منصورة عز الدين

مقدمه

علاء خالدالشعوب العربية لم تصل بعد لسن الرشد‮. ‬ملايين العرب من الخليج إلي المحيط مازالوا‮ ‬قاصرين عن اختيار ما‮ ‬يرغبون في قراءته،‮ ‬هذا إن تذكروا أن هناك ما يسمي بفعل القراءة‮.‬
هذا بالضبط ما تخبرنا به،‮ ‬الرقابات العربية المتعددة والمتنوعة واللانهائية‮. ‬كنا نقول دائماً‮ ‬إن معارض الكتب‮ - ‬رغم مشاكلها الكثيرة‮ - ‬هي الفسحة التي يتنفس فيها الكتاب العربي،‮ ‬إذ يمكنه عبرها الانتقال من بلد عربي لآخر‮. ‬أما الآن فيمكننا الزعم،‮ ‬مرتاحين،‮ ‬أن معارضنا صارت معارض لمنع الكتب لا لعرضها‮.‬

مشكلة الرقابة التي تمارسها معارض الكتب العربية ليست جديدة ولا طارئة،‮ ‬إلا أن الجديد هو تناميها وتغولها بحيث أصبح المنع هو الحدث العادي،‮ ‬المتكرر،‮ ‬والغير مثير للدهشة‮. ‬ودليلنا علي ذلك ما حدث من المنظمين لمعرض الكويت الذي سيفتح أبوابه بعد أيام قليلة‮. ‬إدارة المعرض منعت أكثر من‮ ‬120‮ ‬عنواناً‮ ‬للناشرين المصريين وحدهم‮. ‬بل ووجدت من يبرر لها مثل رابطة أدباء الكويت التي أصدرت بياناً‮ ‬متناقضاً،‮ ‬ظاهره ضد المنع والمصادرة،‮ ‬وباطنه تبريرهما،‮ ‬إذ جاء فيه أن‮ "‬المنع لا يعني أشخاصا بعينهم بل بعض المواضيع في بعض كتبهم التي فيها ما يتعارض مع السياسة العامة التي تقود الفترة الحرجة التي تسود الوضع الحالي في الكويت أو مخلة بالآداب والأخلاق العامة والتعرض لرموز الأمة والأديان عامة،‮ ‬وهذه الكتب قليلة جدا‮"!!‬

وربما بعد هذا الكلام الغريب،‮ ‬تقوم الرابطة،‮ ‬بإصدار قائمة ب"المواضيع‮" ‬المباحة،‮ ‬طالما أن المسألة تحولت إلي مواضيع مسموح بالكتابة عنها وأخري‮ ‬غير مسموح بها‮.‬
هكذا تبدو مشكلة الرقابة كأنها الرابط الأساسي بين المعارض العربية من الكويت‮ ‬إلي الرياض،‮ ‬ومن صنعاء إلي القاهرة‮.‬

