زياد العناني
(الاردن)

عالَم ثيو انجيلوبولوس السينمائي وبراءة التحديقة الأولى يركز الروائي أمين صالح في ترجمته لكتاب "عالم ثيو انجيلوبولوس السينمائي- براءة التحديقة الأولى" الصادر أخيرا عن دار الإنتشار العربي، في المقام الأول وعلى نحو أساسي، على احاديث المبدع السينمائي ثيو انجيلوبولوس عبر لقاءاته وحواراته مع النقاد والباحثين والصحفيين, المنشورة في عدد من الكتب التي تتناول أفلامه والعديد من المجلات السينمائية باللغة الانجليزية مقتطفا منها إجاباته التي من خلالها نتعرف على عالمه السينمائي في شموليته.

ويستعرض صالح السيرة الذاتية لثيو ومكوناته وتأثراته ومصادره وعناصره وتقنياته السينمائية وارائه ورؤاه في الفن والعالم والحياة وغيرها من شؤون الفنان والانسان.
ويقول صالح إن لثيو انجيلوبولوس صوتا فريدا في عالم السينما, ويعد واحدا من رموز السينما "الفنية" الحديثة ومن أكثر السينمائيين أهمية وتميزا وإثارة للجدل أيضا في السينما العالمية المعاصرة.

ويضيف أنه ينتسب إلى نخبة من المخرجين القلائل الذين ينطبق عليهم التعريف الكلاسيكي لـ"مبدع الفيلم" او "المخرج المؤلف" إذ كل لقطة من كل مشهد من أي فيلم حققه تعبر عن رؤيته الفنية والفكرية وتعكس شخصيته الفنية على نحو يتعذر محوها او إزالتها.
ويسرد صالح كيف انبثق هذا المخرج في السبعينيات كواحد من أكثر الأصوات أصالة وجدّة في عالم السينما.
ويقول: إنه واحد من المخرجين القلائل في القرن الأول للسينما الذين يجبروننا على إعادة تحديد ماهية السينما وما يمكن أن تكونه وليس هذا فحسب فأفلامه تجعلنا ننفتح على سؤال اكبر وأعمق ويغدو شخصيا بالنسبة لكل منا: كيف نرى العالم بداخلنا وحولنا؟
ويؤكد صالح أن افلام انجيلوبولوس خلقت نوعا من الاتصال لإعادة بناء الواقع والمخيلة والتاريخ والأسطورة.
ويستشهد صالح بما قاله الروائي ميلان كونديرا في كتابه "فن الرواية" بأن غاية الرواية هي "ان تكشف ما تستطيع الرواية وحدها أن تكشفه" مبينا أن افلام انجيلوبولوس تعمل بطريقة مماثلة: لأنها تكشف لنا ما تستطيع السينما وحدها أن تكشفه (مع انها نادرا ما تفعل ذلك) لأن مثل هذه الاكتشافات غالبا ما تكون مربكة خاصة لجمهور اعتاد على الايقاع السريع والحبكات الهوليوودية الموجهة.

ويرى صالح أن ثيو انجيلوبولوس من أكثر المخرجين اليونانيين شهرة وتأثيرا لافتا الى أن أفلامه حازت على العديد من الجوائز الكبرى في المهرجانات العالمية وتم الاحتفاء به كواحد من القلة العظام في تاريخ السينما.

ويقول صالح: لا يبدو انجيلوبولوس معروفا جيدا لدى الجمهور العريض وحتى في بعض الأوساط السينمائية إذ يعتبر من اولئك المخرجين "الصعبين" ذوي الرؤى العميقة الخاصة والأساليب التي لا تتوافق مع الذوق العام السائد بفعل هيمنة الأعمال الإستهلاكية.

ويضيف: إنه ينتمي الى تلك النوعية الجادة من السينمائيين الذين يتعاملون مع الجمهور باحترام, دونما رياء او تملق ناشدين المشاركة الفعالة فكريا وتخيليا وذلك عبر بلاغة بصرية ورؤية واعية وثاقبة للحياة وللعالم.

ويرد صالح عدم "جماهيرية" أفلامه الى أنها ناشئة من إهتمامها بموضوعات فكرية وفلسفية عميقة تتصل بالحياة والموت الذاكرة والندم التاريخ والهوية الفن والغربة وابتعادها عن الجماليات السائدة في السينما المعاصرة بالأخص في هوليوود التي تعتمد على المؤثرات الخاصة والتقنيات الرقمية ديجيتال والنجوم.
ويرى صالح أن افلامه تدعو الى التأمل لا الاثارة والتشويق لأنها تمزج عناصر من الاتجاه الكلاسيكي والاتجاه الحداثي معتمدة على ايقاع مغاير يتسم بالبطء والتريث عبر لقطات مديدة تستغرق دقائق طويلة من دون قطع وعبر معالجة خاصة للزمن والمكان.

ويلفت صالح الى افلام انجيلوبولوس التي تمتلك الجرأة على عبور عدد من التخوم: بين الأمم وبين التاريخ والأسطورة والماضي والحاضر والسفر والبقاء والإنتماء والخيانة والمصادفة والقدر والواقعية والسوريالية والصمت والصوت والمرئي واللامرئي أو المكبوح وبين ما هو يوناني وما هو غير يوناني.
ويشير صالح الى أن افلام انجلويولوس لا تزعم بأنها تقول الحقيقة المطلقة أو توجد حلولا للقضايا والمشاكل او توجه رسائل مباشرة لكنها تقترح الرغبة في التجاوز وأن مشاهدة هذه الأفلام تجربة منعشة رحلة سينمائية مدهشة نختبر فيها الحياة من زاوية مختلفة وبعين طرية خلالها نطرح الأسئلة عن وجودنا في هذا الكون.
ويتطرق صالح الى شهادة المخرج اكيرا كوروساوا عن انجيلوبولوس حين قال: إن انجيلوبولوس يرصد الأشياء في هدوء ورصانة من خلال العدسات. إن ثقل هدوئه وحدة نظرته الثابتة هي التي تمنح افلامه قوتها.

الغد
26 – 9-2009