إيحاءات منطفئة فوق أكوام المرارة

عبد الله السفر
(السعودية)

نمر يبتسمالكتابة عن الحيوان في الثقافة العربية شائعة منذ كليلة ودمنة لابن المقفّع وحتى حيوانات أيامنا لمحمد المخزنجي. كلّ كتابة تخلع طابَعَها على عالم الحيوان، تدرجه مدارج الأسطورة أو تضمِّنه الحكمةَ المشتهاة أو تبني عالَماً موازياً لعالم الإنسان أو تعيد إنشائه ذائباً في الكتابة؛ مخلوقات الاستعارة الباذخة مثل صنيع سليم بركات. والكتاب الذي بين أيدينا «نمر يبتسم» لخالد السنديوني (دار شرقيات، القاهرة ـ 2008) ينتمي إلى هذا العالم أو هذه العوالم بصيغةٍ من الفرادة تنفتح على الميتافيزيقا، وأسئلة العقل الشائكة والمقلقة، وتشفّف ما تراه العين، وتحفر في طيّاته وتجرّده عائدةً به إلى لحظة التكوين، حيث عناق الأسئلة عن البدء وتحولات المصير، من منظور المراقبة من الداخل والاشتباك مع الخارج؛ توصيفاً وتسجيلاً لحقيقةٍ بادِهةٍ سرعان ما تذهب بداهتها، وتخلي المكان لمنظورٍ طازج هو ما يصنع الشعرَ في «نمر يبتسم».

الشّاعر يكتب عن الحيوان وأمامه لغز الموت والحياة، لا ينفكّ عن تقليبه ورصده خيطاً ناظماً ينسج مطالعاته في كتاب الغابة الفائر بأفدح الكوابيس وأبهى الأحلام، لذا تصبح الكتابة التأمليّة هي المزاج المسيطر على روح النصوص. إذْ صورة الحيوان تمر بلحظة تجميد افتتاحية، ثم ينقض هذا الجمود ويسيّله في مجرى آخر يؤجّج اللغزَ مندغماً بهواجس تتعمّق أكثر فتضيء الكائن من الداخل، ليغدو جزءاً من حياة تتخطّى الغابة وتلتحم بأسئلة الإنسان هذا «الحيوان الغريب».

ليس ثمّة انشقاق بين العالَمين. ذلك أن أحدهما محمول بالضرورة على الآخر لطبيعةٍ واحدة تجمع بين الاثنين ولصدى تجربةٍ تتكرّر منذ الأزل، تحت عناوين القوة والهيبة والسلطة ومضادّاتها المضاعفة من ضعفٍ واستسلام واستتباعٍ وحيلة. إنّ صورة الحيوان لَهِيَ وسيلةٌ للاقتراب من لغزنا المتربّص والمخاتل، في ابتسامةٍ عصيّة على التفكيك «ابتسامة مثل طعنة غير قاتلة/ لكن كم هي قاسية/ وهي تتحرّك بلطفٍ نحو القلب»، يشغلنا انطواءُ صفحةِ الماضي ورغبةٌ ممضّة في فتحِها وتقرّي خفائها المندسّ «في رماد الأيام الغابرة». نعيش محنةَ المتاهة وانغلاق الأفق؛ نتشرّد في يأسِنا وعجزِنا، يتصبّب منّا ماءُ الحيرة ويرتدّ الطّرفُ حسيرا بلا إجابةٍ تنير ولا يقينٍ يهدي «أين أذهب/ السماء أوسع من النّظر/ والزمن أعمق من الفكرة»، بما يعني انطفاء الأمل والتذبذب في حالةٍ عدميّة ترتخي عنها شروط استحقاق الوجود. إنها أشبه بوضعيّةٍ هائمة في لحظتِها تعرف مجالَها وحدودَها التي لا مهرب منها، مقبوضة عما يلي وما يحدث فيه ومصروفة عن اكتشاف خطوتها الفائتة «مستقبلي/ لا يعطِّله شيء/ ليس عليه مسؤوليات بالمعنى الدقيق للكلمة/ وليس له رقبة يديرها إلى الخلف/ فيشعر بالحنين»... «هربَ وحدَه/ تبعَ فكرةً تتلألأ عند حدودِ العدم».

وربما تكون هذه اللحظة المفصولة عمّا قبل وعمّا بعد هي الكفاية، وهي المعنى ولا يحتاج اكتمالا،ً ولا تتمّاتٍ تزكّي وهمَ البقاء؛ خرافةَ الخلود. أليستْ «المومياء» صورة ناجزة لهذا الوهم المحفوظ منذ قرونٍ يتعتّق في الظلام والصّمت، وحين ينجلي فهو محض غبار. ومهما تكن التسمية لهذه الخرافة ـ إنْ بالسلب أو بالإيجاب - فإنها وجهُ الجنون الذي خبرتْهُ الفريسةُ جيداً ويقطر بدمِها من كتاب الغابة «الخلود جرعة زائدة من السعادة/ مثل جرعة زائدة من الحزن/ كلاهما جنون». بمثل هذه الرؤية يموضع خالد السنديوني حيواناته في سياق التجربة الإنسانية، ويمنحها بعداً تأويليّاً غيرَ نافرٍ ولا مُقْحَم. قبالةَ الصورة التي نعهد والمستقرّة في مألوفنا؛ شكلاً وصفاتٍ وطبائعَ، يبرز الجانب الآخر؛ موطن الشعر والعمل الفني بلمعته الجمالية وإضافته التأملية الفكرية، بالنفاذ إلى ما هو أبعد؛ ما يشبهنا ويحدس بمصيرنا ويقول حياتَنا بمجازٍ لا يتوقف عند الفريسة والصياد بشموله كمقولةٍ كبرى تنظم حيوات العالَمين، لكنه يمكث بانيا تفاصيل الصورة من جديد، لتتبدّى في استثنائيّتها المشغولة من المفارقات التي تحيل تارةً على الفاجعة (القنفذ، الغزال) وأخرى على السخرية (الزرافة، الصرصار) وثالثة على فضاء يمتزج فيه الحلم بالأسطورة (الفراشة، البلبل، العصفور) ورابعة على خراب المصير وشهوده بـ «شهواتهم السوداء» (الذبابة، الثعبان) وخامسة. وسادسة. فتتركّب التفاصيلُ ثانيةً محتفظة بمواقعها سوى أنها تتنزّل في مشهد واسع هو «قصة البشريّة» ولغزها الغامض بإنسانها المنهوب بفكرة العدم تنشرها «رائحةُ شجرة القلق/ التي تنمو في خطواته».

الحياة
11/11/2008