ترجمة وتقديم
فوزي محيدلي

سعدية مفرح لطالما رُشّح زاو زينكاي، الذي اتخذ لنفسه اسم باي داو، لجائزة نوبل في السنوات الأخيرة. وباي داو معناها "الجزيرة الشمالية" إشارة الى دياره وإلى عزلته أيضاً. وهو يتمتع عالمياً بشهرة واسعة أكثر من الروائي الصيني مو يان الذي حاز نوبل للآداب أخيراً.

شكّلت أعمال "الشعراء الضبابيين" وبالأخص باي داو نفحة إلهام للحراكات الداعمة للديموقراطية في البحر الصيني. والقصيدة الأكثر جذباً على هذا الصعيد هي "الجواب" الذي كتب خلال تظاهرات تيانانمين الأولى عام 1976 التي شارك فيها. ولم تلبث هذه القصيدة أن غدت نشيداً للحركة المؤيدة للديموقراطية وظهرت على ملصقات خلال احتجاجات ساحة تيانانمين لعام 1989، والتي كان يومها باي داو يحضر مؤتمراً أدبياً في برلين ولم يسمح له بالعودة الى الصين حتى العام 2006.

يقول البيت الأكثر سطوعاً بل رنيناً في قصيدة "الجواب": "دعني أخبرك، أيها العالم/ أنني لا أصدق!" وانتهت القصيدة على النحو الآتي: "مجموعة من النجوم الضامة والوامضة

تزين السماء السالكة الآن، هي صور منحدرة من خمسة آلاف سنة إنها العيون الساهرة للأجيال القادمة".

ثمة مراقبة شديدة وتجربة قاسية خلف "ضبابيته". فيتحدر باي داو من عائلة أرستقراطية، وقد تعلم في أفضل مدارس الصين الى أن أُغلقت تلك المدارس عام 1966 خلال الثورة الثقافية. أرسل يومها الى الريف حيث أمضى 11 سنة يشتغل كحداد وعامل لمزج الإسمنت، وقد أكسبته تجارب كهذه شعوراً مرهفاً تجاه المظاهر المختلفة للحياة الصينية.

تشديد على الفردية والمخيلة

بالكاد اتسم عمل باي داو بنكهة سياسية ظاهرة، لكن كما يكتب مترجم أحد دواوينه "وردة الزمان" إليوت وينبرغر أن "تشديد شعره على المشاعر الفردية وعلى المخيلة ذاتها اعتبر أمراً مدمراً بل منفراً في مجتمع اتسم يومها بالشمولية". وضمن السياق نفسه البعيد عن الشعر السياسي كتب مترجم آخر في مقدمة ديوانه "حافة السماء" "خلال رسمه كأيقونة من قبل الآخرين على جدار الديموقراطية وكصوت لجيل معين خلال أحداث ساحة تيانانمين عام 1989، ومحكوماً كذلك بالنفي، مع ذلك اتبع باي داو درباً من المقاومة يتجنب فيه البلاغة السياسية العلنية مع المحافظة في الوقت نفسه على إيمانه.. المشبوب بالإصلاح الاجتماعي وبحرية المخيلة المبدعة".

تتميز قصيدة باي داو بأنها مكثفة، على قدر من الأناقة، وبالانطباعية حتى لو داخلها الغموض و"الضبابية". كما وتميّزت بعض قصائده الجديدة باندفاعة وانسيابية الحلم.

تتركز مواضيع باي داو حول أرض الأجداد، الحضارة، التاريخ. وحين يترك هذه ييمم صوب المواضيع الثابتة لمخيلته الشعرية. يعمل هذا الشاعر على التعبير عن عاطفته الممسوكة، بل المسيطر عليها، من خلال جمل بسيطة التركيب، لكن مع انتقاء لمفردة غير عادية من حيث خياليتها. قد يبدو من الصعب أحياناً تحديد المعاني الدقيقة لقصائده، لكن الجمال الكلي بل الإجمالي لإلماحاته هو ما يمس الفؤاد ويؤثر فيه. وكما قد يوصيك الشاعر نفسه، حاول ألا تقرأ قصائده على أنها نظمت من قبل منشق أو من قبل أعظم شعراء الصين، لكن على أنها كتبت من قبل شاعر وكفى، بل من قبل فنان اللغة.

مقتطف من حوار

لمزيد من إلقاء الضوء على عمل باي داو نقتطف أجزاءً من مقابلة صحافية أُجريت معه في الولايات المتحدة.

