِهِ
اسْتَوْقَفَتْني ذكرياتٌ صاخبةٌ
وأخرى فَتَحَتْ فُوَهةً في القلبِ
وها أنا ذا لابثةٌ في السنواتِ ذاتِها
منذ ذلك النهارِ
أو رُبَّما أَكثر.

* * *

6

جاء الجنودُ ونصبوا الراياتِ
أقاموا التماثيلَ
وأسالوا الدماءَ
ثم زرعوا الحقولَ
لكنها لم تمطرْ منذ تِلكَ الشتاءاتِ
التي أقاموا فيها حولَنا
اليومَ وهمْ يرحلونَ
تتدفق السيولُ في الأوديةِ
وتنتفضُ الأعلامُ
خفيفةً كطائرٍ انطلقَ لتوّهِ
نَحْوَ حُرِّيته..

اليومَ والجنديُ الوحيدُ الذي عَشِقَتْهُ
في مناماتِها يرحلُ..
تطيرُ مثقلةً إلى قلبِها.

* * *


7

جاءتْ إلى المدينةِ المحتجبةِ في سِرِّيتِها
تَسْتَظِلُّ بزِحامِ الطرقاتِ
والصقيعِ المتأجِّجِ في الزوايا.
هاربةً من حصارِ
آخرِ نظرةٍ أَطْلَقَها نَحْوَها،
من همسِ الأفكارِ المتلاحقةِ
في دهاليزِ رأسِها،
ومن نبرةِ الحُزنِ في صوتِها.


جاءتْ تختبىءُ في الغيابِ
فكانت رائحتُهُ تَنْدَسُّ
تحتَ جلدِها
وقصائدُهُ
تُشَّرعُ للجراحِ البوابات.

* * *

8

قَبْلَ أَنْ يَذْهَب تأكدَ تماماً
أنه أطلقَ الكلماتِ
في الأنفاسِ الأخيرةِ للقائِهما..
الكلماتِ التي أَمضَى أكثرَ من نهارٍ
يُعيدُ حِياكَتَها
وينْظُمُها
ثم يَخْتَبِرُ وَقْعَها.
تأكَّدَ تماماً
أنها ستكتوي بجَمْرِها
لأزمنةٍ كثيرةٍ
ولهذا قالها.....

* * *

9

عادَ على عجلٍ
متهيئاً لرحيلٍ جديدٍ
عادَ
لا لِيرَاها
بل ليترُكَ لها
إناءَ عطرٍ
وقبلةً على بطاقةِ بريد.


عندما استيقظَتْ
كان المساءُ قد طواهُ نحو البعاد.
الأبوابُ ظلَّتْ مشَرَّعَةً،
والبيتُ خالٍ بلا خطوات.

* * *

10


عليها أنْ تَحْتَطِبَ وحدَها الآن
وقد طوى خَلفَهُ
شريطَ الأمكنةِ التي هَجَعَا إليها
في أسفارِهِما
وأوصدَ قلبَه
عن هديرِ الينابيعِ
والزوايا التي اختبرا
فيها حرارةَ أشواقِهِما


وعليها أن توقدَ نيرانَ المِدفأة
لتدفئ أطرافَها من بَرْدِ غيابِهِ
وتُصلّي
ليُمْكٍنَها النِسيان.

* * *


11


أمامَ الميناءِ المُلْقى
في الطرفِ الآخر
تتكئُ على الكثيبِ
مُغَلِّفةً بصرَها بالنُقْطَةِ
البعيدةِ في الفضاء.

يكبُر الفراغُ
وتَتَحَرَّكُ الرمالُ مُنْسَحِبةً
من ذاكرتِها،
تتحركُ الصورُ مفضيةً المكانَ
ويَبْقى رأسُها مختلياً
بأمواهِهِ المندفعةِ في هَدْأَةِ الخيال.
عبرَ طائرٌ من أمامٍ عَيْنيها
وهَطَلَتِ الأضواءُ كثلجِ ليالي الميلاد

فجأةً سَكَتَ الهواءُ،
خَفَتَ صَخَبُ الموجِ،
وانتظارُها صارَ يَمْتَدُّ في الفصولِ
دون احتمالاتٍ قريبةٍ
بِالنجاة.

