من يَنهضُ كَلحنِ العزاء
من الرقادِ الشاملِ
من الذاهبُ فجأةَ
إلى بزوغ البحر
في هذا اللَّيل
مستسلماً لعذوبةِ الجسد
لصراخِ الزهرةِ الحيرى
مترهِّفاً لاخضرارِ الذهب الخالص
وهو يرتطمُ في الروح
أنا ما رأيتُ النورَ يهذي
على شاطئ السرّ
أنا ما قصدتُ أن لِعمقيَ الداجي
حدسَ الموتِ صادحاً في الصباح
أخذني هودجُ العزَّةِ من سُكْرةِ الألم
مترئِّفاً بِصمتي
أمْ تمجيداً لي؟!
لكنِّي أتهادى على المروجِ الذاهبة
إلى غموض الشمس
وفي تاجيَ المنتشي يزهو جحيمي
مرتدياً قناعيَ المشكوكَ فيه
متحلِّياً بدمِ الطاووس
أمتدحُ لغزَكَ المُشرِق
يا ملاكَ الأعراس
لم يكنْ سواه...
ذلك المنحدرُ الأنقى
من جبال الشرق
لا يزالُ في وديانِ الصمت
يربِّي الذئاب
بأفخاذِ النساءِ الميتات
من الشبقِ المأساويّ
يا لَلإنسانِ الملعون
بحمّى الذهنِ المائيّ
كم كان تضنيهِ قشعريرةُ الحظِّ الراقص
أيُّ نجمةٍ لم يقامرْ بها
على مائدة الجحيم؟
فكيفَ لا يَربحُ الريحَ القصوى!
نحنُ لا نحتملُ وطأةَ الفراغ
وبعدما نُطلِقُ كلابَ العبث
لتَنهشَ المعاني في ساحةِ المدينة
نُوقِنُ أنَّ الضلالَ سماءٌ
تنتهي إلى مغارةِ السؤال
ما من بحيرةٍ في تخومِ الكلام...
ضبابٌ أضاءَ كأنوثةِ الموت
يخيِّمُ هناك
على نشيد الحانِ اللَّيليّ:
إيه، أيها النديمُ البعيد
يا سيِّدَ النبيذِ العميق
كيفَ، حين ندعوكَ هنا
تجيئُنا كما لا يجيء السُكْر
ولا نعاقرُ غيرَ النبيذِ الحجريّ؟!
هناك
أو هنا بالأحرى
شيءٌ بينَنا
بعيداً عنا
فينا
كمثلِ وشمٍ في جبينِنا منذُ الولادة
كمثلِ فجرٍ لم يكنْ أبداً
كمثلِ فجرٍ به نكون
ويتراءى لنا تعويذةً في تيجانِ الملوك
في أسلحةِ المحاربينَ
في قُبلةِ العاشق
يتراءى لنا عطراً يَنهضُ من جماجمِ الفصول
وطائراً يهذي بعذوبةٍ في منفاه
في أقاصي التاريخ
يتراءى لنا خفيّاً
صارماً
لا يجيءُ حينَ يجيء
كقائدِ الجوقة
وكأنّا نُحسُّ به ونحنُ أحرارٌ
أو في الصمت
أو حينَ نموتُ ربَّما
ونُعيدُ ذاتَهُ كلَّ لحظة
في كلِّ مكان
وعندما نغدو قريباً منهُ
فيهِ
ذاتَهُ
نغدو ذئاباً تَسهرُ في منحدَرِ العصور
حيثُ ترقدُ أشرعةٌ عالية
والرموزُ العظمى
يحاصرُها الدخانُ من كل صَوْب
... إيه، أيها النديمُ البعيد
يا سيِّدَ النبيذِ العميق
كيفَ، حينَ ندعوكَ هنا
تجيئُنا كما لا يجيءُ السُّكْر
ولا نعاقرُ غيرَ النبيذِ الحجريّ؟!
هناك
أو هنا
شيءٌ بينَنا
بعيداً
فينا
كمثلِ عطرٍ يَنهضُ من مقبرةِ العصور
كمثلِ جُرْحٍ في جباهِنا
يُعيدُ ذاتَهُ كلَّ لحظة
في كلِّ مكان...
أيُّها اللِّص...
يا سارقَ النبوءةِ المزخرفةِ بالصَّدَف
من مأدبةِ الرّبان
في النبيذِ الأقصى
كيفَ ضاعتْ في نهرِ الماوراء
حينَ عمَّدتَ الفاتحينَ من كلِّ الأمم!
صادقاً كنتَ في الأكذوبةِ الكبرى...
وذلك الثورُ الفائقُ الجمال
الآتي ممجَّداً من صيدِكَ الظافر
في جذورِ البحر
يطاردُهُ الآنَ عبرَ المدينة
في المنتزهات
الرجالُ الواقعيُّون
وفتياتُ البرلمان
المفسِّرونَ الصارمونَ للسرّ
والشعراءُ المأخوذونَ بالموتِ البطيء
للشِّعْر
وذاتَ يوم...
