روبير ديسنوس
( 1900- 1945)

ترجمة وتقديم: مبارك وساط

روبير ديسنوستقديم: وُلد بباريس، قرب البَاسْتِيلْ، سنة 1900. فيما بين 1920 و 1922، أدّى الخِدمة العسكرية بالمغرب. سنةَ 1924، ظهر له أوّل كتاب جدير بالاهتمام: « حِـداد مُقابِل حِداد». وفي سنة 1927، قُدِّم للمحاكمة بتهمة " الإخلال بالحياء" إثر نشرهِ قصيدتَهُ: « الحُرّية أو الحُبّ». ارتبط بصداقات مع شعراء الدّادائية، وانتمى إلى السّوريالية، و في 1930، كان ضمن المنشقّين عنْها. شارك، كجنديّ، في الحرب العالمية الثانية، وأسره الألمان سنة 1939 ثمّ أخلوا سبيله. وقد انضمّ إلى المقاومة واعتقلته الغِسْتَابو في فبراير ( شُباط) 1944. وفي 8 يونيو( حزيران) 1945، توفي روبير ديسنوس بالتّيفوس بِمُعسكر تِريزِينْ بتشيكوسلوفاسكيا، وكان قد أصيب بذلك المرض خلال فترة اعتقاله.
من أعماله الشّعرية: « جسد وممتلكات»، « ثروات»، « أملاك عامَّة»؛ وله رواية واحدة: « الخمرةُ قد صُبّتْ».

من قصائده:

احتفال عجيب

آخِرُ قطرات الخَمر تشتعل في قعر الكأس، حيثُ للتّوّ ظهَرَ حِصْنٌ.
أشجارُ جانبَي الطَّريق، العَجْراءُ، تنحني صَوْبَ المسافِر.
إنّه قادِمٌ من الدَّسكرة القريبة،
إنَّه قادِمٌ من المدينة البعيدة،
إنّه يَمُرّ فحسبُ أسفلَ أبْراج النّواقيس.
يَلْمَحُ في النّافذة نجمةً حمراءَ تتحرّك،
تَهْبِط، تتنزّه مُتَرَنِّحَة
على الطَّريق البيضاء، في الرّيف الأسود.
تتَّجِه نحو المسافِر الذي يراها قادِمة.
لِلَحْظة تلتمعُ في كُلٍّ من عينيه،
تسْتَقِرُّ على جبهته.
يُدْهِشُه الوميض البارد الذي يُضيئُه،
فَيَمسحُ جبينه.
بإصبعه تَعْلِقُ قطْرَةُ خمر.
الآن يَبْتعِد الرّجل ويتضاءل في ظلمة الليل.
لقد مرّ بِقرب ذاك النّبع مِنْ حيثُ تفِدُونَ صباحا لتقطفوا نباتَات الحُرْفِ الطّريّة،
لقدْ مرّ بِقُرْبِ البيتِ المهجور.
إنّه الرّجل ذو قطرة الخَمر على الجبين.
في هذي اللحظة، هو يرقص في قاعة مترامية الأطراف،
قاعةٍ باهرة الأنوار،
أرضيَّتُها المُلمَّعة تُشَعشع
عميقةً مثلما مرآة.
إنَّه وحيد مع راقصته
في هذه القاعة الشّاسعة، حيثُ يَرقُص
على عزف أوركسترا من مسحوق الزُّجاج.
الكائناتُ الليلية
تُنعم النّظر في هذين الاثْـنَـيـن المُتَوحّدين
اللذين يرقصان.
الأجملُ من بين كائنات الليل
تلقائيا تمسحُ عن جبينها قطرةَ خمر،
تودِعُها كأسا،
فيستيقظ النائم،
ويرى القطرة تلتمع كما ألف ياقوتة في الكأس
التي كانتْ فارغة حين أغفى.
يتأمَّـلُـها.
يَتَرجَّحُ الكَوْنُ خلال دَقيقة صَمْت
ثُمَّ يستعيدُ النّومُ سُلطانَه،
ويعود الكون إلى مسارِه
عبر آلاف الطّرق البيضاء التي رسمها العالَم
في أرجاء الأرياف المظلمة.

