جلال  الدين الرومي

ترجمة: عمار كاظم محمد

شمس تبريز، جلال الدين الرومي

ديوان شمس تبريز قطعة نادرة من الحكمة والفصاحة . وغالبا ما يقال أن جلال الدين الرومي قد وصل إلى مرتبة الأستاذية في هذا الديوان وكان كثيرا ما يوغل في العوالم الروحية التي نادرا ما استكشفها الآخرون حيث أنه ارتقى إلى حيث لم يصل إلا القلائل من قبله أو منذ عصره.
في ديوان شمس تبريز يستعمل الرومي الكثير من الصور المأخوذة من عالمنا الدنيوي مثل النبيذ و الساقي , اللؤلؤ والمحيط, الشمس والقمر, الليل والنهار , القافلة والحج ....الخ لكنه في كل ذلك يعبر عن حكمة روحية على أعلى مستوياتها عبر هذه الصور وبينما كان الشعراء الآخرين يمتلكون رؤية صوفية ومن ثم يحاولون شرحها من خلال لغة قابلة للإدراك , فان جلال الدين لم يحاول أن يهبط برؤاه إلى المستوى الديني فحسب بل كان يحاول دائما أن يرتقي بمستوى القارىء إلى مجال أعلى فأعلى في مجال الفهم الروحي ومن ثم يكون قادرا على تقييم ما كان يقوله من خلال شعره وربما لهذا السبب نلاحظ أن هناك العديد من المستويات أو الطبقات في شعر جلال الدين وهي مستويات ليست ناتجة عما يكتب لكنها ناتجة عن مستوى فهمنا له وكلما ارتقينا في فهمنا لشعره فسوف ندرك أكثر فأكثر ما حاول أن ينقله لنا .
حاولت الترجمات نقل الحكمة الهائلة التي يحتويها شعر جلال الدين لكنها غالبا كانت تغفل الموسيقى والجمال الفني الذي تحتويه وخصوصا في ديوان شمس تبريز حيث يخلق الشاعر مستوى كهذا من خلال إجادته في استعمال الإيقاع والقافية الموسيقية والتي لا تجعل القارىء يقدر حكمته فحسب بل يصل إلى مستويات من النشوة والوجد الصوفي اللذان يندر وجوداهما في أي ترجمة لشعره وهي إحدى المشكلات المعروفة في الترجمة الأدبية من لغة إلى أخرى .
وفي كل الأحوال فالنتيجة النهائية هي نفسها , تجربة فنية وجمالية, موسيقى عبقرية إيقاع وطاقة منتشية وكلها مرتبطة بفهم ذهني للحكمة التي يحملها شعره.
كل ذلك يجعل المرء أقرب ما يكون إلى التجربة الصوفية ذاتها دون أن يكون في الحقيقة هناك مع جلال الدين وبكلمة أخرى يتخلل حضوره شعره والقارىء لا يستطيع سوى أن يمس بهذا الحضور القوي والمحبوب.
إن الترجمات بعيدة عن خلق النشوة التي يخلقها شعر جلال الدين بلغته الأصلية لكننا نأمل إنها تقود القارىء في نفس الاتجاه من خلال استعماله لخياله فربما يحصل على لمحة حول كيفية أن جلال الدين الرومي استطاع أن يتألق من خلال الوجد والتجربة الصوفية.

( من ديوان شمس تبريز)

جلال الدين الرومي

ترجمة: عمار كاظم محمد

موسيقى خفية

قلبي يجلس فقط ...
مع أولئك الذين يعرفوك ويفهموك ...
يجلس فقط تحت الشجرة
المليئة بالأزهار المثمرة
في سوق الأعشاب والجرعات ....
لا تتجول بلا هدف
وجد المحل الذي يقدم جرعة حلوة ....
إذا لم يكن لديك مكيال
فسيسرقك الناس سريعا
ستأخذ عملة مزورة
ضنا أنها حقيقية ...
لا تملأ طاسك بالطعام
من كل قدر يغلي
فليست كل نكتة مضحكة
لذلك لا تبحث عن المعنى
حينما لا يكون هناك شيء
فليست كل عين ترى
ولا كل بحر مليء باللآلئ ....
قلبي يغني أغنية الشوق كالعندليب
وصدى صوتك يبعث السحر
في كل حجر وفي كل شوكة
ليهجع رأسك أولا
ومرة بعد أخرى
ليذهب كل اضطرابك
اعتنق الضوء ودعه يقودك
وهناك ....خلف رياح الشوق
ستجد الربيع يقتات بمياه رؤيته
وستحمل الثمار كالشجرة
إلى الأبد ...............

***

اللص في الليل

فجأة .....
(وعلى غير ما هو متوقع )
وصل الضيف ....
القلب يضطرب
من هناك ؟
وأجابت الروح :
انه القمر ....
جاء إلى البيت
ونحن مجذوبون
فركضنا إلى الطريق
نحدق بأنظارنا عاليا نحو القمر ...
ثم في داخل البيت صاح : هاأنذا ...
وخلف الصدى
درنا حوله ودعوناه وبكينا لأجله
وتحلًقنا نائحين ...
للعندليب الثمل في حديقتنا ...
وبينما نحن نندب طوق الحمامة
غمغم نائحا ( إلى أين ؟ ..إلى أين ؟ )
كما لو أن عند منتصف الليل
تسمًر النائمون في فراشهم
لسماع لص يقتحم البيت في الظلام
وهم يتعثرون صارخين
النجدة......لص! ...لص!
لكن اللص في ارتباكه يصرخ معهم
لص!
إلى أن تذوب صرخته في صرخة الآخرين
( وهو معكم )
معكم عندما تريدون البحث عنه فابحثوا....
في نظراتكم
هو أقرب إليكم من أنفسكم إلى أنفسكم
لماذا تركضون خارجا
وتذوبون كالثلج ؟
طهروا أنفسكم بأنفسكم
حثوها بالحب ...
فستبرعم الألسنة من الروح
كما تبرعم الأسدية من الزنبق .