أمكنة‮ .. ‬محاولة لكتابة تاريخ الهامش‮ ‬

02/10/2010 11:52:14 ص

محمد شعير

‮" ‬أمكنة‮".. ‬مغامرة علاء خالد تدخل عامها العاشر‮. ‬مغامرة مستقلة‮ ‬غير مدعومة من أحد،‮ ‬لا يمتلك أصحابها سوي الرغبة في التميز والتجريب والخروج من أسر المؤسسات الرسمية الخانقة‮. ‬هكذا تأسست مجلة‮ "‬أمكنة‮" ‬منذ عشر سنوات‮. ‬فكرة بدأت بثلاثة أشخاص‮: ‬الشاعر علاء خالد وزوجته المصوّرة الفوتغرافية سلوي رشاد،‮ ‬والشاعر مهاب نصر(لايزال يشارك في التحرير حتي بعد سفره خارج مصر‮). ‬في الأعداد العشرة التي صدرت من المجلة‮ (‬بمعدل عدد كل عام‮) ‬اعتماد علي الحكاية،‮ ‬ولكنها حكايات من نوع خاص،‮ ‬عن الناس العاديين،‮ ‬المهمشين،‮ ‬الذين لايملكون مكانا يروون من خلاله حكاياتهم‮. ‬إنه التاريخ من‮ "‬أسفل‮". ‬التاريخ‮ ‬غير الرسمي،‮ ‬الذي لا تكتبه السلطة،‮ ‬ربما لهذا اختار علاء خالد عنوان‮ "‬عشر سنوات من الحكايات‮" ‬عنوانا للاحتفالية التي نظمتها مكتبة الإسكندرية‮.‬
عشر سنوات كاملة‮ ‬استغرقها علاء في التفكير بحثا عن‮ "‬طريقة‮" ‬للخروج من عزلة المثقف،‮ ‬بعيدة عن النمطية،‮ ‬تحديدا بعد حرب الخليج الأولي،‮ ‬العديد من المجلات في تلك الفترة توقفت‮ "‬أصوات وإضاءة‮" ‬المعبرتان عن جماعتين أدبيتين من جيل السبعينيات،‮ ‬المجلات الموجودة ركزت اهتمامها في الدفاع أو ترسيخ أنواع أدبية مثل مجلتي‮ "‬الكتابة الأخري‮" ‬و"الجراد‮"‬،‮ ‬وكانت الكتابة تنحو نحو التجريب والتنظير الشكليين،أي أن النصوص كانت تتحرك في إطار شعري أكثر من أي شيء آخر‮. ‬أما في الوطن العربي فكان اهتمام المجلات منصبا علي‮ "‬نقد أفكار التنوير‮" ‬وهي أفكار وصلت حسب تعبير علاء خالد إلي‮ "‬سقف محدد‮" ‬لأن الواقع بعيد عن هذه التصورات‮ "‬المثالية‮". ‬للخروج من هذا المأزق كان البحث عن‮ "‬حس كتابي مختلف‮". ‬حس‮ "‬يقترب من هذا الواقع‮" ‬ويبحث في‮ "‬الهامش‮"... ‬أو أن يتسع الإطار ليمنح مصداقية التنوع للنص والحياة معا‮. ‬حسب عبارة علاء‮ "‬إعادة ترتيب إحساسنا بالفن‮". ‬
وجد علاء في بعض النصوص المترجمة في مجلتي‮ "‬الكرمل‮" ‬و‮ "‬مواقف‮" ‬هذا الحس الكتابي المختلف،‮ ‬وكان المدخل الأساسي للمجلة الحوار‮ "‬مع ناس عادية‮" ‬وهي فكرة وجد علاء فيما بعد أن مجلة الطليعة استخدمتها عبر تقديم حوارات سياسية مع أشخاص عاديين‮. ‬هذا الشكل الكتابي قدّم حلولا لمشكلة‮ "‬كيف يوجد الصوت الآخر؟‮.. ‬كيف يحضر بلغته ؟‮". ‬ثم كانت فكرة‮ "‬الرحلة‮.. ‬التي تبحث عن هذا الصوت المختلف؟‮"..‬
‮ ‬هكذا صدرت المجلة‮.. ‬اهتمامها الأساسي ثقافة المكان‮ :" ‬ثقافته وتاريخه،‮ ‬الناس الذين صنعوا هذا التاريخ سواء بإرادتهم أو بحكم تواجدهم به،‮ ‬والخصوصية الفنية لهذا المكان،‮ ‬التي تكونت من ممارسات عادية لم يكن مقصودا بها‮ ‬ الفن من قبل‮ ‬،‮ ‬ولكنها أصبحت فنا الآن بحكم الظروف الجديدة‮".‬
عندما ذهب خالد إلي‮ " ‬السوق الفرنساوي‮" ‬في الإسكندرية لإجراء حوارات مع أفراد هذا السوق‮..‬وجد أن‮ "‬كل فرد لديه حكاية‮. ‬وكل حكاية لها طريقة في التناول‮. ‬هذه الحكايات صادقة وواضحة،‮ ‬وفيها متعة التنوع والدهشة‮" ‬واختار أن يتركها كما هي،‮ ‬بالعامية حيث لا فرق بين ما يُقال وما يُدوّن،‮ ‬لم تكن هناك مساحة بين‮ "‬المنطوق والمدوّن‮. ‬بالطبع هناك تدخل فني ومونتاج لكننا لم نضف حرفا ولم نتدخل في المادة بالتحوير أو التعديل‮" ‬كما يقول خالد ومنذ هذا العدد‮: "‬بدأت فكرة الحوار مع الناس وربط ذلك بالصورة الفوتوغرافية،‮ ‬الحكاية هنا تحفظ خبرة شخصية،‮ ‬وهذا ما جعل الناس داخل المجلة وليس علي هامشها‮". ‬يوضح علاء فكرته‮ : "‬الحكاية تعني شيئاً‮ ‬ممتداً‮ ‬وله قابلية التداول،‮ ‬الحكاية تصنع شيئا آخر،‮ ‬أنها تفرد مساحة للمعلومة‮. ‬كنت كفرد قبل هذا المشروع يائساً‮ ‬تماماً‮ ‬من المدينة،‮ ‬مع الخروج للناس والتحاور معه في أمكنة مختلفة استعدنا الثقة بالمستقبل‮".‬
من عدد إلي آخر بدأت تترسّخ الأفكار الأساسية للمجلة‮.. ‬حوارات تبحث عن الصوت الآخر،‮ ‬مقالات ذاتية،‮ ‬رحلات‮.. ‬الصورة جزء رئيسي منها‮.."‬كأننا في رحلة‮" ‬ولكن هذه الرحلة توصلنا إلي نتيجة‮ ‬غير متوقعة‮. ‬الشكل نفسه‮ "‬يقترح مضامين،‮ ‬لم يكن مخططا لها‮".