* * *

12

البحرُ يرتفعُ فوق جَسَدِها
فوق المدينةِ،
فوق السماواتِ،

وهيْ

ترتطمُ في الجاذبيةِ
السحيقةِ

مُتبعثرةً في الريح..
هكذا كانْت ترى موتَها.

* * *

13

هذا هو وقتُها؛
الظلالُ المتطايرةُ في الأعالي
بحثاً عن الضوءِ المنبعثِ
من نافذةِ البيت.
هذا هو صيدُها لهذه الليلة.
ستجعلُ الدماءَ
تَنْحَبِسُ في أحشائِها
وستبقى تُحَلِّقُ
كعُقبانِ الحروبِ
بانتظارِ فريستِها
أَو مَنْ يرمي لها بغنيمةٍ ما.

* * *


14

يَتَسابقُ الحزنُ في تَنَفُسِّها
ويَرْتَجِفُ صوتُها أمامَ البحرِ
لا نافذةً تُطِلُّ منها إلى الفرارِ
ولا حتى ثقبٍ
تهرّبُ منه جحيمَ وَحْدَتِها.
تأتي الظلمةُ بكُحْلِها
وشهيقِ كائناتِها
وتذهبُ معها السكينةُ.
لاَ يَعْبُرُ الهواءُ إلى عَتَبَةِ بابِها
ولا ترى مَنْفَذا
لهذا الحُبِ المخبَّأِ تحتَ قميصِها.

* * *

15

يَتَوارى في الأمسياتِ
وَيَتَذَرَّعُ بالإنْشِغالِ
وعندما يزورُها
يَحْتَاطُ أن لا تَسْقُطَ عيناهُ
في عيْنِها
يُحِبُّها
لكِنَّه أيضاً
يُحِبُّ أنْ يَهْدُرَها
ويبكي لقساوةِ الحياة

* * *

16

تجلسُ لتأتيها المحيطاتُ
ويُبَدِّدَها الحنينُ
وإذْ تخرجُ لتلفَحَها كيمياءُ الشمسِ
ترتفعُ أنفاسُها عالياً
إلى أن يُلوِّحهَا الهجيرُ
وتُبَعْثِرَ الصحراءُ نحيبَها
في طياتِ صمتِها الأبدي.

* * *

17

الأضواء المتقدة في أفق المدينة
تجعلها أكثر قابلية للإنكسار
وهي تتذكر أنه لن يكون معها
أمام الشاطئ
ولا حتى في شرفة البيت
أو
على متن الطائرة التي
ستحملها بعد قليل لأول عاصمة
تعلما فيها
السباحة في المحيط
وسقوط جسديهما في بعضها البعض.

* * *


18

الليلة
أخذ من الزوايا كائناتها
ومضى يؤثث كاتدرائيته
والليلة أيضا
امتدت يد لآنية قلبي
تركت قبلتها على الأصص
التي أذبلها البعاد
فنبتت في مكانها
حديقة
وتدفقت النافورات
لتغسل أحشائي
من عتم السنوات.
الليلة،
أضأتُ شمعة
وأطلقتُ للموسيقى
كل خيوط المساء
ثم غفوتُ
مستذكرة وقع شفتيه
تبوح لي بعشقه الأزلي
وأنفاسه التي أعادت لوسادتي
حرارة الحب
بعد أن كنتُ قد يئست
من رأفة الآلهة.

* * *


19

ضجر من كل شيء
وحتى ضحك العصافير
في الشرفات المجاورة.

* * *

20

سأكون سعيدة
قلت لقلبي الذي دوّخني بأحزانه
وأوقدت شمعة للملائكة
وأخرى
للحب الذي ألهمني القصائد.

