يوسف حاتم
(لبنان)

يوسف حاتمفي صبيحة يوم من أيام الأسبوع الفائت، على رصيف شارع الحمراء، قال لي احد الاصدقاء ان الروائي بيار روفايل اصبح في ذمة الله. كان الصديق يقرأ الخبر في احد الأعمدة الجانبية من الصحيفة، متأملا صورته وخبره اليتيم من دون تعليق او تحليل أو رثاء او اي شي آخر. بدا خبر وفاة روفايل كأنه عن رجل عابر. ربما لم يتسنّ للصفحات الثقافية الكتابة عنه نقداً وتحليلاً، رغم انه كان نجما من نجوم المجلات التي لطالما نشر رواياته الشعبية والايروتيكية على صدر صفحاتها. وربما لم تهتم الصحافة برحيله ولم تعتبره من الاسماء التي ينبغي التأمل في حيثيات جمهور رواياته وحيثيات هذا النمط من الكتابات.

1

لم نقرأ مقالاً واحداً عن بيار روفايل، ربما لأنه مثل بعض الكتاب اللبنانيين اختار ان يبقى في بلدته الكسروانية دلبتا، بعيدا عن "الساحة" الثقافية واروقة العلاقات العامة، تاركاً كتبه تتدبر امورها مع القراء. هكذا أيضاً لم نقرأ حوارا واحداً مع روفايل، فكأنه كان منفياً من الإعلام والصحف. قد يقول البعض انه كان يكتب رواية "لا ثقافية"، وقد نأخذ بهذه الفرضية. لكن المتأمل في الكثير من الروايات الصادرة حديثا، يرى أنها "روفايلية" بامتياز، وقد تكون "الروفايلية" أحسن منها لأنها لا تدّعي شيئا سوى انها تبحث عن اكبر عدد من القرّاء. غاب بيار روفايل عن "الساحة" الثقافية وحضر طيفه، فهل يعترف بعض وجهاء الرواية الايروتيكية الراهنة بذلك؟ هل يلجأون الى عقد مقارنات بين ايروتيكيته وايروتيكياتهم المتأخرة والمستنفدة والساذجة؟ هل يفكرون ان جرأتهم ليست الا موضة قديمة استنفدها روفايل على صدر المجلات الفنية؟ ربما يجد اصحابنا للايروتيكية الساذجة طعما آخر مع النكهة الثقافية.

