فرناندو بيسوا

ترجمة: اسكندر حبش
(لبنان)

تصدر قريبا، عن «منشورات الجمل»، الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر ألفارو دو كامبوش (نقلها إلى العربية الزميل اسكندر حبش)، وهو أحد الأسماء البديلة التي كتب بها شاعر البرتغال الكبير فرناندو بيسوا. فمن بين «بدلاء» فرناندو بيسوا الثلاثة الكبار، ألبرتو كايرو وريكاردو رييش وألفارو دو كامبوش، يبدو هذا الأخير ـ وبشكل متناقض ـ الأكثر اختلافا عن «خالقه» كما الأكثر قرباً منه. إذ انه منفتح إلى الخارج وحتى أنه «استعرائي» مثل بيسوا، كما أيضا منغلق على نفسه وطهراني، في الوقت عينه. من هنا، لا يشذ عنه في التعبير ـ برعب ومزاح وحنان ـ عن أحاسيس الشاعر الأساسية، التي هي وقبل أي شيء آخر هذه الرغبة اللانهائية، التي لا يستطيع أحد أن يرضيها مطلقا.
تقع أعمال ألفارو دو كامبوش في ثلاثة أقسام، يتضمن الأول، الذي يحمل عنوان «مصاب بالحمى وأكتب» الأناشيد الستة الكبيرة التي كتبها بين عامي 1914 و.1916 أما القسم الثاني فحمل عنوان الأرض صغيرة جدا وتتضمن القصائد التي كتبها بين عامي 1913 و,1928 أما الثالث فهو بعنوان «كل شيء قاحل» وفيه القصائد التي كتبت بين عامي 1923 و1935 والسنة الأخيرة هي عام وفاة فرناندو بيسوا فوق سريره في إحدى مستشفيات لشبونة.

القصائد المترجمة هنا هي من القسم الثاني

I

حين أنظر إليّ، لا أفهمني.
لكثرة ما تتملكني عادة الإحساس
أتوه أحيانا عندما أفارق
الأحاسيس التي أشعر بها.

الهواء الذي أتنشقه، هذا الخمر الذي أشربه
هما حصتي من الوجود،
ولا أعرف أبدا إلا بأن أستنتج
مشاعر أدركها رغما عني.

لم ألحظ مطلقا، بجد،
إن كنت أشعر حقا بما أحس به. هل أكون،
أنا، كشكلي الذي بداخلي؟ هل أكون

مثلما أظنني عليه في الواقع؟
حتى أمام أحاسيسي، أبدو قليل الإيمان
حتى أني لا أدرك إن كنت أنا نفسي من يشعر
في داخلي.

II

ساحة فيغيريا، صباحا،
حين النهار في الشمس (كما العادة في لشبونة،
دائما) حين لا ينمحي في داخلي أبدا،
إلا إن كان ذكرى باطلة

ثمة أشياء أكثر أهمية
من هذا المكان المنطقي والعامي،
لكني أحبه... هل أعرف
لمَ أحبه؟ لا أهمية لذلك. لنتخطاه...

لا قيمة لأقاصيص الإحساس هذه
إلا حين لا ننظر إليها أبدا،
وما من واحدة بينها يمكن أن تطمئنني...

مما تبقى، لا شيء في داخلي أكيد أو
بتناغم مع ذاتي. الساعات الجميلة
هي ساعات الآخرين أو تلك، غير الموجودة.

***

إلى فرناندو بيسوا

(بعد قراءة مأساته السكونية «البحّار» التي صدرت في العدد الأول من مجلة «أورفو)

بعد اثنتي عشرة دقيقة
من مأساتك البحار
حيث الأكثر حيوية، الأكثر فطنة،
بدون أن يجدوا ظلّ أقل الأحاسيس،
قد غرقوا في السأم والنعاس،
إحدى النساء المجتمعات
عشيّة الجنازة، أعلنت،
بسحرٍّ فاتر:
«من الأبدي والجمال، لاشيء سوى الحلم،
لمَ ما زلنا نتكلم بعد؟»
حسنا، هذا بالضبط ما كنت
سأقوله إلى هذه النسوة...

منزل أبيض، سرّاعة (٭) سوداء

أتبختر في مقعدي الوثير، تأخر الوقت، نفذ الصيف
خدَرٌ يجتاح دماغي، لا أحلم ولا أفكر...
خدري في هذه الساعة لا يعرف أي غدٍ...
البارحة كان حُلُما حَلُم به واحد من أجلي...
جانب كامل من وعيي كان جامدا...
مصراعا النافذة بقيتا مغلقتين في ما بعد الظهيرة هذه
برغم أن النافذة كبيرة ومفتوحة...
أُسرّبُ بخفاء فوضى أحاسيسي،
والذي يُبقي شخصيتي في مكانها يظل ما بين جسدي وروحي...

كم سيبدو جيدا لو أن
هناك حالة ثالثة للروح، فيما لو أن لها حالتين...
حالة رابعة للروح، لو كان لها حقا حالة ثالثة...
استحالة كلّ ما أنجح في حلمه
يضايقني في ما وراء وعيي بالأحاسيس...

