على مدى بضعة أيام من البرد الذي ينخر العظام، في المعتقل، استدفأت روحي بإدوارد سعيد .
كنا قد جمعنا هناك، مئات كثيرة من سجناء الرأي، بلا محاكمات أو أحكام، أمام خطر تعفن الروح المنقطعة عن العالم، والحب، وكل يقين .
كنت قد وطنت نفسي على ألا أفكر بالحرية على النحو الذي يمكن أن يوهن الروح قلت لها : هنا سنقضي، في هذه الزاوية المثقلة بالمعدن والإسمنت، فلنقض إذاً ما تبقى بلا أحقاد صغيرة صغر المحقود عليهم . فلنقض ما تبقى في القراءة، والكتابة، والترجمة، والمسرح، والأمسيات الأدبية، والندوات الفكرية والسياسية، وإصدار مجلة، وحفلات الموسيقا والكورال ( على آلات حقيقية صنعت من خشب سحاحير الخضار)، وكذلك في المرح، والسخرية، والتهريج، و...و...
هكذا، فجأة، نهض عالم جديد بين شقوق الإسمنت والمعدن،مثل وردة تشق صخرة كي تخرج إلى الشمس والمطر والريح.عالم أزعم أنني كنت واحداً من صناعه إلى جانب كثيرين (تفرح ذاكرتي الآن إذ تردد أسماءهم) .عالم وقف نقيضاً لأولئك الذين تركوا منا لأرواحهم أن تتغلب عليها روح السجن، روح زمان ليس بالزمان، ومكان ليس بالمكان، حيث يمكن لجميع الأشياء أن تتحاذى .
في هذا اللازمان-اللامكان اخترنا ألا تسود تلك الجواهر القابعة تحت أثدائنا اليسرى .
في القراءة، كنت قد أجريت قسمة ( ربما تكون ظالمة بعض الشيء ) قسمت الكتاب العرب المحدثين، على أسس لامجال لتعدادها الآن، إلى قسمين اثنين .أولهما، أولئك الكتاب من أصحاب الإضافة، الذين يفتحون آفاقاً، وحقولاً، وربما عهوداً جديدة . وفي مقدمة هؤلاء وقف إدوارد سعيد، وسميرأمين، ومهدي عامل، وعبد الله العروي، ومحمد أركون، وقسطنطين زريق، وجمال حمدان، ولويس عوض، ونجيب محفوظ، وأدونيس، والطيب صالح، والياس خوري، و ...، و... وثانيهما، أولئك الذين يعتاشون على ما ينتجه الأولون، فيكثرون من ترداد ما قالوه، بإشارة أو من دونها، ويعيدون إنتاجه كما هو، أو بصورة أبأس، في هذا التفصيل أو ذاك، وأقصى مايمكن لأحدهم أن يصل إليه هو نقد هذه النتفة أو تلك نقداً أعجز من أن يطول المنظومة برمتها .
على أساس هذه القسمة، عزمت ألا أقرأ سوى الأولين مالم تقتض الضرورة غير ذلك ولذا أعدت، في بضعة الأيام الباردة تلك، قراءة الاستشراق فاستدفأت روحي .
ولأنني كنت أمارس الترجمة أيضاً، فإن قراءتي الاستشراق لم تقتصر على ما كتب فيه، بل امتدت لتطول ما ترجم أيضاً .