2

ازدهرت كتابات روفايل في لبنان ومصر في الخمسينات والستينات وبقيت حتى اوائل التسعينات، وتألق هذا النوع من الكتابة على أيدي بعض الصحافيين ممن عملوا في الصحافة الفنية أمثال جورج إبراهيم الخوري ووفيق العلايلي. كانت تلك الكتابات القصصية مرصودة للنشر على حلقات في المجلات الفنية الأسبوعية مثل "الشبكة" و"الحسناء" وسواهما. يومذاك كان للمجلات الفنية صداها لدى بعض اهل الثقافة، وبين المتنورين والحديثين منهم، حتى ان الشيخ فؤاد حبيش، وهو من هو في عالم الأدب والنشر، اصدر مجلة "المكشوف" في الثلاثينات من القرن الماضي، وكانت تعتمد في البداية على نوع من الأدب "المكشوف"، على هدي الشيخ الحبيشي نفسه، وطليعيته، وعلى طريقة رهط من الكتّاب "الزعران"، وهو ادب يهتم بالثقافة القريبة من عالم "الباباراتزي"، ويتضمن موضوعات لافتة تجذب القارئ. كان الجسد هو الحاضر الأكبر في الاعداد الاولى من مجلة "المكشوف"، المجلة المسلية والماتعة، والطليعية في ما بعد، والتي تفتقد الثقافة العربية مثيلاتها اليوم. على ان تجربة المجلة مع الجسد لم تعمّر كثيرا، فبعد نصائح بعض الادباء المهتمين بالحداثة، كان على فؤاد حبيش ان يبدل في فكرة مجلته، ليجعلها مجلة طليعية، مستشرفة، جريئة، نقدية، ورصينة، تتابع مجريات الحداثة الثقافية في لبنان والعالم.
يسرد روفايل في بعض قصصه ايروتيكية الزمن الأول بلغة نافلة، صحيحة، بسيطة، وساذجة، كما الحب الساذج. لغة لطالما اعجبت المراهقين في زمنٍ ما، ودلّتهم على حواسهم في مرحلتهم الأولى، على نحو ما اعحبت اشعار نزار قباني المراهقين ايضا. قفز روفايل بكتاباته الى صلب النص القصصي، من دون ان نقرأ هذه الكتابات قراءة ثقافية ونقدية، في زمن كان اهل الثقافة اكثر ميلا الى الاخلاقيات والوجوديات والايديولوجيا. كتب روفايل الايروتيكية في زمن كانت الكتابة اللبنانية تحوم حول الشيء ولا تقترب منه، ذلك لان "الحواس الايروتيكية" كانت تبقى معزولة عن النص ومنفية منه. أما هو فاقترب من حدود الممنوع في اطار تشويقي متطور في مرحلته، لكنه لم يجازف الى حدود البورنوغرافيا، بل بقي في دائرة الاكتشاف الجميل. كأنه حين كان يحمل القلم، كان يتخيل فيلما عربيا من زمن كانت السينما جريئة ولم يكن الحجاب قد غزاها بعد. روفايل الآتي من الصحافة والمجلات الفنية، كان شغوفا بالكتابة عن الايروتيكا في الكثير من رواياته. عناوين رواياته وصور الغلف، تفتح لنا شقوقاً لكي ندلف الى الداخل، حيث تعتلج الصفحات بما لم يكن الزمن ليسمح بالكشف عنه، من مشاعر وأحاسيس جسدانية، واحتلامات، ورغبات، وتأوهات، وشبقيات، وشهوات سريرية، فراشية، ليلية، متحققة، أو غير متحققة، وجميعها تقرع باب المحرّم والمكبوت، والمسكوت عنه، وهلمّ.

لا اذكر اني قرأت مقابلة مع روفايل في الصحف اللبنانية، ولكن كثيرا ما لاحظت انتشار كتبه في الأكشاك وبسطات الكتب وفي المكتبات الخاصة او بين أيدي الشبان والصبايا. فهو كان بالنسبة الى القرّاء الشباب من زمن غابر بمنزلة الروائي باولو كويلو في الزمن الراهن. لم اقرأ حوارا مع بيار روفايل ولطالما ظننته فرنسياً، حتى أني بحثت عن اسم مترجم رواياته قبل ان اعرف في بداية التسعينات انه لبناني ومن احدى بلدات كسروان. المعلوم أن جميع ما كتب روفايل من قصص صدر في زهاء ستين كتاباً حتى الآن، ليس بينها كتاب واحد مقتبس أو مترجم. بل على العكس، فإن بعض هذه القصص ترجم إلى الفرنسية، ومنها قصة "السهم الأحمر" وقصة "لحن الغروب". اكثر ما اذكر من روايات روفايل ورقها الاصفر. كنت احمل تلك الروايات التي يتطاير منها الغبار، فضلا عن غلفها الشبيهة بغلف الكيتش التي شغلتني، كما شغلتني غلف كتب نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس.

4

لطالما روادتني في الأشهر القليلة الماضية فكرة مقابلة هذا الروائي الشعبي، ومعرفة اسرار رواياته وسيرة حياته وثقافته وما تتضمنه مكتبته ولماذا اختار هذا النوع من الكتابات، لكن الحظ لم يحالفني فلم ألتق به، ولم تسعفني النخوة للذهاب الى بلدته ومقابلته، انا الذي كان لديّ شغف في تقليب رواياته، بحثا عن مقاطع جنسية في زمن ما قبل "الدش". فقد كان الوصف الاباحي في الزمن الفائت اشد شراسة و"تأثيراً" من الفيلم البورنوغرافي اليوم. كنت ابحث عن طرق التواصل بين المحبين من خلال الكتابات، انا الآتي من أرض نائية حيث كان التواصل فيها مستحيلا مع اي فتاة، وربما كان اللجوء الى روايات روفايل على سبيل التعرّف الى العلاقات الغرامية الافتراضية. لاحقاً، لم اعد استسيغ رواياته بل بدأت اكثر ميلا نحو الرواية العبثية والكابوسية.

