محمّد خير الدّين
المغرب (1941 – 1995)

ترجمة و تقديم: مبارك وساط

"النّسيانُ أنْ يكون المرء في ذاته سيلاً يابساً"

محمّد خير الدّين"غثيان أسود" قصيدة مُطوّلة لمحمّد خير الدّين، و هي أوّلُ ما صدر له في كرّاس مسْتقلّ (لندن، 1964)، و قد أُعيد نَشْرُها في مجموعة "شمس عنكبوتيّة" (سوي، ،باريس، 1997). عن هذه المجموعة، كتب ألان بوسكيه في صحيفة لوموند: « شمس عنكبوتية مفعمة... بجيشان شافٍ، بالحاجة إلى مناهضة كلّ شيء، سواء تعلّقَ الأمر بالوضوح أم بالمواضعات الخاصّة بالأجناس¬[ الأدبيّة ] ». و بيّنٌ - من خلال شعر بوسكيه نفسه...- أنّ ما يقصده هنا هو «الوضوح »، بمعناه المبتذل...

وُلد خير الدّين في قرية أزْرو واضو في الجنوب المغربي، و سيكتُبُ لاحقا في إحدى قصائده: « ...في بلدتي التي تُسمّى حجر الرّيح»، و هذا ما يعنيه اسم قريته ذاك، في الأمازيغية، لغته الأم . كان متمرّدا أصيلا على كلّ ضروب التّسلّط، ودفعه شغفُه بالكتابة إلى الانقطاع عن الدّراسة بعد حصوله على البكالوريا. و قد اشتغل، كموظف، لحوالي سنتين فحسب في حياته كلّها.

عاد خير الدّين إلى المغرب سنة 9197، بعد أنْ قضى ما يزيد عن 16 سنة في باريس. و لن يُغادرها بعدها إلا لفترات وجيزة. و بعد صراع رهيب مع السّرطان، توفّي في الرّباط سنة 1995.

من اعماله، في الشّعر و الرّواية مع أنّ هذا التّصنيف لا ينطبق على العديد من هذه الأعمال: أﮔادير (سوي 1967) ؛ جسد سالب يليه حكاية إله طيّب (سوي،1968 ) ؛ أنا الحامض (سوي، 1970)؛ النّبّاش (سوي، 1973) هذا المغرب (سوي، 1975) ؛ حياة، حلم، و شعب، دوما في التّيه (سوي، 1978)؛ أسْطورة و حياة أﮔونْشيش (سوي، 1984)...

غثيان أسود

-1-

موشور منفتح موضوع بالصّدفة
بين النّباتات الشّائكة و لا
مسوّغ للحياة
سوى أنّي أمضي عشوائيا لكن
أكثر حدّة من كلّ الجرادات
غائب عن الضّجّة تقريبا غيرُ منقطع
في كلّ زاوية لافتة جديدة
الشّوارع تلاقيني
و هذه عقبة
أيكون مُجدّدا ذلك
الصّيد على قمم القصب
كلا
اللافتات تكذب
انظروا إلى ألوانها
سأبدأ مجدّدا من نقطة الصّفر إن
لزم ذلك
و ها هي نافذة تنفتح عليّ أنا
وأطلّ بكاملي
على أرض خلاء

-2-

الشّمس ناضجة هذا الصّباح
و لا شكّ لديّ في كون الشّتاء
قد انتهى
فلأنْسَ تلك الغفوات المختومة بالرّصاص
تلك الأهراء المعتمة
حيث لم يكن يدلف و لا حلم
ها حياتي مكويّة مثل قميص
جديد
حياتي المُنقّاة من اختلاجاتِ
الخوف من الصّيرورة
على زجاج النّافذة تقتطع الشّمس هذا الصّباح
أصْنافا من الذّهب الأخضر
ما توقّعها أحد قطّ
ويسقُطُ في كفّي تينٌ شوكيّ
كما في فجوات الصّخور التي يُقال
إنّها مسكونة