مُنتصف الطَّريق

هنالك لحظة مُحدّدة في الزَّمن
يصل المرء فيها بالضَّبط إلى منتصف حياته،
هي جزء صغير من ثانية،
شذرةٌ واهيةٌ من الزّمن تَعبر أسرعَ من نظرة،
أسرعَ من ذُرى الإغماءات الغرامية،
أسرعَ من الضَّوء.
للإنسان حساسيتُه إزاء هذه اللحظة.

ثمّة شوارع كبيرة بين أوراق الشَّجر
تتمدّد صَوْبَ البُرج الذي تغفو فيه امرأة
يُقاوِمُ جَمالُها القُبَلَ والفصول
كما تفعل نجمةٌ في وجه الرّيح، كما تُقاوِمُ الصَّخرة العالية الشَّفرات

سفينة مرتعشة تغوص وتَهدر.
على قمّة شجرةٍ تصطفقُ راية.
امرأة شَعرُها حَسَنُ التَّصفيف، لكنّ يديها تتدلّيان حَتَّى خُفَّيْها
تظهر في زاوية شارع،
مُهتاجةً، مرتعشة،
بِيدها تحْمِي سراجا من زمن آخر، دخانُه يتصاعد.

ثمّ هنالك حمَّالُ مرسَى، سكرانُ، يتغَنِّي في زاوية جِسْر،
و عشيقةٌ تعضّ شفتي عشيقها،
هنالك بتلة وردة تسقط على سرير فارغ،
وثلاثُ ساعاتِ حائطٍ ترِنّ، بِفاصِلِ بضع دقائق،
مُعلنةً نفس السّاعة،
ورجلٌ يَعبر شارعا، يَلتفت
فثمَّة من نطقَ اسْمَه بصوتٍ جهوري،
لكنْ ليسَ هُوَ من تناديه تلك المرأة،
ثمَّ هنالك وزيرٌ في لباس رفيع،
مُنْزَعِجٌ بقرف من طرف قميصه العالق بين بنطاله والسروال التَّحْتيّ،
يُدَشِّنُ ميتما،
ثمَّ مِن شاحِنة تمضي بأقصى سُرْعَة
في شوارع الليل الفارغة
تسقط حبّة طماطم بديعة وتتدحرج إلى الجدول
وستُكْنَسُ بعْدها،
وهنالك حريق يندلع في الطّابق السّادس من بيت
يلتهبُ في فلب مدينة صامتة ولامبالية،
ثمّ هنالك رجل يسمعُ أغنية
منسية منذ زمن طويل وسينساها مُجَدَّدا،
ثمّ الكثير من الأشياء،
الكثير من الأشياء الأخرى التي يراها المرء في لحظة منتصف حياته بالضَّبط،
الكثير من الأمور الأخرى التي تجري بِشكل مطوّل في الأقصر من بين اللحظاتِ القصيرة على الأرض،
يَستشعِر المرء مدى السَّرَّ الذي تحفل به تلك الثانية، تلك الشّذرة من الثّانية،
لكنّه يقول: « لِنَطرُدْ هذه الأفكار السّوداء»،
و يطرد تلك الأفكار السّوداء.
فما الذي يُمْكنهُ أن يَقول
وما الذي يُمكنه أن يَفعل
خيرا من ذلك؟

مدينة دون جوان

ظَـالِـعِـيـنَ مَضَى عميانٌ، وذوو عكاكيز،
مُصابون بالسَّلعة، وحُدْبٌ،
دركيّون، وسكّيرون.

صَفّاراتُ إنذارِ السّاعة السّابعة، التي تنفُثُ على زجاج المَقاهي
بُخارا يُمكنُ أن يُسَبّبَ ضياع مئةِ سَفينة،
كانتْ تقولُ للجميع: « حانَ وقْتُ السُّكْر.»

