ملحمة الشاعر الايراني الدكتور علي موسوي گرمارودي

ترجمة : محمد الأمين

موسوي گرماروديولد الشاعر علي موسوي گرمارودي في العام 1940 بمدينة قم وهو ينحدر من عائلة دينية عريقة تعود أصولها الى قرية گرمارود من نواحي ألموت التابعة لإقليم قزوين ،أنهى گرمارودي دروسه الابتدائية والثانوية في قم ، وإستأنف نشاطاته الثقافية والسياسية في المدينة ذاتها بعد ان هاجرها الى مدينة مشهد لمدة اربعة اعوام .
حصل على شهادة الدكتوراه في مجال الأدب الفارسي من جامعة طهران ويعتبر من أهم الاصوات الشعرية في المشهد الشعري الفارسي المعاصر ،وصدرت له عدة مجاميع شعرية ، منها :

"خط الدم " و "في ظل نخل الولاية" و"نشيد وابل من المطر".

تمتاز تجربة گرمارودي الشعرية بتحديث قوالب شعرية هي من ضروب الشعر الفارسي الكلاسيكي .ولايمكن اعتبار قصيدته كلاسيكية من حيث اشتراكها بتناول المضامين الفلسفية والانشغالات الجوهرية التي تناولتها االشعر الفارسي الكلاسيكي ، فقصيدة كرمارودي دائمة الاهتمام باعادة تقييم المضامين الموروثة من المنجز الكلاسيكي والتأكيد على المعاصرة و إشتراطاتها غير المباشرة على شكل ومضمون القصيدة ، ويمكن القول أن الخصيصة الأساسية في قصيدة الشاعر تتمثل بتواصلها مع الشعر الكلاسيكي لا من منطق التقليد ولا من منطق التقديس وهذا ماضمن لها بأن تكون قصيدة كلاسيكية وعصرية في الآن ذاته.

خط الدم

أحب ُ الأشجار
لأنها وقفت إجلالا لك
والماءَ
الذي هو مهر أمك
هو ذا دمك صير لون الشرف أحمر
الشفق مرآة لنبلك
والفلق محراب ،
فجرا
أقمت فيه صلاة صبح الشهادة .

* * *

أفكر في تلك الحفرة التي مصت دمك
لم أر قط ، مماثلا لها في رفعتها
حتى في الحفرة ، يمكن أن يكون الإنسان عظيما
سل الحفرة!

* * *

السيف الذي أصاب عنقك
شطر كل شيء في الوجود الى شطرين :
كل من كان في الجهة التي تتواجد فيها ، فهو حسيني
ومن كان في الجهة الأخرى فهو يزيدي
ها نحن والأحجار والمياه
ها نحن والأشجاروالجبال والروافد والمراتع
ثمة من هو حسيني
وإلا فهو يزيدي

* * *

الدم الذي سال من عنقك
شطر كل الكائنات الى لونين :
الآن كل شيء :إما أحمر
أو غير حسيني

* * *

أه يا من موتك معيار
موتك هزأ من تلك الحياة وحط من شانها على نحو

جعل الحياة تواقة لموت يماثله !

* * *

دمك يتجاور في طراز واحد مع ثأرك: الحقيقة
وإرادتك هي ضمان لديمومة العالم
فالحياة تشتت بالكذب
ودمك هو توقيع "الحقيقة"

* * *

لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة
وفي العشب الذي ينمو
وفي الماء الذي يروي
وفي الحجر الذي للصمود يرمز
وفي السيف حين يقطع
وفي الأسد حين يزأر
في الشفق الوردي
في الصبح الذي هو ضحكة الدم
في الإرادة والإنبعاث
يتعيّن علينا أن نراك في شقائق النعمان
أن نتعقب عطرك في ضوع الورد
أن نطلبك من الشمس
ونبحث عنك في الفجر
أن نشق الليل بغية لقياك
أن ننثرك مع البذر
أن ننشرك مع الريح
أن نحصدك مع العناقيد
يجب أن نراك في الله

* * *

كل من أخرج يده من جيب الحقيقة
كانت دماؤك راشحة من أنامله .
الأبدية مرآة
إزاء قامتك البليغة في أرادتها
ليست الشمس جديرة إلا بأن تكون كما قلتُ وهجا من نظرتك.

* * *

أنت أوحد من الشجاعة
تقفُ
في ركن مضاء لضمير التاريخ
مدافعا عن الحقيقة
والصدق ،
وأكثر البسمات عذوبة ترتسم على شفتي عزيمتك
مهيب أنت وسامق الى حد
تسقط القبعة التي على رأس طفل العقل
حينما يتطلع إليك.

* * *

على بُركة دمك ،
في منعطف التاريخ ، تقف
حاملا كأس الحكمة
تسقي البشرية السالكة للطريق
وكل ظامئ للشهادة

* * *

إسمك مدعاة لليقظة
إسمك يصيّر الماء طوفانا
كلامك قانون
ما العقل الا جنونا حينما يكون إزاء إرادتك
الدم هو مفردتك الوحيدة
ياشبيه الله !