* * *


21

أفقت على وقع المطر
متأملة أن يكون هو
من أيقظني
لكنه لم يكن في مكان
فضلّلت نفسي بالنوم ثانية
متوقعة أن يعود الطائر لينقر
نافذتي
أو يدنو من الشرفة
مشاغباً صباحنا.
انتظرت أن تمتد ساعده لتأخذني
فطالت الأزمنة،
احترقت أطراف اليوم
بأول لسعة من برد
الليل القادم على عجل.
السرير خال،
والأسطح ممتلئة برمال
عاصفة النهار.
ما عاد الطائر يأتي،
ولم يعد صاحبه يبعث أية رسائل
تشي عن وله
ظل يهذي فيه.

* * *


22

أنظر للمدى
الأسوار شاهقة
والأحزان كذلك..

* * *


23

أرتقب الأصدقاء
لأنني أتذكر
أن لي روحا
تقدر على الإبتسام معهم.

* * *


24

القمر المكتمل على آخره
يتدلى قريباً من حافة التل
فتتبدد الظلمة في مياه الشواطئ
وتخفق أجراس صدري.
مأخوذة بذكرياتي معه
ومحتدمة
لأنني لا أقدر على لمسه الليلة
أو النوم بين ذراعيه.

* * *

25

تستدرجها الحمى
إلى مصحات
وحدائق تظنها ستُشفي آلامها
لكنها تسقط من جديد
مرتطمة بدمها
وكأنه طوق النجاة.

* * *

26

تتوق لقبلاته
وقبل أن تطفئ أضواء رأسها وتهجع للسبات
تنبعث رائحته
في ثيابها
سارقة منها بقايا ليلها القليل
ومانحة إياها
أسباباً أخرى
لنسيانه.

* * *

27

تُهرّبُ أشواقها إلى البحر
لأنها تعرف أنه سيحتضنها
كسفينته الأثيرة نحو الأفق الآخر.

* * *

28

الملائكة التي احتبست فجأة
في الجوار
تقف على مشارف المدينة
مصغية لإرتجاف قلوبنا
لكنها لا تريد الإقتراب
لسماع حكاياتنا

إنها تنحني
فوق أسطحنا
لتقرأ أساريرنا


ولا تأبه للجراح التي
تسيل في كل ليلة

إنها تذهب الآن
بعد أن شاءت
أن لا تلطخ أرديتها بدمائنا.

* * *

29

العتمة دامسة رغم الأضواء العالية
القناديل بلا أرواح
ونحن مسيجين بنظراتنا
لبعضنا
من منا سيبدأ الكلام أولا
ومن منا
سيغفر للآخر.

* * *

30

سأعطيه مهلة للشتاء القادم
لأنني حينها
سأكون أكثر قابلية
لاقتسام المساء
وتأمل القناديل الخافتة
على طاولة السهرة
وربما
لقصة حب جديدة بيننا.

* * *

31

أمي تهرّب صلواتها
لكل صباح آخر،
لكل عابر يحمل أنباءنا،
وتتبادل العتب
مع الله
لأنه لم يلبي أمنياتها بعد.

* * *

32

يتنفس في الغرفة المحاذية
فيما دقات قلبه تعبر الجدران
هائمة في الرواق
كانت تسمع خطواته
تصعد وتهبط الدرج
ثم تقترب من بابها
متوقفة في التوجس.
وعند الصباح
يلقي نحوها النظرات

لكنه لا يدنو أكثر
ولا يبوح بتوقه للمسها
ولا هي تقوى على أخذ
يده الممتدة تحت وسادتها
خوفا من أن تقع في حبه ثانية.

* * *

33

عندما يموت الحب
تصبح النزوات
جنة مؤقتة
ومقبرة لدفن الأحبة

* * *

34


منذ صباحات كثيرة
و الطائر يحتل شرفتي
مؤججاً بصوته الفضاء
ولما ينتصف الضحى
يزداد عشقه لأنثاه
فيطلق حبه فوق الأشجار
والزوايا المخبأة في الجدران
أما هي
فتنتظره على غصنها
دون حراك


وكأنها تعرف
أنه يقرأ صمتها
بالشكل الذي تريد.

