وديع سعادةتصدر خلال أيام الأعمال الشعرية للشاعر اللبناني المقيم في استراليا وديع سعادة عن دار «النهضة» (بيروت)، وهذا أمر يستحق الاحتفاء والتأمل في أحوال شعره ونشره، ذلك أن معظم كتبه الأولى أصدرها في نهاية السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، وهي إصدارت خاصة غير متوافرة إلا على شبكة الانترنت.

لسعادة تجربة في النشر، فقد أصدر بعض كتبه لدى بعض الدور لكنها لم توزع على النحو اللازم، هذا ما لاحظه أخيراً عندما نشر ديوانه الأخير «تركيبٌ آخر لحياة وديع سعادة» على الانترنت، وتبين له أنه حظي باهتمام أكثر من الكتب السابقة نظراً الى وصوله الى عدد كبير من عشاق الشعر، و{فتح» عينيه على النشر الالكتروني، لكن مهما تكن أهميته يبقى وضع القصائد بين جلدتين طقساً له وقعه الخاص.

يحظى سعادة باهتمام النقّاد منذ مجموعته الأولى «ليس للمساء أخوة» التي صدرت عام 1978 وحتى مجموعته الأخيرة «تركيبٌ آخر لحياة وديع سعادة»، ومنشأ هذا الإهتمام ليس أسلوب سعادة المتميّز في غواية الصورة او اللعب و{محاولة لحم أحرف محاولة إكمال كلمة»، يقول الشاعر في إحدى قصائده: «إني ألعب الآن». اللعبة تدور مع الكلمات بالطبع، الكلمات التي فقدت وقارها وجدّتها بالنسبة الى الشاعر، ثم يقول: «عليَّ أن أستدرج الكلمات للعب وهي ترفع خنجرها عليَّ». يتبنّى شعراء شباب كُثُر في العالم العربي باندفاع أسلوب سعادة، بسبب الأعماق السحيقة التي يتّصف بها شعره إنسانيّاً بالدرجة الأولى بحسب ما جاء جاء في كتاب «مختارات الشعر اللبناني» لحمزة عبود. تكتسب تجربة سعادة أهمية خاصة في تطور قصيدة النثر في لبنان. فالقصيدة عنده لا ترتكز على العبارة الشعرية او سواها من البدائل البلاغية التي عرفتها قصيدة النثر مع عدد من شعراء جيله، ولا تقوم على استطرادات ذهنية تهدف الى صياغة عناوين وأفكار بارزة تتعين من خلالها ملامح التجربة.

أسرار

يبوح سعادة ببعض أسراره، ويتكتّم على بعضها الآخر مسلّطاً الضوء على صورة ذاته، يستعين بالكناية والرمز والتورية، للتعبير عن صداقته للغياب، لا يؤمن بـ «منهجية» للكتابة الشعرية أو بوضع «تصميم» لها. الشعر بالنسبة اليه هو نقيض هذه الهندسة وكل منهجية تقريباً. قد تبدأ قصيدته بكلمة، بجملة، بصورة، ثم تمضي بانية عالمها الذي لا يمكن تحديد معالمه وفضائه ومداه وحدوده قبل بدء الكتابة ولا أثناءها، فالشعر كائن حر، يولد وينمو ويحدد ذاته بذاته. عالم بدائي ونقي وريفي بقصيدة مدينية وغير متناه في كبره (أرض، جبال، رمول، وديان، أمكنة...)، يرتكز على النظرة أو المكان الذي من خلاله تُعلن الغربة القصوى. وبالنظر الى السياقات التي اندرجت فيها الكلمات النامية الى عالم الجسد والمكان، ينكشف للقارئ أن للشاعر كياناً مفتتاً، وذاتاً مشتتة، وتجربة تمت بمعزل عن سطوة وتأثير شعراء قصيدة النثر الذين تتلمذ عليهم جل الشعراء اللبنانيين الشبان. القصيدة عنده، حتى دواوينه الثلاثة الأولى، تقترب من النص الذي ينهل من الطرفة والحكاية والمفارقة واللغة الشعرية اضافة الى نبض القصة القصيرة جدا في توليفة جديدة تحمل ايضا روحية التجريب. يمتلك القدرة على تحقيق «الطرافة» وهي غير طرافة النكتة مثلا، بل طرافة الصياغة.

رتق الهواء

سعادة، الذي لازمت كتابته الشعرية الأخيرة، معانٍ مثل استغراقه في الكلام على وجهة نظرة الفكرية العدمية ـ الوجودية، وايثاره الوهم والفراغ والعدم، باعتبارها اسساً قيمية لشعره، واعتباره كل ذلك الكلام مندرجاً في باب الشعر، في مجموعته «نصّ الغياب» قال وداعاً للكتابة ورغم ذلك ما لبث بعد سنتين أن أصدر مجموعة «غبار» ثم «رتْق الهواء». وسرعان ما قال «الوقت، الوقت. ماذا أفعل بالوقت؟» هذا السؤال أعاده إلى الكتابة. قال سأهجر الكتابة وهجرها زمناً ليس قصيراً. لكنّه كان زمناً ثقيلاً فقال أبدّد منه لحظات بالكتابة فكتب «رتْق الهواء» وبدأه بالقول: «إنّني أبدِّدُ الوقت».
في خلال حرب تموز 2006، أصدر سعادة مجموعته الشعرية الجديدة «تركيبٌ آخر لحياة وديع سعادة» بنسخةٍ الكترونية أودعها راهناً موقعه الشخصي، موضحاً أنَّ السبب وراء ذلك الدمار الاسرائيلي الذي طال دُور النشر في لبنان، من هذا المنطلق، ارتأى سعادة نَشْرَ هذه المجموعة الجديدة على الشبكة العنكبوتية، متمنياً على قرّائه عدَّها ككتابٍ مطبوع، طالباً منهم التنويه بوجودها عبر الموقع في حال الكتابة عما تضمَّنت.

تأتي تركيبة وديع سعادة محمّلة بجماليات ما اعتاده القارئ من بوح الشاعر من أول الشهقة، للطرف الأخير من الزفير.

مقتطفات

من قصائد سعادة:

«مرَّ ظلُّه على كائناتٍ جديدة
لا أسماء لها ولا أشكال
لكنَّها وُلدتْ
هكذا سهواً
في نقطةٍ غريبة
بين الحقيقة والوهم«.

بهذا المدخل استهل سعادة مجموعته التي تنوَّع طرحها، وطول مقاطعها بين القصير جداً، كمثل مقطوعة لغته التي يقول فيها:
«لغتُه ذكرى لهاث
محميّ في صمته«.

يقول في مقطع آخر:

«أرضٌ بلا مسافات، وليس عليَّ أن تكون لي قَدَمٌ لأمشيها
عينٌ تجلب لي الأرضَ بالنظرة
وليس واجباً أن تكون لي يدٌ لأقطف زهراً. لا شيء واجبٌ عليَّ كي يكون لي كلُّ شيء.
ها إنَّ يدي تفكّك أصابعها، وقلبي يفكّك شرايينه، وعيني تفكّك حَدَقتها
أضعُ في يدي أصابعِ بال، وفي قلبي شرايينَ بال، وفي عيني حَدَقةَ بال
وفي نهاري زمنَ بالٍ وعلى الأرض كائنات بالٍ جديدة
وإذا الرغبات عصتْ على البال، ألتقطُ كلَّ الرغبات بعدم الرغبة«

الجريدة
27 مايو 2008