روبيرتو بولانيو

إعداد وترجمة: أحمد عبد اللطيف

لا يشبه روبيرتو بولانيو إلا نفسه، هو الرجل النحيف الطويل، المختبئ خلف نظارة طبية ضخمة تطل من ورائها عينان شقيتان تتحديان العالم وتسخران منه. هو طفل منكوش الشعر يهوي تفكيك اللعب، وتكسيرها، ليعيد صناعتها من جديد علي هواه. وهو شاب لم يحترم المقدسات، يفككها ويخفي آثارها ليصنع مقدسات خاصة به، تحمل اسمه وبصمته، وهو رجل ودّع العالم في عز مجده، ليبقي خالداً بكتاباته التي تتوالي منذ وفاته، وكأن المجد كان مدخراً له في صندوق مغلق لم يُعثر علي مفتاحه إلا مع خروج روحه. بولانيو الروائي سخر من الواقعية السحرية في ذروتها، ليصنع تياراً جديداً أسماه "ما وراء الواقعية" ليهدم بذلك أساطير ويشيد، ربما دون أن يدري، أساطير أخري. وبولانيو القصّاص سخر من القصص المركبة والغامضة، رغم شغفه ببورخس، ليكتب القصة التي تبدو بسيطة، سلسة في سردها، متدفقة، ربما حتي لا يقول شيئاً سوي "الحكي". أما بولانيو الفرد، فليس إلا هذا المشاغب والمتمرد، المتجول في بلاد الله، الذي لم ينتم أبداً لشيء إلا لأولاده. إنه الفنان الخارج علي كل القوانين، والثائر الذي لا يعرف الحدود، والبسيط في هيئته وحياته حد أنك لا تستطيع أمامه سوي الربت علي كتفه في حنو.

جامع قمامة وغاسل صحون وحارس عقارات ورائد ما وراء الواقعية:
وجوه بولانيو

لا شيء يجمع بين روبيرتو بولانيو الطفل والشاب والميت إلا الاسم، دون ذلك، نحن أمام ثلاث شخصيات مختلفة تماماً، لا يمكن لإحداها أن تتنبأ بما ستكون عليه الشخصية الأخري. بولانيو الطفل لا أمل فيه، ولا طريق أمامه سوي الفشل. طفل بليد حد إتهامه بالتخلف العقلي، ومحاولات غير مجدية معه من جانب أب يعمل سائق شاحنات نقل يمارس الملاكمة وأم معلمة رياضيات. محاولات تنتهي أخيراً باكتشاف أنه مصاب بمرض الديسلاكسيا، وهو مرض لا يمكن معه قراءة الكتب ولا استيعابها. أشياء تبدو صغيرة لكنها شيدت في نفس الطفل أولي معاني التمرد والعزلة، وأبعدته كليةً عن الذكاء الاجتماعي والمجاملات ومحاولات كسب الآخرين.

روبيرتو الشاب، كان جامع القمامة وحارس العقارات وغاسل الصحون، وفي نفس الوقت القاريء النهم والشاعر المتميز والسارد الذي يحدث ثورة في القصة والرواية، ويعترف رغم نجاحه النسبي في السرد أنه ليس إلا شاعرا وأنه يكتب الرواية ليأكل. وسط كل ذلك تُطرح أسئلة تحمل علامات التعجب إذ كيف يكون مريض الديسلاكسيا الطفل كاتباً متميزاً وقارئاً نهماً؟! لكنه أثناء حياته الرتيبة، التي اتسمت بالقهر وعدم التقدير حد الإهمال، كان يبني هرماً من المجد الروائي لم يبزغ إلا بعد وفاته، هكذا تحول وهو في العالم الآخر لأسطورة روائية، فأصبح اسمه يتردد بحسرة حد أن البعض راهن أن لو عاش سنوات أكثر لنال جائزة نوبل وانضم لمعسكر ماركيز ونيرودا وأستورياس.

* * *

ولد روبيرتو بولانيو عام 1953 بمدينة سانتياجو التشيلية وقضي جانباً من طفولته في تشيلي حتي 1968 عندما انتقلت عائلته للعيش والعمل في العاصمة المكسكية،مكسيكو سيتي.

بدأ في مطلع السبعينيات من القرن العشرين يرتاد حلقات الشعراء اللاتينيين المنتشرة في مدينة مكسيكو سيتي، وكانت محاولاته الشعرية الأولي متأثرة بالشعراء اللاتينيين الكبار أمثال نيرودا وباييخو وبارا، إلا أن رحلته إلي مسقط رأسه في 1973 لمساندة الحركة الاشتراكية التي انطلقت في البلاد بانتخاب الرئيس سالفادور الليندي ومن ثم الإطاحة به في انقلاب الجنرال بينوتشي الدموي، كانت أحد أهم المنعطفات التي شكّلت حياته وأسلوبه الأدبي فيما بعد، فعلي أثر خروجه من المعتقل الذي قضي به فترة قصيرة في تشيلي، عاش بولانيو متشرداً بين السلفادور والمكسيك وفرنسا وإسبانيا والتي انتقل إليها بشكل نهائي في 1977 متخذاً من مدينة برشلونة مقراً له.

استمر بولانيو في كتابة الشعر بشكل متقطع طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وبدأ في الكتابة السردية مع منتصف الثمانينيات، وبالرغم من ذلك فقد استمر في تصنيف نفسه كشاعر، رغم ما حققت له الرواية من مكانة في إسبانيا وأمريكا اللاتينية .

صدرت أولي أعماله السردية عام 1984، لتتوالي أعماله الروائية بعد ذلك حتي صدور روايته (المخبرون المتوحشون) 1998 التي لاقت نجاحاً كبيراً في إسبانيا تحديداً وفازت بعدد من الجوائز الأدبية. وعلي الرغم من غزارة إنتاجه الروائي في فترة زمنية قصيرة (عشر سنوات) فإنه لم يحظ بشهرة عالمية إلا بعد أن ترجمت روايته (ليلاً في تشيلي) 2003 إلي الانجليزية، وهو نفس العام الذي توفي فيه روبيرتو بولانيو بمرض الفشل الكبدي والذي عاني منه طيلة السنوات العشر الأخيرة من حياته والتي أنتج فيها معظم أعماله الروائية.

ورغم وفاة روبيرتو بولانيو منذ ثمان سنوات، فأعماله السردية الجديدة ما تزال تصدر كل عام، بل إن أضخم رواياته التي أنجزها قبل مماته هي روايته الملحمية المقسمة إلي خمسة أجزاء والمعنونة (2666) والتي صدرت بعد عام من وفاته، وترجمت للإنجليزية في 2009، وظل الحديث عن اكتشاف المزيد من المخطوطات الروائية التي تركها الكاتب والتي صدر إحداها مطلع هذا العام ويتوقع صدورها بعدة لغات قريباً.

* * *

يعتبر بولانيو أحد مؤسسي المدرسة الأدبية الحديثة التي أطلق عليها اسم "ما بعد الواقعية السحرية" أو "ما وراء الواقعية" والتي اشترك في تأسيسها مع الشاعر المكسيكي ماريو سانتياجو في منتصف السبعينيات في المكسيك، ودعا فيها الأدباء اللاتينيين لترك حياة الأدب التقليدية في المقاهي والمكتبات والتوحد في حياة التقشف والتشرد والانغمــــاس في الأدب بشكل كامل، وهو ما جعل كتاباته السردية تنحو نحو السيرة الذاتية والاستعارات المتكررة للشخوص وأسماء الأماكن التي مرت في حياته، ولعل أشهر هذه الشخصيات الروائية التي قام باستعمالها في عدة أعمال سردية هي شخصية الشاعر (أرتورو بيلانو) وهي تحوير لغوي في اسم روبيرتو بولانيو نفسه.