-3-

قد يَهْوِي من حالق
يتشتّت
مثلما
فِرْق النّحل الذي تدهمه هبّة ريح
اتركوني وحدي
مع مخاطراتي
و آلامي
و ندوبي
أريد بالكاد
أن أحتكّ بكم
ما دام غير وارد أن ننفصل
في كل يوم
عن الأحداث
عن السّلاسل اللاهبة
لكنّهم ليسوا إلا أناسا
الأناس نفسهم الذين يتّخذون أوضاعا جديدة
أمام شعب
تتآكله جراحه
في مكان ما هنالك عميان
بطون فارغة
مدن ميتة في مصبّ نهر
هل ستبقى حيّا بعدها
إنّك ترتعش
إذ تدنو الثّمرة
ثمّة مدخنة تقطع الجحيم
عَرَقُك
يحترق مع الصّمغ و الحديد
مسكنٌ مقبول
مسكن لا يُتصوّر
الضحكات مثل حصباء تفْصِل
الرّعب في جسدك
مثل الحبر الصّيني
إنّه وقتُ الخروج

-4-

دمي الأسود أكثر تغلغلا في الأرض و في جسد
الشّعب
مهيّأ للمعركة
دمي الأسود يحتوي آلاف الشّموس
الحقل المأساوي
حيث السّماء تتلوّى
ما عُدت أريد ألوانا ميّتة
و لا
جملا تزحف في القلوب المرتاعة
لقد وقعتم
بيني وبين دمي الأسود
جناةً أقْدموا على جرائم قتل
دبّرتْها الخيانة في مرحلة ما غامضة
و ماضيّ يقفُ أيضا
في مستوى
عُلُوّي
صاعقا
شبيها بالنّهار الذي يبزغ من جديد
راشحا حبرا
أسْود
دمي الأسود
على رابية
سأسْحلكم في الوحل المجبول من دمي الأسود
أنتم و أنا
حملة أساطير الماضي
دمي الأسود كان الحليب اللاّهب لأثداء الصّحْراء
أنتُمْ و أنا
مثلما ريح متنافرة
أطنانٌ من الرّمال
أبديّاتٌ من
الجُزَيئات
تفصل بيننا في الحاضر
ذلك أنّي الدّم الأسود
لأرْض وشعبٍ تمشون عليهما
أزفَ الوقت
الوقت الذي يصرخ فيه النّهر من كثرة ما حمل
مثل ثعبان
أسود
يسحق الصّخور و أشجار الأرز
حتّى البحر الذي يفهمه
واقفا
حاضرا
معا
أنتم في مواجهة الجثث التي تُثْقل ماضِيّ
جثثٌ
لمْ تيْبسْ ديدانُها بعد
و أنا القاضي لكوني كُنْتُ الضّحيّة
ذلك أنّ دمي الأسْود ينساب في الأرض و في أعماق الشّعب
و هي وحدها الشّاهدة
و ماضيّ ينبثق من الرّصاص الذي هشّمه

-5-

تموت
لكنّني أرافقك
في هذا الغبار حيثُ تزحف
لن نطال الثّمرة
التي تجعلها نظراتنا تنفجر
نسقط عند منبت الشّجر
سنَمنح أنفسنا
فلا شيء سَيُعطانا
تموت
لكنّي أعلم أنّك تُفضّل جثمانا ربيعيا
حيثُ ستتضخّم الثّمرة
في الكفّ السّاخنة ذاتها
لمن سيزرعك وسط المدّ و الجزر
نحن
سنُعْطَى ثمرة المستقبل الأكثر وضاءة
ما دُمنا وحدنا نزحف
نحو الشّجرة التي تنكرنا
ما دُمنا قد اكتشفْنا
في لحائها
طريقا سرّية تجهلها فروعها
تموت
لكنّني
عارٍ وسط العشبِ الجشع الذي يُرقّقُني
ويُسَنّنُنا معا
ويغسلنا من الحجارة
نزحفُ متّفقين نحو الشّجرة التي تترنّح
لتحْصُل على آخر قطرة
من دمك الأسود
و لتمنحَ المستقبلَ الثّمرة
الأكثر غرابة
و التي تتكلم في أفواه ملايين
الأبرياء
الذين ماتوا
في دمنا الأسود

-6-

ثمّة كلبٌ ينبح في مكان ما
من قلبي
و بلسانه يُريد أنْ يُطارد
أولئك يسْلبونني حياتي
أولئك الذين يسْتمْرئون شُرْبَ ليترات
من دمي الأسْود
ثمّة كلبٌ يقتفي آثار بنات آوى التي تَنْهش
بِعُصْلٍ مقضْقِضَةٍ حياتي
حياتي النّاقة الضّائعة في هروبها عبر الصّحْراء
حيثُ يَضيع
دمي الأسْود
حليبُها
يا أسْلافي
كلبٌ يجْري عيناه خارج محجريهما
مبيضّتان بالحليب الضّائع
كلبٌ لمْ يعدْ يرى آثارا أو سُبُلا
و مع ذلك فالطّريق تصْعد نحو النّافذة
تجلُبُ شيئا زهيدا
سأجْعلُ منه و ستجْعلون
اليقين الأوحد
والنّاقة أضاعتْ
حليبها في الصّحْراء
ربّما يكون قد انْسابَ تحت الرّمال
مثل مياه ” درعة “
ربّما يكونُ قد ملأ البحْر
بآلامي
دمٌ أسْود
كان حليبا