ولكن ألا يخشي خالد من اتهام المجلة بالتمسك بأفكار حول الماضي؟ أفكار نوستالجيا؟ يجيب‮: " ‬في‮ ‬غياب فكرة المستقبل،‮ ‬الكل يبحث عن مرجع،‮ ‬ربما نكون قد استبدلنا فكرة الحنين إلي الماضي بفكرة الحنين إلي المرجع،‮ ‬ربما لأنه لا يوجد أمل بمرجع جديد‮..‬وهذا يعطي إيهاماً‮ ‬بفكرة النوستالجيا‮". ‬ولكن ثمة اتهام آخر بالحس الأنثربولوجي،‮ ‬ربما منذ العدد الأول كان علاء يدرك ذلك‮.. ‬ولهذا كتب‮ : " ‬ربما الأنثروبولوجيا كانت لها نشأة استعمارية‮. ‬ولكن هذا العلم أصبح له وجه آخر تجاوز السبب الذي نشأ من أجله،‮ ‬وهو الرحلة وراء ثقافتك وثقافة الآخرين‮. ‬الفن والكتابة والرغبة في المعرفة جميعها كوّنت المكان الآخر الذي نري فيه أنفسنا وأحلامنا وماضينا‮. ‬المهم الآن أن نحافظ علي أن تكون لنا حكاية‮".

عندما تسأل علاء عن المشكلات التي يواجهها‮.. ‬لا يكاد يتذكر،‮ ‬ليس هروبا ولكن‮ "‬لأن أي عمل لابد أن يواجه مشكلات‮..‬المهم التغلب عليها‮". ‬مشكلته الأساسية هي المقروئية‮ " ‬نطبع‮ ‬1000‮ ‬عدد من المجلة‮.. ‬هي كمية قليلة وكأن طاقة الثقافة لا تستوعب سوي هذا العدد،‮ ‬كنت أتوقع أن ينفد العدد خلال أربعة أشهر ولكن لم يحدث هذا‮". ‬علاء يري أن ذلك قد يرتبط بالثقافة ذاتها أو سوء الدعاية للمجلة للوصول إلي قطاعات أكبر‮. ‬أساله عن التمويل؟ يجيب‮: "‬لا يوجد تمويل،‮ ‬بل هي مجهودات شخصية‮". ‬يتذكر أن صندوق التنمية الثقافية كان يشتري‮ ‬100‮ ‬نسخة من كل عدد،‮ ‬ولكن توقف الشراء دون أي أسباب،‮ ‬فقط أخبروني أن وزير الثقافة رفض شراء المجلة بدون إبداء أسباب‮.. ‬ولكن في الأعداد الأخيرة قدمت لنا دار الشروق إعلانا‮".‬
مع تطور المجلة ظهرت فكرة كتاب‮ "‬أمكنة‮" ‬الذي صدر منها عددان ولكنها لم تستمر؟ يوضح علاء أسباب التوقف‮: "‬قلة الوقت وحدها سبب ذلك،‮ ‬إعداد المجلة يحتاج إلي وقت وجهد حقيقيين،‮ ‬ولكن ثمة أفكار للمستقبل نعمل عليها‮. ‬أحد المهندسين عرض علينا عمل ويب سايت للمجلة،‮ ‬سنضع فيه كل الأعداد،‮ ‬كما نفكر أن تكون هناك أيقونة بعنوان‮ "‬كتاب أمكنة‮" ‬ننشر فيها كتابا ولكن إلكترونيا فقط"؟‮