تتميز كتابات بولانيو بالتركيز علي السرد اليومي الرتيب، دون أن يفقد ذلك من حيوية الشخصيات والأحداث المستخدمة في النص، كما أن تقاطع أشكال أدبية أخري في السرد مثل المذكرات واليوميات والتقارير الصحفية يجعل رواياته تتمتع بقدر كبير من الإثارة والعمق الفلسفي ولعل روايته (المخبرون المتوحشون) و(2666) ومجموعته القصصية (أمسيات أخيرة علي الأرض) من أفضل الأمثلة التي تظهر فيها هذه التقنية السردية التي جعلت من بولانيو علامة أدبية مسجلة لا تقل أهمية عن علامات أخري في الأدب اللاتيني المعاصر، خاصة أن مداخل روياته متميزة جدا، حيث يكسر الابهام من اللحظة الأولي.

ولا يخفي بولانيو شغفه بالتجريب، فرغم تشابه بعض قصصه في أماكن حدوثها وفي الشخصيات المتمحورة حولها مما يجعلها أقرب لفصول في رواية واحدة، إلا أن ما يمنحنا الإحساس باختلافها الأسلوب والبناء السردي الذي يتبعه مع كل قصة وهو ما نراه كذلك في أعماله الروائية الضخمة والقصيرة التي كتبت بنفس الأسلوب.

بدأت حياة بولانيو رتيبة، كذلك كتاباته، إلا أن اندماجه الأسطوري بالشعر والسرد جعله أحد الشخصيات الروائية التي تعيش في كتبه، ورغم موته المبكر، تحول اسمه ورواياته إلي ظاهرة أدبية عالمية، جعل من المفارقة الساخرة والمأسوية أنه يزداد حياة كل يوم بصدور المزيد من رواياته وقصصه وأشعاره.

صدر لبولانيو العديد من الأعمال شعراً وسرداً، منها دواوين: "الكلاب الرومانسية" "الجامعة المجهولة"، وفي السرد: "نجم بعيد"" المخبرون المتوحشون" "تعويذة""السيد خبز" "ليلاً في تشيلي" "عاهرات مغتالات" و" 2666"

بولانيو يكتب عن مطبخه الأدبي محارب في غرفة بلا نافذة

في هذا النص يكشف الراوئي التشيلي أسرار كتابته بكل فكاهة، بنبرة خالية من الوقار كما فعل في روايته " ليلاً في تشيلي".
مطبخي الأدبي عادة ما يكون قطعة فارغة ليس فيه ولا حتي نوافذ. أنا أتمني بالطبع أن يحتوي علي شيء:
لمبة، بعض الكتب، عبير طفيف من الشجاعة، لكن الحقيقة أنه لا يحتوي علي شيء.
مع ذلك، عندما أقع أحياناً ضحية لهجمات تفاؤل لا يمكن كبحها(والتي تنتهي، من جانب آخر، لحساسية مفزعة) يتحول مطبخي الأدبي إلي حصن من العصور الوسطي(له مطبخ) أو إلي شقة في نيويورك(لها مطبخ وتطل علي أماكن مميزة) أو إلي صخرة في منحدر جبال الإنديز (بلا مطبخ، لكن بها موقد). داخلاً في هذه النشوة بشكل عام أفعل ما يفعله الناس جميعاً: أفقد توازني وأظن أنني خالد. لا أريد أن أقول خالداً بشكل أدبي وأنا أتحدث، فلا أحد يفكر في هذا سوي الساذج وأنا لا أصل لهذه المكانة، وإنما خالد بالمعني الحرفي، مثل الكلاب والأطفال والمواطنين الطيبين الذين لم يمرضوا بعد. ولحسن الحظ، أو لسوئه، لكل هجمة تفاؤل بداية ونهاية. فلو لم يكن لها نهاية، لتحولت هجمة التفاؤل إلي ميل سياسي. أو إلي رسالة دينية. ومن هنا لدفن الكتب (أفضّل ألا أقول حرقها لأنه سيكون مبالغة) ليس إلا خطوة واحدة. الصواب أن هجمات التفاؤل، علي الأقل في حالتي، تنتهي، ومعها ينتهي المطبخ الأدبي، ويتبخر في الهواء المطبخ الأدبي، وأبقي أنا فقط، في نقاهة، وتتبقي معي رائحة خفيفة لحلل وسخة، وأطباق متناثرة وصلصة عفنة.
المطبخ الأدبي، كما أقول أحياناً، مسألة ذوق، بمعني أنه ملعب تلعب فيه الذاكرة والمباديء (أو الأخلاق، إن سمحتم لي باستخدام هذه الكلمة) لعبة تجهل قواعدها. الموهبة والتميز يتأملان اللعبة باستيعاب، لكنهما لا يشاركان. الجرأة والشجاعة نعم يشاركان، لكن فقط في أوقات محددة، وهو ما يعني عدم المشاركة بإفراط. المعاناة تشارك، الألم يشارك، الموت يشارك، لكن بشرط أن يلعبوا ضاحكين. علينا أن نقول ذلك بشيء من الوقار لأنه تفصيل لا يغفر.
الأهم من المطبخ الأدبي المكتبة الأدبية (الأمر جدير بالتكرار). فالمكتبة أكثر راحة بكثير من المطبخ. المكتبة تشبه الكنيسة بينما المطبخ يشبه مع الوقت المشرحة. القراءة، كما يقول جيل دي بيدما، أكثر طبيعية من الكتابة. وأنا أضيف، رغم التكرار، أنها أكثر فائدة للصحة، مهما قال أطباء العيون. بالفعل، الأدب صراع طويل من التكرار في التكرار، حتي التكرار النهائي.
لو تحتم عليّ أنا أختار مطبخاً أدبياً لأقيم فيه خلال أسبوع، سأختار مطبخ كاتبة، شرط ألا تكون كاتبة تشيلية. سأعيش بكل سعادة في مطبخ سيلفينا أوكامبو، في مطبخ أليخاندرا بيثارنيك، في مطبخ الروائية والشاعرة المكسيكية كارمن بويوسا، في مطبخ سيمون دي بيوفو. من بين أسباب أخري، فلأنها مطابخ أكثر نظافة.
في بعض الليالي أحلم بمطبخي الأدبي. مطبخ كبير، يضاهي ثلاثة ملاعب كرة قدم، بسقوف مقببة وموائد لا نهائية يتكوم حولها كل الكائنات الحية بالأرض، المنقرضون والذين سينقرضون بعد زمن ليس بطويل، مطبخ مضاء بشكل مبتكر، في بعض المناطق بإضاءة مضادة للهواء وفي أماكن أخري بشعلات، وبالطبع هناك مناطق مظلمة لا نري فيها سوي الظلال المتلهفة أو المهددة، وشاشات كبيرة نشاهد فيها، بطرف أعيننا، أفلاماً صامتة أو معرض صور، وفي الحلم، أو في الكابوس، أتنزه في مطبخي الأدبي وأحياناً أشعل الموقد وأعد بيضة مقلية، وأحياناً توست. وبعد ذلك أستيقظ بشعور كبير من التعب.
لا أعرف ما يجب أن يُفعل داخل مطبخ أدبي، لكنني نعم أعرف ما لا يجب أن يُفعل. لا يصح أن تحدث سرقة أدبية. فالسارق الأدبي يستحق أن يُعلق في ميدان عام. هذا ما قاله سويفت، وسويفت، كما نعرف جميعاً، محق أكثر من قديس.
هكذا تتضح هذه النقطة: لا يصح أن تحدث سرقة أدبية، إلا إذا أردت أن تُعلق في ميدان عام. رغم أن سارقي الأدب لا يُعلقون اليوم. بل علي العكس، يتلقون المنح والجوائز والوظائف العامة، وفي أحسن الأحوال يصبحون بيست سيلرز وزعماء الرأي. يا له من مصطلح غريب وقبيح: زعيم رأي. أظن أنه سيعني ما يعنيه راعي غنم، أو مرشد روحي للعبيد، أو شاعر قومي، أو أب الوطن، أو أم الوطن، أو عم الوطن.
في مطبخي الأدبي المثالي يعيش محارب، بعض الأصوات(أصوات بلا جسد ولا ظل) تسميه كاتباً. هذا المحارب يحارب باستمرار. يعرف أنه في النهاية، مهما فعل، سيقع مهزوماً. مع ذلك يتجول في المطبخ الأدبي، المشيد بالأسمنت، ويواجه خصمه دون أن يعطي أو يطلب مقراً.