5

بيار روفايل الذي ولد في بلدة دلبتا، قضاء كسروان عام 1920، بدأ مشواره مع القلم عام 1945. اي ان عمره الكتابي من عمر لبنان المستقل تقريباً. اللافت انه تلقّى علومه في مدرسة "عين ورقة" المشهورة، وفيها درس ايضا الفلسفة في اللاهوت. والنافل ان لتلامذة تلك المدرسة التاريخية دورهم في النهضة اللبنانية والعربية. ثم انتقل روفايل الى معهد الفرير في بيروت حيث تولى تدريس اللغة العربية، لينصرف بعدها الى الحقل الادبي وينشئ مجلة "عشتروت" الادبية ويوقفها بعد ثلاثة اعوام وينخرط في الميدان الصحافي ويمارس المهنة في عدد من الصحف والمجلات اللبنانية منها: "الجريدة"، "بيروت المساء"، "العمل"، "الاتحاد اللبناني"، "الشرق"، "الديار"، "الصباح"، "الاصلاح"، "الدستور"، "رقيب الاحوال"، "الدبور"، "الاوريان"، "نداء الوطن"، "الحديث"، "الدنيا"، وغيرها.
في عام 1944 انشأ مع بعض الشبان فرقة لبنان للتمثيل العربي وكان رئيسا للفرقة بموجب علم وخبر من وزارة الداخلية، وقدمت هذه الفرقة تمثيليات عديدة من تأليفه واخراجه، لتتوقف عن العمل بعد ستة اعوام، وبعدما تكبد اعضاؤها خسارة مادية فادحة. خلال عمله الصحافي، ألف تمثيليات مسرحية عديدة، منها مسرحية عن الامير بشير الشهابي ومسرحية "فتى الارز" ومسرحية "رفقا" او "سر الراهبة" و"المسلول". عام 1955 انقطع عن التحرير في بعض الصحف لينشئ مجلته القصصية الادبية والتاريخية. في العامين 1965 و1966 كتب زهاء عشرين تمثيلية تلفزيونية قصة وحوارا وسيناريو.

6

لا شك أن من يتابع كتابات روفايل لا بدّ أن يلاحظ مهنيته واحترافه في انتقاء الموضوعات التي تناسب الموضة، سواء في لبنان او في العالم العربي وحتى في العالم. كان "حرّيفاً" في اختيار عناوين كتبه، بعضها كان اقرب الى الرومنطيقية وبعضها الآخر شبيهاً بعناوين الأغاني والافلام المصرية القديمة. نقرأ في "السهم الأحمر" قصة الصراع الرهيب بين الخير والشر، وقد اعتبر بعضهم ان هذه الرواية بوليسية، أبطالها أعضاء عصابة "السهم الأحمر" الذين ارتكبوا جرائم رهيبة مخيفة واستطاعوا أن يثيروا الخوف والذعر والهلع في القلوب والنفوس قبل أن يسقطوا في يد القدر ويصلوا إلى ساحة القضاء. تختلف هذه القصة اختلافاً كبيراُ عن كل ما كتب بيار روفايل، فهو استطاع أن يسبك وقائعها، وينسج خيوطها بمهارة وحذق، حتى ليخيّل الى من يطالعها أنها مترجمة أو مقتبسة من لغة اجنبية.
الشر في القصة الروفايلية قوة هائلة مروعة تكمن في قلب كل إنسان، تماماً كما تكمن قوة الخير. الفوز الأوّلي يُعقد للشر. أما الفوز الأخير فللخير. والإنسان هو الذي يرجح الكفة، فإما أن ينصر الخير في قلبه فيفوز بالسعادة الأبدية، وإما أن ينصر الشر فيسقط ويهلك. إلا أن الله، الذي أطلق الخير والشر فى قلب الإنسان، أشفق على هذا الإنسان، فزوّده سلاحا ماضيا رهيفا لينصر نور الخير في قلبه على ظلام الشر. هذا السلاح هو سلاح التعاليم السموية والكتب المقدسة والصلاة. بهذا السلاح الماضي يستطيع الإنسان أن يجتاز درب الحياة الوعرة الشائكة البعيدة، مبتعداً عن ظلام الشر منطلقاً في نور الخير، ليصل إلى السماء.

