قراءة في "كريسماس آخر"

حسين سليمان
هيوستن

حسين سليمانالماء. كي يقوم مثل رجل عجوز كان قد ضاع. ذهب. غربت تقريبا الشمس. أهرامات. على ثلاثة أضلع تبدو التلال ليست تلالا بل تاريخ الصحارى البعيدة الكبرى التي تقلد في مشيتها اخناتون عند منبت القصر هناك قصب محمول: طفل متأخر تدفعه أذيال النهر.
وتأتي الشمس، لا احد يعرف من أين، من الثقب الفرعوني؟! على مصر أن تمد جلدها، نسيجها النهري الذي يحمل خلق الله. ومن صعيد وأسوان ثم تنزل القاهرة مثل طبق طائر مع أهراماتها وزمانها كله. دفعة واحدة تحملها طيارة البوينغ 7777777 ربما عشر سبعات أو خمسون سبعة حتى تحمل معها مارك انطوني تحت قدميها يركع وهي- لا تقل لي إنها الملكة، بل أنها مصر- أغنية تطير فوق السحاب الضوئي.
يعرضون أمامنا الآن في قنال الديسكفري الحركة- الدور الثالث Act 111 فرعون الزمان الكلي الذي جعل الناس يقلبون الصفحات ويقلبون مزق التاريخ كي يعثروا على أحرف شبيهة له، لزمانه لمكانه. ليس سور الصين العظيم ولا سماء بابل أو أبراجها التي زرعت بساتين عدن في الفضاء ليس هذا كله. بعصاه وعمرته ولحيته رجل في السابعة والثمانين من عمره يقترب من المائة، الله كم عمر رجال مصر طويل!
في مطار طيارة البوينغ تنزل منها أو انها تصعد، هناك حركة. جسدها في ثوب كرانيشه واسعة وبخطى حذرة أن يعثر شق الضوء الصاعد. فترفع أذيال البلد كله قليلا كي لا يعثر في مشيته. حزينة مودعة في هجرة. مرة أخرى الهجرة العظيمة.
لماذا خلق الله مدن الهجرة؟
تقريبا على حدود خليج المكسيك.
فوداعا يا القاهرة. تلويحة تنزع عنها قفاز يدها الأبيض- كيوم العرس. وهي تلوح وابتسامة نراها في الصور مثل غيوم الربيع بيضاء حليبية أصلها أصلا تركي. اسطنبولي، فتحني رأسها كي لا تكسر الحد العلوي.

قراءة في كريسماس آخر لفاطمة ناعوت التي نشرتها كيكا:

هذه هي المرة الثانية التي اقرأ فيها الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت. ولا أحب أن اقرأ شاعر لمرتين- يصيبني الملل. فقراءتي في الواقع هي قراءة لنفسي وكيف افهم القصيدة والشعر. لكن كريسماس آخر رأيتها تحتاج لقراءة تشكيلية لأنها في الواقع لوحة كتبتها الشاعرة بالقلم وكان قصدها ان تسندها على لوحة قماش يسيل منها الزيت كي يتشكل مختلفا ذلك في كل مرة ينظر إليها الناظر.
هناك رؤية. أو انها حالة كما قالت مرة الشاعرة في مناقشة بينها وبين الشاعر الأردني عيسى قنصل. كي تفهم القصيدة يجب أن تقوم بعملية تفريغ للثقافة- من حروفها، بمعنى أن تنزع عن العقل الموقف المسبق من الأدب والشعر. وبهذا فأن الدخول إلى عالم القصيدة هو دخول صاف لا رتوش فيه. ينظر إليها بعين طفل لم يتعلم القراءة بعد.
وبالفعل فأن الموقف النقدي المسبق الذي نحمله كمثقفين قراء قد يعيق عملية الاستقبال ويخرب بالتالي الذائقة. لهذا فإن أعمالا أدبية كبيرة لا يكتشفها عصرها بعض الأحيان كما حدث مثلا مع الموبي ديك الذي مات صاحبه قبل إن يخرج إلى النور. والآن فهو رواية هرمان ملفل المذهلة تكاد تؤرخ كونية المدنية الغربية ممثلة على أفضل تمثيل بالولايات المتحدة.
قراءة الأدب ستكون عويصة مليئة بالعناصر المجهولة التي تحضر ثم تغيب. هناك أعمالا أيضا- بالمقارنة تذاع وتنشر ولا تلبث أن تموت. لذلك هناك دوما حذر من الاشارة إلى العمل الكبير الذي يعوم فوق سطح الزمان يسبح دون أن تبتلعه الظلمات. لا أحد يعرف لكن الوقت جدير بالإشارة إليه.