..ويكتب نصائح حول فن كتابة القصة

بما أنني في الرابعة والأربعين، سأعطي بعض النصائح حول فن كتابة القصة القصيرة.
لا تكتب أبداً قصة واحدة، فبكل شرف يمكن أن يظل الواحد يكتب نفس القصة حتي يوم وفاته.
الأفضل أن تكتب قصتين، أو خمس قصص. لو وجدت لديك الطاقة الكافية، اكتب تسع قصص أو خمس عشرة قصة.
انتبه: غواية أن تكتب قصتين خطيرة جداً مثل كتابة قصة واحدة، لكنها تحمل في داخلها نفس اللعبة القذرة واللزَجةَ الخاصة بمرآيا العشاق.
يجب أن تقرأ كيروجا، يجب أن تقرأ فليسبيرتو ارنانديث، يجب أن تقرأ بورخس. يجب أن تقرأ رولفو، مونتيروسو، جارثيا ماركيز. القاص الذي يقدر قصصه ولو قليلاً لا يقرأ ثيلا ولا أومبرال. نعم سيقرأ كورتاثر و بيو كاساريس، لكن بشكل ما ثيلا وأومبرال.
أكرر مرة أخري حتي يبقي واضحاً: لا ثيلا ولا أومبرال، ولا حتي في الرسم.
القاص يجب أن يكون شجاعاً. من المحزن الاعتراف بذلك، لكن الأمر هكذا.
القصاصون يتفاخرون أنهم قرأوا بيتروس بوريل. بالفعل، من الملاحظ أن قصاصين كثيرين حاولوا تقليد بيتروس بورل. خطأ كبير: كان يجب أن يقلدوا بيتروس بورل في ملابسه! لكن الحقيقة أنهم لا يعرفون شيئاً عن بيتروس بورل! ولا عن جوتير، ولا عن نيرفال!
طيب: لنصل إلي إتفاق. ليقرأوا بيتروس بورل، وليلبسوا مثل بيتروس بورل، لكن ليقرأوا أيضاً لجولس رينارد ومارسيل سكووب، خاصة لمارسيل سكووب وليعبروا منه إلي الفونسو رييس ومنه لبورخس.
الحقيقة أننا شبعنا جميعاً من إدجار آلن بو.
فكروا في النقطة رقم تسعة. الواحد يجب أن يفكر في التسعة. ولو كان ممكناً: وهو علي ركبتيه.
كتب ومؤلفون منصوح جداً بقراءتهم: عما هو رفيع، سيودو لونجينو؛ سونيتات التعيس والشجاع فيليب سيدني، الذي كتب سيرته لورد برووك؛ مختارات سبوون ريفر، لإدجار لي ماسترز؛ انتحارات نموذجية، إنريكي بيلا ماتاس.
اقرأوا هذه الكتب واقرأوا أيضاً تشيخوف وريموند كارفر، واحد من الاثنين هو أفضل قصاص منحه لنا هذا القرن.

7 آسئلة لبولانيو

> كيف تعرّف من وجهة نظرك الأدبية المجموعة المختارة التي تجمع الرواة:خوان بييورو، رودريجو ريي روسا، إنريكي بيلا ماتاس، هوراثيو كاستييانوس، ثيسر أيرا، خابيير ثيركاس وروبيرتو بولانيو؟ هل ستضيف أم تستثني أحداً من القائمة؟ ماذا يجمعهم؟

- أولاً أنا لا أري أنها مجموعة مختارة جداً. ولو سمحنا باسمين إسبانيين علينا أن نضيف خابيير مارياس، الذي أعتبره أفضل ناثر إسباني حالي، وبيلين جوبيجي، بالإضافة للويس ماجرينيا وخيسوس فيريرو، من بين آخرين. هكذا سأقتصر علي الأمريكيين اللاتينيين. لماذا لا أعتقد أنها مجموعة مختارة جداً؟ في الأساس بالمقارنة بمجموعة أو جيل أو موجة سابقة. في أمريكا اللاتينية، بشكل عام، هناك جيلان من الرواة. الأول، الكبير، يبدأ مع ماثيدونيو فرنانديث، وينتهي مع رينادو أريناس ومانويل بويج. الثاني، الجيل الذي تذكره يبدأ مع بيجليا أو ربما مع فرناندو باييخو ولا أعرف من ينهيه. من المثير للفضول أن ماثيدونيو كان كاتباً بارودياً ، لكن في نوع من البارودي الناعم، الذي يعبر عن نوع ما من الثقة. بينما كان بيجيليا وفرناندو باييخو في منطقة اليأس والمتاهة. وهذا يمكن ملاحظته أكثر في فرناندو باييخو؛ مع ذلك لو قرأ أحد لبيجليا بانتباه، حسناً، ستكون النتيجة مفزعة. ما يعد في ماثيدونيو تركيزاً في اللحظة والمشاهدة القلقة، يعد في بيجليا تدهوراً حتمياً. أحد الآباء المؤسسين أيضاً، ولنطلق عليه هكذا رغم أنه لا يحب كلمة أب، هو أوسوالدو لامبورجيني. لكن لامبورجيني، لنقولها بنبرة ناعمة، ناعمة جداً، هو الإفراط. إنه كاتب لا يُقرأ، ليس لأن ما يكتبه لا يفهم، بل العكس، بسبب عريه. ليس عري بليك، مثلاً، الذي يميل للبراءة والمتعة، وإنما عري الشر. وأضيف إلي الأسماء التي ذكرتها رودريجو فريسان وألن باولس وكارمن بويوسا ودانييل سادا. والأخير بلا شك يكتب واحدة من الأعمال أكثر طموحاً في الإسبانية، توازي فقط عمل ليزاما، رغم أن باروك ليزاما، كما نعلم، يدور في أرض استوائية، تهتم كثيراً بالمثال الباروكي، بينما باروك سادا يدور في الصحراء.