* * *


35


أجلس معهم على الطاولة
لكنني لست هناك
الشمعة الوحيدة تترك ظلالها
على وجوههم
وتحبس عيني بفتيلها
أصواتهم ترتفع في الجدل
وقلبي مشرّع
ليعبر ضوءها
علّه يضيء أفكاري.

* * *


36

أفتح شالي لهواء المساء،
للصرخة المحتقنة على طرف فمي،
ليديه تأخذني إليه
وإن كان في الخيال.

* * *


37

يقترب من الحديقة
يلمحها تحرس كائناتها
ونصف القمر المتبقي
من السهر الطويل
ويذهب
دون أن يترك لها أو للأشجار كلمة
تقتات بها.

* * *


38

أضع الهاتف بجانبي
وأتشاغل بالقراءة
لكنني لا أقرأ
أدير المذياع
فلا تقبلني الموسيقى
قلبي يخفق
بانتظار أن يتصل
أو يبعث رسالة


تخلد الأصوات للنوم
ويتبعثر ليل آخر
ليل انتظرته لأيام
لكنه لم يمنحني إياه.

* * *

39

ترتعش الأدمع في زاوية عيني
من لسع البرد
فأتذكره في المدن البعيدة
يخبئ وجهه في معطفي
أو يحضنني حتى ترتفع حرارة أنفاسنا

تباغتني الريح بثلجها

فتيبس أصابعي إذ تستدعي
لحظة كان يخبئها بين يديه
إلى أن يفيق الصباح
أو أفيقُ على قبلاته
تطبع أشواقا
ما كان يمكنه قولها بالكلام .

* * *


40

أحمل سجادة التأمل
وأهرب إلى البحر
حيث تأتي النوارس
لتقتسم معي الصلاة
وفطور الصباح.

* * *


41


الأمطار سقطت وجفت
ثم سقطت
وكوّمت بحيرات على قارعة الطريق
لكن العشب شاحب
والعصافير لا مزاج لها لشيء.

* * *

42

الصمت يرتفع
مع صعود النهار في الفضاء المدلهم بالأغبرة
رأسي مفتوح ليد الملاك
الذي سيأتي بعد قليل
ليرفع منه جراح يوم أمس.

* * *

43

المدن تكبر في غفلة البصر
أحلامنا تتشبث بموطئ قدم
تلتقط أنفاسها فيه
لكنها تدوخ في الإنتظار
أو تنساب من الفصول
كماء يجف على مهل
دون أن يخلّف علامة
أو حتى قطرة ندى في الهواء.

* * *


44

القمر البرتقالي
يتدلى كقلادة بين الأشجار
والسحاب يقتحم المدى
بأمواجه المصطخبة،
عيني تؤلمني
وبصري يتماهى كأنه
في رماد..
أكان ذاك هو القمر
أم مقلتي التي لم تعد
تفرّق هيئة الأشياء.

* * *

45

العاملون يهرعون بأناقة مفتعلة
وشفاه مزمومة
التلاميذ يتبادلون المواعيد
ويختبئون في عرباتهم الفارهة
والباعة يتلهون بالإصغاء لأصواتهم
تستجدي المارة
مالهم
لا يتوقفون
لتأمل زخات المطر
تغسل أقدامهم.

* * *


46

تعرفني الأمواج حين أذهب إليها
ولهذا تندفع لتكنس الشاطئ
من الخطوات لأجلي
ليمكنني أن أفترش مكاناً نظيفا
لأوراقي وكتبي،
أن أحظى ببقعة لا يزاحمني عليها أحد.

* * *


47

السيارات تعبر مسرعة أمام بيتي
أسرع من أن تتمكن عيناي من التقاطها
أو نسيانها.

* * *


48

نظن أننا في سلام
أقدامنا مغروسة في بلداننا
ورؤوسنا عالية تستنشق الهواء الطلق.
نظن أحلامنا تكفي لمدها في الأفق
حتى إذا ما دخلنا المدن
انتاب أرواحنا الفزع
لأنها تضيع في الشوارع الضيقة
ولا تعرف من أية بوابة تفر.