توقّفَ دون جوان في مكان
أَعْـلَـمُ أنّ فيه واحدةً من مغاسل «وَالاّس»،
و صافِرةَ تنبيه على الحرائق، ومِنقلةً مشدودة بسلسلة
إلى مصطبة.

فيه بقيَ حتّى منتصف الليل،
فيه بقي دونما شعور بالضّجر،
فيه بقي أثناء الليل وحيدا.

في مُنتصف الليل، بدتِ امْرَأةٌ في حِداد،
لكنْ عاريةٌ أسفلَ قطعة الكريب الأسود الكبيرة المتدلية
من قُبَّعَتِها،
خارجةً من شارع يتقاطعُ والامتدادَ الذي يوجد به هو.

كانت تحمل كأسا وقنينة نبيذ أحمر،
كانت تحمل أيضا عصفورا ميتا،
أعطتهُ العصفورَ الميت وكأسَ نبيذ.

من بوّابة كبيرة انفتحتْ فجأة،
برزتْ فتاة صغيرة جميلةُ السّاقين
وأعطتْ دميتَها وعِقْدًا من كريّات الأبنوس.

خلف نافذة مُضاءة،
كانت امرأة تتعرّى
وترمي للبطل مُختلِفَ قطع لباسها.

بائعةُ الزّهور بِمُلتقى الطُّرُق
جاءته بِكُلِّ ورودها
وقدّمتْ بائعةُ صحف عجوز كلَّ صُحُفِها.

امرأةٌ بارعة الجمال ومُثيرة للنُّفور الشّديد
أبْرَزَتْ لهُ ساعتها
وقالت إنها مُعَطَّلة.

امرأة مُنتعلة قبقابا، تاجِرَةٌ،
اقتربتْ وهي ترفعُ وزرتها
المُحتوية على سمكة لا مثيل لها في العالم.

رمتْ بِالسّمكة إلى الجَدول
حيثُ بدأتْ تتخبَّط
حتّى آخر رمق.

المرأة التي ربحت في لعبة البَكارا،
و المرأة التي للفور منحتْ مُجوهراتِها لعشيقها،
جاءتا أيضا عبر شوارع وأبواب.

ومن النّساء من كنّ نزلن من السّماء
مثل قُبّرات معتنيات بمظهرهنّ،
ومنهنّ مَنْ كُنَّ يَصْعَدْنَ مِن منافذ الأقباء.

منهنّ من كان بإمكانهنّ السيادةُ على ممالك،
ومَنْ كنّ وَسِخاتٍ قلوبا وأجساما،
ومنْ كنَّ مُصاباتٍ بِأمراض وخيمة.

لكنْ مَعَ أنسام الفجر المُقبِل
استشْعَرَ دون جوان ريحا باردة و مُنْعِشَة،
ريحَ جَزْرٍ ومحارٍ طريّ

كانتْ تهبّ على أوراقِه وأغصانه
وكانتْ جُذورُه تمتحُ بلا تقتير
عُصاراتِ أرْضٍ بائسة حقا.

لحاؤُهُ كان أكثر متانة من دِرع،
و أكثر وجيبا من صدرِ رياضي،
حزامُه الحديدي لم يَكُن يُضايِقُه.

كانَ حاضرا وقتَ مرورِ مُطْفِئِ مصابيح الشّارع
ورشّاشةِ البلديّة
وجامعي القِمامة و سُعَاةِ البريد.

بين الأشجار، كانَ شجرةً جميلة.
لقدْ تمَّ قطعُها في اليوم الموالي،
لقد أُحْرِقَتْ ومع ذلك،

مع ذلك كان نُسغُها اللاذعُ قويا
وما أكثر النّسوة الفاتِنات
اللواتي كُنّ قد مررن من تحت أوراقها

فليبقَ منها شيء
في البؤرة التي يبردُ فيها رمادُها،
في الحفرة نفسِها التي كانتْ تحتلّها.

في الواقع لمْ يبقَ منها شيء يُذكر،
كلّ ما تبقّى هو ثُقبٌ في الأَسْفلت،
ثقب، ثقب فارغ فحسب، ثقب صغير.

***