* * *

الموت في قبضتك
أوهن من ذبابة
يقبض عليها الصبيان أثناء اللعب
ويزيد ذريعة ليس إلا
منديل قذر
بصقوا فيه خلط الظلم
ورموه في قمامة التاريخ
لم يكن يزيد كلمة
إنما أكذوبة
حشرة ضخمة تمتص أوكسجين الهواء
مخنثا متهما بالرجولة
قردا مرتكبا جريمة كبيرة :
سرقة إسم الإنسان

* * *

السلام عليك أيها المظلوم الأكبر
لا لأنهم قتلوك عطشانا
بل لأن هؤلاء هم أعداؤك

* * *

موتك الأحمر
لم يهزم إسم يزيد فقط
وجرّد مفردة الظلم من سيرتها
وإنما حطم جحافل الكلام
ما من كلام بشري إلا وتداعى أمامك
يا غالب الأسود
دمك يضاعف الضوء وينير الكلمة
دمك يسيل على بساط في تخوم الكلام
في تخوم التاريخ
خارج طوق الزمان
دمك يجري في كتاب الله.

* * *

يا ذبيح الله
أنت إسماعيل مختار الله
أنت الرؤيا الصادقة لإبراهيم
كربلاء هي ميقاتك
ومحرّم
هو ميعاد عشقك
أنت أول إنسان يحج أربعين يوما
ويتممها بعشرة أيام أخرى
آه ،
سوف أحترق في الحسرة على إدراك السر في أن تهجر الحج غير منته ،
في إستلام الحجر
وأتممته في كربلاء
بتقبيل الخنجر

* * *

موتك
مبدأ تاريخ العشق
مطلع اللون الأحمر
ومعيار الحياة

* * *

المسار يبدأ بدمك
حينما وقفت
كانت بداية الدين
وحين سقطت
نهض الحق
واستقام العدل
ومن دمك الجاري
وهن أساس الظلم
ومع خريف موتك
كانت ولادة ربيع أبدي
كانت ولادة العشب
ومباهاة الشجرة
وما من غصن إلا ومزدان بالبراعم الحمر
وإلا فهو حطب آسن تبقّى على الشجرة .

* * *

أنت الذي كشفت سرَّ الموت
فأي عقدة لم تحل بظفر إرادتك؟
الشرف يتبعك متضرعا
أنت أسمى من الحمية
أنت صلاة، نية
تفرد، توحد
آه يا الأخضر
أيها الأخضر الأحمر
يا أشرف من النقاء
والأكثر نجابة من الثرى
أيها العذب الصلد
أيها البالغ العذوبة
ياعضد الفولاذ
يا لسان الميزان
يا مضمون الكتاب ومعنى القرآن
نظرتك سلسلة من التأويل
وخطواتك زنة الأرض
ودعامة الأفلاك
ترى أي تجل من الله يجري فيك
لترشح الآيات من شفتيك على هذا النحو الباهر؟
ياللدهشة
ياللدهشة التي تثيرها
دهشتي بك غير متناهية
كيف يمكن إدراك محيط بکشتيانٍ من الكلمات؟
دعني أبكي
دمك شق طريقا الى دموعنا
دمك صقل دموعنا
فصارت دموعنا سيفاً
وانغرس في حدقة عين الظلم
أنت القرآن الأحمر
دونت كلماتك على جلد الصحراء الممتط
وصارت النصوص مزارع
ذات عناقيد حمراء
وصارت الدنيا مزرعة
بعناقيد وسنابل من الدم
وكل سنبلة هي يد ومنجل وسيف
تجتث جذور الظلم
الآن
ودائما
حمراء هي المزرعة
يا ثار الله
تلك الحديقة السماوية التي زرعتها في الصحراء
ذات الثمار الحمر والروافد الدامية
بشجيرات الشهادة الحمراء
وأشجار السرو الخضر
هي حديقة يتعين رؤيتها بعين العشق

* * *

الحر ليس شخصا وانما فضيلة
تبقت من زاد قافلة الحنان
والتحقت بالجهة الاخرى للنهر
كلامك ونظرتك
قنطرة
تعيد الملتحق بك الى ذاته
وفي رحابك
وفي إغفاءة رأس الحر الأحمر بين يديك
تشتعل الجماجم العارية تحسرا على ملاذ يأويها .

* * *

أيها القتيل !
إثرك ، صار الإحسان أحمر
ومقال الشجن هو الخنجر
والحزن عليك هو زاد للسفر الى بلاد مجهولة
وأثر دمك يشق طريقا مباشرا الى بيت الله.
أنت من سلالة الدم
ونحن من سلالة الجنون

* * *

غاص دمك في الرمل
وانفجر من الحجارة
ياحديقة البصيرة
ليس للظلم خصم أجمل وأبهى منك
وليس للمظلوم عون أكثر ألفة منك

أنت درس تاريخي مكثّف
وكربلاؤك ليست حربا
إنما منظومة كونية كبرى
تطواف هائل

نهاية الحديث هو نهايتي
وأنت الأبدية المطلقة .

محمد الأمين : شاعر ومترجم عراقي مقيم في هولندا
alamin62@gmail.com