آمال موسى
(تونس)

لِصالح مَنْ
َيتَفتّت كُلي
فَأُصْبِحُ بَعْضًا يُصَلِّي
وَبَعْضًا يُشَوِّشُ عَلى مَنْ يُصَلِّي.

من قصيدة " تشويش "
المنشورة في المجموعة الشعرية الثانية
" خجل الياقوت ".

رُوحٌ أُوركستراليّة

آمال موسىوفي نفسي وقعتُ
فَارِغًا
مِنْ كُل هَوى
يَمُوتُ
مَنْ وَقَعَ فِي غَيْرِ طِينِهِ.
وسَكن النُّفُوس المُجَاوِرَة
مُنْتَشِيًا بِقصصٍ حَمْرَاء
كالشَّهواتِ تَمْتصُّ مِنْهُ البَياض
وَتَسْطُو على يَاقُوتِهِ النَّائم
في عُمْق المَاءْ.

ألا تَبَّتْ نَفْسٌ

لم تَقعْ في نَفِيسِهَا
ولم تَملأْ القِنديلينِ بوجهها المُتفَتِّحِ في المَاءِ المُرْتعشْ.

فَهَلْ أَنَّ نفسَ النفس، لا تُطرب
أَمْ ابتلاءُ المَرءِ، أَدْماهُ الوقوع في غير نفسه.
مَنْ وَقَعَ في غيره
كَمَنْ تَهَاوَى
مِن الثُّرَيَّا في ليلٍ غاسقٍ.
ومَنْ أَدْركَ في عناصِرِهِ الحُلولَ
كَمَثَلِ من قَطفَ النُّجوم عنْدَ قَرْنِ الشَّمْسِ
وَقَدَّ عَرْشًا بِخَاتِمِ المَلِكِ.

قليلاً، جَرَّبْتُ الوُقوعَ زَمَنًا

ظَنَنْتُ فِي الجِنان النّسيانُ
وفِي التنزه الاغتسالُ
وأنَّ ذَهابَ النفسِ طويلاً عَنْ هَوَاها
فتحٌ
أرى فيه،
ما ينقصُ الطِّفْل ليكون مُريدا
وآدم كي يُسمّى بطلا في الخلق.

يَا أَيَّتُهَا النَّفْس
بَيْتِي أَنْتِ
وسَريرِي
وثوبُ نوْمي الشَّفاف.
فِيكِ يَرْقُدُ السُّوء
وفِيكِ أَعَدُّ بأصابع كل الخلق، خطايا السابقين.

كأنك امْرأة
وكُلُّنَا رجالٌ نسكنك فرادى.
نَلْقَاكِ وِسْعًا
وَسَكَنًا عَبِقا بالعنبر
وبدخانٍ مُعطَّرٍ ببخورِ القُدَامَى.
حين تَسْتَفْرِدِينَ بِي
تَكْبُرُ وِحْدَتِي إلى أَنْ أُصْبِح صغيرة.
وأشْعُرُ أنَّ جُنُونِي لاَ يُضَاهِيك.

فِي هيكلكِ الزِّئْبقِي

يَعُودُ الدِّفء
إلى قطراتِ الشَّمعِ العاطفية،
وَحْدُهَا الشَّمعةُ ذات الهوى الشرقي أكثرُ منّي ذوبانًا.

كلُّ الواقعينَ في أنصافهم المتوهِّمة
ناقِصُونَ هَوى.
قلوبهم مشرئبّةٌ للعشقِ
يُبدِّدونَ الحين
وروعة الانْصِراف إلى حمَّالةِ الماءِ
في تَفْتِيتِ تَصَوّفٍ
يَضيقُ على فُؤادٍ يَنْبِضُ بِأكْثَرِ مِنْ صُورة.
فَمَنْ ذَا التِّي تَشفَعُ لنفسها غيرُ نفسها
وَمَنْ ذا الذِّي يَسْتبْدلُ
وقوعًا بتهشم.

أُقْسمُ أَنِّي لَنْ أرومَ غيري متّسعا
وَعْدُ نفسٍ
وعتْ بِلادها الشَّاسعة
وَفُصولها اللاّمتناهية.
ولَذَّة يُشْبِهُ عنبها ثَدْيًا مَرْمَرِيّا
سَقَطَ فِي نشوةِ أُنثى.

أَعُودُ إليَّ
مُتيّمة
أَلُوذُ بالمعنَى في ليلٍ ساطعِ اليقين
ضَفائِرُهُ تُشبهُ المَدَى.
أَنْتشِي بِعناقِ البعض لبعضه
وصلاة كلّي لكوكبي
وأحفرني بئرا عميقة
الارْتِواءُ منها، كعينين من زمرد.

****

بَياضٌ يَزهُو بالملائكة

قُلْ لِي كَلاَمًا
أصيل الخيول
تَطِيرُ بعد اندلاقه
أسرابُ الحمام
قُُطْنًا مَزْهوّا بالملائكة.

قُلْ لي كلامًا
يُفتّتني فصوصًا
وَيُرتّب لي هيئةً أنيقة
مِنْ مجازٍ ورمْزٍ وحكم
وماء غزيرٍ يثيرُ أطرافِي
ويَرْمِي بأقواسي
الدّالة على اخْضراري
رُمْحًا في جسدٍ متقشّف.

قُلْ لي كلامًا
يزيد في إعْجازي
ويفْصِلُ بيني وبيني
بسحرٍ سندسي كالمقام
طافحَ النشوة كالذكر المُؤنِّث.

قُلْ لي كلامًا
قليل الحُزن
لأستطيع التّنفس
كَلاَمًا تَتَوَضَّأُ فِي أنْهاره ذاتُ المقدّسِ
كَلاَمًا لا ينامُ خالقُه
مِثْْلَمَا
أنامْ.

