(ألبير قصيري، كان يكتب جملة كل أسبوعين ...فأنجز طوال حياته سبع روايات قصيرة)

قصيري مع عدد من الروائيين المصريين : البساطي ، أصلان، إبراهيم عبد المجيد، جمال الغيطاني و ريشار جاكمون

لومجازين ليترير برحيل الروائي البير قصيري ، يغيب واحد من جيل الليبرالين الكبار، الذي لم يحصل علي شهرة في الوسط الثقافي المصري، ربما بسبب سفره مبكرا إلي باريس للإقامة هناك، اسئلة كثيرة تطرحها 'حياة' قصيري.. من حوارته المختلفة نحاول أن نجد أجابة عليها في هذا الملف.

استيقظ بولفار سان جيرمان علي خبر فقدان معلم من معالمه. فلا أحد يتصور الحي بدون ألبير قصيري. كان كالأمير يخرج كل يوما في كامل هيئته يرتدي رابطة عنق، أنيق متعطر وممشط الشعر تماما كما لو كان زازو الأخير. كان يجلس في البداية في مقهي لي دو ماغو ثم علي فلور للعب الشطرنج مع الفتيات. وكان هذا الأمر يسعده للغاية. وفي نهاية الأسبوع كان يختفي إلي للهرب من السياح ومن المغفلين.

حياة عادية لا يغير فيها شيئا وإن كانت لا تخلو من مفأجات الطريق. ففي إحدي المرات قابل صديقة قديمة في بولفار سان جيرمان دي بري وحكت له ما حدث لها في حياتها : ثلاثة أطفال وطلاق مرتين و أربع مرات أغير فيها منزلي. وأنت؟؟ آه ..أنا, لم يتغير شئ في حياتي, أجابها قصيري مضيفا إنني أخذ دائما قيلولتي علي نفس فراشي في فندقي. وللحق, فإن أحدا لم يكن يستطيع أن يقلق قصيري في قيلولته، لا النساء ولا الصحافيين ولا الناشرين ولا المزعجين.

عاش حياة كاملة من البطالة المبدعة والفراغ كان يتقنها أكثر من سيرون. وبخاصة لأنه كان أكثر ابتهاجا وأقل تشاؤما. ولد لأب ثري وأم غير متعلمة, وتلقي تعليمه في مدرسة اللفرير المسيحية. كتب أولي رواياته أناس نسيهم الله عام 1941 والتي قدمته إلي المجتمع الفرانكفوني الأدبي في القاهرة:
قدم نسيج المجتمع المصري في شكل ساخر مدهش. وهذا ما لفت نظر هنري ميلر إليه ودعاه للمجيء إلي باريس التي استقر فيها عام 1945.

واختار العيش في فندق لويزيانا. فالفتيات جميلات والفندق ليس غاليا والافراح مستديمة. لم يفكر في الرحيل مطلقا ومكث وهذا كل شيْ.

لم تكن لديه خطط مستقبلية, ولا طموح سوي أن يكون علي المستوي الذي يتوقعه لنفسه : الطبقة الاجتماعية المتميزة. ولهذا لم يكن غنيا وإنما حري بكرم أصدقائه من حقوق نشر كتبه. فالملكية في نظره ليست فقط السرقة وإنما أيضا السجن والعبودية للمالك.

نشر قصيري سبع روايات علي مدار 50 عاما أي كل عشر سنوات رواية وكان يكتب جملة كل أسبوعين وهكذا فلم يكن كسولا تماما ؟! فكل كلمة يكتبها عمل علي ضياغتها جيدا, أعطها وقتها ليصبح راضيا عنها. كان الهم الأكبر لقصيري هو أن يلحن اللغة العربية في اللغة الفرنسية. قصيري كاتب طريف يفكر بالعربية ويكتب بالفرنسية.

لم تغب القاهرة عن باله أبدا: مجانينها وبؤسائها الذين كان لديه الوقت لمراقبتهم خلال السنوات التي قضاها في الفيشاوي القهوة الزجاجية في القاهرة القديمة التي كتب عنها محفوظ.