اليومَ نفسَهُ
عندما تسلَّلتْ من هدوئِكَ الأعظم
الأفعى الأكثرُ شَبَهاً بالكاهنِ البربريّ
مسيَّجةً بالنارِ الخالصة
كالجوهرِ الأخرس
ستَمثلُ بينَ الموتى المزدرِين
أمامَ العرش
غيرِ المنظور
في محكمةِ الآلِهة
أيَّ كتابٍ سأقرأُ الآنَ للعزاء؟
أيَّ رجلٍ يتوجَّهُ على عجلٍ للوصول
سأُوْقِفُ كي أحدِّثَهُ عن شحوبِ الأنثى الرهيب
وعن عصيانٍ سيَحدثُ الآن
في سكونِ الغروب؟
الظلالُ نفسُها...
أسرابٌ من الأفاعي
واليماماتِ الواهنة
تحطُّ على سطحِ البيت
الشبيهِ هكذا
بالكآبة
وهذه المقبرةُ الهائلة
التي يَحملُ المرمرُ العالي
اسمَها المقدَّس
ـ الأرض...
أطلقتْ كلَّ عفاريتِها المدجَّجةِ بالأسلحةِ الرهيبة
ضدَّ جنونيَ المرصَّع بالنجوم
وأنا المستسلِمُ
كما في هذه اللَّيلةِ الأليفة
بينَ أوراقيَ الأكثرِ اتِّساعاً
يأخذُني الحِبْرُ الطافحُ بالنشوة
والإيقاعِ الأكيد
كياني فائضُ الحساسيّةِ كلُّهُ
وآخذٌ في الرعب
إثرَ الحضورِ المفاجئ
لغموضٍ متأكِّدٍ وقديم
لا سبيلَ إلى كنهِهِ
يتفتَّحُ في عميقِ الظلال
بحركةٍ من جدواه
مليئةٍ بالغياب
أيَّتُها الصورةُ البرَّاقة
يا ساحرةً لا تَرحم
يا واهبةَ الغبطةِ بِرأفتِها الماجنة...
بينَكِ وبيني
هذا الطائرُ الكبير
الذي يرفرفُ بِخفَّةِ عَظَمَتي وقوَّةِ غنائي
والذي يُقالُ عنه الفراغ
... ميتاً سائراً إلى قارَّةِ الملح
ماسَّةً من الشمسِ قادحةً شَرَراً
منسحِقاً موجاً
متسلِّقاً هياكلَ البرونز فوقَ المدن
مارداً مُشعِلاً المعبدَ الغائبَ بالأجراس
حيّاً كَقبرٍ يحاولُ الحياة...
وأنتَ، يا حفَّارَ القبور
يا من اكتنفَهُ جوهرُ الأشياء
ألمْ تلتقِ كاهناً
أقْبَلَ من غابرِ الأحقاب
بِوَعْيِهِ الصافي
كما لو يغدو الألمُ فجراً...؟
إذْ يَخرُجُ من أفكارِهِ
يرتسمُ شهاباً في الظلامِ المخيِّمِ على القبور
وذاتُهُ تأتلِقُ مثلَ رحيقٍ يرتعشُ في الجفاف
للمَرَّةِ الأولى وإلى الأبد
أدْرَكَ أنَّه لا يزالُ يَرغب
وأنَّه قادرٌ على الدوام
في الصمتِ المقدور
كي يغنِّيه...
في مملكةِ القهر
حيثُ أزْهَرَ ندمي التقيتُه
كان طيراً ناصعَ الزرقةِ من صدأ السيوف
يحلِّقُ هناك
فوقَ الضفَّةِ الثانية
من كُتُبِ العهود
ناداني أنْ تركتُ شكوكي
شموعاً تَذوبُ في أوثانِ ضوء
تَثقبُها العاصفة
على ضفافِ النهرِ الجليديّ
ناداني إليه...
سلامي لرعاةِ القطعان
هلِ الرأفةُ في قلوبِهم قدْ أزْهَرَتْ
أمْ هل عادَ أحدٌ من القبور
لكي يُخبِرَ العالَمَ الشقيَّ صِدْقَ مهمَّتي؟
فما عدتُ أَرغَبُ أنْ أدري
كلُّ ذلك لفَّهُ النسيان
مائيٌّ هو ذا كياني
وساعةُ الدَّمِ، هناك، عند أبراجِ الألق
تخاصِمُني مياهُ الزمن
فتَعصِفُ الأجسامُ مصابيحَ في الماء
ممتزِجاً بالحلم
يتحلَّلُ ذهبُ المعرفةِ الناصعُ اللمعان
في مأتمِ الآلِهة
ذوي الجسدِ البديهيِّ والفريد
أينَ من العالَمِ خفقانُ الذَّات؟!