****

توَحّدٌ

طيْرٌ ضمَّ طيره
أَيْقَظَ شهوتَه النّائمة
وَرَشّها بذرةِ جَمر.
عَاشا صداقَة الرُّوح للجسد
ضَحِكَ الطّائران
حتّى احمّرتْ الغرفةُ
والتهمتْ ستائرُها الأرض
واحترقَ خشبُ السّرير
فداءً
   لحطّابٍ
      لا حَطَاب إِلاّ هُو.

****

العَيشُ بثلاثةِ عناصرٍ

خُذْ اللّّيلَ كُلَّه
وأعطني نجمةَ الصّباح
هديةً لِصبرِي.
فكمْ أُغْرتْنِي قصائدُ ملكتْ ما فاتني
وأَبْقَتْنِي ضالّةً
في صَمْتِ ذاكَ الشِّتاء.
أَسْمَعُ صُورَتِي تُرَدّدُنِي
كأهازيج قبيلة
خيامها تناطح السّحب والغمام المُكْتَنِز.
أتحسّسُ رُخامي
طَرفًا
طَرفًا
وعنْد سكرةِ الألمِ
قَطْرَةً
قَطْرَةً.
فَإِذَا بِتُرَابِي يُرفْرِفُ
وأنا الغَارِقةُ فِي مَائِي
أُنَادِي الأصْداف
الحيتانَ
والقلائدَ
والسُّفن التِّي صَيّرتها العرائسُ
غرفًا في البحْرِ.

أَنَا المُحترقةُ
بِبَرْدِ وِحْشَتِي.
نَفَخْتُ في الجمْر لأُثيرَ ماءَ السّماء.
فَمَا نَطَقَ الغمام مطرًا.
فقدتُ نَاري
فأمسيتُ مِنْ ثلاثةِ
أَعِيشُ، عنصري المفقود.
تُحَاصِرُنِي الحُجُب أمَامَ كُلّ زرقة ضاحكة
ويتكاثفُ البنفسجُ في عينيّ، المُلَوّنتين بالفقد.
وَكُلّمَا حَدّقتُ فِي المَاءِ
شاهدتُ ضِيقَ النُّعُوتِ
ورأيتُ قِلَّةَ حيلتِي فِي الوَصْفِ.

مَضَيْتُ إلى الأسئلة مبتليّةً
فَلَمْ يزرني الأمينُ
وَلَمْ أطمئنْ !

****

سكارى الصحوِ

ضَرب في الأرضِ
خِلسةً
قَبلَ أنَّ يقعَ فِي نفسِي.
مَرَّ بِدُونِي
ليطوفَ عالمٍ هَرِمٍ
ويتذوّقَ الألَمَ مِنْ خَلايا النَّحْل.
وَحينَ أَجْلسْتُهُ فِي قصيدتِي
بطلاً،
يمشِي فوقَ ماءٍ يتدفّقُ
ونَاوَلْتُهُ الكَأْسَ تلوَ النّشوَة
في حضْرةِ سكارى الصَّحْوِ.
أدْرَكَ خَاصِرتِي
كوليدٍ ضَجِرٍ عتمةَ البُطُونِ.
وأطلقَ ضِحْكَةً طويلة
على رسومِ الأرض المتحرِّكة.

حِينَ سَمَّيتُهُ
فارسَ الرّوح
بَارَزَ فحولتهُ
كَأَنَّهُ " نائلة "
واحترقَ كُلّه
حتّى الشّفاعة.

****

الربّ يملأني بذرّة حبّ

فِضتُ عليه،
إلى حين تكلّمَتْ خطُوطُ الكفِّ
ولَبِسْنَا المَاء
فَأَسْرَى بي إلى الحرير.
أَصْحَرْتُ فيه
صاعدةً إلى حيثُ العَرْشُ أمامي
طَيْرٌ مِن الأقاصِي،
على ظهره وشمُ الشَّهْوَةِ
وَرَغْبَةُ أُمِّهِ المُتَحَقِّقَة.
مُلْتَحِفًا بالنُّور،
بِالقَيُّومِ مُخْتَمِرًا
فارِغَ الفؤاد.

مَدَّ يَدَهُ إِلَي بَاطني
وأوقَدَ بالماءِ فَحْمِي.
تَقَلَّبْتُ على جَنَبِِي وبَيْنَنَا برزخُ
واحدًا كُُنَّا،
صَاحِبُ اليمين وصاحبتُه
خيرُ البريّة وخَيرتُها
كُلُّه يُوجعُ كُلِّي
كُلِّي يراقصُ كُلّه
كُلُّه يقولُ لشتاتي : " اقرأ".
كُنْتُ أُحَاوِلُ
أَنْ أُحِبّهُ أَكْثَرَ مِنْ حُبَّيْن
وأمْسَكَ ذات العُلى
حِينَ تَفَرَّسْتُ فْي جبينهِ الفِضِّيَّ.
ولا زلْتُ أتوسّلُني قبلا
أَنْ أَرْتَدَّ بنيةَ أو حفنةَ ماء
كلّمَا خبّأتُ أوراقَ التوتِ فِي مُقْلتَيْهِ.

خُيِّلَ لِي
أَنِّي أرَى الزَّمنَ جَالسًا على أريكةٍ قُدَّتْ مِن أبدٍ
والمَوتُ خائفًا
والرَبُّ يَمْلأُنِي بِذَرَّةِ حُبّ.

كَأَنّهُ حفيدُ الأعْشَى فِي رَكْبٍ مرتحلٍ
حَمَامًا، أَبْصَرْتُه
يَمَامةً أَبْصَرَنِي
ضَاقَ بِنَا المجازُ
فَنزِلْنَا إلى " أمّ الوليد "
مُقَدِّسين يَسْجُدُ لنا النّجمُ والشّجرُ
لَمْ يَبْقَ ساعتها،
مِنْ العادياتِ سوى الضّبح
ومِنْ المُوريات غيرُ القدح.
كَمَا لو أنّ
عاشِقي اكتملْ
كما لو أني
اكتفيتُ بزخّةِ مطر
شاهدتُني في ارتعاشِه
على شفاه اللغة كرما وتمرًا.
ثَوْبِي تَحرُسه العنكبوت
أرْضُ تُحدثُ عشقَها
صَدْري مُنشرحُ
والروحُ تلْهو بينَ الزرقةِ والشجَر.

