النزعة الزنجية في الشعر المعاصر

صدر قبل أسابيع، ضمن منشورات اتحاد كتّاب المغرب، الجزء الثاني من كتاب "النزعة الزنجية في الشعر المعاصر، محمد الفيتوري نموذجا" للناقد بنعيسى بوحمالة، في 222 صفحة من القطع المتوسط أمّا تصميم و لوحة الغلاف فمن إنجاز الرسّام عبد الكريم الأزهر.

و لربّما هي مصادفة بديعة، و مؤسيّة في آن معا، أن يصدر الكتاب شهورا قليلة بعد الغياب الفاجع للشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري و ذلك تتميما للجزء الأول الذي كان صدر منذ سنوات و حاول المؤلّف من خلاله تشخيص ما اعتبره نزعة زنجية في الشعر العربي المعاصر تجد سندها في تلك النّواة التعبيرية الأوليّة التي عكستها قصائد شعراء سود يحفل بها التراث العربي. هذه النزعة التي تكاد تكتسح الشعريّة السودانية الحديثة و المعاصرة لأنّ السودان كبلد أفرو - عربي ينتمي جغرافيّا إلى إفريقيا لكنه ينشدّ، إثنيّا و تاريخيّا و لغويّا و عقائديّا و اجتماعيّا، إل جذرين اثنين هما العروبة و الزّنوجة. و لكون محمد الفيتوري يمثّل، إن سودانيّا أو عربيّا، الشاعر الأبرز في هذا الاتجاه فقد سعى المؤلّف، توسّلا بمتن تشكّله أعماله الشعرية التدشينيّة و هي: "أغاني إفريقيا"، "عاشق من إفريقيا"، "اذكريني يا إفريقيا"، و المسرحية الشعرية "أحزان إفريقيا" أو (سولارا)، إلى التقاط نبض هذه النزعة و تعيين مختلف تمظهراتها النصيّة و التخييليّة و الرؤيويّة، معتمدا، كمنهج تحليلي، البنيوية التكوينية للوسيان غولدمان (و لعلّها المحاولة الرابعة، عربيّا، في استثمار هذا المنهج في نطاق الشعر بعد "سوسيولوجيا الغزل العذري" للتّونسي الطّاهر لبيب و "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينية" لمحمد بنيس و "القصيدة المغربية المعاصرة، بنية الشهادة و الاستشهاد" لعبد الله راجع، لأنّ جلّ تطبيقاته كانت في نطاق السرد) و ما تقوم عليه من ثنائية الفهم و التفسير و تقنيّة الدوائر و الاستدماجات أو مفاهيم تصوّرية من قبيل الواقع القائم و الواقع الممكن و البنية الدالّة و الرؤية للعالم، باعتبار الشاعر، في هذه التجربة، و على شاكلة شعراء سود أفارقة و أمريكيّين و أنتيليّين كتبوا باللغات الأروبية، و في مقدّمتهم الثالوث الذّائع الصّيت.. السّينغالي ليوبولد سيدار سنغور و المارتينيكي إيمي سيزير (مبتكر مفردة الزنجية) و الغوياني ليون غونتراس داماس، ينوب، رؤيويّا، مناب مجموعة إنسانية متماسكة تحفزّها تطلّعات تاريخية مشروعة.

هذا و إذا كان الجزء الأول من الكتاب قد أفرد لمقاربة المستويات البنائية الشكلية للمتن، كاللفظ و التركيب و الإيقاع و سيمياء العنونة و المكوّن السردي – الدرامي، بالنّظر إلى أهميّة الشكل الأدبي في الإبانة عن الأوعاء و الرؤى التاريخية، و كذا المستويات البنائية الدلالية التي استجمعها المؤلّف في بنيتين مركزيّتين ألا و هما: بنية تدمير الهويّة: الاسترقاق، الاستعمار، التّمييز العنصري، و بنية استعادة الهويّة: الحرية، الثورة، الإنسان، في إطار إجراء "الفهم"، و استسعافا بطروحات كلّ من رومان ياكبسون و رولان بارت و جان كوهين و تزيفيتان تودوروف و مايكل ريفاتير و كيبيدي فارغا..؛ فإنّ الجزء الثاني ستتوزّعه ثلاثة مباحث أساسيّة هي كالتالي: الرؤية الأورفيّة و الوعي الممكن.. أو أورفيوس الأسود يبحث عن مونتو / المرجع الدلالي – الرؤيوي للمتن: النزعة الزنجية في الشعر السوداني المعاصر و سياقها التاريخي و الثقافي / المرجع الدلالي – الرؤيوي للنزعة الزنجية في الشعر السوداني المعاصر: الشعر الزنجي الأفرو – أمريكي و سياقه التاريخي و الثقافي، كما ذيّل الكتاب بملحق موسّع ضمّ منتخبات من الشعر السوداني و الشعر الأفرو – أمريكي.