والسهمُ المتوَّجُ بالعيونِ المنشدِهة
يَفرضُ بقوَّةٍ تفجيرَهُ الأبديّ
لمنابعِ الماء
وأنتَ، أيُّها الملاكُ العنيدُ عنادَ الثيران
أما زلتَ مفتوناً
يلفُّكَ الغياب
قائماً بذاتِهِ
ومُضْفياً عليكَ نُبْلَ الحياة؟
وَهْلَةٌ أولى هي لغتي
لأوجِ الزهرةِ المُلحِدةِ غيرِ الناجز
وهي تُفتِّحُ أسرارَها
في عدميّةِ الماءِ الأخَّاذ
ما كنتُ إلا الآخَر
إيقاعيّاً كلُّه
كما المركبُ الزجاجيُّ على البحر...
وفي الهدوء
الهدوءِ الذي فيه التكهُّنُ يغدو وعياً
ببساطةٍ خالصة
ألمي فاكهةٌ تلذُّ عند حفيفِ الماء
ما كنتُ إلا الآخَر
في الأزليِّ لغزاً كان لا حدودَ لسطوتِه
وتألُّقَ اللِّذَّةِ في اللحظةِ الهاربة
وعزاءً عذباً بعَظَمَةِ البيان
لِما سيأتي...
هذه السنابلُ حلمٌ مقدَّسٌ
كنتِ تنسجينَهُ بخبثٍ مريع
نعمتُكِ المستردَّة
من فردوسِكِ المفقود
أيَّتُها الخادمة
حارسُكِ الوفيُّ لمباهِجِ المخدع
لها لونُ بشرتِنا وطعمُ العذاب
أنتِ الرأسُ المتدلِّي من شبَّاكِنا العالي
يا لهولِ التحوُّلِ
تقرعينَ ناقوسَ الفيضان
خلفَ جماجِمنا الفائقةِ البروز
كَحزنِ البغال...
ها نحنُ نكونُ الآنَ كما لم نكنْ
سلِّمينا الأمانةَ الْخبَّأْتِها لأجلِنا
في قصرِ أبيكِ الشامخِ بينَ الحرَّاسِ الصارمين
أيَّتُها العرّافة
يا لؤلؤةً تَصدحُ في الزَّبَد...
كنتِ تَعلمينَ حدوثَ المُعجِزة العظمى
حينَ تتحلَّلُ الأشياءُ المفضَّلة
تحتَ أجراسِ الرحيل
ويَهبطُ الفجرُ الأمثلُ
على هضابِ صدورِنا المتدرِّجة
إلى تاجِكِ التامِّ الاكتمال
يا ثمرةً متأزِّمةً لموسمِ اللحظة
عندما تحيكينَ لنا موتاً
أمكيدةً كنتِ تأملينَ لخدعةِ الزمان
أمْ حبُّنا لكِ قدْ أَضرَمَ فينا شعلةَ الفناء
حتى تبدَّى لنا شخصُكِ تلك الزهرةَ الأزليّة؟
هل اغتصابُكِ أعراسُنا
أيتها الكاذبة
يا عروسَ الخلود
يا عقرباً يفيضُ بالرحمة
يا لونَ العذابِ الزاهي؟
لكِ أمجادُنا
لكِ جميعُ أسرَّتِنا الشامخة
كصرخةِ امرأةٍ في سكونِ اللَّيل
أشرعتُنا لكِ والبحارُ والغنيمةُ الكبرى
سنَنصبُ لكِ هياكلَ الذهب في ساحات المدينة
سنَحرقُ لكِ أقنعتَنا والبخور
لكِ مَذْبَحُنا عند أعالي النَّهار...
أيتها الممجَّدة
الأكثرُ سخطاً بالقرابين
إنها الدورةُ الأبديّةُ لِرحمِكِ الأكثرِ طغياناً
ضحاياها نحنُ في حضورِنا العابثِ والثقيل
كذلك يخطفُنا حَتْمُ الاحتدامِ في اللذةِ الغائمة
على حين غرّة
في لحظةٍ تَرسمُ دوائرَ من الكينونةِ
أَرْحَبَ فأَرحَب...
حيثُ الساقُ تَسبحُ في الهواء
على بُعْدٍ عن الساق
والقهرُ يَلِجُ بتشكُّكٍ عظيم
في الغيابِ الجميل
انهضي بهالةِ مائِنا في رياحِكِ القادمة
يا واهبةَ البيان
الموهوبةَ بآفةِ الخرس
وامنحينا خاتَمَ الزواج
ضعي في أصابعِنا الأكثرِ موهبةً
بتحريكِ أحجارٍ على رقعة السرّ
خاتَمَكِ المصنوعَ من ذهبِ القُبلة
أيتها الزوجةُ الأكيدة
يا إشراقةَ الصمت
يا لغزَ الكلام