****

أنثى يُخبِّئ فيها الماء

طُف بِي
دُون أَنْ تُحْصِيَّ الطَّواف.
وَأَدِرْنِي في رُخامكَ
شَهْوةً
كي أرتعشَ ثمانينَ عامًا
وَتَتََذَوَُقُ الخيولُ الصَّحْوِ في الخَوابِي.
عِطْرُكِ يشُمُّ الأسرارَ
تَتَعَرّّى كوليدٍ لا يبالي
وعاشقٍ رفعتْه أنثاهُ.

أتلَظَّى بين رغبةٍ وسؤالٍ
يتجاذبُني الآتِي كغجريّةٍ أضاعَتْ كفّها
ويُتْعِبُ فُؤَادي اشتعالُ الشَّيْبِ في النَّبْضِ.

طَالَ تملْمُلكِ يا ابنة آدم
تعُدِّين ذخائرَ التُّفَّاحِ :
خطيئةً
خطيئةً
خطايَا.
وتَقولينَ :
أبِي جدُّ الأنْبِيَاءِ.
سَوَّى لهُ الرَّبُّ الأرضَ في سبعِ أمنياتٍ
أوْرَثَه عرشَ التُّرابِ.
وَمَنَحَهُ أُنثَى يخبِّئُ فِيهَا المَاء.
فَأَدْرَكْتُ
لِماذا كلُّ الإناثِ يمُتْنَ غَرْقَى
ولماذا أُخاتِلُ قَدَرِي
لأُصلّي بذاتَ اللّهبِ.
عَلَّنِي وَأَنَا بالنَّهَارِ أَغْتَسِلُ
أُنْشِدُ تميمةً
تَتَوَارَثُ إِلى مَا بعدَ القِيَامةِ.

****

نشيدُ الرّغبة

سِحْرٌ !
خَتَمَ عَلى فؤادي
وَجَعَلَ لِي نُورًا أمشي به.
أيقَظَ نِسَاء سلالتي،
نساء
حَمِلْنَ القِلال
وقَصَدْنَ مائي :
ساعةً يَغْزِلْنَ لِعشْقي تميمةً
وساعةً يتوسَّدْنَ خَزائنَ الله.
طَيْرٌ مِنْ " طين " يَرْتَعِشُ
أَنْزَلَ عَلَيَّ ِمنَ السَّمَاء فاكِهَةً
وَاصْطَفَى لِي نَهْرًا.

آه، مَا أَعْذَبَ النَّار
إذ تؤلف إيقاعي.

مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ
نُور عَلَى نور
جَبَلٌ ساجِدٌ
يَا فلكا،
أَدْرَكَتْ فِيهِ شمسي قمرًا كَعُرجونٍ قديم.
أنَا أُشْفِقُ عَلَى قَيْس،
على ليلَى،
مِنْ شعرٍ رمَى قلبيهما فِي الجَمْرِ
ونحنُ في الضلالة لا نَقْرَأُ الجمْر !
هُنَا البَحْرُ
بَحْرٌ أبيض.
مِنْ هُنَا عبر بنو يوسف
تركُوا فوق الموج دموعهم
لؤلؤا منثورا على فُستان أزرق
أَوْرَثُونَا فِرَاقا وَرَثُوه
وحملوا على أكتافهم أسماءَ الحبيبات.

جميلٌ قَدَّّ مِنْ هَيْئَتِي هيئته
وَسَوَّى مِنْ أساطيرِ الأوّلِين نشيدِي.
أَدْرَكْتُ مجاز الرغبة
حِينَ أَيْقَنْتُ
أَنَّ الحبيب فكرة شريدة، في نص العمر.

****

لاَ فَارِس يليقُ بصلواتِك، غيرُ الله

يا التِّي
مَا مَنَعْتُك حِينما ودعتِ الماء
وَطِرْتِ إلى صَحْراء
لا أَحَدَ فِيها يقُولُ " رُدّها إليّ إن استطعت " !
قلتُ سَاعتها :
روحُك بنتُ قاعٍ أو جنيةُ الأقاصِي
تمشّين على الماء حتى يزدادَ يقينُك
وتَعْتَقَدِينَ أَنَّ التُّراب لَنْ يأكلُ وَجْهك.

يَا التِّي،
أَرَاكِ مُتعبة كَعَائدٍ مِنْ بيتِ الله
ألا تُبْتِ عِنْ المَوت عشقًا
وَتَخَلِّصتِ من شوائب الصِّدق ؟
أَنْهَكَتْكِ المحن،
وَمَزَّقَتْكَ قَطْرَةً قطرةً هَذِهِ الخَسَارات.

يا التِّي،
يَعُزُّ عَلَيَّ انْحِنَاؤُهَا
تَسَلّقِي الأعَالِي
أَكْمِلِي دَورة الاحتراق
وَتَدَاوِي بأبيضِ العُشْب
فَقَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ
حَمَّامًا ساخنًا،
وَوَجَدْتُ فِي انتظاركِ واثقا
سريرُك الصغيرُ القديم.
يا التِّي،
أصَابَتْ تَأويل المنام
فَأَدْرَكَتْكِ النُّبُوءة رضيعةً
غَدَوْتِ ضَيْفَةً مُهْمَلة
تُقَدِّمِينَ أطرافكِ سفينةً
وَضَوْءَ عَيِْنَيْك، لقنديلٍ ابيضت نَارُه.