كان روفايل يعتمد على الكليشيهات الشعبية واللغة الوجدانية اذا جاز التعبير، ويعنيه ما يتفوه به الناس. الكتابة بالنسبة اليه صناعة اكثر منها عبقرية وتأليفاً. انه المحترف في لعبة التسويق، من دون ان يكون في الواجهة. كتب الرواية لكنها ابقاها من دون "هالة" ثقافية، ومن دون "انا" الروائي، ومن دون البحث عن التجريب. ما ينبغي قوله ان لرواج قصصه دلالات كثيرة لم تناقش يوما. ربما نجد حالياً ما هو شبيهها في جمهور "ستار اكاديمي" و"تلفزيون الواقع"، او في جمهور الروايات السعودية الايروتيكية الراهنة.

7

لم يبق روفايل على موضوع واحد، ولم يغرق في التكرار، لكنه كان استهلاكيا بامتياز، يقدّم ما يطلبه الجمهور وما توحيه الرموز العربية واللبنانية. في "صقر الصحراء" نقرأ البطولة والفروسية والشهامة الخالدة، وقد جاءت ضمن الفصول الثمانية لهذا الكتاب. شيء ما في هذا الكتاب يذكّرني بالمسلسلات اللبنانية والبرامج التي تواكب الموضة على اكمل وجه. من عادة الروايات الحديثة انها تفكك شعارات مثل الشهامة والشرف والبطولة والشجاعة، اما روفايل فكان يمجدها، ولا نزال نلاحظ هذه الظاهرة في معظم المسلسلات العربية وفي المجتمعات التقليدية.
يصور روفايل في "ظلمتني يا قلبي" النسائم وهي تداعب اغصان الشجر، ويصور الحبيبة وهي تغشى الليل وتحثّ المسير لتقابل حبيبها الولهان الذي يعدّ الثواني الثقيلة الوطأة، والبطيئة البطيئة حتى آخر الاحتراق. اما "الأمير الخطير" فقصة واقعية فيها الكثير من الحقيقة، والقليل من الخيال. تنطوي على حوادث تاريخية مثيرة في عهد الأمير بشير الشهابي. لا يتناول روفايل الشخصيات التاريخية اللبنانية فحسب بل يتطرق الى ظاهرة الهجرة التي عرفها الشعب اللبناني جيداً، ولا يزال. ففي "القرميد الأحمر" نقرأ حكاية شاب استبد به الحلم فلم يجد سبيلاً لتحقيقه إلا بالهجرة إلى البرازيل، عندما كانت البرازيل مغارة للزمرد والياقوت، على قول فؤاد سليمان، يغرف منها المهاجر ما شاء قبل أن يعود إلى قريته، ويبني له بيتاً جديداً يعلوه القرميد الأحمر. ذلك هو حلم يوسف شهدان. ولكن، لا تجري الرياح دائما بما تشتهي السفن. إذ عند عودته بعد أربعين سنة كان كل شيء قد تغير. تحمل "القرميد الأحمر" في طياتها رسالة إلى المهاجرين أن لكم وطناً له عليكم حق بأن لا تنسوه، وأنه مهما تفرقت السبل وتعددت فما الحب إلا للحبيب الأول.

للدموع صولات وجولات في كتابات بيار روفايل. ربما لأن الحزن من سمات العرب. ففي معظم قصصه شقاء وألم وعذاب. لكن للدموع معنى آخر في "الدموع الباسمة"، فهي دموع الفرح والسعادة والابتهاج. فقد سكب العاشقان المتيمان، أنيس وإلهام، في هذه القصة، الدموع الغزيرة، تألماً وعذاباً وضنىً. وكان لا بد لهما من أن ينعما، في آخر المطاف، بدموع الفرح والسعادة والهناء. لذلك كان للابتسام نصيب وافر كبير من دموع الفرح في "الدموع الباسمة". وتؤكد هذه القصة بحسب روفايل أن ليس للحب من ثمن. ثمة قدر من الرومنطيقية في هذه القصة نتذكره حين نخرج من المراهقة، لنتعرف الى صلافة الحب لا اكثر.