ماذا يجمعنا؟ حسن، كلنا نكتب، بصواب أكبر أو أقل. الأفضل أن يكون السؤال:ماذا يجب أن يجمعنا؟ والإجابة سهلة جداً. أعمال جيدة. لكن بالطبع ليس من السهل قول: عمل جيد. كتابته هو الأصعب.
العنف هو إحدي الوسائل التي تستعملها بغزارة في سردك؛ ويبدو في لحظات أنه البطل الكبير. كيف توظف العنف في كتاباتك؟
- أعتقد بطريقة عشوائية، كما يوظف العنف في كل مكان.
هل من الممكن كتابة رواية عن المعتقلين- المختفين؟

- نعم ممكن. المشكلة الوحيدة مَن وكيف. لأن مجرد الكتابة عن هذا الموضوع بغرض أن يصبح لدينا رواية من التي نسميها بروايات الوشاية، فمن الأفضل عدم كتابة شيء. أو كتابة رواية مليئة بالغمزات من التي كان يسميها بورخس "العهر العاطفي". هذه هي المخاطرة والشرك. فلكتابة رواية حول هذا الموضوع سيكون ضرورياً أن يخطط الروائي، داخل العمل نفسه، للفراغ الحالي في خطاب اليسار أو ضرورة تشكيل هذا الخطاب. هنا يأتي سؤال: كيف سيمكن إعادة تشكيل الخطاب اليساري إذا كان اليسار، مثلاً، لا يزال يؤيد كاسترو، الذي هو أقرب ما يكون لطاغية من طغاة الموز؟ في الواقع، نحن في هذا الموضوع لا زلنا في حفاضات.
ألا يبدو لك أحياناً أن سردك ممتليء بسيرتك الذاتية بشكل مفرط؟ فبالإضافة لسرد أحداث من حياتك تظهر أيضاً كبطل، كشخصية أساسية، وبشكل متكرر؟

- بشكل مفرط، لا. هناك آخرون أيضاً متشبعون بسيرهم مثل فوكنر وجويس، ولا نقول بروست. حتي كافكا، بل إنه أكثرهم. علي أي حال أنا أفضّل الأدب، ولنسمه هكذا، المصبوغ بخفة بالسيرة الذاتية، أدب الفرد، الذي يميز فرداً عن فرد آخر، أدب النحن، هذا الذي يدمج الفرد في الجماعة، بذاته وبحكايته، المكان الذي تختلط فيه الوجوه. أنا أكتب من خلال تجربتي، ولنقل تجربتي الشخصية، وهي تجربة عمالية وثقافية، امتزجت مع مرور الوقت لتكون تجربة واحدة. لكنني أكتب أيضاً من خلال ما يمكن تسميته بالتجربة الجماعية، التي هي، علي عكس ما يعتقد بعض النظريين، شيء مراوغ جداً. ولأبسط أكثر، هي الجانب الفانتازي من التجربة الشخصية، الجانب اللاهوتي. وتحت هذا المنظور، تولستوي كاتب ذاتي، وأنا بالطبع أتبع تولستوي.
"كتابة النثر لعنة" أكدت هذا من قبل، لكن النقد يؤكد أن خيالك التعبيري يجد طريقاً أكثر طبيعية في نثرك أكثر من شعرك. ما رأيك؟

ـ "كتابة النثر لعنة"بالمعني العملي للكلمة. فكتابة رواية أكثر إنهاكاً من كتابة قصيدة. من الممكن أيضاً أن نقول إنه من الأصعب أن تعيش شاعراً من أن تعيش روائياً. أظن أنني قلت ذلك عندما نفد صبري أو لأن العبارة في تلك اللحظة راقت لي. الآن، لا أري نفس الشيء. ربما كنت أتذكر شبابي وتجربة الكتابة، حتي تجربة الأدب، كحدث مجاني، بمعني غير خاضع للمعاملات الاقتصادية. الكتابة في هذه الظروف، وتحت هذا القانون الوحيد، يصيب بالدوار. خلال عدة شهور من عام1979 مثلاً، إن لم تخني الذاكرة، كتبت سلسلة من القصائد القصيرة، لم تنشر بعد، قصائد لا زالت تبدو لي غريبة وأعتبرها جيدة في هذه اللحظة، بل وجيدة جداً. بعدها فقدت هذه القصائد بين أوراقي أو ضاعت أثناء الانتقال، ولم يسبب لي هذا أي ضيق. كان الأدب، بالنسبة لي، مثل النفايات. كنت أرمي كل شيء دون أن أفكر في المستقبل، الذي كان النفاية الكبري، أو الاقتصاد، الذي كان اقتصاد الغذاء وبالتالي هو أيضاً، بشكل ما، جزء من النفاية العامة. وهذا، بالنثر، يعني الانتحار.

> قلت ذات مرة إننا كقراء وصلنا لنقطة لا يمكن الخروج منها في الظاهر. وككتاب وصلنا حرفياً إلي حافة الهاوية. ليس هناك طريقة لاجتيازها، لكن يجب اجتيازها، وهذا هو عملنا، العثور علي الطريقة لاجتيازها. لماذا تعتقد أن جيلاً من الكتاب الأمريكيين اللاتينيين قد فشل في حل محل الآباء، كتاب الانفجار، خلال سنوات الثمانينيات؟

- طيب، أظن أنك تشير بالجيل السابق إلي مؤلفين بين بيوي مثلاً و رودريجو فريسان. بمعني، المؤلفون "المقدسون". وهم أناس يسرقون جيداً. أناس لا يعرفون الكتابة ويبيعون كتباً كثيرة لأناس لا يعرفون القراءة. وحول هؤلاء الكتاب ليس لديّ ما أقوله. الأدب، من ناحية أخري، ليس بعيداً عن هذا النوع من حركات التدفق وإعادة التدفق. هم إعادة التدفق.
يتكلم بولانيو للصحافة ويترك كلمات وأحكاماً تتميز بالدقة وتقلق بعض رؤساء الجمهورية الأدبية المحلية الصغيرة. إنه خبير في الإشارة بإصبعه إلي أعدائه، ومتورط في تحديد تدرجهم الوظيفي والصراخ بسماجة في وجوه السمجين. يتحدث بولانيو بطريقة أكثر هدوءآً وأقل حدة عن الأدب والتقاليد وعن معاصريه المفضلين في المهنة. حواره هنا مكثف، حيث وضع كل راديكالية اقتراحه، وحيث غاص بيديه ودمه. روايته الأخيرة "كهرمانات" التي أخرجها من صندوق كتاباته الأولي لم يتلقها النقد جيداً، ويتمني أن تكون فاتحة شهية لروايته القادمة "2666". بولانيو يكتب ويقرأ بضيق، بيأس من لا يعرف هل ينقذ الأدب أم لا ينقذ من الصحراء، من السهل الذي أنتجته نهاية اليوتوبيات، خاصة تلك التي أورطوه فيها كعضو من جيل تاريخي لأمريكا اللاتينية خلال السبعينيات والثمانينيات.