تلاحق السرّاعات
رحلتها في أيام خفيّة لا أعرفها،
والطريق الذي عليها أن تتبعه، مكتوب في الإيقاعات
الإيقاعات التائهة لأغاني البَحّار المتخيل الميتة...

أشجار خماسية ثابتة، مرئية من النافذة،
أشجار غريبة بشكل يتخطى وعيي في رؤيتها،
أشجار متشابهة كلها وهي ليست سواي، أنا الذي يراها
لا أستطيع شيئا كي تكون هناك أشجار لا تؤذيني...
لا أستطيع أن أتعايش، في الجانب الآخر، مع نفسي أنا الذي
أنظر إليكم من هذا الجانب...
وهل أستطيع أخيرا أن أنهض من على هذا المقعد تاركا أحلامي على الأرض؟...
أي أحلام؟... لا أعرف إن كنت حلمت... أي سرّاعات انطلقت؟ وإلى أين؟
للحظة، تركت نفسي أرحل في هذا الانطباع، لأن في اللوحة التي أمامي
ترحل السراعات ـ لا ليست سراعات، بل مراكب، لأن السراعات موجودة داخلي،
اللامحدد الذي يهدهدني أفضله دائما على اليقين الكافي،
لأن ما يكفي ينتهي دوما عند حدوده؛ وما ينتهي لا يكفي مطلقا،
ولا شيء يشبه ذلك عليه أن يكون معنى الحياة...

لا أثر للفكر في مادة الروح التي أفكر عبرها...
لا شيء سوى نوافذ كبيرة مفتوحة، والمصراعان مغلقان بسبب الحرارة التي لم تعد،
والحديقة مليئة بالنور، والظلمة التي تحل الآن، وأنا.

على زجاج النافذة المفتوحة، مقابل زاوية المنزل التي يلتقطها نظري،
المنزل الأبيض، البعيد، حيث ينتصب... أغلق نظرتي...
وعيناي الموضوعتان على المنزل الأبيض الذي لا أراه
هما عينان أخريان تريان، السراعة وهي تبتعد، لكن من دون أن أصوبهما نحوها،
وأنا، البليد، الثابت، الخامل
يهدهدني البحر وأتألم.

لا تذهب، السراعة الحاضرة في ذهني، نحو القصور البعيدة
لا تحوي على سلالم كي نرميها فوق المحيط المنيع
لا تقترب من حدائق الجُزُر الإعجازية الساحرة.
كل ما ألتقطه من مينائي يفقد معناه،
ويغور البحر في عينيّ ما إن يزول هذا الميناء...

أحلّ الليل أم لم يحلّ، لا فرق إن لم يكن الشمعدان
مضاء بعد في المنازل التي لا أراها على التلّة.
ولا فرق أينما كنت!

أصوات المستنقع، الظل الرطب، في الليلة الليلاء
نقيق الضفادع، الذي لا ينتهي،
في الــوادي، لأن كــل شيء أصبح وادٍ، هنا حيث يؤلمني كل شيء.

أعجوبة الظهور أمام مجانين سيدة الكآبة
جمال الطعنة حيث الفولاذ يسود قبل كل جريمة،
العينان مغمضتان، الرأس محني باتجاه العمود القدري
والعالم وراء الزجاج، منظر بدون ردم...
المنزل الأبيض السراعة السوداء...
سعادة في أستراليا...

--------------
٭ مركب سريع، الكارافيل.

***

سوناته أصبحت قديمة

اسمعي يا ديزي؛ حين أموت ستقولين
هناك، إلى أصدقائي في لندن،
وبرغم أنك لا تشعرين بشيء، بأنك تخفين
ألم موتي الكبير. ستذهبين

من لندن إلى يورك، حيث وُلدتِ (قولي...
لكني لا أصدق شيئا مما تقولين)،
لتخبري هذا الصبي الصغير المسكين
الذي وهبني الكثير من السعادة،
بأنني متّ، برغم أنك لا تعرفين شيئا...
حتى هو، الذي كثيرا ما ظننت أنني أحبه،
لن يشعر بأي شيء... من ثم، احملي

الخبر إلى سيسيلي، هذه المرأة الغريبة
التي كانت تعتقد بأنني سأكبر يوما...
آه، أحتقر الحياة وكل من فيها!
--------------
مارينيتي
(٭) الأكاديمي

ها هنا ينتهي كل شيء، هنا ينتهي.
ذات يوم، إن لم يحدث أمر طارئ، سأنتهي أنا أيضا هنا...
إذن في النهاية، يولدون كلهم كي ينتهوا هنا، في يوم أو في آخر...

لا حــلّ أمامي إلا أن أموت قبلهم،
لا مخرج أمامي إلا أن أتسلق الجدار الكبير...
إن بقيت، سيجبرونني على أن أصبح شخصا اجتماعيا...

ها هنا ينتهون كلهم، لأنهم ولدوا كلهم لهذا الأمر،
ولن نصل إلاّ إلى هذا الأمر، المنذورن إليه...

ها هنا ينتهي الجميع...
أن يصبح مارينيتي أكاديميا...

لقد انتقمت ربات الفن بأضوائها، أيها العجوز،
وضعتك، في النهاية، فوق درابزين الكهف القديم،
وضعتك بحيويتك، الإيطالية قليلا، ف ـ ف ـ ف ـ ف ـ ف...

****