-7-

مقطعا مقطعا أُشكّل اسمي
اسمُك مسبحة
طويلة مطلسمة
هنالك مع هذا أسماء تنطلق
مثلما رصاصات
و تترُكُ بقعا في الهواء
هنالك
أسْماء تصْنع نقوشا بارزة
أسماء تقطع العالم
نصفين
اسمي ليس نتيجة درجة الحرارة
التي هي بالأحرى مُضادّة للطّبيعة
ألتقطُ صدمات
أسحبُ نسخا مصوّرة لواقعي
اِلْحظْ هذا التلميح
و ستكون كلمة قد اقتُطِعَتْ مني
لو لم أرْتطمْ
باختناق السّاعات
التي هي نحل بارد لكن أحمر
مثل أغماد حشرات تستثيرُ زلازل في الفضاء
هنالك من ينتظرُني
في الخارج
لكنّي أفضّل أنْ أطوف وحيدا
هكذا أندمج
بكثرتي النّازفة
أهبط على القمر فوق أرض رطبة اللامبالاة
أرْضٍ أذْنبتْ إذ أعطتْ صورة الإنسان الجدّية
دعوني أخلق سيكلوبا من أجل الوقائع المألوفة
غرفتي
مجثم طيور
قلبي الإلكتروني موصول بميتتي المُريعة
أفضّل أن أهبط على القمر فوق أرض تعرف أنْ تنطق باسمي
البدائي
غريمي

-8-

إطْلاقة نار كانتْ كافية لجعلهمْ يسيرون
سائلوا
الرّوبوطات
آباء الهول
و حتّى الجداجد
فهي تعرف كيف تُنَمّي
اللّيل
أحْيانا تجيئُني القصيدة مثلما حجر
لا أحْتمل شيئا
لسْتُ أسطورة
هذه الكلمة تعني أنْ يمضي الإنْسانُ ضد ّنفسه
و أنْ ينْتهي بغفوة تُولَدُ منها فراشات
لقد سئمت
البارود
سَمُّوني ذاك الذي يُغوي أو يُزعج
و بإيجاز
غيرَ المرغوب فيه
لكنّه يقين هائل

-9-

الشّاعر هوَ أنت الذي تضيع
في الوقت نفسه مع دم العالم كلّه
مثخنا
جريحا
مثل جنديّ 1941 ذاك
الذي يَطْرق ذاكرتي
و لا يجد مخرجا أوسع
من حياتي
ينفتح على فوضى
في البلد ينضُجُ التّين هذه السّنة
لصيقا بالصّخور ذاتها
إنّه ينزف
لكن ها هي الغرفة
لم تعد تكفي
الشّاعر هو أنت
أنت الذي تتغذّى على الحنين
إلى المستقبل

-10-

لن أصف عصفورا يهوي
يلتهب
فهل سافرْتُ قطّ إلى أبْعد ممّا يعدُ به حقل
لا يداي ابتعدتا عن جسمهما الحيّ و لا اللحم
الذي لا يعرف حقّا
كيف يكتشفُ لي مركزا
سأقوم بالرّحلة
لأُؤَدّي
العُشُر الذي يفترضُهُ ألمي
و هذا يوم مشؤوم يمرّ أسْرع
من ضجيجه
و ظلّي هو دائما مثل بقعة زيت
ميتاتي
رأيتُها
بل إنّي عشْتُها أيْضا
دعوهم يخترعوا الحجارة من جديد
يَرُجّوا
الأرْض
إذا ما مضوا لا تنبسوا بما يقوله السّاهرون
إنّهم
لا يصعدون عبر ماضيهم
لا يَلدون أشْباحا
ما داموا
يَغدون و يروحون
و يَفْتِلون الليل
فيما هم يقطعون
قلوس سفينة جاهزة
لتجاوز حياتي