استغرق في الاحلام. لا تزال رواية شحاذون ونبلاء (1955) تحفة ألبير قصيري الفنية حيث يبدو العنوان ملائما تماما للتعريف بالمصريين. تماما مثل رواية العنف والسخرية (1964) التي تعتبر دليلا إرشاديا للعصيان السياسي. وخوفا من عدم فعل شيْ سوي الاستغراق في الاحلام والابتعاد عن ضوضاء العالم , كان علي قصيري تجاوز هاجس داخلي دفعه للقراءة العنف والسخرية ولم يكن صدام حسين ليخسر شيئا إذا تصفح طموح في الصحراء (1984) ليعرف جيدا كيف يعلن حرب خليج. تري هل كان في حاجة إلي التحلي بالمزيد من روح السخرية لفهم الحياة .....

في بدايات الثمانينات, كانت روايات ألبير قصيري غير موجودة تقريبا في الأسواق الفرنسية حتي جاءت صحافية شابة جويل لوسفيلد لتجري مقابلة معه لجريدة أفريقيا الشابة . وفي عام 1986, ورثت عن والدها دار نشر وجعلتها فيما بعد علي اسمها. أعطاها قصيري في البداية حقوق نشر روايتين فقط ثم قليلا فقليلا منحها حقوق نشر كل رواياته. وفي عام 2005، نشرت أخيرا رواياته كاملة علي جزءيين وأعادت طبع أحاديث ألبير قصيري لميشيل ميتنري الذي لا يزال مقدمة رائعة سواء عن حياته أو عن رواياته. أن عمل لوسفيلد لهو تكريم لقصيري بجانب تكريم من الأكاديمية الفرنسية ومن جائزة المتوسط ومن مجتمع المثقفين.

منذ عشرة سنوات فقد صوته بعد قيامه بإجراء عملية في حنجرته. وهذا لم يزعجه علي الأطلاق. وعندما كنا لا نستطيع فهم نعيقه , كان يأخذ قلما ليكتب إجابات مقتضبة وفظة.

وربما تكون السخرية الأخيرة التي عرفناها عنه بعد رحيله , أنه كان رءوفا مع المارة والأطفال. وكان يردد دائما في نغمة جميلة الحياة حلوة. من يعرفونه لا يصدقون موته, فهو كالأثر الباقي الذي لا يموت وبموته فقدت فرنسا واللغة الفرنسية آخر فرد من جيل عرف بالتزامه بقواعد اللغة واحترمها أكثر من الفرنسيين أنفسهم بالرغم من عدم حصوله علي الجنسية الفرنسية.

عن جريدة اللبيرسيون الفرنسية


******


ألبير قصيري:
لوحات صغيرة عن الحكمة الشرقية

ترجمة أيمن عبد الهادي

- منذ العملية التي أجريت لكم في الحنجرة، لم يعد بوسعكم الكلام. كيف تعيشون حقيقة الإنغماس هكذا في الصمت؟

لوقالوا لكم إنه لن يكون باستطاعتكم الكلام بعد الآن، سيبدولكم الأمر مرعبا، غير متصور. أنا لم يزعجني هذا علي الإطلاق. لم أعد مجبرا علي إجابة الحمقي. الأساس، هوالبقاء حيا: هذا هوالفخر الوحيد الذي يتعين علينا الإعتزاز به. الأكثر صعوبة، هومواجهة مشقة في السير: عندما وصلت الي دور النقاهة بعد العملية، ومنذ اليوم الأول، وفي الوقت الذي ظل فيه الآخرون في السرير، بالبيجاما، ارتديت ملابسي وخرجت الي الشارع لتناول قهوة.

- ظهرت أعمالكم، سبع روايات ومجموعة قصصية في مجلدين. هل يعد ذلك مصدرا آخر للفخر؟

بجانب حقيقة البقاء حيا، لا يمثل شئ. لكنني سعيد به جدا. عندي انطباع بأنني قلت ما عندي. وأنا صغير جدا كنت أعلم أن ذلك سيحدث. قررت أن أكون كاتبا في وقت مبكر جدا، بالتعرف علي موليير، بومارشه، ستاندال بين الكتب التي امتلكها إخوتي الأكبر سنا. لم أقرأ أبدا كتب الأطفال، لكنني قرأت الكلاسيكيات. وبدأت الكتابة في العاشرة. ونشرت قصصا في المجلات القاهرية وعمري 17 عاما.