[ لماذا برأيك نُظر الى شعرك على أنه مهدد للسلطات. هل بسبب رسالته، شكله، أو لوروده ضمن مجلة (تحمل اسم "اليوم" أصدرها الشاعر مع صديقه مانغ كي) غير معترف بها رسمياً؟ ـ الخطر الأكبر كان مسألة اللغة. كُتب شعرنا بلغة بما يمكن تسميته "لغة جديدة" التي اختلفت كثيراً عن اللغة الرسمية التي اعتادها الناس. هذا ما جعل الناس ينجذبون إليها. بدأت الجامعات في طول البلاد وعرضها تنخرط أكثر فأكثر في الاهتمام بالشعر، منظمة نواد للشعر، وذلك لحماستها لاستعمال لغة جديدة. وشكل هذا تحدياً خرّب اللغة الرسمية، التي كانت الشكل المسيطر في الشعر وفي كل شيء آخر لسنوات عدة. يعزى سبب تقليد العديد من الشبان للغتنا أنها أعطتهم درباً للتعبير عن أنفسهم بطريقة لا تشبه الخطاب الرسمي السائد. بدا أمراً غير عادي تحول الكثير من الناس لكتابة الشعر.

[ وصف شعرك بأنه ذاتي ويعبر عن الأفكار والانطباعات الحميمة للفرد. وميزته الذاتية هذه نظر اليها على انها توكيدية لحقوق الفرد لعيش تجربته الخاصة للعالم. هل ترى ذلك تقييماً دقيقاً؟ هل اعتبر ذلك منجزاً سياسياً؟

ـ هذا ما كانه السياق العام. ضمن ظروف ذاك الزمن، شكل هذا ما هاجمته السلطات. انتقدنا لكوننا ذاتيين، لكن هذا الأمر هو الأكثر طبيعية للشعر ليكون من خلاله تعبيراً عن ذات الفرد. الهجوم علينا جعلنا معروفين اكثر، لفتنا الانتباه لكوننا تعرضنا للانتقاد، معظم الجدال والمحاججة حول الشعر كان سياسياً بالخالص. لم يتطرق النقاش الى مستوى الشعر ذاته/ لم يكن النقاد يناقشون الشعر بل يهاجمونه لأسباب سياسية. أحد الانتقادات الشائعة انه تأثر بالغرب ويعبر عن افكار بوجوازية بامتياز.

[ لماذا ربطت السلطات عملك بالحركة الديموقراطية؟

ـ من الصعب معرفة ما كان يجول في ذهنهم. لكن جزءاً من ذلك يعود ربما لرؤية السلطات استمرارية بين حركة الجدار والديموقراطية لعام 1878، حين اطلقنا مجلة "اليوم" وبين احداث 1989 أذكر ان بعض قصائدي دارت بين الطلاب خلال حركة 1989 الديموقراطية، ولربما كان لهذا ايضا دوره. الى ذلك كنت قبل اشهر قلائل قد وقعت رسالة مفتوحة تطالب باطلاق المعتقلين السياسيين في الصين. وقع على الرسالة 33 شخصا لكني كنت الشخص الذي بدأ مشروع الرسالة. العديد ممن وقعوا الرسالة معي كانوا يحتلون مراكز رفيعة. كان في هذه المجموعة بعض المفكرين المعروفين كثيراً، كما بعض الناس الذين يشغلون مراكز رسمية مهمة. لذا هزت الرسالة الأمور.

[ واحد من الطلبة المشاركين في حركة 1989 حدد عملك الشعري كعنصر لقراره الانخراط في النشاطات الثورية؟ كيف تتفاعل مع هذا؟

ـ لا أعرف هذا الطالب، لكني أعتقد انه قال هذا بسبب الضغط العالي الذي رزح تحته الوضع في الصين يومها، اصبح الشعر كمنفذ شخصي للعديد من الناس، لذا من المفهوم نظرتهم الى شعري كبديل او خيار. لكن لا أحبذ النظر الى شعري بتلك الطريقة، كصوت شمولي.

****

منتخبات من شعره

[الشتاء العابر ... ما يسرقه الريح هو الريح الشتاء مع نقص في كمية الثلج هو أكبر من استعارته المشتاق الى الوطن اشبه بملك فقد بلاده ابحث اذن عما ضاع الى الأبد.