> لقد قلتَ من قبل إن كُتاب "هذا الانفجار الجديد" يجب أن يغامروا في معالجات الشكل. حول هذا الانفجار السابق، ألا تعتقد أن السرد الذي بقي وتقدس هو هذا الأدب البعيد جداً عن التجريب في الشكل، بما في ذلك خوليو كورتاثر؟

- عندما أتحدث عن المغامرات في الشكل لا أقتصر علي ما يسمي الأدب التجريبي. ولا أفكر كذلك فيما يمكن أن يسمي بالأدب الممل. فالأدب الممل، تحديداً، هو ما لا يلجأ للمغامرة. والمغامرات في الأدب ذات طابع أخلاقي، بالأساس أخلاقي، لكن لا يمكن أن يعبر عن نفسه إذا لم يتحمل عبء الشكل.

بولانيو قبل أشهر من رحيله: أشعر أنني غريب في كل الأمكنة

يعيش بولانيو قريباً من البحر، في بلانيس، قرية يسكنها ثلاثون ألف نسمة وعلي بعد ساعة ونصف من برشلونة. يعيش في بيت زوجته وله ابنان ينامان الآن. يفضل الهدوء علي الضجيج، يفضّل سجن الكتابة الصامت وأحياناً غير المحتمل. ويعشق قمراً خريفياً يضيء الظلام السائد. في ممرات بيته هناك ثلاثة آلاف كتاب. يدخن بولانيو بشراهة، ويشرب كوكا كولا، لأن الكحول دمر كبده. تلمع في عينيه سخرية. الكاتب التشيلي في الرابعة والخمسين لا يحب الحوارات، يفكر أن كل ما يشغله موجود في كتبه، لكنه في النهاية وافق علي هذا الحوار حول بعض الأمور.

> في البداية، أنت تكتب الشعر، النوع الأدبي الأكثر إقصاءً من دور النشر في العالم. ما رأيك في الشعر كفن وكظاهرة في الفترة الحالية؟

- لا أعتقد أن الشعر سيختفي. أظن أن الشعر يعاني كل فترة من التحولات والتنقلات والتهجين. بالطبع، ليس من الممكن أن تحقق مبيعات كتبُ شعر كثيرة، كما كان يحدث لكتب بايرون، لكنه لا يزال ممكناً أن تكون لورد بايرون، وهذا يكفي. ربما يعيش الشعر الآن في بعض الروايات. أو في أشكال لا تعتبر فنية... ربما مع موت الشاعر الأخير يُبعث الشعر من رفاته.

> في "المخبرون المتوحشون" هناك محاور بارزة. أحدها النفي، نفي يضم، من بين بلدان أخري، المكسيك وإسبانيا.
- الغريب أنني لم أشعر أبداً أنني منفي. ربما لو كنت عشت في السويد، رغم أنني أشك أن ذلك سيحدث لو عشت في السويد. ما شعرته حقاً أنني غريب، لكنني كنت غريباً في كل الأمكنة ، بداية من تشيلي. ولأنني كنت طفلاً متحذلقاً، فأنا أشعر بالغربة من صغري.

> هل كنت مهووساً بالسياسة أم أن نفيك كان بحثاً عن حرية فردية؟

- الحرية الوحيدة التي أصدقها هي الحرية الفردية. أو مجموعة الحريات الفردية. حرية فردية في أيدينا، نملكها بشكل غير مباشر، واضحة جداً، هي الوحيدة التي لدينا الآن. لست مهووساً بالسياسة، رغم أني لا تنقصني الأسباب لا أنا ولا غيري، فالسياسة كقاعدة عامة عش ثعبان.

> بعد سنوات من السقوط العنيف لسلفادور الليندي، كيف تري التشيلي من بعيد؟

- لديّ انطباع أن الديمقراطية تستقر، وهذا شيء عظيم، وأن المجتمع ببطء يعود ليتعلم التعايش. بالطبع، علي حساب فقدان الذاكرة وجراحات في فصوص المخ.

> في "المخبرون المتوحشون" تحكي عن عالم الشعراء الشباب في عقدين، إخفاقاتهم وأحلامهم، كتفكيك لما هو ثقافي، وأنسنة للفنان. ما رأيك حول هذا؟

- بمجرد تسليم الرواية للناشر لا أعود إلي التفكير فيها.

> من هم الكتاب الأساسيون في تربيتك الأدبية ومن لا تنصح بقراءتهم؟

- سربانتس، ستيندهال، ريمبود، بو. ليقرأ كل واحد ما يشاء ويستطيع. لا أشعر، علي الأقل هذه الليلة، أني أود نصح أحد بعدم قراءة أحد.

> من يجذبك في السرد الحالي؟

- في السرد الأمريكي اللاتيني: رودريجو ريي روسا، دانييل سادا، رودريجو فريسان، آلان باولس.

> ما رأيك في الاعتماد علي السيرة الذاتية في الأدب؟

- كل شيء بشكل ما سيرة ذاتية، وهو ما يبرهن سريعاً عدم فائدة كتابة السير الذاتية.

> أنت تكتب رواية كبيرة، ماذا تقول عنها؟

- الرواية أكثر من ألف صفحة ويمكنك تخيل أنه من المستحيل تلخيصها. كتابة شيء كبير مرهق جداً. العمل مرهق، كما يقول بافيس. وأنا أتعب من أقل الأشياء. لكن هذا عملي ويجب أن أواصل.

> ماذا يخطر ببالك عندما تسمع هذه الأسماء: باييخو، أونيتي، بورخس، نيرودا، ماركيز، يوسا، كابريرا إنفانتي؟

- ثيسر باييخو: الفضيلة . الشعر الذي يبقي.
خوان كارلوس أونيتي: للكبار فوق 33 سنة.
خورخي لويس بورخس: رمانة الميزان في أمريكا اللاتينية.
بابلو نيرودا: كتابان فوق العادة ولا شيء آخر.
ماركيز: كاتب جيد يصادق الرؤساء.
بارجس يوسا: نفس الشيء لكنه أكثر حرفية في مصادقة الرؤساء.
جييرمو كابريرا إنفانتي: كاتب غريب.
الحقيقة أنه من بين كل الكتاب الذين ذكرتهم فقط يهمني باييخو وأونيتي وبورخس.