- تنتمون لعائلة مثقفة؟

علي الإطلاق. أبي لم يكن يقرا إلا الجريدة. وامي كانت لا تقرأ ولا تكتب. كنت أنا من يقرأ لها في السينما ونحن نشاهد الأفلام الصامتة. كان أبي يعيش من عائد الأراضي دون عمل. وكان لدي أمي خادمات يتولين الطهي وأعمال المنزل. لكننا لم نمتلك ثروة. في الشرق، يلزم نقودا أقل (للمعيشة) من الغرب. الثراء الحقيقي هوامكانية العيش دون عمل: في فرنسا، كنت أشعر أنني أكثر ثراء من الآخرين لأنني احتفظت بهذه الطريقة الشرقية في مواجهة الوجود من دون عمل.

- أرسلتكم عائلتكم مع ذلك إلي أفضل مدارس القاهرة

أخواي تعلما عند اليسوعيين حيث درس العديد من الوزراء. وكنت لدي فرير دولاسال قبل أن أذهب الي الليسيه الفرنسيه. في مصر يتم تعليم الإنجليزية في المدارس العامة: وهي لغة لا تجحمس علي الكتابة. فضلت كثيرا موليير علي شكسبير.

- تكتبون إذن بالفرنسية لكن فقط عن مصر: لم تتكلم

أنا كاتب مصري يكتب بالفرنسية، كما يوجد كتاب هنود يكتبون بالإنجليزية مع ذلك يظلون متعلقين ببلدهم.

- بقيتم مصريا لكن اخترتم الحياة في فرنسا؟

لم أخرج من القاهرة لأغادر مصر، لكن لأن في باريس يعيش أهم الكتاب. فرنسا بالنسبة لي هي ستاندال، سيلين، مارلووأيضا لويس جويو، جون جينيه، جوليان جراك. عام 1945، لم تكن سان جيرمان دوبريه كما هي الآن. لم تكن تري في مقهي فلور امهات مع عربات الأطفال. لمدة 15 عاما كنت أري الرسامين والكتاب يأتون الي هنا من العالم كله. كان حيا نلهو فيه، نجد فيه شرابا وأكلا وسجائر، نحتفل طول الليل.

- ومن سان جيرمان دوبريه واصلتم الكتابة عن مصر؟

نعم تدور كتبي عن القاهرة، الإسكندرية، دمياط أوفي إمارة صحراوية. لكن ما أكتبه يخص العالم أجمع. فضلا عن ذلك، يحيني القراء عند نهر السين، يتناقشون معي، يشرحون لي أن الأمر يعنيهم وينبهروا بالكتب. يتشابه الناس في مصر وفي سان جيرمان دوبريه، اللغة هي الفرق، وأيضا السلوك المتناهي في شرقيته لشخصياتي: يتقاسمون طريقتي في التفكير. في الشرق، يصوغ كل فرد فلسفته الخاصة في الحياة، حكمته الذاتية، لأننا نأخذ وقتا في مشاهدة العالم وهو يمر.

- أكدتم أن الناس في بعض الدول حتي الذين من دون موارد بوسعهم الإحتفاظ بكرامتهم: الفخامة الوحيدة للفقر ، والبقاء في سعادة أكبر من الكثير من الأثرياء: هذا هو معني روايتكم الأكثر شهرة: شحاذون ونبلاء.

في الغرب، يمكن أن يموت الناس من الفقر والجوع. وهذا لا يحدث في الشرق: الكل يعطي شئيا لمن هم في الشارع، قطعة نقود صغيرة، شئ ما يؤكل. وحتي الأكثر فقرا يبقون سعداء. ب 16 مليون نسمة تظل القاهرة مدينة رائعة لأن الناس تمزح. كل يوم يبتكر أحد ما حكاية مضحكة ، عن الحكومة، عن صعوبات الحياة. عندما نكتشف الخداع الذي يعيش فيه العالم، يظل التمرد الوحيد الممكن هوالسخرية . لا يمكننا أن نستمع الي وزير دون ضحك لأن لا شئ فيما يقوله يهمنا.