المحيط ينوح على كل الأحياء النجوم تتبادل الأدوار في إضاءة الحب من هو الشاهد على كامل المشهد الذي يقود نهراً بعيداً عن الابواق النحاسية وعن شغب أحد البساتين؟

[هل سمعت يا حبيبتي دعينا نهرب سوياً ممسكين واحدنا بيد الآخر ونمارس السبات مع الكلمات في اعادة حياكة الزمن تتبقى بعض العقد أو لربما قصيدة غير منجزة بالكامل توزيع الصحف من يؤمن بالقناع النائح؟ من يؤمن بالأمة النائحة؟ فقدت الأمة ذاكرتها والذاكرة مداها لا يتخطى هذا الصباح

ينطلق صبي الصحف صباحاً يغشى اجواء كل المدينة صوت بوق كئيب هل هو نذير شؤمك ام شؤمي؟ خضروات مع أعصاب ضعيفة فلاحون يزرعون أيديهم في الارض ملهوفين على ذهب حصاد وفير سياسيون يرشون الفلفل فوق ألسنتهم ومنصة لقضبان التأديب وسط مناظرة: أيضحون بأنفسهم من أجل الفن، أو من أجل الابواب المهمة؟

هذا الصباح الشعبي خلقه صبي توزيع الصحف وفيما الثورة تلف الزوايا يخر هو نائماً. أغنية الصباح الكلام هو السم داخل الأغنية

على الدرب الليلية للأغنية لصفارات انذار الشرطة طعم الشراب المتخلف لدى السائرين في نومهم

لدى الصحو، ثمة صداع مثل مكبرات الصوت المخترقة للشباك والمنطلقة من الصمت الى الهدير

متعلماً تبديد الحياة أحوم داخل صيحات الطيور دون ان افتح فمي بصيحة

حين تكون العواصف امتلأت بوقودها تخطف اشعة الشمس الرسالة تفرد طياتها ثم ترميها [الصيد ذوت المعلمة منذ زمن طويل مع أن كسرات من دفتر يومياتها لم تزل تؤدي دور حامل الرسائل متتبعاً مسالك عملية التطور المستمرة يقوم كامل الفريق بمطاردة الارنب من ذا الذي سيقوم بسلخه؟

الباب الخلفي يؤدي الى الصيف الممحاة لا يمكنها ان تمحو الأبيات المنقطة المتحولة الى اشعة شمس روح الأرنب تطير واطئة باحثة عن تجسدها التالي

هذه قصة، منذ سالف الأزمان ثقبت أذني احدهم

الذي قام بسرقة لمحة من السماء فيما نحن الذئاب جعلتنا رضاعتنا من مصباح احمر ننمو ونشب [على الدرب الخطأ يسقط جيل كما ستارة المسرح فيما الجيل التالي يصفق

مسيرة الحياة التي عرفتها متخفياً في الأماكن المظلمة بدأت بجذب الانتباه متلمساً الدرب، يعمل النور على كش حياة نصف فارغة الى الخارج ليملأ مكانها بأغنية الكركي

ثمة أحدهم سابحاً بين أمواج المرض وفيما ريح الخريف تتحرى متفحصة الطباع الصغيرة للحيوانات الصغيرة تصل الدرب النوم بالنوم ووسط النور المتوهج الذي هزمك تقف بثبات عند السياج الذي بلا اسم [نحن أرواح تائهة، وأنفس مبعثرة حاملة القناديل لتطارد الربيع

الندب تومض، الكؤوس تدور بعد توالد النور أنظر إلى تلك اللحظة الفاتنة لص يتسلل الى مكتب البريد فتولول الرسائل

يا الأظافر، أواه يا الأظافر الأشعار الغنائية لا تتغير ابداً حطب الوقوف يحتشد مع بعض باحثا عن جمهور يصغي باحثاً عن قلب الشتاء مصب النهر ملاح ينتظر غسقاً بلا حدود

يجب ان يكون هناك من يعيد كتابة الحب [الهدوء والرجفان تقوم بسحب نفسك بنفسك ها قد ولدت ـ يبزغ النور محولاً ليل الورقة

الجنون الذي أطلقته مثابة الهدوء الذي تطلقه الحقيقة الكبرياء يشع وكأن الجراح الداخلية تعتم كل الكلمات

في الإرتجاف السري تتحول تلك الملائكة المرتدية زي مدرسة خاصة الى اسماك تشك في حقيقة البحر

تقرأ الريح حالات النزو محيية الحرير الأزرق دون كلل.