لا تقتصر الدموع "الروفايلية" على العشاق بل تطاول الاشجار. وهو يتخذ منها رمزا لأمور اخرى. ففي "دموع الأرز" قصة وطن يمرّ بالمحن والنوائب والصعاب فيتخطاها ظافراً صامداً عالي الجبين. إنها قصة العاطفة والشعور والوطنية، قصة الروح الهائمة في فضاء الهوى والهيام، قصة القلوب المعذبة والوطن المناضل في دروب الحياة. في "لحن الغروب" يخرج روفايل على نطاق القرية اللبنانية الخضراء، أو بالأحرى، يخرج على نطاق حدود لبنان، ليسلك طريقاً جديداً إلى رحاب العالم الفسيح الأرجاء، ليروي قصة فتاة فرنسية جميلة، تتعذب وتتألم وتبكي، وتتعرف إلى البؤس والفقر والجوع، وإلى المجد والغنى والثراء. في "حسناء بغداد" قصة صراع عاصف بين القلب والعقل، القلب الذي لا يعترف بسوى العاطفة العاصفة الملتهبة الأنفاس، والعقل الذي لا يعترف بسوى العدل والاتزان. صراع بين العقل والقلب في نفس فتاة تحب بكل ما في كلمة الحب من معنى. وتضحّي بكل ما في كلمة التضحية من حقيقة. إنها قصة الحب الذي يقود إلى التضحية، والتضحية التي تقود إلى الألم، والألم الذي يحرق القلب ويسيل الدموع. يكتب في "الشبح الرهيب" قصة جريمة رهيبة يرتكبها رجل شرير بكل دقة، ويستطيع أن يخفي جريمته. غير أنه يجهل ان ليس للمجرم الشرير الذي ينجو من عدالة الأرض، أن ينجو من عدالة السماء.
لا نستطيع ان نمارس نقدا ثقافيا على كتابات روفايل، فهو يكتب إيروتيكيات لاهبة، وتهويمات رومنطيقية، وحلمية، ومثاليات انسانية وعوالم تشبه كلام الامهات او الامثال الشعبية، كتابات مفعمة بالايمان، وايحاءات تدل على قيمة الرغبة، ومعانيها في المجتمعات المتحجبة. لا شك ان المرء يمكنه ان يتخيل نفسه قصة من قصص روفايل، أو شخصية من شخصياته، لكن الواقع سرعان ما يستبد به لينقذه من استبداد الرومنطيقية الايروتيكية القديمة ومن صلافة الرغبة في مجتمع محكوم بالاطر التقليدية .

**************

"مكتبة" أبو جورج

عقل العويط

في دكّان أبو جورج، كنا نقرأ العناوين على ضوء قنديل الكاز، في خضمّ الخردوات والأكياس من كل نوع وعطر. دكّانٌ عتيق، ورجلٌ عتيق، وكتبٌ عتيقة.

ذلك لم يكن خرافة، بل حقيقة. حقيقة بسيطة ومجردة، كتلك الحقائق التي فتّحت أرواحنا على مراهقات الحلم والرفض والتمرد والتطلع الى الحداثة. بسذاجةٍ، ربما، لكنْ بحدسٍ عظيم. كالحدس الذي لا نزال نهتدي به في عتمة كل شيء.

كنا أولاداً، ذكوراً وإناثاً، نتلقى العلم المتقشف في مدرستَي الرهبان والراهبات، وكان ثمة آخرون في مدرسة المعارف. كل شيء كان يبدو عتيقاً في تلك البلدة البحرية الشمالية، باستثناء البحر والبراري والطفولة، وذلك الشغف بالمجهول، الذي كان هو نفسه يحملنا الى ذاك الدكّان المترهّل. بالشغف نفسه كنا نعود الى البيت، في تلك البلدة البحرية الشمالية، حاملين من مراهقات البحر والبراري والطفولة الفتية والكتب ما لذّ منها وطاب، في ذلك الزمن الستّيني السبعيني، لتدور، من ثم، تلك الكتب، دورتها، على أفراد العائلة، كبارهم والصغار، وعلى الجيران، والأقارب، قبل أن تعود من حيث أتت. الى دكّان أبو جورج العتيق، في تلك البلدة الشمالية الغارقة في طفولة الغبار المؤلم والذكريات.

