(ترجمة جديدة لشذرات الشاعرة الإغريقية سافو)

أحمد مرسي
(نيويورك)

أحمد مرسيآن كارسون شاعرة كندية، والأرجح أنها الشاعرة الكندية المعاصرة الوحيدة التي حفرت اسمها بين أهم الشعراء الأميركيين المعاصرين. ولا أعرف لماذا لم أكتب عنها حتى الآن، رغم متابعتي الوثيقة، على الأقل خلال السنوات الخمس الأخيرة، لمجموعتها المتوالية، واهتمام النقاد الأميركيين بكتبها الأخيرة وخاصة "الرجال من غير ساعات العمل" و"جمال الزوج".
ويبدو أني كنت أتطلع إلى توافر مناخ نفسي معيّن للكتابة عن هذه الشاعرة، ولكن ظروفي واهتماماتي الآنية الملحة، وعدم توافر الحاجة المزاجية التي يتطلبها سبر أي شاعر متفرد، فيما أعتقد، حالت دون تحقيق هذه الرغبة.

ولذلك، لا أتحدث عن آن كارسون كشاعرة ولكن كمترجمة تتصدى لتقديم ترجمة جديدة، وخاصة أيضاً، لشاعرة أخرى، الشاعرة اليونانية سافو. وعسى أن تقودني هذه الخطوة إلى تقديم الشاعرة كارسون فيما بعد.
كانت سافو موسيقية. وشعرها غنائي، أي كُتب لكي يغنى لآلة القيثارة. وهي تخاطب قيثارتها في إحدى قصائدها:
"بلى! أيتها القيثارة المشعة تحدثي إلي
صيري صوتاً".

هذان السطران هما كل القصيدة، وربما ما تبقى من القصيدة. وهي تذكر بصورة متكررة الموسيقى، والأغنيات والغناء. وقد رسمها رسامو المزهريات القديمة مع قيثارتها. وقد نسب إليها الكتّاب فيما بعد ثلاثة اختراعات موسيقية: "البليكترون" وهي أداة للعزف على القيثارة، والـ"بكتيس"، وهي نوع خاص من القيثارات، والشكل أو الأسلوب المكسوليدياني، وهو شكل عاطفي كان يستعمله أيضاً الشعراء الدراميون الذين تعلموه من سافو وللأسف، فقدت جميع أعمال سافو الموسيقية.

وسافو شاعرة أيضاً. ويوجد بالمتحف الوطني اليوناني في أثينا لوحة تصوّر سافو، معرّفة بالاسم، وهي تقرأ من بردية. وتقول آن كارسون في مقدمة كتابها "إذا لم يكن، شتاء... شذرات من سافو"، من المرجح أن كلمات أغانيها قد كتبت أثناء أو بعد وفاتها مباشرة ووجدت من لفائف من البردى في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد. وقد كتب النص على بردية في أعمدة، بدون تقسيم للكلمات، أو فواصل أو تخطيط. وتعترف المترجمة بصعوبة قراءة مثل هذا النص حتى إذا كان قد وصلنا في شكله الكامل، على عكس معظم البرديات. ومن بين التسعة كتب من القصائد الغنائية، التي يقال أن سافو كتبتها، لم تتبق غير قصيدة كاملة واحدة، وباقي القصائد أجزاء وشذرات من قصائد.

لقد عاشت سافو في مدينة ميتيلين بجزيرة ليسبوس منذ نحو سنة قبل الميلاد، ولا يعرف متى توفيت. ويذكر أنها نفيت إلى صقلية، فيما بين و قبل الميلاد، في كتابات قديمة ولكن لا يذكر سبب النفي. كما تذكر المصادر البيوغرافية أماً، وأباً، وابنة، وزوجاً وثلاثة أشقاء لسافو. ويبدو أنها قد وهبت حياتها لتأليف أغنياتها التي جمعها الأكاديميون في الاسكندرية في تسعة كتب، ومن بينها الكتاب الأول الذي تضمن وحده بيتاً من الشعر. وقد فقد معظم هذا الشعر. وقد حفر وجهها على عملة مدينة ميتيلين، وأطلق عليها الشعراء الهيلينيون "الملهمة العاشرة" أو "الملهمة الفانية". ويلخص الرأي القديم السائد من عملها في إشارة لسترابو:

سافو شيء مدهش. لأننا لا نعرف
في كل التاريخ المسجل امرأة واحدة
يمكن حتى أن تقترب من منافستها
من رهافة شعرها.