- لا تشغلكم السياسة؟

في فرنسا السياسة لا تعنيني. ولا يمكنني ان أمارس السياسة في مصر وأنا أعيش في فرنسا. لكن علي كل حال، الناس بشكل عام يلفظون أكثر فأكثر الطريقة التي تحكم بها السياسات العالم: لا يصوتون (في الإنتخابات).

- لديكم إدراكا مسبقا رائعا للأحداث السياسية. طموح في الصحراء كتابكم المنشور عام 1984 ويدور عن إمارة تهددها الثورة. انتقدتم فيه زهوالأسواق في الممالك البترولية التي يجلعب بها من قبل القوة الإمبريالية العظمي الجالبة لكل خزي. أعلنتم (في هذة الرواية) حرب الخليج.

خسارة أننا لم نلتفت إليها لحظة الحرب في روايتكم الأولي منزل الموت الأكيد، وصفتم انتظار وكرب سكان عمارة .موبوئة، سجناء مسكنهم المنذور للشيطان لأنهم كانوا من الفقر الشديد كي يغادرونه. في روايتكم الأخيرة ألوان العار متعهد عقاري عديم الإستقامة مسؤول عن خمسين ميت في انهيار عمارة يتجاسر ويدافع عن فكرة يتعين البناء الي وقت محدد وإلا سيكون الإنهيار ونهاية (المقاولات) العقارية. هناك أيضا في الكتاب المنشور عام 1999 بعض السطور التي تعطي انطباعا أنكم تنبأتم بأحداث 11 سبتمبر أوبإعصار كاترينا :مذبحة تتبعها عاجلا أوآجلا مذبحة أخري أكثرإثارة للذهول.

لكنها حقيقة العالم. لم أتخيل شيئا. كل ما في كتبي حقيقة، تلك التي نقرأها كل يوم في الصحيفة.

- أي تأثير أن تكتشف هكذا في الصحيفة تحقق أسوأ نبوءاتك؟

لا أكترث بذلك كثيرا. أحتفظ بمزاجي . روحي صافية ولا أبالغ: بالنسبة لي، الحياة رائعة وتوفر لدي الحظ لمتابعتها. احتفظت بهويتي الشرقية. أنا مثل شخصيات (رواياتي).

- أنت بمنأي عن الخوف. كيف للشخص الذي يقول في منزل الموت الأكيد: لم اعد خائفا منذ اللحظة التي علمت فيها أن المنزل سينهار. من قبل كانت تلاحقني الكثير من المصائب. لكن الآن لا توجد إلا مصيبة واحدة. أقل مشقة في الإحتمال. بؤس واحد، رائع، ثم يكون موتي

نعم، هذه فلسفتي.

- شخصيات الفلاسفة حاضرة بشدة في كتبكم. جوهر في شحاذين ونبلاء يقرر ان يصبح شحاذا حتي يتناغم مع ما يجدرسه. في ألوان العار يستقر كرملة مثل الالآف من الذين لا مآوي لهم في المقابر كي ينتظر تحلل منغصاته في الشقاء الكوني الهائل. هؤلاء الفلاسفة هم ما تكونه؟

أنا كاتب، ولست روائيا. لا أكتب كي أروي قصصا، لكن لأقول ما أعتقده. الشخصيات هنا تعبر عن أفكاري. أحب بعد أن تجقرأ كتبي ألا يذهب الناس الي أعمالهم في اليوم التالي، أن يفهموا أن طموح الحياة يكفي، ولا يساويه أي توق الي غيره. نجحت أن أقول كل شئ في كتبي.

- هل ستواصلون الكتابة؟

بعد ألوان العار شرعت في كتاب جديد لكنني لن أكتبه الآن. أواجه مشقة كبيرة في الجلوس والإمساك بالقلم بسبب ألم المفاصل. أكتب في غرفتي، بقلم جاف، باليد، بحرص حتي لا يواجه من يجمع ورائي نصوصي أي صعوبة في قراءة ما كتبته. تقريبا، لا أشطب. أنتظر وأنا أكتب الكلمة الصحيحة. يمكن أن أبحث عنها أيام عديدة. لا توجد عبارات لا معني لها في كتبي. لذلك أكتب ببطء شديد.

لا يتوفر لديكم ايقاع الناس المضغوطة هذا صحيح؟

طوال حياتي لم أنم قبل الثانية أوالثالثة صباحا وأستيقظ عند الظهيرة.

