دلشاد عبدالله

ترجمة: نوزاد احمد اسود

دلشاد عبدالله لا تدخلي…
ذنب ان توصدي الباب مبكراً
دون رؤية المساء,
كيف تقضين تلك الليلة؟
(غناء اوديسيوس لبينلوب وقت عودته)

محارب على ظهر عبارة مكسورة, جسده يشبه
شجرة.. الروح اوراقها. كوز الضياء يقلب في الماء,
يسكب ما بداخلها.
محارب يقتفي اثر ضوء مسكوب.
عجبت من سحر هذا المحارب (يسوق الريح و يسود به
جدائل الليل) يسرق النور و يدخله من ثقب باب/ يضعه
على ملابس نصف عارية/ يضعه في وردة سكرى في مزهرية
الزوايا و يلمع بلون جيتي.. و ازاءك رقص.
تسكر بقدح رفيع و بليلة ما, و تدخل هذا الحلم الرفيع
الى سريرك و تتربع حلمة نجم في فمك,
يخرج غزال من اعشابه مساء هم
و يقع في قدح امرأة
تشربه و تشربه و تشربه.
اسأل: بأية لغة يلقي القمر طيفه؟/ انا بهذه اللغة اقول له,
ان يمس جسد اوديسيوس بروية.
مفعمة هذه البقعة السمراء من الارض
بزهور ربيعية
كل فتحة جرح تمصها شقائق النعمان/ بالمنطق الذي
يبتلع السمك الكبير سمكاً صغيراً, و الفم الكبير
ينهم البراعم.
الليلة الاولى: امرأة واقفة بجانب شباك يظهر جانب منها,
و السماء كجمال الاسوار دخلت يدها اليمنى
يدها التي وضعتها في يد اوديسيوس حيث قاتل بها
حرب طروادة
فالحرب لملمت جعبة كل منا الى مدينة,
و ليالينا تشبه محشر مرج في عبق زهورها/
او تشبه ليلة شجرة نامت تحت هطول الامطار.
كتبت في قصيدتك: في الليلة الثانية و على صهوة خيال
ابنوسي/ تطارد الأماني صوب حدود العبث/
الى ان تصل تخوم عشق خائب/ تسقط ارضاً على
فرش مستطيل زرقاء داكن.
انت الذي كتبت: التقينا انا و العبث مشافهة
فأحتستنا كأس شراب عتيق حتى الثمالة
وقتذاك رأيت دمي داخل قدح مسكوب على سريري
و رأيت رأسي المقطوع على الوسادة.
ماذا فعلت, ثم ماذا فعلت؟
كل هذه المجوهرات النفيسة و كل هذا الغزل
على ظهر جراب/ بيد الاشقياء و المهربين و الضبع المائي.
ثم ماذا فعلت؟
في الليلة الثانية: انا و شجرة صنوبر
قارنا طفولتنا بطفولة البحر
فجأة كبرنا.
ثم ماذا فعلت؟
جرس غنى مثل صوت القبج, و تحت ثلج مهموم وهمي
لم يستطع احد فتح الباب..
او لأقوله صراحة.. لم يكن هناك باب
و لم يأت احد ليدقه.
اذ ذاك وجدت اسمي في الرقعة هذه على جذع
و من هذا الجذع ولجت الغرفة, بساط بالخطوط العوجاء
و مناظر باهتة/ سبقني على شكل رجل طويلة/ اخذني
الى ايقونة/ كل هذه الشموع امتلأت العمر شوقاً و شبحاً
تعثرت من عقدة وضعها غصن عنيد في عمر شجرة/ جلست
على كرسي بجانب سحاب برتقالي/ نزعت معطفي و مربطي
و شداد حذائي/ لم استح من هذا الكرسي الى الحد الذي
لم استح من الماء.
هذا الكرسي يشبه ساحراً داخل دخان احمر
او يشبه هرة في سرداب/ و اكثر من هذا كان يشبه شبحاً
دخل في ركن كابوس/ كنت هناك نائماً:
طيور هذا الكابوس تحط على لحيفي, و تنقر انف
قصيدتي و يطول انفي لأشم به رائحة موتي.
تلك الليلة تشبه ليلة مغتالة داخل احشاء غوغاء,
و صباحها يشبه منظر امرأة شيرازية سقطت من عذار قصيدة
لحافظ فوق بساط جمالها/ و سقوط شراب ضبابي
من يد خيام/ الضباب هذه اخذتني امام مرآة كدر
لم يكتف حافة حصرمي كي ارى قلبي الحزين ازائي.
هذه الصورة سهرت معي لليال طويلة و لاشت الظلام بيديها
الكافوريتين في قارب صغير, و اخرجت البرودة بالرماد.
في حلم فرش دخلت خيوطي اليمنى في اصابع الخيوط اليسرى/
من هذا النقش تفوح رائحة البخور.
ها انا عدت و لم تصبني سيوف و رماح طروادة,
بل اصابني سهم غزلك العاري.
عدت الى جملة ضبابية لأسمي
علقت ملابسي مشرورة على حبل في الكون ذكرى سديمية/
رائحة صابون قديم و شعرة قديمة و طحلب قديم و استحمام قديم/
اخضرت جدران حمام بيتنا, بنفس المعنى الذي تخضر
مزرعة بالأعشاب و الورود بعد هطول الامطار..
انظر الى منشفة ارجوانية وردية, و حوض الغسيل و جسد
بينلوب يبدوان مثل يمامة نائمة
تفوح هناك رائحة فتشدني صوبها.
انا من ثقب الباب (و الحلم يأخذني الى الداخل) ارى
السرير و الدولاب المفتوح و الملابس المتناثرة حول النار
هباءً, ظهرا عاريا تماماً و رقبة و حلمة نهد يسلمن
للحر/ قافية شعر اشعث قان مضطربة بيد قصيدة
حرة عارية.
همسة و هسيس تدخل/ تأخذني من نوم الى نوم كرزي
اخر, يأتينى اثر رجل تخوم الماء, شعرة تبدي نفسها
على صخرة مرمرية ملمعة, تحير ايل محير, و قد
حط بخياله قرناه في تخت فرهاد لأن تكوين محياه يشبه
الغزلان,
انظر ان اسمي قد مسح على جذع شجرة الحبة الخضراء,
رائحة هذا الاسم منتشرة فوق الارض
و امتلأ المكان رغبة في عودتي.
لحاك الله يا دلشاد, في الليلة الثانية,
اين الحلم الحنائي يلون شعري بلون كابوسي؟
ان ادركت انني لم ار هذه المرأة بعد الآن
فلماذا كتبت: هناك شخص بانتظارك.
واهمة الماء و الزمرد و الاحجار الكريمة الاخرى
كل هذه حولت عندي الى ازرار قميص و سحاب المعطف
و غطاء النهدين, اصبح الحجر امام عيني انثى و الماء انثى
تلامسها فحول الاسماك
اصبح الكرسي و القنديل و الاسرة و الكتاب و الاوراق انثى
فالجسد يهب كالريح و لا استحي من هذا الريح
فالريح لا يصطاد, يهب.. و يهب.. و يهب
لولا الريح لما عبرت هذه المياه
على ظهر عبارة مكسورة
لولا الريح, لكنت في واد و الوطن في واد اخر.

*المصدر\ دلشاد عبدالله, محاولة لاغتيال الوقت, قصائد, دار سردم للطباعة و النشر – السليمانية – 2002.
- وهو شاعر كردي من كردستان العراق، رئيس تحرير مجلة (آينده) الادبية التي تصدرها دار سردم للطباعة والنشر.