لفتت انتباهي أيما التفات طريقة الدكتور كمال أبو ديب في الترجمة ؛ أقصد ما أبداه من سعة حيلة، وذكاء، وتدبّر، و...، بعد أن قرر بإرادته تقييد نفسه أشدّ التقييد بما دعاه تمثيل الترجمة للنصّ المترجم، أي تمثيل بنيته كلّها , وليس فكره وحسب . غير أنّ شيئاً في الترجمة ظلّ غريباً،أعني منغصّاً، ولّد لديّ ضرباً من عدم الارتياح الذي لم أحاول وقتذاك أن أعربه . ورحت أتشوّق للقاء الأصل الإنجليزي ذلك التشوّق الحرّاق، كأنما للقاء حبيبة .وحين أتت تلك اللحظة، بعد السجن، وكان لي أن أقارن الترجمة بالأصل، ازداد إعجابي بما حققه كمال أبو ديب، لكن تنغيصي لم ينقص أبداً :
يبدأ كمال أبوديب من الإشارة إلى "صعوبة" كتاب إدوارد سعيد قراءةً وترجمة ً، ويرى أنّ "الصعوبة" ليست سوى مفردة تفرط في تبسيط الأمور إزاء "فكر عميق، مسفسط حتى الإدهاش، غائر في مصائر المعرفة الإنسانية حتى ليبدو الأكثر غرابة في المعرفة مألوفاً لديه ألفة العام الشائع، قادر على التعامل مع اللغة بحيث يصبح شاردها طبيعياً لديه، وبعيدها قريباً منه". فإزاء مثل هذا الفكر" لا تتحدّد استجابة المرء في إطار السهولة والصعوبة، بل في إطار آخر مختلف، وعلى مستوى مغاير: مستوى القدرة على استخدام أكثر مستويات التحليل صعوبة، وأكثر التصورات غموضاً في مناقشة ما يبدو عادياً، ثم القدرة المماثلة على الوصول إلى رصد دقيق لأبعاد الظاهرة المعاينة يضيئهاإضاءة فذّة".
وإزاء هذا الفكر ذاته، فإنّ أبو ديب يختار معنىً للترجمة يعتبره معناها الأساسي، ألا وهو تمثيل النصّ المترجَم في لغةٍ قادرة على تجسيد خصائصه البنيوية الكلية، وليس رسالته الفكرية وحسب، بعد أن يكون المترجم قد قام، بالطبع، بـ تمثّل كلّ ذلك تمثلاً مدركاً. ومن هنا تنبع ضرورة مقابلة اللفظة باللفظة، والتركيب بالتركيب، والجملة بالجملة لا دلالةً فقط، بل صيغةً أيضاً، وبصورة تحقق شروط الإيجاز والاطراد والكثافة في العلاقات، أي قدرة اللغة على التعامل مع النصّ الأصلي دون أن تتحول إلى شرح عليه أو تبسيط له، ودون أن تقع في المغايرة الدائمة من سياق إلى سياق للألفاظ التي تستخدمها لتمثيل لفظة أجنبية واحدة. وهذا ما يقتضي، في عرف أبو ديب، الجرأة، والابتكار، والمغامرة باستخدام اللغة لا باعتبارها وجوداً نهائياً مقدّساً لايُمَسّ، بل بوصفها عملية مستمرة من التوليد الاصطلاحي، أو من الاصطلاح التوليدي. أيهما. وآية ذلك كلّه، كما سبق القول، هو أن التمثيل إخلاص للنصّ الممثَّل الذي لا يجسّد فكراً وحسب، أو طريقة في معاينة العالم فقط، بل يجسّد أيضاً طريقةً في التعامل مع اللغة، أو بنية فكرية ثقافية تتحد فيها فاعلية بنية اللغة بفاعلية العقل الفردي المبدع. وبذا تكون مهمة المترجم هي تمثيل حصيلة الفاعليتين (أي النصّ) في اللغة التي ينقل إليها. أمّا غاية ذلك، فضلاً عن تجسيد بنية الفكر المنشئ، فهو الإسهام في توسيع بنية اللغة المنقول إليها، لأنَّ ما نحتاج إليه هو التفجير وليس حشر كل شيء في البنية القائمة (بشرحه وتبسيطه، وتحويله إلى ما يمكن أن يُقَال مباشرة).
