(في محاولة مني لصباح زوين)

فادي وهبه
(لبنان)

" حنكة القصيدة - الكتاب"بضعة أيام تكفي لدفع لغة،/ صورة قطار تكفي لبناء قصيدة./ مطر قليل يكفي لامتداد كتابي،/ مشهد امرأتين يكفي لإيحاء طويل"، تقول الشاعرة صباح زوين في احد مقاطع مجموعتها الاخيرة "في محاولة مني"، الصادرة أخيراً عن دار نلسن، لتختصر بسطورها هذه عملها نفسه حيث يكفي مطر قليل ومشهد امرأتين غريبتين تطلّ عليهما من نافذة قطار، لاستدعاء شريط طويل من اللغة والاحاسيس والصور والمشاهدات. على هذا المنوال تنسج الشاعرة قصيدتها، التي تحاكي سير القطار، نصياً ورمزياً وايقاعياً. هنا، المشهد لحظوي، وكل شيء، وجوهاً وناساً وأمكنة، هو في حكم الابتعاد، مرصود للعبور، فيما الشاعرة تحاول انقاذه من شرطه الصعب باستعادة صداه. وعلى غرار الدوائر التي يُحدثها ارتطام جسمٍ ما بسطح الماء، هكذا تتمدّد اللحظة في الزمن، فيصير رجعها جزءاً منها ومن تكوينها.

"الوقت ليس لنا./ الامكنة غائبة./ وتزيدني غيبوبة امرأتان على رصيف المحطة!/ امرأتان بقيتا واقفتين، تتشابهان امرأتان حدّقتا/ فيّ من خلال شبّاك القطار". بعد هذا المشهد الذي تفتتح القصيدة عليه، ينطلق النص في محاولة لاستعادة المشهد كلما أمعن في غيابه وصار أبعد. لكن المشهد لا يُستعاد وحيداً، هو ايضاً ذريعة لاستعادة لحظات اخرى بقيت هناك: مدينة وبيت ولحظات ضابية مع "أ"، ومقاهي ارصفة، وشوارع، وسواها من المشاهد العابرة تحلّ كلها لتعكس معضلة الزمن لدى الشاعرة. ثمة دوماً "رحيل قريب"، واشياء متروكة في الخلف: "بقيت الاواني/ على الطاولة،/ وسترتي البنية معلّقة/ الى الباب،/ وكلام رتيب، كما ألوان المساء،/ في ذاكرة"، ووقت لم يعد ممكناً، لم يعد معقولاً.
هنا، للذاكرة دورها ايضاً. لا بل هي الركيزة الاساس التي ستنبني عليها القصيدة. الذاكرتان القريبة والبعيدة المدى على السواء، تلتقيان لتصنعا عالماً من طبيعة افتراضية، يحاول ان يشكل المقابل الابقى حيال تذبذب الواقع وهشاشته وعدم صموده في الوقت، ويسعى الى "فرملة" قوة الدفع التي ينطلق بها هذا الاخير تاركاً كل شيء خلفه. ثمة شيء تراجيدي في هذه العملية، عبثي ايضاً ومؤلم، لا تنفك تبعاته تظهر في القصيدة في شكل متواتر، على شكل ألم تقوله الشاعرة مباشرة وفي شكل صريح: "في غرفة مدينة أليفة/ تمدّدتُ على السرير،/ ونظرتُ الى الشبّاك الخشب المغلق./ ثم تذكرتُ مكاناً آخر،/ تذكّرتُ اني غادرت،/ وتمنيتُ ان اموت". يحضر هذا الحزن ايضاً بقوة في النبرة المستخدمة، وفي ايقاع القصيدة الذي يتقدّم برتابة كئيبة تحاكي رتابة سير القطارات حقاً: "كنتُ اريد ان اموت،/ الا انني ضحكتُ/ في زرقة السماء" تقول، وفي مكان آخر: "كان يوماً طويلاً،/ وكان المطر ايضاً./ كنا في اواخر الربيع،/ والغروب في أوّله./ الا اني بعد الكلام/ دخلتُ الكنيسة الصغيرة/ لأموت قليلاً". وفي كل مرة، ثمة سعي الى اعادة ترتيب وجودنا من بين الحطام الذي يتركه هذا العبور في الروح، كأني بالشاعرة في صراع لا ينتهي مع الوقت، هذا المنتصر ابداً.

بكلمات بسيطة تحدد صباح زوين الاشكالية التي تواجهها: "على رصيف المحطة أخذ يخبو طيفي./ كان الوقت عصراً،/ والمدينة توارت،/ هناك، حيث بقي شيء مني،/ حركة يدٍ والجلوس للفطور". في البداية اذاً، ثمة الأنا المشطورة نصفين، نصفاً لا يزال واقفاً على رصيف المحطة ونصفاً آخر يراقب من خلف زجاج القطار. لا يعود واضحاً ايٌّ من الجزأين هو الثابت، وايٌّ منهما هو المتحرّك. نسقط في ايهام كامل يجعل الانا القابعة وراء الزجاج تبدو كما لو انها غير قادرة على التمييز: من الذي يعبر هي ام المشهد في الخارج؟ اذذاك تختلط المشاهد التي تعبر خارج زجاج القطار بتلك التي لم تأتِ بعد، بأخرى هي عبارة عن شذرات من حياة عبرَت: "رأيتُ مزهريات من الآجرّ/ على حواف النوافذ،/ ومقاهي على الارصفة،/ ومسافرين كثراً،/ في طريقي نحو بيتٍ لم أكن رأيته بعد"، تقول الشاعرة.

المعضلة الاساس هي مع الوقت، هذا الذي يجسّده القطار أحسن تجسيد، الوقت الذي يبدأ مجدداً عند كل محطة، الوقت الذي هو عبارة عن لحظات ميتة - "أوقات مائتة" تسمّيها - تحاول الشاعرة عبثاً بثّ الحياة فيها من جديد، وتمديدها في الزمن علّها لا تسقط في الغياب التام: "في اليوم الاخير،/ تساءلت عن المعنى./ ربما المعنى في صورة/ المرأتين المتشابهتين،/ لحظة الى الازل". تتساوى اللحظة بالازل، الجزء المحدود من الزمن بالكلّ اللامتناهي منه: "المكان غاب عني/ وغاب عني ركنٌ/ تحت نافذة كبيرة./ غبتُ في لحظة ابدية، لحظة امرأتين لا اعرفهما". في الاطار ذاته يمكن وضع النهاية المفتوحة التي تختتم عليها القصيدة: "لستُ اعرف/ كيف انتهت الرحلة،/ او ربما/ لم تنته،/ وما زال القطار/ سائراً بي،/ والسكة من تحتي/ تتقطع كلمات/ مائلة".