يا التّي،
تَسَلّلْتِ كَما الشهوةِ مِنْ أَنَامَلي
كُلُّ مَا فِيك عزيزٌ وباسقٌ
دَعِ قَلبك فَارِغًا
فلاَ فارِس
يليقُ بِصلواتك،
غيرُ الله.

****

كائنات في منطقة الداخل

فِي داخلِ كُلِّ امرأة، رجل.
في داخل كُلِّ رجل، امرأة.
في كُلِّ لغة، أنثى وفحل.
في داخل كُلِّ عاشقٍ، إله.
في داخل كُلِّ آثمٍ، بريء.
في داخل كل شاعر، نبي.
في داخل كُلِّ نبيٍ، خالق ومخلوق.
في الأسفلِ، حيوانٌ نائم.
في الأعلى، خليفةٌ متربع.

فمن هم الذِّين.
في الخارج يتَّحركون ؟

****

قدرٌ مؤنّث

كُلُّ شيء، على ما أرُومه.
ومع ذلك، لَسْتُ مُطمئنَّة كالأشياء.
فِي البَارِحَةِ،
وَأَنَا أُمَارِسُ موتي،
رَأَيْتُني وسط زحمة الوجوه
أَمُرُّ بصعوبةٍ
أُخْفِي وجهِي فِي راحتَيَّ
وَتَرْتَطِمُ كتفاي، من وراء الدانتال المخمور بقبضةِ الأشْيَاءِ.
ورغْمَ حِرْصِي البُولِيسيّ
علَى السَّيْرِ فِي الجهة المُخصصة للمترجلين
فَإِنَّ رِيحًا،
تَنُوبَنِي فِي الطمأنينة،
كَانَتْ تَدْفَعُ بِي إلى حيثُ الشبّاك
المُمْتلئة بِالرُّؤَى الصَّادِقة.
وَفِي الصَّبَاحِ،
اسْتَفَقْتُ
وَلَمْ أقفِزْ مِن السريرِ كعادةِ النائِمِين.

انْحَنَيْتُ كثيرًا،
ثم امتثلتُ إلى قدرِ الوقوفِ من جديد.

****

آدم الصغير

قال آدمُ الصغير :
" أُمَّّاه،
طيلة ما مضى
كنت طفلا مؤدبّا.
حفظت قلبي من كل مرض
وَأُوتيتُ الحكمة وفصل الخطاب.
فَمَتَى تَأْتِي السَّماء بدخان مبين
ونذهب إلى الجنة
لنلعب
ونلهو فوق عشب سندسي ".
فقلت :
" حين يغمرُ الماءُ الرّبعَ الأخير
وأعِيش زِفاف الغمام ".

***

لغةُ النّفس

قُلْتُ :
" السَّوادُ أشدُّ صفاء من البياضِ
ووحده اللَّيل يجهرُ بأسرارِ الصّباحِ
والحُزن يفضحُ مرمر النفس
والدَّمْع يُطهرُ الوجوه أفضل من سَائل الحليب الملطّفِ "
فَانْفَضُّوا مِنْ عيني
وأطفئوا ما قلت.

وبعد عُمر،
تخضّبَ زَمَنُه بالتّينِ والزّيتونِ ولسعِ الحطب
رَأيْتُ بشرًا
يمشون وفي القلوب
قرابين لَمْ يُسْفكْ ماؤُها
يُرَدِّّدونَ :
لَبَّيْكِ، يا آلهة الصّوابِ !

****

مفتُوحةٌ عَلَى مصراعيَّ

مقفلةٌ
كَبابٍ تركني وراءه جدي
وذهبَ إلى البحر
يُنْشِدُ سمكتين كبيرتين
كاتّساع عَيْنَيْه
وزرقةِ قلبي.

مقفلةٌ
كَروحٍ تَثَلَّثَتْ
وَأَسْرَجَتْ رُوحها للحقّ.

نَفْسٌ، أَغْرَاهَا الفناء بلقاءِ الحبيبِ.

مُقْفَلَةٌ،
كَأَنِّي بنتُ لَهَبٍ
جَاءَتْ تُطفِئُ حريقَ أَبيهَا
تُضَمِّدُ جيد حمالةَ الحَطَبْ.

مفتوحة على مصراعيّ
كَطِفْلَةٍ
رُفِعَ عَنْ قَلبها الحِجاب
فَتَكَلَّمَتْ في المهد.

****

الأنوثةُ الكبرى في حالة سكْرٍ

النِّساءْ اللَّواتِي يَفِضْنَ علينا
دجلة ونيل وفرات
فَنُصَلِّي دُون حجرٍ أو ماء.

النِّساء اللّواتي أَسْرَيْنَ إلى الأقاصي
وَعُدْنَ فَارِغَات.

النِّساء اللّواتِي جِهَازُهنّ بياضٌ ناصعٌ كنسلِ المُريدين.
النِّساءْ اللَّواتي يَمُتْنَ عَذارى
دُونَ تَصْدِيق.

النِّساء اللّواتي يَسْتَحِي البَحْرُ من نُهُودهِنَّ
فيُحْرَم نهب كريمِ المعدن والحجر.

النِّساء اللّواتي يَلْبَسْنَ ثوبَ الزِّفاف مرّات
فِي ذاتْ الزّفاف.
النِّساء اللّواتي تُمْتَزِجُ فيهنّ
الصَبِيّةُ المشتهاةُ بِالعجوز الصَّالِحةِ.

النِّساء اللّواتي فِي وُجوهِهِنَّ بصمات الإله
هُنَّّ الشّاعرات
تَجلّى فِي قَصائِدهنّ الصدقُ نشوةً
فَسَكَرَتْ الأنوثةُ الكبرى
وتمايلَ الشِّعْرُ جداولَ ماءْ.