غير أنّ نصّ الاستشراق الأصلي بدا لي، على الرغم من كلّ ما قاله أبو ديب، أجمل، وأمتع، وأسلس بما لايقاس من حيث لغته.وبدا لي أنّ من المستحيل تمثيل النصّ المترجم كما هو بالضبط، دون أيّ تقديم أو تأخير، دون احتمال أن نترجم بلفظتين أو أكثر لفظةً واحدةً، أو أن نترجم بلفظة واحدة لفظتين أو أكثر، ودون ...، ودون...، الأمر الذي ينطبق في الحقيقة على ترجمة أبو ديب ذاتها في كثير من المواضع . ( يحضرني هنا مايقال عن امتلاك سكان الأسكيمو عشرات الكلمات المختلفة التي تدلّ على الثلج بأنواعه المختلفة وتمكّنهم، مثلاً، من أن يميّزوا في التوّ واللحظة، وباستخدام كلمة واحدة لكلّ حالة، بين ثلج مرصوص يصلح لبناء الأكواخ وبين المادة الرذاذية الرخوة التي لاتملك أية قوة كيما تستخدم في البناء.فهل تكون العربية التي لاتملك هاتين الكلمتين عاجزة عن تشكيل هذين المفهومين الدقيقين ؟ والجواب ليس فقط أنني قادر تماماً على تشكيلهما، وإنما أنني قد شكّلتهما للتوّ فعلاً .فاللغة مدودة وقابلة للبسط والتوسيع .وإذالم تكن لديّ كلمة واحدة تعبّر عن مفهوم ما، فإنّ من الممكن أن أشكّل عبارة . وحين يبلغ استخدام هذا المفهوم من الكثرة ما يدعو إلى وجود كلمة تعبّر عنه يمكنني أن أستعير أو أسكّ هذه الكلمة ).
وبدا لي، إذاً وأيضاً، أن إصرار أبو ديب على ترجمة كل كلمة أجنبية، مهما يكن استقرارها في لغتنا المتداولة، مثل "استراتيجيا"، و" يروقراطية"، و"راديكالية"، و"طوطم"، و "متروبول"، و "ليبرالية"، و "تكنولوجيا" الخ، هو بمثابة ضرب من التزمّت الذي قد يبعد القاريء عن فهم المقصود الأصلي مالم يكن يعرف الإنجليزية فيضع الأصل إلى جانب الترجمة كلما أراد أن يقرأ، وبذا تكفّ الترجمة عن كونها ترجمةً بالفعل . غير أنّ الأهمّ من كل ذلك هو ما شعرت به من أنّ أبو ديب يولي اللغة أهمية تفوق أهمية أي شيء آخر، حتى ليكاد التفجير اللغوي الذي يدعو إليه أن يكون شرطاً ومنطلقاً لكلّ تفجير .وهنا بدا لي الفارق غير الملتقط بين إدوارد سعيد وأولئك الذين يستمدّون مصادرهم من البنيوية و ما بعد البنيوية الفرنسية .فعلى الرغم من كل ما يجمع بين سعيد وذلك الاتجاه، إلاّ أنّه لا يصل إلى ما يصلون إليه من تدعيم أهمية الدال على حساب أهمية المدلول وتمثيل ذلك في الكتابة التي يكون تركيبها مصطنعاً إلى حدٍّ بعيد، حيث يسود اللعب على الألفاظ، واللحن أو استخدام الكلمات في غير ما وُضِعَتَ له، والمعاني المزدوجة، والاشتقاق الجريء، ومختلف ضروب الغموض والإبهام والالتباس، وحيث لا يكون مصدر الصعوبة مقتصراً على الأسلوب وحده، بل يتعدّاه إلى تلك الرغبة الجدّية بتحدي الأفكار التي تحكم الطريقة التي نقرأ بها. فسعيد لا يحوّل كل ذلك إلى غاية بحدّ ذاتها، دون أن تنقصه كل تلك المقدرات اللغوية التي توظّف توظيفا ليست غايته اللعب، مجرد اللعب، على نحو ما يفعل التفكيكيون .
