(وجهان جديدان لفرناندو بيسوا: السينمائي والمفكر)

اسكندر حبش

اسكندر حبشهل فعلا تضمنت هذه «الحقيبة السحرية» كل هذه الكتابات وكل أولئك البدلاء الذين ما زالوا يتوافدون إلينا كل فترة؟ سؤال لا بد أن تطرحه «الحالة بيسوا»، نظرا إلى اكتشاف كتابات جديدة، في كل مرة نظن أن النصوص التي تركها الشاعر البرتغالي الكبير وراءه، تصل إلى حدودها الأخيرة. لكن في كل مرة نتفاجأ بوجه آخر من هذه الوجوه المتعددة التي لا تحصى. آخر هذه الوجوه «بيسوا السينمائي»، إذ تصدر له منشورات «شاندين» في فرنسا كتابا صغيرا يتضمن سيناريوهات لثلاثة أفلام قصيرة كان بيسوا كتبها في مطلع حياته، مثلما تعيد منشورات «بورغوا» إصدار كتاب «باختصار»، والعنوان من وضع الناشر، حيث تجمع فيه بعض الأفكار الفلسفية التي تنشر للمرة الأولى بالفرنسية. أفكار تقترب كثيرا من «الشذرات» (الأفوريسم) وهي تعود إلى بعض الأسماء المتفرقة التي كتب بيسوا عبرها حيث تظهر لنا بدورها جوانب مختلفة من تفكير كل أولئك «الذين كانوا غيره ونفسه في الوقت عينيه». حول هذين الكتابين، هذه المقالة.

هل يجب علينا أن نضع «سينما باريس»، الواقعة في حديقة «الإيستريلا»، حيث مبناها لا يزال صامدا لغاية اليوم، ضمن قائمة الأمكنة التي علينا زيارتها، إذا ما قررنا يوما «الحج» إلى هذه العوالم التي تشكل الذاكرة الحقيقية للشاعر البرتغالي الكبير؟ يرى الباحث باتريك كوييه، في تصديره للكتاب، أن بيسوا كان معتادا الذهاب إلى هناك، لأن هذه الصالة المعتمة، بألعابها السوداء والبيضاء، وبخيالاتها الساحرة والمدهشة وهي خيالات صامتة لغاية العام 1927 وناطقة في السنوات الأخيرة من حياته، لكن الموسيقى كانت تصاحبها دوما، ليجد راحة بالاستماع إلى هذه الموسيقى كما متعة في هذه الشرائط التي تمر أمامه تشكل له نوعا من مغارة سحرية، حيث قدمت له «تعليما سرّيا» لم يتحدث عنه كثيرا خلال حياته، وإن كانت، في واقع الأمر، مرحلة خصبة من ضمن المراحل الأخرى التي استفاد منها.

من هنا، كيف لهذا الذي اخترع وحرك هذا «الحشد الداخلي»، الأكثر دهشة من أي حشد آخر وأقصد سيرة البدلاء أو هذه «الدراماتورجيا الوجدانية» أن لا يكون حساسا تجاه هذه «الانمساخات» العديدة، (بالمعنى الديني الهندي)، التي يستعرض عبرها الإنسان نفسه من على الشاشة؟ كيف لهذا الشخص الذي اعترف في مواقع متعددة، «بمواهبه الوسيطة» (الصلة بين البشر والأرواح في التنويم المغناطيسي)، والتي بفضلها كان يرى، في بعض الظروف المحددة، العديد من ندوب شخصيات معينة، وبخاصة ندوبه هو كيف له أن يشاهد، وبدون اهتمام، لعبة هذه الأشكال المتحركة، وهذه الظلال وهذه الأنوار الدائرة أمام بصره في هذه «المتاهة» الخاصة بالاحتفالات الحديثة؟