-11-

أيّها الموت
يا ضبُعا متطوّعة
إنّك أنتَ ما أطالب به
ما أعلنه
أنهي النّبشَ عن آلامي
هل يجبُ أن أضْربك
أن أصرعك
بذخك يُسَبّبُ لي الاشمئزاز
يا موتُ يا ضبُعا معروفة
في اللغات التي منها جئت
أعرفُ كيف أنقشك
أجعلُ مشْهدك الجانبي أشدّ خطورة
أيها الموت
يا ضبعا سوداء
لكن كيف يمكن طردُك
لا أسْتطيع حتّى أنْ أُرَحّلك
أنا الذي لا وطن لي
و لا سقف
أيّها الموت
يا ضبُعا نتنة
سأتقيّؤك
كاملة
و أُسلّمك تالفة إلى شكوكك
كنْتِ جمرا بأكملك
و الرّمل كان كحفنة ملح
كان عليّ أن أتوقّع
غضباتك
أيّها الموت لقد كنْتُ بَريئا
و كان الهواء حانقا عليّ
كنْتُ سَلَفَ نفسي
يا موت
يا ضبعا محمّلة بالرّقى
ثمّة إعصار
يُرَوّض الصّحراء
إضافة إلى غضباتك
لكن ها نحن حاضرون
من أجل معركة غريبة
أيّها الموت
يا جُثّة تبحثُ عن جثث
من أين ورثْتُك
خرعا
جبانا
والعالم كما هو
أيّها الموت
لقد دحضك
أيّها الموت
خرع
جبان
موتٌ غير قادر على النّفاذ
إلى أيّ من التّضاريس
إنّه يفرّ
موتٌ ليس حتّى نباتيا
لن تتغلّب مطلقاً على الإنسان
على الذّهب المُتأجّج في ثدييك
العفنتين
أيّها الموت
يا ضبعا مشؤومة
سأتقيّؤك بأكملك

-12-

لقد قمتُ بانقلاب على ذاكرتي
ُمكن أن أعثُر عليها مُفرغة
في جيب أحد المتسكّعين
سأقتلع نفسي من عجينها
و أتبع هذا الطّفل الوحيد الذي لا يدخل أبدا إلى بيت
و يصنع الموت بحراذين يابسة
يوما ما سأنتهك هذه العين التي تُخبّئ البحر
مُبْقيا على المزيج المتحرّك
فهو يرفعني دعوى على تعرّجات الأنْهار
أنْبثق مُقْتضَبًا
جبهتي تمتدّ حتّى الفقاقي
تُكوّنُ صورة في الجملة الشِّرْيانية
حيثُ الماء بأكمله يتلوّى على نفسه
أَقْشِر قلوس حُمّاي
ومُبْيَضّا بالجرائم
أوضّح نفسي بذوات السّدس
و بِفَكٍّ
و إذا كُنْتُ قد جلسْت
خارج جلدي
فذلك من أجْل أن أراني
اسْمحوا لي بأن أغترب
أن أتمرّد
مُحنّكا
تُلفظ الأعداد
أتكاثف في البيضة
أتدحرج
مُصْمَتا
فزخّة المطر قد نصّبتني بستانيا
أنقل الفرجة المنفتحة بين الغيوم
إلى مكان آخر
مكان آخر يرطم الكرى
و يجعلني أتمدّدُ عاريا في زجاج نافذة
و بوجه يحمل آثار سكرة البارحة أشنق نفسي
هنا أنهي ذاتي
بقى ملك واقفا
عمودي
و تُنَظّفُ الموائد
تَبصُقُ نهايةَ العالم مخافة الاختناق
ضفدعةٌ عمياءُ على الأقل
أمضي داخل قلبي
أشُقّه
كما لو كان دُمّلة