وقد اختلف الباحثون حول أخلاقياتها الشخصية وأسلوبها في الحياة. ويبدو أنها قد عرفت وأحبت نساء بعمق حبها للموسيقى.
يقول الكايوس "إن سافو كانت ذات شعر بنفسجي نقية وذات بسمة كعسل النحل". ويقال إنها تزوجت من رجل ثري، سيركياليس، وربما كانت تشرف على إدارة "ثياسوس"، أو مدرسة لتعليم وتأهيل الفتيات. وقد وهبت نفسها لأفروديت، وإيروس، وإلهات الفنون والشعر التسع.

وقد اعتمدت آن كارسون على نص كتاب "سافو والكايوس" شذرات Sappho et Alcaeus، والكايوس هو شاعر غنائي آخر عاش في جزيرة ليسبوس في القرن السابع قبل الميلاد، والكتاب، الذي صدر في أمستردام عام ، من تحقيق إيا ـ ماريا ويت. والنصوص، كما يدل عنوان الكتاب، غير كاملة بالقطع، وهي في معظم الحالات لا تزيد عن كلمات متناثرة، فضلاً عن استحالة قراءة كلمات كثيرة في النص الأصلي. وقد حاولت المترجمة في نصها المترجم أن تنقل كل ما يمكن قراءته في كل قصيدة بلغة واضحة ومتيسرة بقدر الامكان، مستخدمة حيثما أمكن نفس ترتيب الكلمات والأفكار كما فعلت سافو، مفترضة أنها كلما ابتعدت، يتأكد وجود سافو. وهو ما تسميه بـ(شفافية الذات) التي يعمل في إطارها معظم المترجمين.

وتقسّم آن كارسون شذرات سافو إلى نوعين: القصائد التي حفظت في لفائف البردى، والقصائد الأخرى الواردة في كتب مؤلفين قدامى. وقد استخدمت أثناء ترجمة نصوص منقولة عن برديات معقفاً مفرداً (كدلالة على وجود إسقاط أو) للاشارة إلى تلف بالبردية أو أن الأحرف الموجودة لا يمكن قراءتها في مكان ما ببيت الشعر. ومع ذلك، لم تضع هذه الاشارات في مكان أية ثغرة أو كلمة غير مقروءة خشية أن تبدو الصفحة كعاصفة من الاشارات وتُثنى عن القراءة. (فالمعقفات هي إشارة استيطيقية نحو حدث بابيرولوجي أكثر منها تسجيلاً دقيقاً له". فهي لم تستخدم المعقفات في ترجمة المقاطع، الجمل والكلمات التي يعتمد وجودها على استشهاد مؤلفين قدماء، حيث إنها غير كاملة عن عمد. وهي تؤكد على الفارق بين المعقفات واللامعقفات لأنها سوف تؤثر على تجربة قراءة القارئ، إذا سمح بذلك. فالمعقفات، في رأيها، مثيرة. وتخاطب القارئ... (حتى برغم أنك تتعامل مع ترجمة لشعر سافو، فلا يعني ذلك أنه ينبغي أن تفقد دراما محاولة قراءة بردية ممزقة إلى نصفين أو غشتها الثقوب أو أنها أصغر حجماً من طابع بريد ـ فالمعقفات توحي بفضاء مغامرة تخيلية".

وتنتقد المترجمة الصمت الذي يحيط بشذرات سافو التي استشهد بها شارحون، ولغويون، وعلماء عروض وغيرهم من المؤلفين القدماء، الذين كانوا لا يريدون أكثر من شذرة لتزيين فكرة خاصة بهم ولإيراد مثل بدون سياق. وعلى سبيل المثال، يستشهد اللغوي أولونيوس ديسكولوس ـ القرن الثاني بعد الميلاد ـ والذي كتب دراسة "عن التزامن" أراد أن يوضح فيها هجاء أداة الاستفهام في لهجات اللغة اليونانية المختلفة القديمة، بهذا البيت من سافو:

هل لا أزال أتوق إلى عذريتي؟
وتتساءل كارسون: عذرية مَنْ؟ كان من المستحسن أن نعرف ما إذا كان هذا السؤال يأتي من أغنية زفاف (ومن ثم كان تشخيصاً لصوت العروس) أو أنه ليس من أغنية زفاف (ومن ثم يحتمل أن يكون ملاحظة شخصية من سافو). لكن أولونيوس ديسكولوس لا يعنى بهذه الأمور، أو فيلسوف القرن الثالث قبل الميلاد خريسيبوس الذي تتضمن أطروحته عن "أدوات النفي" هذا النفي من سافو:
ليس هناك فتاة واحدة في ما أعتقد تتطلع في ضوء الشمس سوف تملك حكمة مثل هذي.