- تنتمي فلسفتكم الي رؤية أبيقورية في الوجود: قضاء معظم الوقت في المقهي، وحيدا، لقراءة الصحيفة، اومع الأصدقاء أوفي صحبة النساء الجميلات. في تلك الناحية، اقتربتم بشدة من شخصيات مؤامرة المهرجين. كانوا يتلذذون بكل مباهج الحياة، لكن عدم اكتراثهم المعلن جلب انتقام السلطات.

لهوت كثيرا في حياتي، وكان الإمتلاك يفزعني. عندما كان أصدقائي الرسامين والنحاتين يمنحونني أعمالهم، كانوا يعلمون أنني سأبيعها اليوم التالي لكي أدفع ايجار الفندق أولأبتاع سجائري. وأحب النساء. لم أستطع أبدا الإستغناء عن رفقتهن. يأتين، ويذهبن، لم يكن عندي ما يزعجني معهن.

- هكذا كان للنوم أهميته عندكم. في كسالي الوادي الخصيب، وصفتم عائلة منغلقة في بيتها، تقضي وقتها في النوم. جاهدتم في حرث الكسل.

يسمح النوم بالتفكير بطريقة أخري، بالتموضع خارج العالم. لا تفعل شيئا، هوعمل داخلي. البطالة لازمة للتأمل. وكثيرا ما خرجت من غرفتي: بالنسبة لي القدرة علي النهوض والخروج الي الشارع لمراقبة مشهد العالم أمر أساسي.

- سلوككم به شئ من الأرستقراطية. بالإضافة لذلك فهي الكلمة التي استخدمتموها لتوصيف فيلسوف ألوان العار الذي كان يعيش في المقابر: كان كرملة ينتمي الي فئة الأرستقراطيين بحق، الذين خلعون كأثواب قذرة كل القيم والدوجم المؤسسة من قبل أولئك السفلة علي مر العصور لتخليد هيمنتهم.

أبدا لم أكن عبدا لشئ أوشخص. الإمتلاك هوما يجعلك عبدا. لهذا السبب عشت دوما في الفندق، حيث حتي الأثاث لا يخصني. كنت أحتفظ بمسافة بيني وبين من لديهم شيئا ليفقدوه، الأقوياء ومن يخدمونهم. عندما كنا صغارا، مع إخوتي، كنا لا نسعي لكسب المال ولكن لإيجاده حيث يكون بالترتيب علي أبي أوأمي. بعد ذلك كان أصدقائي الفنانين من يعيلونني. وعشت أيضا علي عائدات كتبي، تجرجمت في كل أوروبا، في بريطانيا، في أمريكا، وكتبت عددا من السيناريوهات للسينما. لكنني لم ألتمس شيئا: كانوا دوما يأتون في طلبي.

- كيف لكم أن تحيون علي نحوآخر وأنتم تستيقظون عند الظهيرة؟

لم يتوفر لي الوقت أبدا لأهاتف أحدا كي أطلب منه أي شئ كان.

- سعداء بما حققتموه من نجاح؟

كثير من الناس يصورونني أينما ذهبت ولا أكترث. لا يشغلني ذلك. لا أخالط إلا من يتشابهون معي، من لديهم إدراكا أصيلا للحياة، من لا يتركوا أنفسهم ينخدعون بما يقرأون في الصحف. هم سعداء، مثلي، دون بطاقة إئتمان ولا دفتر شيكات. تحرروا من كل ما يسعد الحمقي. لكن معظم أصدقائي ماتوا. لا نشيخ دون عقاب. في مصر ، لم يتبق أحد من عائلتي. لم أعد اليها منذ موت آخر إخوتي...

- هل تستمرون في قراءة كتاب معاصرين؟

بالطبع لا. الآن ، لا شئ ذوقيمة. معظم كتاب النصف الأول من القرن العشرين كانوا عباقرة مقارنة بالكتاب الذين ينشرون الآن. لا ، لا أقرأ إلا الصحيفة، وعلي كل حال، الأساسي...هو البقاء حيا.

حوار أجرته لومجازين ليترير عام 2000

اخبار الأدب - 2008 يوليو 6السبت