وإزاء معنى الترجمة القائم على التمثيل، فقد وجدت أنّ ثمة معنى آخر يعبّر عنه آلن باس، مترجم كتاب ديريدا الكتابة والاختلاف إلى الإنجليزية.فما يراه باس هو أنَّ كثيراً من المترجمين غالباً ما يحاولون استخدام لغة هي بمثابة تسوية بين اللغة المنقول إليها كما هي معروفة وهذه اللغة ذاتها كما يرغبون أن تكون بحيث تتمكّن من استيعاب ما يعترضهم من مشاكل ترجمية وتلتقط أقصى ما يمكن التقاطه من النصّ الأصلي. غير أنَّ لغة الترجمة القائمة على التسوية هذه لا تكون قابلة للفهم إلا من قبل أولئك الذين يقرؤون الترجمة مع النصّ الأصلي. ولذا، فإنّ باس يختار أن يترجم إلى اللغة كما هي معروفة، بما يعني في بعض الأحيان إعادة ترتيب وتقطيع بعض الجمل الطويلة، وقبول ضياع بعض اللعب على الألفاظ، والتعليق على بعض الأمور، إلخ. وهو يرى أنَّ هذه المصاعب العملية مرتبطة بمسألة الدالول اللغوي ذاته ( أو العلامة اللغوية كما شاعت ترجمة sign). فهل يمكن لأية ترجمة أن تدلّ على الشيء ذاته كما النصّ الأصلي؟ إلى أية درجة يكون لعب الدواليل ـ اللعب على الألفاظ، واللعب الأسلوبي...الخ ـ حاسماً بالنسبة لما يدلّ عليه النص؟
والحال، أنَّ جاك ديريدا نفسه كان قد تطرق لهذه المسائل في مقابلة مع جوليا كريستيفا نُشِرَتْ في كتابه مواقع بعنوان "السيميولوجيا والغراماتولوجيا". وصلب الموضوع، بحسب ديريدا، هو ذلك المفهوم الموروث الذي مفاده أنَّ الدالول "sign" يتألف من دالّ "signifier" (أو جزء حسّي) ومدلول "signified" (حامل للمفهوم أو المعنى)، حيث لم يكفّ تاريخ الميتافيزيقا عن أن يفرض على السيميولوجيا (أو علم الدواليل) أن تبحث عن "مدلول متعالٍ"، أي عن مفهوم مستقل عن اللغة، من عالم آخر، مشتقّ غالباً من النموذج اللاهوتي الخاص بحضور الله. غير أنَ ديريدا لايلبث أن يرى، على الرغم من ذلك، أننا حتى لو تمكّنا من تبيان أنَّ التقابل الموروث بين الدال والمدلول هو تبادل مُبَرْمَج من قبل الرغبة الميتافيزيقية، بمعنى أنّه متعالٍ، فإنَّ ذلك لا يعني أنَّ بمقدورنا أن نهجر هذا التقابل ببساطة بوصفه مجرد وهم أو ضلال تاريخي. يقول ديريدا:
إنَّ كون هذا التقابل أو هذا الاختلاف لا يمكن أن يكون جذرياً
ومطلقاً لا يحول بينه وبين الاشتغال أو حتى بينه وبين أن يكون
ضرورياً لا غنى عنه ضمن حدود معينة هي حدود جدّ واسعة.
وعلى سبيل المثال، فإنَّ ما من ترجمة يمكن أن تكون ممكنة
من دونه. والواقع أنَّ الثيمة المرتبطة بمدلولٍ متعالٍ قد تكونت
في أفق قابلية للترجمة نقيّة، وشفافة، لا لبس فيها ولا إبهام.
غير أنَّ الترجمة، ضمن الحدود التي تبدو فيها ممكنةً،تمارس
الاختلاف بين المدلول والدال. وبما أنَّ هذا الاختلاف لم يكن نقياً
أبداً، فإنّ الترجمة، مثله، لا تكون أكثر نقاءً. ولذا ينبغي
أن نحلّ محل فكرة الترجمة فكرة التحويل: تحويل مُنَظَّم للّغة إلى
لغة أخرى، وللنصّ إلى نصّ آخر. فنحن لسنا، ولم نكن أبداً في
الحقيقة، إزاء "نقل" من أي نوع لمدلولات نقية ـ سواء من لغة
إلى أخرى أو ضمن اللغة الواحدة ـ مدلولات تُتْرَكُ عذراء لا
تمسّها أداة التدليل أو "حامله" .