وتسأل المترجمة من جديد... حكمة مثل ماذا؟ ومن تكون هذه الفتاة؟ ولماذا تقرظها سافو؟ إن خريسيبوس لا يعنى بأي شيء فيما عدا تعاقب الظروف السالبة في نص سافو.
وفي ما يتعلق بمدى حرفية أو لاحرفية ترجمتها لنصوص سافو غير المكتملة في معظم الحالات تستند آن كارسون إلى مبدأ يسميه والتر بنجامين "النية نحو لغة النص الأصلي. إذ يقول: "إن مهمة المترجم تتمثل في إيجاد ذلك الأثر المراد في اللغة التي يترجم إليها والذي يفرز فيها صدى الأصل... وعلى عكس الأدب، لا تجد الترجمة نفسها في محور غابة اللغة ولكن في خارجها، وهي تراودها بدون دخول، مستهدفة تلك البقعة الوحيدة حيث يستطيع الصدى أن يعطي في لغته الخاصة، ذبذبات العمل (المترجم) في اللغة الأجنبية".
وبرغم أن الكتاب يقع في صفحة، ففي الوسع، باستثناء المقدمة والملاحظات التي تضمنت شروحاً وتعريفات بأماكن وشخصيات لها علاقة بالنص، والأصل اليوناني المقابل للترجمة الانكليزية، أن ينشر في كليته كنص مترجم في مجلة مثل "هاربرز" مثلاً، أو حتى "ذي نيويوركر" التي تنشر من وقت إلى آخر نصوص كتب كاملة.
وفي ما يلي ترجمة لأطول، وربما أكمل قصيدة لسافو، ونماذج من الشذرات، والتي لا تحمل أي منها أي عنوان فيما عدا رقم الصفحة:

أفروديت الأبدية ذات العقل المتلألئ،
يا بنت زيوس، التي تفتل الشراك. أتوسل إليك
ألا تحطمي قلبي بآلام مبرحة
أيتها السيدة

لكن تعالي هنا إن كان
صوتي قد تناهى إليك
من قبل على الاطلاق من بعيد
وبرج الانصات بيت
أبيك ثم أتيتِ.

مسرجة عربتك. وقد جلبت الطيور البديعة لك،
عصافير صغيرة عبر الأرض السوداء
ضاربة بأجنحتها أديم السماء
عبر الأثير ـ
وصلت. لكن الابتسامة، أيتها المباركة،
ارتسمت على محياك الأبدي
وسألت (الآن مرة أخرى) ما الذي عانيته ولماذا
(الآن مرة أخرى) أستنجد

وما الذي أود أن يحدث أكثر من أي شيء آخر
في أعماق قلبي المجنون. من الذي ينبغي أن أقنعه (الآن مرة أخرى)

لكي يقود عودتك إلى حبها؟ آه
سافو، من ذا الذي يخطئك؟

ذلك لأنها إذا لاذت بالفرار، سرعان ما سوف تفقد الأثر.
فإذا كانت قد رفضت الهدايا، فذلك لأنها تفضل أن تقدمها،
وإذا كانت لا تعشق، فعما قريب سوف تعشق
حتى إذا لم تكن تقصد ذلك

تعالي لي الآن: خلّصيني من
العناية الصعبة ومن كل ما يصبو قلبي
إلى تحقيقه. كوني
حليفتي.

شذرات
فالرجل الجميل جميل أن تراه
لكن الرجل الطيب سوف يكون جميلاً في الحال.

لا يمكن أن أفكر في أن ألمس السماء بيدين.

لا أدري ماذا أفعل
إذ تتملكني حالتان نهنيتان.

إيروس رج عقلي
مثل رياح جبلية تسقط على أشجار السنديان.

جاء من السماء مدثراً بعباءة قرمزية

أتيت وكنت مولهة بك
وأطفأت عقلي الذي أحرقه الحنين.

المستقبل- 10 -2-2012