الشـاطئ

أقلعت عن الهيروين وعدت لقريتي وبدأت في علاج الميثادون الذي فرضوه عليّ في المصحة، كما فرضوا شيئاً آخر بسيطاً كان يجب أن أفعله غير الاستيقاظ كل صباح ومشاهدة التلفزيون ومحاولة النوم ليلاً، لكنني لم أستطع، شيء كان يمنع إغماض عينيّ والراحة،هذا الشيء كان الروتين، حتي إنني ذات يوم نفد صبري فاشتريت بورنساً أسود من محل بوسط القرية وذهبت للشاطيء، مرتدياً البورنس وبيدي البشكير والمجلة، ووضعت بشكيري بالقرب من الماء وفردت جسمي وبقيت برهة أفكر هل أسبح أم لا، خطرت ببالي أشياء كثيرة لأفعل ذلك، لكن خطر ببالي أيضاً بعض الأسباب لئلا أفعله(الأطفال الذين يستحمون علي الضفاف مثلاً) هكذا مر الوقت وعدت للبيت، وفي الصباح التالي اشتريت كريم شمس وذهبت للشاطيء مرة أخري، ورحلت من هناك في الثانية عشرة إلي المصحة وأخذت جرعتي من الميثادون وحييت بعض الوجوه المعروفة، لا صديق ولا صديقة، فقط وجوه معروفة في صفوف الميثادون، استغربوني جداً وأنا أرتدي البورنس دون أن أهتم بشيء، عدت بعدها إلي الشاطيء مشياً وأخذت غطسي الأول وحاولت العوم، رغم أني لم أستطع، وذلك كان كافياً بالنسبة لي، وفي اليوم التالي عدت إلي الشاطيء ودهنت جسدي بالكريم مرة أخري ونمت علي الرمال، ولما استيقظت وجدتني مرتاحاً جداً، ولم يحترق ظهري ولا شيئ آخر، وهكذا مر أسبوع أو ربما أسبوعان، لا أتذكر، الشيء المؤكد أنني كل يوم كنت أزداد سمرة ومع أنني لم أتحدث مع أحد كنت أشعر أنني أحسن كل يوم، أو مختلفاً، ورغم أن الكلمتين مختلفتان إلا أنهما في حالتي يتشابهان، وذات يوم ظهر علي الشاطيء زوج عجوز، أتذكرهما بكل وضوح، كان يبدو أنهما قضيا معاً زمناً طويلاً، هي كانت سمينة، أو ممتلئة، ولابد أنها في السبعين تقريباً، وهو كان نحيفاً، بل أكثر من نحيف، هيكل عظمي يسير، أعتقد أن هذا ما لفت انتباهي، لأنني كقاعدة عامة نادراً ما كنت أنتبه لأحد علي الشاطيء، لكن فيهما ركزت، والسبب نحافة الرجل، رأيته فأصابني الرعب، إلهي، إنه الموت القادم من أجلي، فكرت، لكنه لم يأت من أجلي، إنهما فقط زوج عجوز، هو في الخامسة والسبعين وهي في السبعين أو العكس، هي يبدو أنها تتمتع بصحة جيدة، وهو بشكل من سيموت في أي لحظة أو أن هذا آخر صيف له، في البداية، بعد مرور الرعب الأول، كان من الصعب عليّ إبعاد نظري عن وجه العجوز، عن جمجمته المكسية بالكاد بطبقة جلد رقيقة، لكن بعدها اعتدت النظر إليهما خفية، وأنا ملقي علي الرمل، علي بطني، بوجه يغطيه ذراعاي، أو من الممشي، وأنا جالس علي دكة مواجهة للشاطيء، بينما كنت أتصنع تنفيض الرمل عن جسدي، وأتذكر أن السيدة العجوز كانت تأتي إلي الشاطيء بشمسية تدخل تحت ظلها مسرعة، بلا مايوه، رغم أنني شاهدتها أحياناً بمايوه، لكن عادة ما كانت تلبس فستاناً صيفياً، واسعاً جداً، كان يظهرها أقل سمنة من الحقيقة، وتحت الشمسية كانت العجوز تقضي ساعات في القراءة، في كتاب ضخم جداً، بينما الهيكل العظمي الذي كان زوجها يرقد علي الرمل، لابساً فقط لبس بحر صغيراً جداً، شبه مايوه، وكان يمتص الشمس بشراهة تستحضر لي ذكريات بعيدة، عن أمريكيين يستمتعون في سكون، عن أمريكيين يركزون فيما يفعلون، حينئذ صدّعت رأسي ومشيت من الشاطيء، وأكلت علي الكورنيش، قطعة سمك وزجاجة بيرة، وبعدها بدأت أدخن وأنظر للشاطيء عبر زجاج البار، وعدتُ بعد ذلك حيث العجوز والسيدة لا يزالان في مكانهما، هي تحت المظلة، وهو تحت أشعة الشمس، وحينها، بشكل أرعن، جاءتني رغبة في البكاء ودخلت في الماء وعُمتُ، ولما ابتعدت كثيراً عن الضفاف كنت أنظر للشمس ويبدو لي غريباً أن تكون هناك، هذا الشيئ الكبير والمختلف جداً عنّا، وبعدها عاودت العوم حتي الضفة( وكنت علي وشك الغرق مرتين) ولما وصلتُ سقطتُ بجانب البشكير وبقيت وقتاً طويلاً أتنفس بصعوبة، وأنا أنظر باستمرار نحو الزوج العجوز، وبعدها ربما نمت ملقياً علي الرمل، ولما استيقظت كان الشاطيء شبه خالٍ، لكن الزوج العجوز كانا في مكانهما، هي بروايتها تحت المظلة وهو نائم علي ظهره، في المنطقة الخالية من الظل، بعينين مغمضتين وتعبير غريب في جمجمته، كما لو يشعر بكل ثانية تمر ويستمتع بها، رغم أن الشمس كانت ضعيفة، رغم أن الشمس كانت علي الجانب الآخر من عمارات الصف الأول للبحر، الجانب الآخر من التلال، لكن ذلك لم يبد أنه يشغله، وحينها، في لحظة استيقاظي كنت أنظر إليه وأنظر للشمس، وكنت أشعر أحياناً بألم خفيف في ظهري، كما لو أنه احترق هذه الظهيرة أكثر مما ظننت، وبعدها كنت أنظر لهما وبعدها نهضتُ، لبست البشكير كطبقة فوق جلدي ورحت أجلس في إحدي دكك الكورنيش، حيث تصنعت أنني أنفض عن قدميّ الرمل الذي لم يكن موجوداً، ومن هناك، من هذا العلو، كانت رؤية الزوج العجوز مختلفة، كنت أقول لنفسي إنه ربما ليس علي وشك الموت، كنت أقول لنفسي إن الزمن ربما لا وجود له مثلما كنت أظن أنه موجود، وتأملت حول الزمن بينما بعد الشمس كان يكبّر ظلال العمارات، وبعدها رحلت إلي البيت وأخذت دشاً ونظرت لظهري الأحمر، ظهر لا يبدو أنه لي بل لرجل آخر، رجل لا زالت أمامي سنوات طويلة لأتعرف عليه، وبعدها شغّلت التلفزيون وشاهدت برامجاً لم أكن أفهمها مطلقاً، حتي نمت في الصالون، وفي اليوم التالي عُدتُ لنفس الشيء، الشاطيء، المستشفي، الشاطيء مرة أخري، العجوزان، روتين يقطع أحياناً ظهور كائنات أخري كانت تظهر علي الشاطيء، امرأة، مثلاً، كانت واقفة علي قدميها دائماً، لم ترقد أبداً علي الرمل، وكانت تلبس في الجزء الأسفل مايوه وفانلة زرقاء، ولما كانت تدخل البحر كانت تبتل فقط حتي ركبتيها، وكانت تقرأ كتاباً، مثل السيدة العجوز، لكنها تقرأ واقفة، وأحياناً كانت تنحني، رغم أنها تنحني بشكل غريب، وتأخذ زجاجة بيبسي لتر ونصف وتشرب، واقفة، بالطبع، وبعدها كانت تترك الزجاجة علي البشكير، الذي لا أعرف لماذا أحضرته إن لم تكن تمتد فوقه مطلقاً ولا كانت تنزل في الماء، وأحياناً كانت هذه المرأة تخيفني، كانت تبدو لي غريبة بشكل مفرط، لكن أغلب المرات كنت أشفق عليها، ورأيت أيضاً أشياءً أخري غريبة، علي الشاطيء دائماً ما تحدث أشياء هكذا، ربما لأنه المكان الوحيد الذي نظهر فيه جميعاً نصف عراة، لكن ذلك لا أهمية كبيرة له، وذات مرة اعتقدت أنني رأيت أمريكياً سابقاً مثلي، بينما كان يتمشي علي الضفاف، جالساً في تل من الرمل مع طفل عمره شهور علي حجره، وفي مرة أخري شاهدت بعض الفتيات الروسيات، ثلاث فتيات روسيات، أغلب الظن كن عاهرات وكن يتحدثن، الثلاث، في التليفون المحمول ويضحكن، لكن الحقيقة أن أكثر ما كان يهمني الزوج العجوز، في جزء لأنني شعرت أن الرجل علي وشك الموت في أي لحظة، وعندما أفكر في هذا، أو عندما أنتبه أنني كنت أفكر في هذا، كانت النتيجة أنني تخطر ببالي أفكار مجنونة، مثل حدوث تسونامي بعد موت العجوز، تدمير القرية جراء موجة ضخمة، أو أنه لو بدأ في الارتعاش، سيحدث زلزال واسع النطاق سيخفي القرية كاملة في وسط موجة غبار، وعندما أفكر فيما قلته تواً أخفي رأسي بين يدي وأبدأ في البكاء، وبينما أبكي أحلم(أو أتخيل) أننا ليلاً، فلنقل في الثالثة صباحاً، وأنني أخرج من بيتي وأروح للشاطيء، وعلي الشاطيء أجد عجوزاً ممدداً علي الرمل، وفي السماء، بجانب النجوم الأخري، لكنه أقرب للأرض من النجوم الأخري، تلمع الشمس السوداء، شمس هائلة وسوداء وصامتة، وأنا أنزل إلي الشاطيء وأتمدد أيضاً فوق الرمل، والشخصان الوحيدان علي الشاطيء أنا والعجوز، وعندما أفتح عينيّ من جديد أنتبه أن العاهرات الروسيات والبنت التي كانت واقفة دائماً والأمريكي السابق مع الطفل بين ذراعيه ينظرون لي بفضول، متساءلين من يكون هذا الكائن الغريب، الرجل محروق الكتفين والظهر، وحتي السيدة العجوز كانت تنظر لي من رطوبة مظلتها، قاطعة لعدة ثوان قراءة كتابها الذي لا ينتهي، متساءلين ربما من يكون هذا الشاب الذي كان يبكي في صمت، شاب في الخامسة والثلاثين كان لا يملك شيئاً، لكنه كان يرمم إرادته وقيمته وكان يعرف أنه لا يزال أمامه وقت ليعيشه.