ميراث الغنوصيين

من المعروف لقارئ سيرة بيسوا وأعماله، أنه «شدّ عاليا وبقوة قوس روحه» (بحسب تعبير فرانسواز لاي) حتى لا تخطئ السهام هدفها ما بين الحدين الأقصيين اللذين كان عليهما كل من ألبرتو كايرو من جهة، إذ كانت الرؤية بالنسبة إليه عبارة عن علم لم يتوقف عن اكتشافه في كل لحظة من حيث «أن الأشياء هي الحس الخفي للأشياء»، وما بين افتراضه التعليمي من جهة أخرى لغموض ميراث الغنوصيين، الذي كان يضعه في مواجهة مع ما يسميه "Alem - Deus" (ما وراء الله). لذلك هل من المعقول أن لا يكون شعر بأي «ترانيم عميقة» وهو ينظر إلى هذه الشارات المتحركة أو إلى هذه الوجوه التعبيرية والمستغربة في الوقت عينه التي كانت تضخها السينما في عصره؟ ماذا بإمكان مخترع «الحسوية» و«التقاطعية»، وهما علمان من علوم الجمال وقد شكلا بالنسبة للأدب ما شكلته التكعيبية والتوحشية للفن التشكيلي: نشوة أحاسيس ونسيج مقاطع مؤسسة ومترابطة بشكل مستمر على تقنية المونتاج؟ نعرف أن ألفارو دو كامبوش، في قصيدته «نشيد الظفر»، كان رتل وأنشد «هذه الآلات الحديثة» مثلما كان معجبا بالصور «التي تتحرك». أما مؤلف «كتاب اللادعة» (برناردو شواريش) فكان من جانبه رسام هذه المناظر البهية ذات التركيز غير المتوقع على هذه الشخصية أو على تلك مثلما كان يركز على تأثيرات تبدل الأنوار والأضواء، عبر زوايا نظر مختلفة، ذات اتساع كبير، وهي زوايا تركز بدورها رؤيتها على أبنية لشبونة كما على أناس هذه المدينة. وربما كان يمكننا أن نضيف إلى ذلك كله هذه المسحة المضحكة المستلة من الثقافة الإنكليزية، وبخاصة حين نتخيل هذه المواجهة ما بين باستر كيتون وشارلي شابلن، إذ أخذ من الأول هذه البرودة أو هذه اللاانفعالية ومن الثاني مهارته في تبديل شكله المستمر.

في أي حال، وعلى الرغم من الوثائق الكثيرة التي تركها بيسوا وراءه، إلا أنه لا يمكننا إلا أن نبقى عند هذه الفرضية في ما يخص بيسوا السينمائي: ثمة، بالتأكيد، عند الشاعر البرتغالي، تأمل متواتر حول الفن السابع، إذ، بداية وببساطة، كان عليه أن يجد في هذا الأمر وسيلة جديدة تزيد في إمكانيات «الإحساس بكل شيء وبشتى الوسائل». من ثم نجد أنه كان منشغلا طيلة حياته بمسألة الإيقاع، من هنا قد يكون من المحتمل جدا أن تكون السينما قد قدمت له حول هذا الموضوع مادة تفكير قوية. أما أخيرا، وكما نعرف، فإن بيسوا حاول جاهدا، ومن دون أي كلل، أن يصبح ممثلا مسرحيا وحتى أنه حاول مثلما تؤكد نصوص هذا الكتاب على أن يصبح كاتب سيناريو.
لو عدنا إلى سيرة فرناندو بيسوا التي كتبها روبير بريشون لقرأنا أنه بعد رحيل بيسوا عُثر في مكتبته على بقايا كتاب بعنوان «فكرة الإيقاع» لكاتب يدعى ألفونس شايد، ونشر في العام .1905 كان هذا الكاتب يشكل امتدادا لتيار فكري بدأ مع برغسون، واستمر مع بيسوا أيضا يحاول إعادة إحياء مفهوم الحركة الحيوي. لم يغب هذا الأمر عن بال بيسوا كما عن بال بدلائه، إذ نجد عنده وعندهم هذه الأصداء القوية، وبخاصة في مواقفه كما في وحيه النيتشوي وبخاصة ضد ما أسماه ثبوت الأشكال والمفاهيم وذلك لصالح «هذه اللادعة الذهنية غير المنتهية». في الصفحات الخمسين التي بقيت من هذا الكتاب، وعلى قول بريشون، كانت غنية بالصيغ والتعابير التي كانت تشكل، بدون شك، نوعا من التحريض والاثارة. يخلص شايد في كتابه هذا، وبسرعة، إلى سيادة الحركة وقدرتها المطلقة، يقول: «في كل مكان، وبفضل التحليلات، نصطدم اليوم بهذا الأمر الغامض... الحركة التي، وتحت شكلها الأسمى، قد تُغير الفكر...». من هذه الزاوية لا بد لنا أن نتذكر ما كتبه بيسوا نفسه، في الكتاب الوحيد والصغير الذي أصدره في حياته «رسالة»، حين يتحدث عن «البهيمة التي تقف في أعماق البحر». ويضيف شايد متسائلا: «وهكذا، لنبقي كل الحركة، هل علينا أن نلجأ إلى الصور المتحركة. يحدق السينمائي بالتذبذبات الحديثة، يبحث عن الوحش في أعمق أعماق المياه المظلمة حيث يختبئ». بالتأكيد ثمة رنين لهذه الجملة في فضاء بيسوا، تماما مثل النوطة الموسيقية التي تبحث عن نغمتها فوق الأوتار لتصدح وتبتعد في ما بعد.