كان استئجار الكتب من دكّان أبو جورج عرفاً أدبياً سائداً، في ذلك الزمن، ومثله كان حضور أفلام السينما، هناك، بعشرة قروش، لا غير، وكنا مغبوطين بالشغف. وكم كان الشغف أوّل وجميلاً.

من هناك، من دكّان أبو جورج، استأجرتُ كتب الرحّالة الأجانب أجمعين، معرَّبةً وجذّابةً ومغريةً بالمجهول. ومن الدكّان نفسه، وهو كان الوحيد في النوع "الأدبي"، استأجرتُ الكتب التي فتحت أمامي الشقوق الاولى من الباب الى "الحداثة". وفي المقام الأول: كتب جبران خليل جبران. وعلى مقربة، كتب جرجي زيدان التاريخية. وكتب توفيق يوسف عواد. وكتب مارون عبود. وكتب محمود تيمور. وهناك، هناك بالذات، تعرّفت الى بيار روفايل ورواياته - والى جانبها روايات إحسان عبد القدّوس - التي كانت لي في ذلك العمر النديّ، باباً الى الجسد. بل في المفهوم الاوسع: باباً الى الحرية.

أدخلتني كتب بيار روفايل، التي كنا نلتهمها التهاماً كأرغفة الصاج، الى العالم الحميم للمراهقة، واستطراداً الى عالم الرواية الإيروتيكية، العربية الاولى. الرواية الساذجة ربما، لكن الغرامية، الأصلية، البلدية، المشوِّقة، المستفزّة، الاحتلامية، الجنسية والجسدانية قليلاً. الأحرى: كثيراً جداً، في تربية ذلك الزمن الاول، وأعرافه، في ذلك الوطن الشمالي الأول.

إذ يموت بيار روفايل، الآن، ولا بدّ أن تكون رواياته تلك قد سبقته، من زمان، في الرحيل، فإن كتاباته لا بدّ أن تتيح لنا، إذا عدنا اليها اليوم، أن نرى الى الكتابة الروائية، وخصوصاً منها الكتابة الإيروتيكية العربية المستجدة، بالمنظار الذي يجعل الرؤية متكاملة، نقداً ومقارنةً، بحيث نكتشف الأصل السابق. وها هنا، لا بدّ من شيء يضع الأمور في نصابها التأريخي.

بواسطة دكّان أبو جورج، تعرّفت الى فكرة استئجار الكتب، وإعارتها، وتبادلها، وتعرّفت خصوصاً الى معنى "المكتبة العامة". وكانت تلك الكتب "تتنقل" من يد الى يد، ومن بيت الى بيت، لتعود الى "رفوف المكتبة العامة" في دكّان أبو جورج. هي رفوفٌ لمكتبة، وعامة، حقاً وحقيقاً، فقد كان ذلك الدكّان العتيق، وعلى ضوء قنديل الكاز، بمثابة مكتبة أولى، ومعرفة أولى، ولا ضرورة الى نكران "المعارف" الأخرى.

كان ثمة في ذلك الدكّان، كتبٌ ثانية، على ما أذكر، و"أرى". كتبٌ تنتمي، يا للغرابة، الى العالم الأدبي الذي لا أزال، وسأظل، أفضّل قناديل كازه، وأضوائه الشحيحة، التي توصل لا أعرف الى أين. لكنها توصل حتماً الى العتمة من كل نوع. وهي العتمة التي تجعلني أرى ما أراه الآن. وقد يكون ما أراه هو الضوء كله. أو، للتدقيق: الطريق الكامل اليه. ولا انتهاء.

النهار
الأربعاء 23 كانون الثاني 2008