مرة واحدة. مثل تنزيل جُبل البيتون لإنشاء عمارة شاهقة. هذا هو الشعر عند فاطمة.
لا تعمل على القصيدة- لا تنتظرها ولا تدفعها بل تأتي لمرة واحدة حاضرة مكتملة لا يلزمها سوى إعراب وإملاء! صور ترتكز على اللغة!
" القبلة
التي انتزعها الولد من البنت الغافلة
عند لحظة تفصل بين عامين
ستحرك الأحداث لتكتمل
عند أطراف الخريطة"
البنت الغافلة -ريم- بماذا تفكر- بغفلة الزمان عنها، انها الافتتاحية كي تقول أن القبلة هي المنبه الذي سيوقظ النفس الغائبة ويحرك بالتالي الأحداث في خريطة حب قاهرية. The map of love
" تفكر
فيما توضب الفساتين في حقيبة السفر
أن برودة خليج المكسيك
ستمنع الجراثيم
-التي تركها المريض فوق جلدها-
من التكاثر،
فتنسى عمدا
ان تنزع القصائد المعلقة على سور البيت
وعلى القلب"
لا أريد. تضيع العبارة في هذا العرض الكلاسيكي- لا أحب أن أقدم شرحا لمحفوظات: عرض فقرة شعرية ثم شرحها. يجب أن أفتش عن طريقة أخرى تتلاءم مع روح القصيدة.
"الشاهد
أنها أجادت اللعب
وأن مكوثها في "هيكل الزهر" سنواتٍ ثلاث
جعل الزيتونة تكاد تثمر
حتى أن العابرين توقفوا ببابها
ليلتقطوا شيئا من رائحة الطيب
في سلالهم،
لذا كان من غير المنطقي
أن يقصوا قدميها
كي يستقيم الظل.

القبلة المباغتة
في بلكون السيدة الفرنسية
أفرغت الرواية من الأحداث
وجعلت بداية العام نقطة قرار
وفرح
جميل أن يكون ثوب الزفاف
بكرانيش واسعة
ينسجها الدمشقيون بخيوط من حلب،
خيوط لا تشبه حرير القزِّ
الذي ألتفّ قديما حول عنقها،
وجميل أن ترتقي السلم بحذرٍ
يليق بعروس على وشك اكتشاف قانون الضوء،
سوى أنها
حين تصل إلى أعلى الدرج
ستحني رأسها
وترمقه
بنظرة أخيرة."

لذلك لا مناص. خيوط حلبية ودمشقية شامية. ماهو العرس الحلبي: زين زين مكحول العين! وكرانيش واسعة. خطوط الضوء. حرير القز الذي التف حول عنقها في الماضي لا تريده. إنها وحدة مصرية شامية ربما! هل نحن، هنا، عند حدس شاعري يؤكد أننا أمام ريم المتعب التي جعلتها الشاعرة تغيب وتختفي حين ذهب العراق، وهنا قررت أن تحضر. إن العراق في قصيدة المتعب لم يغتصب لكنه ذهب. ذهب بإرادته وعليكم أن تقدروا نوع العذاب والبكاء التراجيدي الذي شاط القصيدة بذهابه. في قصيدة الكريسماس الأخر كأننا أمام ريم المخدرة والتي ستنقذها من حالة الغياب هذه القبلة عند فاصل العامين. القبلة الفرنسية. على الحد بين الخروج وبين الدخول. وماذا هناك؟
تفكر وهي ترتب الحقائب أن برودة خليج المكسيك ( اللاتين ربما) ستمنع عنها الجراثيم التي تركها المريض في روحها ولهذا فأنها ستترك عذاب قصائدها وعذاب قلبها على الأسوار والجدران.
حقيبة وخليج ينتظرها! إذن هناك هجرة. هجرة ريم في قصيدة المتعب كانت هروبا أو اغتصابا ولقد وضعها الرجل في جيبه ورحل. لكنها هنا توضب كل شيء على مهل وهي تفكر. إنها الحرية التي ستنالها، تأخذها، حيث مكوثها في هيكل الزهر جعل الزيتونة تكاد تزهر. زيتونة وهيكل زهر! لثلاث سنوات. غيابها في ريم المتعب هو غياب تراجيدي فيه سحر اسود أما هنا فالزيتونة وهيكل الزهر ثم العدد السحري ثلاث سنوات كلها تشير إلى أمل قادم. ذلك لأن العابرين -كان من غير المنطقي أن يقصوا قدميها كي يستقيم الظل! يستقيم الظل بنظرهم. لقد شغلهم التوقف في بابها لأخذ الطيب.
جميل إذن أن تجد ثوبها بكرانيش حلبية وخيوط شامية مصرية هذه العروس عروس العرب. لا أدري من أين يأتيها تفاؤل لا نجده في الشارع العربي اليوم.
إنه الشعر الذي يستلهم الزمان ويحضره أمامه- ترتقي السلم بحذر، على وشك اكتشاف قانون الضوء. لكنها سوف ترمق الماضي- حين تصل أعلى الدرج بنظرة أخيرة.
ويبقى الكثير للقول في هذه القصيدة.