ربما يصعب أن نجد رأياً أشدّ قوة من هذا الرأي نضعه قبالة رأي أبو ديب . لكنني أجد في فكرإدوارد سعيد، وفي مصطلحاته الأساسية، مثل "الطباقية"، و"الدنيوية"، و"المنفى"، و"الوجود بين العوالم" ما يشير إلى معنى ثالث للترجمة . معنى يختار، بين التمثيل المخلص للنص والتحويل الذي لا ينقل أيّة مدلولات عذراء نقية، أن يقطن فضاءّ ثالثاً يزيل ما بينهما من استقطاب وثنائية ضدّية، فضاء يدفع المعرفة والثقافة قدماً وييسرهما بخلاف ما تكون عليه الحال حين يتعلق الأمر بضرب من الفضاء الثالث الذي يصون منظومة التناقض القائمة ويدفع إلى استساغة العيش في إطارها بدل الإطاحة بها، فضاء هو تلك المنطقة من عدم قابلية الترجمة التي تولد منها إمكانية الترجمة، منطقة التمثيل التحويلي أو التحويل التمثيلي . أيهما .
تبدو لي هذه المنطقة على أنها منطقة " الطباقية"، الأساسية إلى أبعد حدّ عند إدوارد سعيد .حيث يشير هذا المصطلح المستمدّ من الموسيقا إلى الاستعمال المتزامن للحنين أو أكثر بغية إنتاج المعنى الموسيقي، بما يسمح بالقول عن أحد الألحان إنّه في حالة تضاد مع لحن آخر . وفي النقد العربي القديم يشير الطباق إلى علاقة تضاد دلالي بين الكلمات . لكن جذر الفعل يعني أيضاً التماثل، والتشابه، والتراسل .يقول سعيد في الثقافة والإمبريالية: "في النقطة الطباقية للموسيقا العريقة الغربية، تتبارى وتتصادم موضوعات متنوعة إحداها مع الأخرى، دون أن يكون لأي منها دور امتيازي إلا بصورة مؤقتة ؛ ومع ذلك يكون في التعدد النغمي الناتج تلاؤم ونظام، تفاعل منظّم يشتق من الموضوعات ذاتها لا من مبدأ لحني صارم أو شكلي يقع خارج العمل" . والحال، أن هذه هي الطريقة التي يقرأ بها سعيد ويؤول الإرشيف الإمبريالي إذ يقرؤه لا واحدياً، بل طباقياً، بوعي متآين لتاريخ المتروبول الذي يتمّ سرده ولتلك التواريخ الأخرى التي يعمل الخطاب المسيطر ضدّها ومعها في الوقت ذاته.فالقراءة الطباقية، بحسب سعيد، ينبغي أن تدخل في حسابها كلتا العمليتين : العملية الإمبريالية، وعملية المقاومة لها . وبصورة عامة، فإنّ الطباقية تعني أن نكون قادرين على التفكير في / وتأويل تجارب متباينة لكلّ منها جدول أعماله الخاص وسرعة تطوره الخاصة، ولكلّ منها تكويناته الداخلية الخاصة، وتماسكه الخاص ونظام علاقاته الخارجية، وجميعها متعايشة ومتفاعلة واحدتها مع الأخرى .
وهذه المنطقة ذاتها هي منطقة "المنفى" كما يفهمه إدوارد سعيد، وكما يريد له أن يفهم . فالمنفى عنده لا يقتصر على ما تشير إليه الكلمة لأول وهلة من بعد، وفصل، وانزياح، وانقطاع، بل يفترض عدم الانقطاع الكامل، وضرباً من الاختلاط بين الانقطاع والارتباط، وعيشاً في العالم الواحد الذي يجمعنا على الرغم من خصوصياتنا التي ينبغي ألاّ تتحول إلى أصنام نعبدها.
ولأنّ المنفى عند سعيد يمكن أن يكون استعارياً وليس فعلياً وحسب، وطوعياً وليس إجبارياً فقط، وداخلياً شأنه خارجياً، بما يعني أنّ مدى الابتعاد عن الوطن ليس المعيار الأساسي للمنفى، فإنّ السجن أو التهديد به، لأسباب غير قضائية، هو أيضاً حالة من " النفي " السعيدي تدفع المرء، إذا ما حقق المقتضيات الضرورية، لأن يعيش في ذلك الفضاء الثالث، فضاء الطباقية، فضاء عدم الحقد، فضاء العالم بكل ما فيه، فضاء القراءة والترجمة التي تذهب ببرد المعتقل وتبعث الدفء في الأوصال .
اللاذقية 11/8/2..3

| |
| |
| | |
- Peace and its Discontents: Essays on Palestine in the Middle East Peace Process
|
| | |
| |