مجتزأ من رواية:
التعـويذة

ربما تكون هذه القصة قصة رعب. وربما تكون قصة بوليسية، حكاية مرعبة من الحكايات السوداء المسلسلة. لكنها لن تبدو كذلك. لن تبدو كذلك لأنني أنا من تحكيها. أنا من تتحدث لهذا لن تبدو كذلك. غير أنها في الحقيقة حكاية جريمة فظيعة.

أنا صديقة لكل المكسيكيين. أستطيع أن أقول: أنا أم الشعر المكسيكي، لكن من الأفضل ألا أقول ذلك. أنا أعرف كل الشعراء وكل الشعراء يعرفونني. هكذا أستطيع أن أقول ذلك. أستطيع أن أقول: أنا الأم وأطلق زفيراً يمتد لقرون مضت، لكن من الأفضل ألا أقول ذلك. أستطيع ان أقول، مثلاً، إنني تعرفتُ علي أرتوريتو بيلانو عندما كان في السابعة عشرة وكان طفلاً خجولاً يكتب المسرح والشعر ولا يعرف الشرب، لكن ذلك سيكون بطريقة ما تكراراً وأنا قد علّموني (بضرب الكرباج علّموني، وبعصا حديدية) أن التكرار ثرثرة وأنه يكفي أن أقول الملخص فحسب.

ما أستطيع أن أقوله حقاً هو اسمي.

اسمي أوكسيليو لاكوتوري وأورجوائية، من مونتيفيديو، رغم أني كلما صعد الدم إلي رأسي، دم الاستغراب، أقول إنني "تشاروا"، الذي هو مرادف وغير مرادف في نفس الوقت لكلمة أورجوائية، لكنه يُربك المكسيكيين بل وكل الأمريكيين اللاتينيين.

المهم أنني في ذات يوم جئت إلي المكسيك دون أن أعرف جيداً لماذا ولا إلي ماذا ولا كيف ولا متي.

جئت إلي منطقة المكسيك الفيدرالية سنة 1967 أو ربما في سنة 1965 أو 1962. أنا بالفعل لا أتذكر التواريخ ولا الاغترابات، والشيء الوحيد الذي أعرفه أنني جئت إلي المكسيك ولم أرحل عنها أبداً. طيب، لابد أن أتذكر قليلاً. لابد أن أمدد الزمن مثل بشرة امرأة متغضنة في غرفة عمليات طبيب تجميل. فلننظر. جئت إلي المكسيك عندما كان ليون فليبي لا يزال علي قيد الحياة، يا لضخامته، يا لقوة الطبيعة، وقد مات ليون فليبي عام 1968. جئت إلي المكسيك عندما كان بدرو جارفياس لا يزال علي قيد الحياة، يا له من رجل عظيم، يا له من مخبول، وقد مات دُن بدرو سنة 1967، ومعني ذلك أنني جئت قبل عام 1967. فلنقل إذن إنني جئت إلي المكسيك سنة 1965.

أخيراً، أعتقد أنني جئت في 1965(وربما يلتبس عليّ الأمر، فالأمر قد يُلتبَس دائماً) وقابلت هؤلاء الإسبان العالميين، يوماً وراء يوم، وساعة وراء ساعة، بشغف شاعرة وورع ممرضة إنجليزية حرة وأخت صغري تسهر علي راحة إخوتها الكبار، الرحالين مثلي، رغم أن طبيعة غربتهم كانت مختلفة جداً عن طبيعة غربتي، فأنا لم يطردني أحد من مونتيفيديو، ببساطة قررت ذات يوم أن أرحل وسافرت إلي بوينوس آيريس ومن بوينوس آيريس، بعد عدة أشهر، وربما بعد عام، قررت أن أواصل في سفري لأنني عرفت ساعتها أن مصيري سيكون في المكسيك، وكنت أعرف أن ليون فليبي يعيش في المكسيك ولم أكن متأكدة جداً من أن بدرو جارفياس أيضاً يعيش هنا، لكنني كنت أعتقد أنني ألمحه بداخلي. ربما كان الجنون ما دفعني للسفر. من المحتمل أنه كان الجنون. كنت أقول إن الدافع هو الثقافة. بالطبع تصبح الثقافة أحياناً هي الجنون، أو تدرك الجنون. ولعله كان الكره ما دفعني للسفر. لعله كان الحب المفرط والفائض. لعله كان الجنون.
الشيء الوحيد المؤكد أنني جئت إلي المكسيك في 1965 وزرعت نفسي في بيت ليون فليبي وفي بيت بدرو جارفياس وقلت لهما ها أنا هنا من أجل ما يروق لكما أن تأمرا به. ولابد أنهما استظرفاني، لأنني لست منفّرة، رغم أنني ثقيلة أحياناً، لكنني لم أكن أبداً منفّرة. وأول ما فعلت أن أخذت مكنسة وكنست أرض بيتيهما وبعدها نظفت النوافذ وكلما استطعت طلبت منهما مالاً وقمت بمشتريات. وكانا يقولان لي بنبرة إسبانية خاصة جداً، لها موسيقي خشنة لم تغب أبداً عنهما، وبنطق جيد لحرفي ال C و ال Z، وبهجران تام لحرف ال S اليتيمة والشبقة: أوكسيليو، كفي عن اللف في الشقة، أوكسليو، اتركي هذه الأوراق في سلام يا امرأة، فالغبار والأدب يتعايشان معاً. وأنا كنت أحملق فيهما وأفكر كم هما محقان، الغبار دائماً، الأدب دائماً، ولأنني حينئذ كنت أبحث عن صيغ، كنت أتخيل الكتب المستكينة فوق الأرفف وكنت أتخيل غبار العالم الذي يخترق المكتبات رويداً، بمثابرة، دون توقف، وحينها كنت أفهم أن الكتب فريسة سهلة للغبار(كنت أفهم ذلك وأرفض قبوله)، كنت أري زوابع غبار، سحابات غبار تتجسد في مضخة تكمن في أعمق أعماق ذاكرتي، وكانت السحابات تتقدم حتي تصل إلي المدفع، سحابات مضختي الخاصة التي كانت مضخة الجميع رغم أن الكثيرين يرفضون رؤيتها، وحينها كان كل شيء يُغطي بكوم من الغبار، الكتب التي قرأتها والكتب التي أفكر في قراءتها، وهناك لم يكن بمقدوري فعل شيء، ومهما استخدمت المكنسة والخرقة لم يكن الغبار ينصرف أبداً، لأن هذا الغبار كان جزءاً مكوّناً من الكتب وهناك، علي طريقتها، كانت تعيش أو تتظاهر بالحياة.