ولكن ألم يخش علاء أن يحدث تأثير علي كتابته الشعرية والروائية بسبب الانشغال بالمجلة؟
يجيب‮: "‬في البداية كنت أخشي التوقف عن الكتابة،‮ ‬ولكن ما حدث عكس ذلك تماما،‮ ‬حدث تأثير إيجابي،‮ ‬المجلة واستطلاعاتها كانت تمرينا علي أساليب الكتابة التي مررت بها وهو ما انعكس علي الرواية،‮ ‬هناك تمرينٌ‮ ‬ما حصل تجاه اللغة كي لا تكون بسيطة وكي تكون شفافة،‮ ‬إنه تمرين خضته خلال سنوات المجلة العشر‮".‬

تثمين الخبرة الشخصية

02/10/2010 11:53:34 ص

مهاب نصر

أعتقد أن أهم ما صنعته أمكنة،‮ ‬وما ساعد علي استمرارها،‮ ‬هو استقلالها عن النمط السائد للمجلات‮ ‬التي كانت مطروحة في اللحظة نفسها منذ عشرة سنوات،‮ ‬ولأن المجال الثقافي عندنا هو‮ ‬غالبا مؤلف من شعراء وروائيين‮ (‬وهي مسألة تستحق‮ ‬النظر‮)‬،‮ ‬فقد كانت‮ ‬المجلات السائدة ذات طبيعة أدبية،‮ ‬ومع هذا فقد جاء محررو أمكنة من المجال ذاته،‮ ‬شعراء وفنانون،‮ ‬لكن في لحظة معينة بدا وكأنها مفصلية،‮ ‬بدا وكأن هناك اتفاقا علي الأقل بين مجموعة محددة،‮ ‬أن ثمة مساحة أخري من الكتابة يراد اكتشافها،‮ ‬كان الخراب الواسع لزمن يتحول بسرعة يفرض نوعا مختلفا من الوعي،‮ ‬وربما كان شيء من النضج يقتاد التساؤل إلي مساحة أوسع من‮ ‬أزمات الأدب ومعاركه‮.‬
هل كان ثمة رغبة في البعد عن التباس السؤال الشعري مثلا،‮ ‬خصوصا وقد بات مسيسا بعد أن تحولت قصيدة النثر إلي مظاهرة أخلاقية بالمعني العميق للكلمة؟ ربما؟ وربما ابتعث سؤالها البريء عن الحياة،‮ ‬فكرة الحياة نفسها ليس في معناها المجرد بل الحادث والكائن علي مسافة اليد‮. ‬هكذا تجد نفسك في مساحة أوسع،‮ ‬بدلا من أن تتكلم عن حياة اللحظة وإنسانها،‮ ‬تترك لهذا الإنسان وتلك اللحظة أن يتلكما‮.‬
بدلا من أن تعتمد علي المشهد اليومي ومكانه الملموس لتقول كم أنا طبيعي وغير متفلسف وأعيش كالآخرين‮! ‬تترك الحديث للمكان الأكثر جدلية وتركيبا من أن يكون شهادة أنانية علي نجاتك ومعافاتك من الأفكار والتداعيات الذاتية،‮ ‬و"الأدلجة‮" ‬الجمالية إذا صح التعبير‮. ‬فالحياة تصبح هناك فعلا،‮ ‬وتترك القصيدة مكانها لسرد مكشوف يستعيد الخبرات الخاصة لأناس قد لا يكونون كتابا بالضرورة‮. ‬ليس المطلوب هنا نص أدبي بل حوار،‮ ‬أو ما يشبه الشهادة،‮ ‬أو تحليل ذو صبغة‮ ‬غير‮ ‬ أكاديمية،‮ ‬تلتقي جميعا عند محور أو‮ "‬ثيمة‮" ‬يتماس فيه الشخصي بالعام،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يفلت من التنظير الجاهز والاستباقي،‮ ‬كما يتمكن من تقديم تفسير‮ ‬غير مباشر للواقع الذي بدا بحاجة ماسة إلي تفسير‮.‬
كانت‮ ‬فكرة المكان‮ ‬غير مأخوذة في ماديتها فحسب،‮ ‬بل بقدر تداخلها مع خبرات الناس‮. ‬المكان الطبقي،‮ ‬والمكان التخيلي أيضا‮.‬