****

مريدةْ تعدَّتْ كلَّ اللّذاتِ

خَبّأْتُ طُفولتِي
فِي نظراتٍ لهَا بريقُ المَاسِ
وشبابُ الماءِ الدّائم.
تَنَاولْتُ مِنِّي،
زلاّتِ جسدٍ حديثُ الشّهقات.
وتدفّقتُ في الأرضِ
امرأة.
سَأَلْتُ الموتى الكبار
والدَّراويش
وبائعُ الماءِ البورجوازيّ
وكُلَّ مَنْ صادفني
وكانَ رَضِيعًا.

تَوَسّلْتُ رَأْس عاشقي
بِعينينِ مُحترقتين
وَصحْتُ :
أَفِيكَ ألْقَى اللّه ؟
يا رأس عَاشِقِي
كُونِي مدّا لا يعرفُ الزّجر
وقصيدةً نائمة في صدرِ شاعر بوهيمي.

كُونِي شَاعرةً قُدّتْ مِنْ أربعةِ فُصُول
ونطقا عصي التّلعثم، كالمجاز.
وكشفا،
تسقط بُعده الحُجب
سُهولاً مترامية النُّور.
كُونِي بَرْدًا يُخلّصُني لسعَ القلقِ
وَمُعذِّبتي حِينَ أتعدّى كُلّ اللّذات،
وَتُفْشِي السّاقانِ بِالشَّهوات الهَارِبة كَمَا الطُّيور.

لمْ يَبْقَ مِنْ رَغَبَاتِي سِوَى الزّعفران
وَجَسَدِي صَارَ سَريرًا لأطولِ نومٍ.

وَحَتَّى مُكابَرَتِي، مَا عُدْتُ صادقةً فيها.
أََسْتَحْضِرُهَا مِنْ صُوري القديمة
وأَتَلَهَّى بِإعْدَادِ قهوة
سُكّرُها أشقاهُ البنُّ
وَأَوْقَعَهُ فِي عِشْقِ الأَضْدَادْ.

******

أعيشُ
لَذَائِذَ العُرْي
وأرَى بِبَصَرٍ آخرَ
كلّ مَرَايَا الطِّينِ.

من "رجل الجسد" المنشورة في
المجموعة الشعرية الأولى " أنثى الماء ".

الجسدُ نصُّ اللَّذّة.

خُدْعَةٌ
جئْتَ باسطًا كَفّْيكَ
إلَى مَائِي
وَنَارِي
وَهوَائِي
وتُرابِي.
فَلَبَّى مائِي دافِقًا
وَلَمْ ينْهرْكَ تُرَابِي.

وَهَا أنِّي أشْكُو فاقَة
وَأَوْشِكُ أَنْ أفقِدَ عناصِرِي
وَأَوْشِكُ أنْ أستَدِينَ مِنْ السَّمَاءِ مِصباحًا
لأعيدَ مَا هَوى مِنِّى عَلَيْكَ !

يؤنّثني مَرّتيْنِ

هَا أنَّ اللَّيْلَ قَدْ سَجَا
والذِّكْرَى تَجَلَّتْ
واليَدُ، تَتلَمَّسُ جَفْنَيْ أَنْكِيدُو
مُتَمْتِمَة :
" لَوْ كُنْتَ محزُونًا، لمَا استطعْتَ اللِّقاء ".
فَإذَا بِالعينينِ، فِي سُكْرِهِمَا
تُذْرفانِ حُبًّا، يُؤَنِّثُنِي مَرَّتيْنِ.
كَأَنِّي بِالموْتِ أَنْتَشِي
وأعيشُ روعةَ اللّقَاء
وَأتلاَشَى فِي عَناصرِي مُتَعَانِقَة.

فَلاَ الماءُ، أمَان* البَرابِرَةِ
وَلاَ التُّرَابُ، أجْسادُ الذِينَ نامُوا
ولا النّارُ، جمراتٌ فِي كَفٍّ مَجْنُونَة
ولاَ الهَواءُ، هذا الصَّدْرُ الأُنْثَوِيُّ المُتَكَبِّرُ.

أتَحَسَّسُ أدِيمِي بِلُطْفٍ
كَيْ لا أُفْسِدَ، عَلَى أبَائِي قَيْلُولَة
مَفْتُوحَة إَلَى حِينٍ.
فَتَشُقُّ صَمْتِي
أُغْنيَاتٌ قَدِيمَة
مِنْ رَبابٍ، وَنَاي وَسَكْسُفُونْ.

وينهض بنفسجُ الذّاكرة
وينهضُ بنفْسجُ الذَّاكِرَة
مُبَلّلاً بِالأَوَّلينَ.

أمنحُ مَا أعَوِّلُ عليْهِ فِي المُنْفَلِتِ مِنِّي
لِلَيْلٍ يَحْسِمُ بِجبَرُوتِهِ تَبَعْثُرِي
وَيُبَدِّدُ نَهارًا، أُصِيبَ بِشَمْسٍ مُتَوَتِّرَة
تَنْوِي الانْتِحَارَ، فَوْقَ بَيَاضِنَا الطُّفُولِي.

لاَ شَيْءَ أطوَلُ مِنْ لحظَةٍ، لهَا تَأَلُّقُ النُّجُومِ.
لا شَيْءَ أكْثَرَ طَرَبًا مِن شَهْقةِ مُنْدَهِشٍ
وَلاَ شَيْءَ أقْصَر مِنْ الأَعْمَارِ،
المُمْتَدّةِ في الضِّيق،
مَتَكَوِّمَةً كَشَيْخٍ، لَهُ هَيْئَةُ جَنِين.

مُتْعَبٌ هذَا السَّفَرُ، على ظهرِ سؤالٍ صَبُور.
ومُوجِعَةٌ هَذهِ النَّفَسُ
المُتَيَّمَةُ بِالصَّحَارِى
إذْ تحَاصِرُهَا الكُثْبَانُ
فتحاصِرُ فِينَا، الوَهَنَ العَتِيقِ.