* * *

49

رغم أنها أعدت للفراق طقوسه
ونسجت للسائلين الأسباب
فإنها تقبض حزنها بقلبها
كلما انحنت عاصفة لحمله
عن كاهلها.
ها هي تشيّد لعشقها القديم
معابد
وكاتدرائيات
وتجلس للصلاة فيها لوحدها
مستظلة بذكريات أبلتها الحقب
وآلام من شأنها أن تميت الأشجار.

* * *

50

اليوم أهبه للذكريات
التي تشيح بوجهها عني
كأرواح لا تقوى على الألم،
للقبلات الدائخة قبل كل رحيل
وللرسائل القديمة

والأزهار

التي امتص النسيان ماءها .

* * *

51

سأعيد فتح الكتب التي أتممت قراءتها
لأنها ستمنحنى نفسها من جديد وكأنها
تقع في معرفتي للمرة الأولى..
سأدعي أنني لم أطأها قط
وستصدقني كما يفعل الأطفال.

* * *


52

كل ما حولها يخلد للنوم
إلا هواجسها
تنمو كالأشجار المحبوسة في
أوان من زجاج

لا تصل إلى منفذ

أو تجرؤ على الانتحار.

* * *


53

في يدي قبضة من أزهار حديقتنا
ياسمين ونرجس تَفتَّح
في ندى الليل.

قرب السرير باقة أخرى
وضعتُها منذ أيام مضت
ولم
يلتفت إليها سائل
ولا حتى ضوء النافذة
التي تدعي محبتي.

* * *


54

يدعوني للمبارزة
ويعرف أنني عزلاء
أملك يداً بلا أصابع
وأخرى
قطعَها تواً.

* * *


55

في حلمها
رأته يحمل أمتعته على كتفيه
ويقترب منها كغريب يلمحها للوهلة الأولى
خبأ شيئاً في يدها
ثم قبّلها وعاد كما جاء.

في أحلامها
تبتكر الصور التي تشاء
لأنها لا تحتاج سوى أن
تغمض عينيها
وتفتعل النوم.

* * *


56

كأنه يسير على ماء
يرفع يديه ليزن خطواته
ويتلاشى كنقطة في الأفق
قبل أن تلمحه الأعين.
كأنه أكذوبة
لا تعرف
متى كان هنا
وكيف ستستعيده الحكايات
بعد قليل.

* * *

57

كل يوم يبتكر الأسباب ليذهب
ليمحو أثارها من فوق جسده
وما أن تطأ قدمه الطائرة
حتى
يقع قلبه
في حبها من جديد.

* * *


58

لم يخطر ببال الملائكة
التي أخلت ذاكرتها
لتسعفها على النسيان
أن التأمل سيعيدها إليه
وأنها ستخفق في حبه
وفي تفاصيلهما معاً
أكثر
فأكثر.

* * *

59

سأعود لأجمع وشائج السنوات
أرتبها كألغاز الصغار المصورة
لأفهما
أو
أجعلها تنظر في عيني
ولو لوهلة
لربما قالت لي
لماذا فعلَتْ كل ذلك بي!

* * *


60

هذه المرة
إتفقا أن يكون هذا هو اللقاء النهائي
الوداع الأكثر جدية بينهما
اقترب ليمنحها الإحتضان الأخير
وها هما يقفان
حيثما كانا
في البقعة نفسها
في التعلق ذاته.

* * *


61

أجلس في المكان نفسه
قلبي يشتعل في الشوق
ومقلتاي محبوستان في الممر الطويل.
في المكان نفسه..
أحفظ وجوه المارة
ثم أدعهم يتسربون
كالرمل من بين أصابع ذاكرتي
وفجأة يندس وجهه بينهم
فتتلعثم أفكاري
أَعَليّ ابقاؤه في حجرتها
أم أفتح له الباب
ليرحل؟
وحين أقول: سأحترس
ترتفع حرارة جسدي
وتهبط أنفاس المكان...
أما هو فيتوارى
بين الحمى
والتوجس
حتى أظن أنني لن أقدر على
محوه
لكنني
أخرج للأزقة خفيفة كريشة
وقلبي ساطع مثل ثلج الأعالي.

* * *


أقرأ أيضاً: