("من سيرة الهر المنزلي " للقمان ديركي)

ناظم السيد
(لبنان)

"من سيرة الهر المنزلي " للقمان ديركيلم يكن مستغرباً أن يصدر لقمان ديركي مجموعة قصصية، هو الذي أصدر أربعة دواوين جمعها هذا العام في <الأعمال الشعرية>، إضافة إلى عمله في الكتابة والإخراج والتمثيل في المسرح والتلفزيون ويفكّر في تصوير برنامج تلفزيوني سيحمل اسم <لقمان في بلاد العربان>. هذا هو لقمان، كيميائي يحوّل كسله إلى نشاط، وكاتب يجعل حياته الموزّعة بين الحانات والمقاهي وبيوت الأصدقاء والنساء قصائدَ وقصصاً ونصوصاً أدبية ومقالات.

في مجموعته القصصية <من سيرة الهر المنزلي> التي صدرت عن <شركة رياض الريس للكتب والنشر>، لا يحتاج ديركي إلى ذاكرة الكتب التي قرأها ولا إلى منشّطات للمخيلة. كل ما لزمه لإتمام هذا الكتاب أن يستجمع بعض الأحداث والمواقف من حياة خاصة سابقة أو راهنة. ولأن القصص هنا مبنية على عيش حقيقي فمن الطبيعي أن يكون كاتبها هو البطل الذي ينتقل من حكاية إلى أخرى من غير أن يبدّل حتى ثيابه. ومنذ البداية سيجد القارئ نفسه أمام نص هجين: السيرة كما يشي عنوان الكتاب والقص كما صرّح الناشر على الغلاف. لكن هذا التناقض الخارجي يمكن حلّه بسهولة. إنها قصص المؤلف نفسه. هكذا يظل لقمان أميناً لطريقته التي عرفناها عنه في الشعر، كتابة الذات بلغة تقلّص المسافة بين اللفظ والمعنى أو بين الدال والمدلول، لتستمد شعريتها فقط من طزاجة اللغة وقوة الحياة. وهكذا يكون أبقى وهو يتنقّل بين الأنواع الكتابية على مرجعه الأدبي، الحياة الشخصية.

الكتاب إذاً ليس تأليفاً ولا تأملاً ولا اختراعاً. والكتابة هنا ليست سوى استرجاع لأحداث طريفة وعنيفة، مضحكة ومؤلمة، حنونة وقاسية، عايشها الكاتب، وعليه الآن أن يتخلص منها بتوثيقها. كأنَّ خلف هذه القصص هدفاً خفياً: إقامة سيرة لذلك الطفل الذي يتحمّل ضرب الأب والأم بسبب كرة القدم كما في <فوتبولجي>، والتلميذ الذي لا يحب المدرسة ولا مدرّسيه كما في <رحلة إلى عين ديوار>، والفتى الذي يُعدُّ المسرحيات المدرسية ويلعب أدوار البطولة فيها كما في <مسرح البهجة>، ثم الشاعر الذي يفضح كبت أصدقائه الشعراء وأمراضهم ومزاعمهم كما في <سهرة أدبية في اللاتيرنا> و<الشاعر سينتحر> و<المريدان>. لكنَّ قصصاً كالتي بين أيدينا لا تهدف إلى كتابة سيرة ذاتية لصاحبها. السيرة تأتي تلقائياً هكذا بلا قصد وبلا تدبير. في <مسرح البهجة> يخبرنا لقمان عن مسرحية دينية جعل فيها عمار بن ياسر يضرب بلال الحبشي لاعتقاده أنَّ الأول من المشركين، ثم يخبرنا كيف انتقم من زميل أقنعه بلعب دور <المقاوم> في مسرحية قومية ليتسنى له ضربه بعدما لعب هو دور <الضابط الصهيوني>. في المسرحية الأولى يصعد مدرّس الدين ويطلب إبدال عمار بن ياسر بأبي جهل ليستمر العرض بالسيناريو نفسه. لكن لقمان يعجبه دور أبي جهل على المسرح كما في الحياة. وفي المسرحية الثانية لا يسخر لقمان من زميله المخدوع فحسب، وإنما من اللغة القومية التي ما فتئت تردد <سلّم نفسك يا صهيوني يا غاشم>. كأنّ ما يحدث على المسرح يحدث في هذا العالم العربي بالطريقة الساخرة نفسها. هذا الاستطراد السريع للتدليل على مسألة أساسية لا يتنكّب الكتاب قولها أو ادّعاءها: خلف القص الطريف ثمة تأريخ شخصي للكاتب وتأريخ عام يطاول السياسة والاجتماع والثقافة والرتبية العائلية والوطنية. يتحدث لقمان عن نفسه، يوهمنا بأن هذه الخبريات بريئة من الأهداف ومنزّهة عن الغايات. لكن الحقيقة أنه يقدّم إلينا نصاً ينطوي على طبقات متعددة مغطاة بقشرة خادعة من الكوميديا الواقعية. قراءة كهذه لا تسلب الكتاب مجانيته بقدر ما تكشف جانباً يمكن تأويله برغم واقعية الحادثة وواقعية اللغة.

تقع مجموعة <من سيرة الهر المنزلي> في منطقة مخادعة تدعى الضحك. الواقع أن الضحك ليس سوى قناع يختفي الكاتب خلفه. ما يمكن تلمّسه ببساطة أنًّ وراء هذا الضحك الكثير من الألم. يروي لنا لقمان عن العنف الذي تعرّض له من الأب والأم بسبب كرة القدم، يروي لنا أمكنة نائية تعيش بطيئة تحت الهموم المعيشية، يحدّثنا عن انشغال الشعراء في سوريا بالنساء كأن الجنس تعويض عن السياسة، يخبرنا عن السائقين وشخصياتهم، هو الذي أمضى نصف حياته على الطرقات، يفضح لنا فساد المواطن وفساد الثقافة وفساد النظام. لكن هذه الأشياء لا تُقال مباشرة في النصوص القصصية بل تجلس هناك في قعر الكتابة التي ترسّب الشعارات والأفكار والمقاصد والنيّات تاركة الضحك وحده يرسو على السطح.

تشبه <من سيرة الهر المنزلي> لقمان ديركي. لا تشبهه في مضمونها فقط، وإنما في لغتها. لغة عصبية، خاطفة، سريعة، منفلتة، حية، اجتماعية، مرتجلة، ظريفة، غير مبالية، فوضوية وحارة. وهي تستفيد أيضاً من تجربة الشاعر في التمثيل: الجملة شفهية، تجسيدية، قصيرة وممتلئة بالحركة. لغة كهذه تبدو كأنها كُتبت باللسان لا بالقلم. ميزة رافقت لقمان ديركي في قصائده ومقالاته، والآن في قصصه المروّسة.

السفير
2006/10/27

******

سيرة الهرّ المنزلي" مجموعة قصصية للقمان ديركي

شخصيات تصنعها الحياة بمنأى عن سلطة الراوي

جهاد الترك

إنه الموسم الأمثل للكتابة على نقيض ما يشيعه بقايا نقاد ومفكرين وأوصياء من فئات الأكثر أمية في الوطن العربي. ذريعة هؤلاء ان مجتمعات آيلة إلى الأرض الخراب، وأن ناسنا أصبحوا كائنات مدجّنة بفنون القهر والاستيداع خارج أروقة الزمان والمكان. يزعم هؤلاء أن الانتماء إلى "الثقافة العربية المعاصرة" ينبغي أن يتقاطع، بالضرورة، مع الإحساس العميق بالحاجة القصوى إلى الانتحار الإرادي بعدما فقد الربيع هويته الجميلة، وبعدها أحجمت السنابل عن الامتلاء بحبات القمح، وبعدما شرعت المخيلة أبوابها لجحافل النمل وأسراب الجراد. ليست الثقافة، على الأرجح، تعبيراً تلقائياً عن الموت الزاحف إلى الكينونة البشرية. ليست تصفيقاً حاداً للتبشير بمشاهد القبور بين المنازل والعيون والبراعم الناهضة من سكينة الأرض. وليس السعي إلى معانقة الهزيمة تلو الهزيمة ضرباً من الاستشهاد المقدس للتماهي مع الأمر الواقع الذي يسوّقه الآخرون في أحلام اليقظة وثرثرات الليل والرقص المضحك على إيقاع المنابر والشاشات المعلبة. ومع ذلك، ثمة ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن الأقفال الحديدية التي أوصدت بها إقاماتنا الجبرية على وشك ان تنتهي صلاحيتها. فقد داهمها الصدأ الكثيف، وأضحت قضبان الزنزانات تركة مثيرة للاشمئزاز من ارث الهزيمة.. من روث الوطاويط.. وحكايا الخرافات وأساطير الخوف والترهيب من الفجر القادم. ليست الهزائم السياسية والعسكرية سبباً مبرراً للادعاء بأننا، على قاب قوسين أو أدنى، من مشاهد يوم القيامة. إنها، على الأرجح مدعاة مثيرة للسخرية والضحك المجلجل، بأن أقدارنا محكومة بالسقوط المدوي، وبأن "أسلحتنا" قد تنقلب علينا عندما تنتشر روائح البارود في أول معركة حاسمة. لسنا والهزائم، توأمين لا ينفصلان الا بمقدار ما يروّجه هؤلاء "الأوصياء" على الأدب والفكر والتاريخ بأن الطريق إلى الموت هو ثقافة الحياة... وأن القبر هو المكان اللذيذ الذي تستقر فيه أشلاؤنا المتعفنة. ليس الأمر كذلك، على الأغلب. فثقافة الموت التي يبشّر بها هؤلاء مذيلة بثقافة الهزيمة وممهورة بثقافة القبر المفتوح إلى الأبد، هي ضرب "معاصر" من الإصرار على ثقافة الفناء المجاني. مغامرة مجبولة بالدم، تفوح منها رائحة الأضحية التي كانت تقدم قرابين في العصور الوثنية الغابرة.

ثقافة الهزيمة

هذه، على الأرجح، بعض من الإيحاءات البعيدة والقريبة التي تنطوي عليها المجموعة القصصية للكاتب لقمان الديركي وعنوانها "من سيرة الهر المنزلي" (الصادرة عن دار رياض الريس ـ 2006). قد يخيّل إلى بعضهم ان التصورات الواردة في مطلع هذه العجالة، قد تضفي على هذه المنظومة القصصية ما يجعلها منكبة على مناقشة ما بات يُعرف، تحبباً، بثقافة الهزيمة أو الاستسلام الطوعي لأجوائها الملبدة بغيوم الارتباك وفقدان البوصلة السياسية والثقافية. إن اعتقاداً كهذا، لو وُجد، فإنه قد يشير، بالضرورة، إلى ضحالة المقاربة الأيديولوجية وأدواتها المتخلفة عن قراءة النص في فضاءاته الانسانية الواسعة. تسعة عشر نصاً قصصياً قصيراً هي قوام المجموعة المذكورة. يتناول كل منها، على وجه التحديد، مشاهد ومواقف وأحداثاً من خزان الذاكرة، يتخفّف من ثقلها بعد أن يعيد تشكيلها في علاقاتها المنسجمة أو المتناقضة مع بيئاتها الأرحب. الملفت، في هذا السياق من الكشف المرهق عن مخزون، بات في عهدة الماضي، ان استرجاع هذه المادة من مستوعباتها الراكدة، لا يخضع لضرب من التلقائية الساذجة. لقمان ديركي، لا يصنع القصة القصيرة ليستأثر لنفسه بالأحداث، أزمنة وأمكنة وشخصيات. لا يفعل ذلك ليزعم أن لديه استيعاباً درامياً لحركة الشخصيات في محيطها الاجتماعي، أو أنه يقدم على هذا النوع الأدبي لأنه يتقن استعادة الماضي إلى كنف الحاضر. الأهم، على الأرجح، في ما يصيغه من وقائع يتحكم بأجوائها، هو أن يقيم لنفسه مكاناً حقيقياً في الحيز الروائي الواسع. بمقدوره ان يصنّف ذاته الروائية في خانة الضمير الغائب. أي أنه يقحم نفسه في السياق القصصي على نحو قد يوحي بأن مشاركته في الحبكة الروائية قد تكون أمراً مزعوماً، غير أنها ضرورية لاستقامة البناء الروائي. على هذا الأساس، قد لا نعثر على مبرّر يذكر لدى الكاتب، في انه يقتحم تجربة القصة القصيرة من بوابة الراوي الذي غالباً ما يصوّر نفسه طرفاً محايداً يروي التفاصيل بأمانة إبداعية. انه، في هذا الإطار، أكثر ميلاً لأن يكون راوياً ومروياً في آن. لا يجد أهمية تذكر لقصة لا يكون هو أحد مرتكزاتها. قد يبدو هذا التوجه منسجماً مع التساؤلات الكبرى التي يطرحها الكاتب في النصوص جميعاً، ولا يجيب عن أي منها. غير أنه، في الوقت عينه، يطمئن، بلا شك، لمشاطرته الشخصيات الأخرى أعباءها الفكرية والاجتماعية والسياسية، رغبة منه في الاقتراب من ذاته الداخلية وهي ترقب حركتها في مرايا الآخرين وفي نسيج أحلامهم وتطلعاتهم وأوهامهم.

نصوص قصصية قصيرة جداً، وأحياناً قصيرة جداً، لا يصلح أي منها لأن يكون مشروعاً لبناء روائي مكتظ بمزيج معقد من الأمكنة والأزمنة ومراكمة الشخصيات والتعقيدات الاجتماعية والنفسية. نصوص مقتضبة لا تستقيم إلاً في بنياتها الدرامية التي صيغت بها. هذا سر نجاحها في ما تستهدف من تكثيف للصورة في دائرتها الواقعية، واستخلاص للشخصيات في زبدتها التي غالباً ما تطفو على سطح الأحداث.

الكوميديا السوداء

ومع ذلك، ثمة ما يحيل هذه النصوص العنيفة في سطوتها الواقعية وجرأتها المرهفة في الكشف عن مركباتها المعقدة، ضرباً من الارتقاء بهذه الواقعية الفجة إلى مرتبة الكوميديا السوداء، ليس المقصود بذلك، استنزاف الشخصيات حتى الرمق الأخير تمهيداً لإيصالها إلى شفير الهاوية، ليصار بعد ذلك إلى الاستهزاء بها والسخرية من الطرائق التي تدير بها حياتها.
الكاتب لا يصدر أحكاماً بالإدانة على أي من شخصياته. ولا يعرضها لمواقف ملتبسة أو مربكة من شأنها أن تثير فينا استغراباً يؤدي إلى الإحساس بالضحك الماجن. كل من النصوص التسعة عشر ذو حبكة قصصية تبعث على الدهشة الكامنة في تفاصيل حياتنا الرتيبة. في هذه الأجواء المتأرجحة بين شخصيات لا تخجل من التعبير عن غربتها، كذباً واحتيالاً وانتهاكاً لمسلمات الواقع والأعراف والتقاليد، يوجه الكاتب ضربة موجعة إليها، لا تصيبها مقتلاً ولا تصنفها في خانة الأحكام والمسميات الاجتماعية المتوارثة. يتعمد ذلك لحملها على الاحتفاظ بتلقائيتها الدرامية حتى لا يتحول النص القصصي أسيراً في دهاليز الراوي. لا يتجرأ الكاتب على ذلك، ولا يزعم أنه القوة المهيمنة الوحيدة على أقدار هذه الشخصيات المستضعفة في الأساس.

يبلغ النص ذروته الدرامية في اللحظة التي تسترسل فيها الشخصيات في التعبير عمّا تظنه حقاً مكتسباً لها في الإفراج عن مكبوتاتها وإطلاق أحلامها والتشبث بأوهامها. هذه الأقانيم الثلاثة هي، على الأرجح، الإرث الذي يفتخر به كل من هذه الشخصيات. ذخيرة يستخدمها كل منها ليقنع نفسه بأن الحياة لا تزال جديرة بأن تعاش، وإن كان في قرارة ذاته المنهكة، يدرك بأنه يستجدي أملاً باهتاً هو أشبه بالأوهام المريضة. في هذه اللحظة الحاسمة بالتحديد، يتدخل الكاتب للإيقاع بهذه الشخصية أو تلك. ليس لإلحاق الهزيمة بها أو كشفها على عريها العابث. بل لجعلها عرضة للتداعيات التي اختارتها هي لنفسها. لا يسعى الكاتب إلى الانتقام من أي منها، ولا يحاول الثأر منها ولا يحقد عليها. يسير خلفها في الطريق التي ترى فيه أنه الأقرب إلى الانسجام مع عوراتها الثقيلة والعقد النفسية التي لم تعد قادرة على الشفاء منها. في هذه اللحظة أيضا تتحقق شروط الكوميديا السوداء. الشخصيات تسقط سريعاً في متاهاتها الشاسعة. تغيب عن الواقع الذي تحتقره، في الأصل. تبدأ سلسلة من الهلوسات، لا ندري أتثير فينا دهشة الاشمئزاز أم رغبة في الضحك عميقة ودفينة. ومع ذلك تبعث فينا هذه الشخصيات إحساسا بالفرح الغامض. فهل نضحك عليها أم على أنفسنا أم على المنظومة الاجتماعية السياسية التي يُعزى عليها، على الأغلب، "المساهمة" الكبرى في إشاعة هذه الأجواء المحزنة المضحكة إلى حد الثمالة في وضح النهار.

وهم الانهيار

عود على بدء. إنه موسم الكتابة الأمثل في زمن "الانهيار" الأمثل للذات العربية. هكذا يقولون لنا لتبرير الهزيمة قبل وقوعها. ومع ذلك، ليس من انهيار ولا هزائم مسبقة إلاّ بالقدر الذي نصدّق فيه بأن إلحاق الهزيمة بشعاراتنا التاريخية المقدسة هو نهاية الحياة والتاريخ والسلالات العربية.
في المجموعة القصصية أمامنا ما يشير إلى أن الكتابة في زمن "الانهيار الكبير" هي انهيار لثقافة الانهيار عينها. الشخصيات التي تدور في فلكها هذه النصوص الكوميدية الطريفة والقريبة إلى القلب، ليست مأزومة بالتوارث "الحتمي" كما يشيع "مثقفو الهزيمة". كما أنها لم تعرف المتاهة وألم الاغتراب عن الذات، ولم تتعايش مع الأوهام المترهلة من تلقاء نفسها. لم تولد هذه الشخصيات في رحم الهزيمة. وإن كانت قد نمت وترعرعت في رحم أضيق تفوح منه روائح الهزائم المصطنعة للايحاء بأن هزيمة الإنسان العربي هي من صنع أقداره المتغطرسة، يشير الكاتب إلى ذلك، إما تلميحاً وإما تصريحاً وإما علانية على هامش القصة حتى لا يلوثها بنظريات السياسة والتسييس.

لقمان ديركي ماهر وهو يقدم شخصياته، واحدة تلو الأخرى، ليس بصفتها منهكة بأمراض الهزائم. بل باعتبارها مقاومة بشراسة من أجل الحصول على حياة عزيزة أفضل. والأرجح، أن اللافت في هذه النصوص القصصية القصيرة، أن بيئاتها المغلقة "بنعمة" التخلف المغدق على شخصياتها المتعددة، لا يدفعها إلى الامتثال لتباشير التشاؤم المدروس الذي يُدس في الطعام ويُبث مع الهواء ويلقن في الكتب "النادرة"، تمهيداً لإعادة صوغ للإنسان العربي على شاكلة الأصنام الهاربة من التاريخ. على النقيض من ذلك، تلحظ بوضوح أن هذه الشخصيات التي أرهقها البحث عن هوية سُلبت منها خلسة، تقاوم هزائمها المنسوبة اليها زوراً وبهتاناً، بأسلحة هي من صنع غرائزها "و"انتهازيتها" المبررة في عصر الانتهازيات الكبرى التي أصبحت تستحوذ على منزلة "القداسة". حسناً فعل الكاتب وهو يرقب شخصياته وهي تحمي نفسها بأقنعة الفكاهة، حيث لا تكلف نفسها عناء الإجابة عن التساؤلات "المصيرية". لا شيء من هذا القبيل في المجموعة القصصية، سوى تلك الخلاصات الكوميدية المرهفة التي تشبه، إلى حد كبير، قهقهة مدوية على الواقع المرذول.

وفي أي حال، ليس في أي من هذه القصص القصيرة، ما يدل على أن أياً من الشخصيات يقودها هذيانها إلى توريث ذاكرتها المثقلة بأحزان الحاضر وانسحاقاته إلى من يعقبها. لا يقع الكاتب في هذا المطب الخطير. تنتهي الشخصية بنهاية القصة. لا تترك فينا انطباعاً بأنها مرشحة للاستنساخ.

سلطة الراوي

قد تبدو هذه الملاحظات الأولية، مقدمات موضوعية، على الأرجح، للدلالة على طبيعة العلاقة بين الراوي، وهو الكاتب نفسه، الذي يتقاسم الفضاء القصصي مع سائر شخصياته الدرامية. يتشارك وأبطاله أفراحهم وأتراحهم وتفاهاتهم وانتصاراتهم المزعومة وهزائمهم المؤكدة. لا يخطئ الحسابات، فيضع نفسه في موقع متقدم عليهم باعتباره اليد الخفية التي تدير حركة القصة في سياقاتها الداخلية التي قلما تصل إلى التحكم المباشر بعوالمهم الخفية أو الغامضة، أو تلك التي تستعصي على بنية القصة القصيرة. من هذا المنطلق، بالتحديد، لا يورّط الكاتب نفسه في ما لا يعنيه، على مستوى قراءة الشخصيات في أبعادها النفسية العميقة قبل أن يطلقها على خشبة سياقه الروائي. يحفر لرؤيته القصصية مكاناً ثابتاً، على الأغلب، هو في منزلة بين منزلتين اثنتين. أولاهما تتمثل في أنه لا يبدو معنياً، على الإطلاق، في أن يمنح شخصياته حيزاً قصصياً لا تستحقه، في الأساس، يدور، بشكل رئيسي، حول السيرة الذاتية لكل منها. والدليل، ان كلاً من هذه الوجوه المتعاقبة في النصوص القصصية لا يبدو ذا قيمة درامية تذكر بعيداً عن التفاعل اليومي الحي الخلاق مع أمثالها في الإطار القصصي العام. غالباً ما طالعنا الأدب القصصي والروائي، في العقود الثلاثة الأخيرة، على وجه التقريب، بتحوله التدريجي نحو معالجة صعبة ومعقدة لشخصيات بعينها. وقد شكل عدد وفير من هذا النتاج القصصي والروائي كشفاً مستجداً وهاماً لما يمكن تسميته "السيرة الذاتية" التي تنطوي، في طبيعة تكوينها، على تحويل التجاذبات العنيفة للذات في حركتها الداخلية العميقة، سياقاً قصصياً مكتملاً بذاته. في هذا الإطار، تكتسب الذات، في أبعادها الضيقة، صفة الموضوع ومشروعيته. ويصبح الفرد، موضوع الرواية أو القصة، هو المعبّر الأكثر دلالة على بؤرة اجتماعية بكاملها.
لا نعثر على خصائص من هذا القبيل، في مجموعة لقمان ديركي. لا سلطة مطلقة للراوي على شخصياته، أسوة بالسلطة المطلقة التي يمارسها الحاكم على أفراد "الرعية". لا يقترب الكاتب من هذه المناطق الحساسة التي تنسب إلى الراوي قدرات في صنع الشخصيات لا يحق له تملكها، على الأرجح.

لذلك، قد نلحظ أن هذه الشخصيات، بمختلف انتماءاتها السياسية والطبقية، هي من صنع الحياة أكثر منها من صنع إرادة الراوي وتوجهاته وتصوراته التي لا تبرأ، في العادة، من موروثات السياسة وتقاليدها المحيرة في المجتمعات العربية.

لا ضير في ذلك، طالما ان هذا الإطار القصصي الذي يعطي الراوي حقه، والحياة حقها في صوغ الشخصيات، يتحول أداة للكتابة الحقيقية المنسجمة مع دينامية الحياة المتطورة باستمرار. لا بأس في ذلك، طالما أن هذه التقنية الحية في مقاربة القصة تسترد الشخصيات من الكنف الذاتي للراوي، وهو السلطة القدرية التي لا تُرد أحكامها، إلى رحاب الحياة النابضة بمفاجآت لا تُسّر فكر المؤسسة. لا بل تعيد إليه كرة المأزق والهزيمة المزعومة.

إنه زمن الكتابة الأمثل في فضاء الحياة والحرية بعيداً عن العسس والمرتزقة.

المستقبل
السبت 21 تشرين الأول 2006