ثَمَّةُ طُمَأنِينَةً يُدْرِكُهَا أهلُ الشَّبَقِ
فِي سفرِهِم إلى الجَسَدِ.
وَثَمَّةُ مَاءٌ، يَتَصَبَّبُ أجْسادًا
تُعَاوِدُ الغَرَقَ
يُعَاودُ العَطَش.

وَثَمَّةُ خُطُوطٌ، علَى شاكِلة مَدَارِجِ الَمسَارِح
تَرْتَسِمُ فوْقَ الجَبِين
فَأَعْلَمُ، أَنَّي مَلْحَمَة
أضَاعَتْ عِشْتَارَهَا
فِي زَخْمَةِ صَمْتٍ مَحْمُومٍ.

****

النوْمُ على حافةِ الرّكحِ

قرنٌ يسلِّمُ عقاربَهُ حَيَّة
لِتَلْدَغَ مواليد الثَّور.
أيَّامٌ تَجُرّ أعمَارَنَا
القصيرة الشَعْر.
والدُّنيَا كما أول الخلق
مدرسة خاصة بالراسبين
وأدوارٌ نَلْعَبُهَا
ثُمَّ نَنَامُ عَلى حَافَةِ الرُّكْح.
وَبَشَرٌ نُرَاهِنُ عَلَيْهم
فَقَط
كَيْ نَخْسَر.

غُرفة فِي شكل تفّاحة

الغُرْفةُ التِّي
أُحِيكَتْ ستائرُها بالفَرْو المُبعثرِ في السّهول الزّرقاء
صارت تحلم بطفلة تُكسر دميتها
لا تُفَكِّكها مثلِي.
الغُرفةُ التِّي
تسكُنها صبيّةٌ تُطْرزُ وِسادتين
مُنذُ استدارة خصرها
حافظت على كأسها الواحدة
سريرها الواحد
وغطائها نصفُ الواحد.
الغرفة التِّي
ربتها تخاف الظلام أكثر من رب الظلام
حل بها زائر،
لَهُ صُرّة فيها سنواتٍ لمْ يُنفقها، وحباتُ زيتونٍ كثيرةُ الضّوْء.
الغرفة ،
ذات السّقف الذّي يتحرشُ بالسَّماء
سَقَتْ رُخام الصَّبية
وناولتها مزيدا مِن الفرو
فَغَدَتْ في شكل تُفّاحة.

ذِراعٌ تُثِيرُ الشِّتاء

أرانِي مُنزعِجَة :
هناكَ مَنْ دَعَانِي
إلَى نُزْهة في حَدائقه
وطلبَ منِّي
حَمَلَ حَقِيبتِي
وَتَسْلِيم المفاتيح إلى مُلكٍ عرشُه السّماء.

لَمْ آخذ مَعِي
سِوى معطفِي الطَّويل
ونظارة الشّمس السّوداء.
فقد تَعَلّمْتَ
أنَّ الذِّراع التِّي نصفُها عارٍ
تثير في الشِّتاء رغبة القُدوم.
والحقيقة،
تحرقُ من تُشبه أصَابِعه الفراشة.

وَتَعَلّمْتُ،
أنَّ كُلّ الدَّعواتِ التِّي تَأْتِينَا غيرُ صالحةٍ لشخصين.

****

قِلالٌ تملأُ السّراب

ذكورٌ فاكِهون
يتراقصُونَ فِي الغُرفِ.
يتمايلونَ بينَ وَاجهتين
مِنْ نخيلٍ وَمِنْ شَجَرٍ.
مَضتْ مِنْ عُقودِهِم ذَاكرة
جالِسونَ في صيْفِهمْ الدَّائم
يغازِلُونَ ثديَيْنِ يَائسَيْنِ
وبطنًا خَجُولَة
فِي رَأسِهِمْ قَاتٌ
يَمْلأُ سرابهم قِلالا.

ذُكورٌ، حدّ الجسد
يُقبلون الهِضَاب المُتَمَنِّعة عِنْدَ أَوَّل بَرْق
وَيَخْلَعُونَ النِّعَالَ
كي يهشِّمُوا
بِالكعبِ العَالي
جرَّة الرُّوحِ
وفِخَار الأرض !

****

هَيئةُ المَاءُ

صَبيّة،
وَجهُهَا وردةٌ مكسُوّة قطرَ النَّدى.
عَيْنَاهَا تَعجّبٌ
وسؤال.
اسْتَلْقَتْ عَلَى كُل الغَابة
فوَشْوَشَ الصّنوبَرُ للصّنوبرِ
وعَادَ المَاءُ غَجَريّا
غَجَريّة،
لاَ تَزَالُ هَيْئةُ المَاء.
حاصَرهَا رَجُلاَن
يَرْتَجِفَانِ.
الأوّلُ طلبَ رُوحَها
لِيملأَ الكَوْنَ شجرًا.
والثَّانِي، اشتهَى جسدَهَا
كثير التُّراب
غزير المَاء
كثيف الهواء
ونَارُهُ شَهْوَة مُتَأجِّجة.
حَطَّتْ يَدَهَا تِسْعًا فِي أحْشائِها.
واليَدُ الأخْرَى،
وزّعَتْ أصَابِعها عَلى أقْوَاسها.
تَضَاءَلَ الرَّجُلان
التَصَقَ الوَاحدُ بالواحدِ
وَحَلّتْ فِي الصبيّةِ دُنْيَا الحياةِ الأُخْرَى.

****

الشَّجَنُ

يَتَعَاظَمُ نملٌ مُثابر،
يرعَاهُ جُنود طيِّبون.

وفِي قفاهَا،
يتسلّلُ الشّجن
أكياسًا،
مِنْ تُراب الآدميين.

****

يَا ليتنِي كُنتُ زُجَاجًا

ما إِنْ يُعْلِنُ اللّيل
وُصوله إلَى المُنْتَصَف.
تَدْخُلُ امرأة هذا الملهى اللّيلي
عارية مِنْ أوراقِ التُّوتِ
وفِي خُطْوَتِهَا تَلَعْثُمُ الجَدَّات.

فِي هذهِ اللّيلةِ :
وَهْيَ تَجُوبُ المَلْهَى رَقْصًا
وَتَحْمل فِي رَقْصَتِهَا
كُلَّ الوُجُوه
التِّي فِي عددِ الكُؤُوس
المُتَمَايِلَة فِي الأَيادِي
تَسَاءَلَتْ :
" لماذَا لاَ أَبْتَكِرُ زَمَنًا جَدِيدًا لِلمَلْهاةِ يَبدأُ عِندَ الفَجْرِ ".

وَحِينَهَا،
سَقَطَتِ كُلُّ الكُؤُوس
مَغْشِيًّا عَليهَا وَهْيَ تُرَدِّد :
" يَا لَيْتَنِي كُنْتُ زُجَاجًا " !

****

الأرض

كُلّما أطلقْتُ ضِحكةً
كَسَا الدُّرُّ خصْرَ الأرْض
ورأيتُ امرأةً تنشرُ المنَاديل.

****

الظِلّ

شَاهَدْتُهُ يَفْتَحُ دفاتِرَ السُّلاًلة
وَيَلْهثُ فِي دَمِي فَرِحًا وَتَعِبًا.
سمعته ذات رُؤية في المنامِ
يَتَهَجَّى اسْمِي
يَعِدُنِي بِالقَلِيلِ المُصَفَّى.
اِقْتَرَبْتُ مِنهُ، شجرةَ صَفْصَافٍ.
ولمّا هممتُ بِِالعَطَاءِ
وَجدْتُ ظلي منهكًا
هاربًا خَلْفِي
مختبئًا إلِى حينٍ.

****

تَطَاولُ الأَمْكِنة

كَيْفَ لَمْ يَنْتَقِمْ وَاحد مِنَّا
مِنْ هَذَا المكان.
كَمْ مَرّة انْتَحَلَ أسماءنا
كم مرّة نال من بصماتنا
وَكَمْ حَوْلَهُ نَمَتْ الأساطِيرُ.

هَذَا المكان
بعضٌ مِنْ بَعْضِي
تَمَرّد مُنْذُ وطأةِ القدمِ الأولى
فَصَارَ يَهْجُونِي،
بِأَنِّي لَسْتُ سوَى قَدَميْن
تَخْشَى عُرْيَهَا،
وَتَخْتَبِئُ طِوَالَ النَّهَارٍ
فِي حذاءٍ تنكّرِي.

****

المكانُ في الحقيبةِ

كَانَ عليّ أن افْتَقَدنِي دُفْعَة واحدة
أَوْ أَلُوذَ إلى شيخوخة
تُجِيدُ اختزالِي
قَبْلَ أَنْ أُعْلِنَ الكِبرياء
عَلَى مَسقطِ طُفولَتِي الأولَى.

جَمَعْتُ أثْوَابِي كُلَّهَا
التِّي ارتَدَيْتُهَا،
وَالتِّي اشْتَهَيْتُ التَّفَاخر بِهَا
أمَامَ تَوْأَمِي فِي المِرِآةِ .

ظَنَنْتُ أَنِّي
ظَفَرْتُ بِأَحْذِيَةٍ
تَسِير بي إلَى الخَيَال.

وَلَمَّا فَتَحْتُ الحَقِيبة
وَجَدْتُ المَكَان الأوّل
مُتَكَوِّمًا كمَا الدّائرة التِّي أَسْكُنها
مُرْتَدِيًا غِطَائِي الصُّوفِي
يَشْدُو بِأَنْبِيَاء السَّفر
وَيَسْكُبُ فِي رُوحِي العِطْرَ
خَمرة تُذْهَبُ عَنِّي حَنِينِي
وَتُصِيبُ عَصَاي بِالحُمَّى.
بَيْتُ الاسْتِحْمَام المُفضّلِ
كَأَيّ امرأة بيتُها قريبٌ مِنَ البَحْرِ
أَخَذْتُ جَسَدِي
وذهبتُ إلَى الشَّاطِئِ
أَنْوِي الاغْتِسَال.
كَانَ الماءُ دَافِئًا
نَقِيّا
أزْرَقًا كَمَا الفَيْرُوز.

بَقََيْتُ تِسْعًا
أَفْرُكُ أَطْرَافِي وأفكَارِي
قَضيْتُ أربعينًا
تَحْتَ الشّمسِ أتَجَفَّفُ.
بَعْدَهَا اِرْتدِيْتُنِي قِمَاطًا
وََرَأيتُنِِي أكْثَر نَضَارَة
وأنا أَغْتَسِلُ فِي جَسَدِي المُفَضَّّلِ.

****

الحُجبُ

يَا مَنْ سَلّمْتَنِي ثُوبَ الحقيقة
بَعْدَ أَنْ قطفتَ مِنِّي أزرَارَه.

جَسَدِي يَكْبُركَ كَثِيرًا
وَقَامَتِي نَهْرٌ معتدٌّ بعذوبته.
سَأَغْزُلُ للعراءِ الممتدِّ
مِنْ الفَخْذَيْنِ إلَى القَدَمَيْن
مَا يَكْفِيهِ مِنْ حُجُبٍ.
فلا يليق بحرّةٍ
أن تلبس ثوبا قديمَ الأزْرَارِ.
ورأسُها شجرة
تحطُّ فوقها عصافيرٌ
عَصيّةَ الصَّيد.

****

مَرايَا الغِياب

للغيابِ أكثرُ مِنْ هيئةٍ
ومَا شَاءَ مِنَ الوُجُوه البريئةِ مِنَ الزّئبقِ.