من هذا المنطلق يأتي السيناريوهان الموجودان في هذا الكتاب. سيناريوهان غير مكتملين، إنهما محاولة للوصول إلى صيغة فيلم. الأول بعنوان «الطوابق الثلاثة»، وكان بيسوا قد كتبه بالانكليزية، لكن الغريب في الأمر أن ثمة فكرة متشابهة مع ما كتبه بعد عقود الكاتب الفرنسي جورج بيريك في روايته "La vie mode d"emploi"، حيث نجد أن ثلاث عائلات تقطن في بناية واحدة وهي تمثل ثلاث طبقات اجتماعية، نتابع عبرها حيواتها المتعاقبة، في ما يبعدها عن بعضها البعض، كما في ما يقربها من بعضها أيضا. لكن ما يختلف عند بيسوا هو رغبته في أن تكون هذه البناية، هذا المكان الميتافيزيقي الذي يبدو أشبه بالثالوث المسيحي. أما السيناريو الآخر، وقد كتبه بالانكليزية أيضا، يحمل عنوان «الأرستقراطي المتعدد»، حيث نجد أن غالبية شخصياته تنتمي إلى الطبقات الراقية، لكن عرضة لسخرية خدامهم، ما يتيح لبيسوا الفرصة في أن يفكر بهذه العلاقة الجدلية ما بين السيد وخادمه.

قد لا يكون وجه بيسوا السينمائي على درجة كبيرة من الشهرة، إذ نكتشف ذلك حاليا، لكن علينا أن نعترف أن هذا الوجه، وعلى الرغم من قلة أهميته في هذا البناء المتعدد الذي شيده، يتيح لنا أن ندخل إلى حياة أخرى، كانت مصنوعة من كل هذا القلق الذي لم يعرف دواء له، إلا محاولات كتابة بقيت رهينة هذه الحقيبة.

باختصار

إذا ما أتاح لنا الكتاب السابق في اكتشاف الوجه السينمائي لبيسوا، فإن كتاب ب«اختصار» يتيح لنا أن نتعرف على «الفكر الفلسفي» لهذا الشاعر. صحيح أن «الاختصار» كان ضد طبيعة الشاعر، بالأحرى كان يعده ضد الطبيعة البشرية، على الأقل إذا كان يكتب نثرا. ألم يقل في «كتاب اللادعة»، وبسخرية: «لم يتراء لي البتة أنه بين نقطتين أ. و ب. كان الخط المستقيم أقصر الطرق» من هنا شكل الاختصار بالنسبة إليه أمرا أسوأ من اللامعنى أو من غيابه.

ومع ذلك، تقدم «منشورات بورغوا» مختارات من الأفكار المختصرة العائدة لبيسوا التي كان قد رماها صدفة على الأوراق وبشكل متفرق، لتجمع في الطبعة الفرنسية للمرة الأولى. مثله مثل أوسكار وايلد أو مثل برنارد شو، كان بيسوا يتحكم بالسخرية بحرفنة كبيرة وإن جاءت بحجم مختلف. فما كان يتراءى لهذين الكاتبين البريطانيين بمثابة نزوة أو نتوء كان يشكل عند بيسوا تجربة خام، ومن دون أي استعداد، لفكر مرير، أليم في أغلب الأحيان، مولود من تجربة طويلة في التوحد والانعزال. هو توحد عاطفي، إذا جاز التعبير، لكنه أيضا توحد هذه الروح العليا التي ترغب في أن «تقتل» هذه التفاهة المسيطرة على كل شيء.

هذا الانعزال الموسوم بالقسوة، أو بالأحرى بعزة النفس المتطلبة، هو ما يشكل السمة المسيطرة على هذه التأملات والشذرات المتناقضة، التي يتضمنها كتاب المختارات هذا. غالبية الشذرات لم يسبق لها أن صدرت بالفرنسية من قبل. وسيتعرف قراء بيسوا بالتأكيد على الموضوعات التي يقترب منها والتي جاءت عبر بيسوا نفسه كما عبر بدلائه وبخاصة برنارد شواريش أو ألفارو دو كامبوش أو حتى البارون دو تيف. شذرات تخبرنا عن مكانة الإنسان في هذا الكون، عن مسألة وجود الله، مواجهة الوعي البشري مع الفن أو مع الحب... بالإضافة إلى العديد من الموضوعات التي سبق له أن عالجها وتحدث عنها في كتبه السابقة كل بيسوا الفكري هنا، لكنه ب«اختصار». ومع ذلك، اختصار يحدثنا بالكثير الكثير.

السفير
11 يوليو 2007