-13-

ظهرت امرأة في ضلعي أنا
فأحد المُهرّبين
جاء بها من كثبان الصّحراء
اطمئنّوا
فأبدا
أبدا لم أمضِ
أبْعدَ من ظلّي
لقدْ تقيّأتُ كليشياتي في فم
عاهرة
قريبا من المدشر الواضح الذي اتّخذ منه خصرُكِ مسكنا
أقول بشكل جيد
الصّخرةَ الوحيدةَ التي وجدتُ فيها الطّفولة ميتة في حياتها
و قد محوت
الرّيحَ
الصّارمة
نخاعُها الشّوكي يوجد في متحف الأحافير
حيث كلّ إنسان في كلّ يوم يكتشف
نموذج ذاته
ورقةٌ ثخينة تشطّب عليّ
بعيدا عن كلامي
يُسْروعٌ يأكلني
في الحقول حيثُ أبدو عَصيّا على الاتّباع
إنّي هنا
وأنت كبيرة مثل
صورتك
الغائمة كالمقبرة التي لا تستطيع احتواءك بأكملك
فتبعدك
عن حجارتها المتبلّرة و نباتاتها آكلةِ لحوم البشر
ذلك أنّك اقتلعت ذاتك
منّي مثلما شعرة ميت
و سال الدّم على امتداد ذاكرتي
ليُحَرّر العصفور الذي صدح لي بموتك

-14-

و إذْ تحوّلْتُ إلى ليلة جليديّة
ليلة مشْهودة
فها أنا أتدفّق
أتدفّق بين هذه الأحْجار
النّهار ينفش نفسه في ما بينها
و فجأة يموء من الأعمق بين العصور
قط متوحش
غراب
سلطعون
حسب المناشير العظمية التي تُهيّئني
بنيةً معماريّة معادية
خارج محتواي
أنا إربيانة و نجومي
تتقيّح في الطّرق الممدودة
فوق الفجوات حيث
تنْدمج المدن الضّخمة ببورجوازيّتها
المدن النّحيفة و القويّة
بالجثث التي ما زالتْ تضعُ فيها قلقها
وثمّة بحر مريض
أخْضَرُ بالحقائق السّائلة
و يهمّني الدّم الآن إذ
تنْفجٍرُ كلّ عين
مَعْقِدَ صُوَر
عين أذْنبتْ إذْ خَلَقَت بصدمة
كَلمَةَ
إلكترون التي تتقافز من طُحْلبة إلى طحلبة
و تُنظّف مسالك الأنْهار
ثمّة دم
يريد أنْ يهب السّماء لأطْراف أصابعِ
الفلاّحِ المستحيل تفكيكُه
بالبَرَدِ المُتساقط
أو بشجرة التّين المقطوعة
فهنالك يسْري النّفَسُ المُنْبثق من أورام الهواء
و كلّ شيء
بما في ذلك أنا
قد كفّ
عن العضّ

-15-

ها هي إذاً عملياتُ الصّلب الأبعد عن التّوقّع
و الآخر
الذي عاد من جنازة
الذي لم يعُدْ يعرفُ كيف يجيب على الأسئلة
و لا كيف يمشي وحيدا على امتداد
أشْجار سرو الموت
يبدو انتزاع الموت منه
مستعصيا
إنّه يقول
النّسيانُ هو أنْ يكون المرء في ذاته سيلا يابسا
يقول إنّي أموتُ من عطش إنّي أضعْتُ لساني
اتركوني معه
اتركوني أجلس مرّة أخرى على حافّة نظرته
حيثُ تختلج
أجسادكم المغلوطة
حيثُ تنشَقّ جذورها
في فضاء سكّين
مشهرة على الكون

-16-

ما عُدْتُ أحتمل صراعا يُلْغَى قبْل نهايته
أنْ تموت مُحْتجزا
في حواسك
هذا مأمون أكثر
ذلك أنّكُم خرّبتُم الجُملة
غير المعهودة
يا مسوخا أُسْقطت من جلدها القِشْري
مُرْهقةً بنيران جهنّم
التي ما عليّ أنْ أخلّدها أو أطفئها
كلّية
في مكان آخر هي المحارة التي لا تتقبّل إلا صخبها
الأجْدرُ لۤوْكُ السّماء و الأرض
المُصْفرّة بالفتن و أنْ أضْحك من نفْسي
أنا النُّصْبُ الحجريّ المُنْهك بصيف لاهب
أنا الاسْتدارة المكتملة
لكن ها هو العُشْب
ليس صراعي شحمَ بغل
و لا حتّى تِرْغلّة عَتّمتْ عليها
حُمرةُ قائمتيها
إنّه حركة من يبتغي أنْ يعيش دون
خلود آخر سوى جراحه الخاصّة
و خُدوش قلْبه
أن يصْبح قابلا لأن يُنْفذ إليه في زمن
منزوٍ و رُبّما سيصل إلى أوردة صغيرة
يابسة
كلا
لمْ تعُد الجرادة غيرَ موافقة
فأين إذاً سيكون منفانا؟

emwast@yahoo.fr