الغيابُ
لاعبٌ ماهرٌ،
لاَ يَسَجِّل فِي مَرْمَانَا
سِوَى هَدف الموت.

****

المَاضِي المُستعمل

لاَ أَطِيقُ الفَنَادق.
لاَ أطيقُ اقتناءَ الثِّياب القديمةِ
وَلاَ رُكُوبَ السَّياراتِ المُستعملة.
َلاَ أُطِيق تَأْجِير شُقّة مَفْروشة.
أَنْبُذُ كثيرًا أزواجَ الآباء والأمهات.
لاَ أُطِيقُ أَنْ أَرِثَ أبِي.
لاَ أُطِيقُ أَنْ يَكُونَ لِي طفلٌ بَعْدَ طِفْلِي البِكْر.

لاَ أُطِيقُ
لأَنِّي لاَ أُطِيقُ الخِيَانَةْ.

****

الحَياةُ الأُولَى

فِي البِلادِ التِّي
تتكاثرُ فوقَ أرضِها الورُودِ.
ويتقلَّصُ عددُ كائناتِهَا،
تَبْكِي أهَالِيهَا فِي مَواسِم الأعْيَاد.
الوُرود تُذْكِرُهم بِالذين مَاتُوا،
وَكَيْفَ عَادَ دَمُ كُلّ واحدٍ، إلَى حياته الأولى،
يَوْمَ كَانَ وَرْدَة !

****

الطّعامُ المُتداولُ

الطّعام الذِي سَنَذُوقُهُ جميعًا
هَُو الموتُ
فَهَلْ سَتَذُوقُ كُلُّ نَفْسِ... الحَياة ؟

سيرة ذاتية

شاعرة تونسية أصدرت ثلاث مجموعات شعرية:

  • أنثى الماء "دار سيراس للنشر والتوزيع، طبعة 1996 (الطبعة الثانية عام 2000). مع العلم أن هذا الديوان قد كتب مقدمته الأديب الأستاذ محمود المسعدي.
  • خجل الياقوت" عن دار شرقيات للنشر والتوزيع بالقاهرة طبعة 1998.
  • يؤنّثني مرّتين" عن دار سيراس للنش والتوزيع، أفريل 2005.
  • ترجمت كل من المجموعة الأولى والثانية إلى اللغة الإيطالية، وصدرت الترجمة عن دار San Marco Dei Guistiniani وهي من دور النشر الكبرى بإيطاليا. قدم الترجمة الإيطالية الشاعر الإيطالي المعروف جوزيبي كونت، وقام بالترجمة المغربي رداد الشراطي.
  • كما ترجمت قصائد متفرقة للشاعرة في كل من اللغات الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والبولندية والتشيكية.
  • أيضا، ترجمت لها نخبة من قصائدها إلى اللغة الفرنسية، وصدرت في انطولوجيا مختزلة تضم عشر شاعرات عربيات، وذلك عن دار نشر في باريس تسمىParis Méditerranée الانطولوجيا من إعداد وتقديم الشاعر والناقد العراقي عبد القادر الجنابي.

حظيت مجموعتها الشعرية الأولى "أنثى الماء" بثلاث أطروحات جامعية، وذلك في كليات بتونس والجزائر:

  • رسالة جامعية حول الألم واللذة في أنثى الماء تم إنجازها في جامعة تيزي
    وزو بالجزائر.
  • رسالة لختم الدروس الجامعية في كلية الآداب العلوم الإنسانية بصفاقس
    عنوانها: قصيدة النثر، "أنثى الماء" أنموذجا.

شاركت في عدة ملتقيات تونسية وعربية وأجنبية نذكر منها:

  • مهرجان القراءة في باريس، أكتوبر 2001.
  • الملتقى المتوسطي بطليطلة 1999.
  • مهرجان فلايينو بإيطاليا.
  • الأيام العربية للأدب والشعر بالجزائر 1999.
  • مهرجان الشعر ببيسكار في إيطاليا.
  • مهرجان مسقط الثقافي سنة 2000.
  • مهرجان الدوحة للثقافة والفنون 2001.
  • مهرجان المحبة باللاذقية في سورية 1999.
  • معرض الكتاب ببيروت 2000.
  • مؤتمر المرأة العربية والإبداع بالقاهرة أكتوبر 2002.
  • مهرجان الشعر بفيسانزايا بإيطاليا، ماي 2003.
  • مهرجان الشعر المتوسط بالرباط جوان 2003.
  • يوم الشعر العربي بمدينة جنوة الإيطالية سبتمبر 2003.
  • مهرجان الشعر العربي الفرنسي بمعهد العالم العربي بباريس مارس 2004.
  • مهرجان صنعاء للشعر العربي أفريل 2004.
  • مهرجان "لودييف" بفرنسا، جويلية 2004.
  • معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، أكتوبر 2004.
  • مهرجان الشعر الوطني بالجزائر في أفريل 2005.

تلقت دعوتان للمشاركة في مؤتمرات اليونسكو في الجزائر سنة 1999. أما المشاركة الثانية، فقد كانت في عمان الأردنية ماي 2002، وقدمت الشاعرة آمال موسى بحثا حول التربية على الشعر الحديث في التعليم الثانوي في تونس.
كاتبة في صفحة الرأي التابعة لجريدة الشرق الأوسط الدولية، وذلك منذ قرابة أربع سنوات.
باحثة في مجال علم الاجتماع.
الماجستير في علم الاجتماع حول "المسألة الدينية في الخطاب السياسي البورقيبي".

عنوان الشاعرة : رقم 19 نهج الحبيب شيخ روحه، حي الصحافيين، حي الغزالة
أريانة، تونس.
رقم الهاتف : 688 217 216 00
العنوان الإلكتروني : amelmoussa@yahoo.fr