جيم

ز

منذ سنوات طويلة كان لي صديق يُسمي جيم ومنذ ذلك الحين لم أر أبداً أمريكياً شمالياً أكثر حزناً منه. رأيت يائسين كثيرين. لكن حزناء، مثل جيم، أبداً. ذات مرة رحل إلي بيرو، في رحلة كان يجب أن تستمر أكثر من ستة أشهر، لكنني بعد فترة قليلة رأيته من جديد. فيما يكمن الشعر يا جيم؟ كان أطفال المكسيك الشحاذون يسألونه. كان جيم يستمع إليهم ناظراً إلي السحب وبعدها يشرع في التقيؤ. اللغة، البلاغة، البحث عن الحقيقة. عيد الغطاس. مثلما تشبه العذراء. في أمريكا الوسطي اعتدوا عليه عدة مرات، وهو ما كان غريباً بالنسبة لرجل من المارينز ومحارب قديم في فيتنام. كفي مشاجرات، كان يقول جيم. أنا الآن شاعر وأبحث عما هو غريب لأقوله بكلمات شائعة وعادية. هل تعتقد أن هناك كلمات شائعة وعادية؟ نعم أنا أعتقد، كان يقول جيم. كانت زوجته شاعرة تشيكية تهدده، كل فترة، بأنها ستهجره. أراني صورة لها. لم تكن جميلة بشكل خاص. كان وجهها يعبر عن معاناة وتحت المعاناة كان الغضب يطل. تخيلتها في شقة سان فرنثيسكو أو في بيت لوس أنجيليس، بنوافذ مغلقة وستائر مفتوحة، جالسة علي المائدة، تأكل قطع خبز من رغيف وطبق شوربة خضراء. وحسبما رأيت كان جيم يحب النساء السمراوات، نساء التاريخ السريات، كان يقول ذلك دون أن يشرحه بفضفضة. أنا علي العكس كنت أحب البيضاوات. ذات مرة رأيته يتأمل الحاوي بشوارع D.F. رأيته من ظهره ولم أسلم عليه، لكنه كان جيم بكل وضوح. الشعر سيئ الحلق، القميص الأبيض والوسخ، الظهر المحني كما لو يشعر بثقل حقيبته. الرقبة الحمراء، رقبة تستحضر، بطريقة ما، صورة الإعدام غير القانوني في الحقل، حقل بالأبيض والأسود، بلا إعلانات ولا إضاءات محطات البنزين، حقل كما يكون أو كما يجب أن يكون الحقل: بواد بلا أمل في الاستمرار، غرف من الحجارة أو مدرعة بما هربنا منه وينتظر عودتنا. كان جيم يضع يديه في جيبيه. وكان الحاوي يهز شعلته ويضحك بشكل عنيف. وجهه المسوّد كان يقول إن عمره قد يكون الخامسة والثلاثين أو الخامسة عشرة. كان بلا قميص وبجرح رأسي من سرته حتي صدره. في كل فترة محددة كان يملأ فمه بسائل قابل للاشتعال وبعدها يبصق ثعباناً طويلاً من النار. كان الناس يشاهدونه، مقدرين فنه ويواصلون طريقهم، ماعدا جيم، الذي استمر علي حافة الرصيف، ساكناً، كما لو أنه ينتظر شيئاً أكثر من الحاوي، علامة عاشرة بعد أن فك شفرة التاسعة الصارمة أو كما لو في الوجه البذيء اكتشف وجه صديق قديم أو وجه أحد قد قتله من قبل. وخلال فترة طويلة نظرت إليه، وكنت حينها في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة وكنت أعتقد أنه خالد. لو كنت أعرف أنه ليس كذلك لأعطيته ظهري ولابتعدت عن هناك. بعد فترة تعبت من النظر لظهر جيم ولتجهمات الحاوي. الحقيقة أنني اقتربت وناديت عليه. بدا أن جيم لم يسمعني. عندما التفت لاحظت أن وجهه مبللاً بالعرق. كان يبدو محموماً ويصعب عليه التعرف عليّ: حياني بحركة رأس وبعدها واصل النظر للحاوي. عندما اقتربت منه رأيته يبكي. أغلب الظن أيضاً أنه كان محموماً. هكذا اكتشفت، بدهشة أقل من الدهشة التي أكتب بها، أن الحاوي كان يعمل من أجله حصرياً، كما لو أن كل المشاهدين الآخرين بناصية D.F هذه غير موجودين. كانت الشعلات، أحياناً، توشك علي الانطفاء علي بعد أقل من متر منّا. ماذا تريد، قلت له، أن يحرقوك في الشارع؟ كانت مزحة حمقاء، نُطقت بلا تفكير، لكن عرفت فجأة أن هذا بالتحديد ما كان يأمله جيم. مارس الحب، مسحوراً مارس الحب، مسحوراً، أعتقد أنني أتذكر أنها عبارة في أغنية كانت موضة هذا العام في بعض البؤر المرحة. وكان يبدو أن جيم يمارس الحب مسحوراً. استحوذ عليه ساحر المكسيك والآن أنظر مباشرة إلي وجه أشباحه. هيا من هنا، قلت له. سألته أيضاً إن كان تناول مخدراً، إن كان يشعر بالتعب. قال لا بإيماءة من رأسه. كان الحاوي ينظر لنا. بعدها، اقترب منا بخدين منتفخين، مثل إيولو، إله الريح. عرفت، في جزء من الثانية، أن ما سيقع علينا ليس بالتحديد ريح. هيا، قلت، وفجأة نزعته من حافة الرصيف الخطيرة. تهنا في الشارع النازل في طريق الاصلاحية، وبعد برهة افترقنا. جيم لم يفتح فمه طوال الوقت. ولم أره مرة أخري أبداً.

أخبار الأدب
16/07/2011