كان ممتعا أثناء قراءة مادة كل عدد قبل المساهمة في إعدادها أن أري اللحظات النادرة التي تتحول فيها الخبرة إلي نموذج،‮ ‬إلي فكرة ملهمة‮. ‬
في البداية كانت هناك‮ ‬أداءات كثيرة للمجلة،‮ ‬وكانت‮ ‬غلبة الطابع السردي لا تمنع من تجاور نصوص مترجمة لمفكرين،‮ ‬أو مقالات أو دراسات قصيرة‮. ‬لكن ما أحب أن أقوله‮ ‬هو أن المجلة كشفت بالصدفة علي الأقل لي عن طبيعة التحول في الذائقة الثقافية نفسها‮. ‬فقد كان احتفاء المتلقين بالجانب السردي‮ ‬والحكائي علي حساب الأداءات الأخري،‮ ‬وبتجاهلها أحيانا كاشفا عن التباس بدا صادما بالنسبة لي‮. ‬
لقد ثُمِّنت الخبرة الشخصية في ذاتها،‮ ‬وصارت تشكل،‮ ‬أو يُتعامَل معها باعتبارها نصا أدبيا،‮ ‬دون أن يكون هذا النص معنيا بشروط الأدب،‮ ‬ودون توقف عند مصداقية الخبرة الشخصية ذاتها،‮ ‬وإلي أي مدي يمكن أن تقدم‮ "‬نموذجا‮" ‬مفسرا‮. ‬
فالحكاية عن النفس والتجارب الشخصية ليست بريئة دائما،‮ ‬خاصة حين يسد ثغراتها حس جمالي يقفز فوق المفارقات والثغرات،‮ ‬أو يجتهد في البحث عن ما هو مدهش أو يتصور أنه مدهش‮. ‬فلا تعود الشهادة شهادة علي واقع وحياة معقدة،‮ ‬بل استسلاما لصورة منها‮.‬
لكن يبدو أن ذوقا عاما،‮ ‬باسم البعد عن‮ "‬الكلام الكبير‮" ‬و"التنظير‮"‬،‮ ‬فضل أن يستعيد مادة الحياة الغنية والمحرجة بأسئلتها ليضعها عند المربع الأول فيتلقاها باعتبارها‮ ‬حكيا عن الذات،‮ ‬وتكون التجربة الشخصية لأنها شخصية خارج التقييم أو‮ ‬متجاوزة له،‮ ‬لأنها استثنائية‮. ‬وكأنها كما قلت نص أدبي بغير شروط النص الأدبي‮.‬
وهكذا كنت أفترض أن تثير أعدادا متوالية من المجلة نقاشات أكثر جدية ومتابعات أكثر عمقا للمادة المنشورة والتي كان يفترض أن تمثل عتبات أولي لتناول قضايا شائكة‮.‬
المدينة،‮ ‬الصحراء،‮ ‬البطل،‮ ‬الحدود،‮ ‬الفلاح،‮ ‬الجامعة وغيرها،‮ ‬لم تكن محفزات سرد،‮ ‬ولكن نقاط استرشادية لطبيعة سلوكنا،‮ ‬والظروف التي أحاطت بنا،‮ ‬ولم تكن مجرد نوستالجيا مهمتها أن تقدم لنا الصورة التي نحب أن نتحسر عليها،‮ ‬بل أن تكون كاشفة لمواقع أقدامنا بالذات وأولا،‮ ‬للأساطير،‮ ‬للمسرح الذي نحمله علي رؤوسنا متصورين أننا نتحكم بأبطاله ومشاهده‮. ‬بينما هناك‮ .. ‬في الواقع‮. ‬في التاريخ‮.. ‬يمكننا العثور علي نصه الأصلي،‮ ‬الذي تواطأنا علي كتمانه‮. ‬إما لعجزنا عن الفهم أو قصور أدواتنا‮.‬
العدد الأخير عن الجامعة يكشف كم كانت الجامعات المصرية في أغلب الأحيان مسرحا سياسيا،‮ ‬أو منتدي للأصدقاء،‮ ‬قليلون جدا من تحدثوا عن جانب الخبرة العلمية التي اكتسبوها وكيف أعادت صياغة وتشكيل حياتهم أو أثرت في طريقة مقاربتهم للواقع حتي السياسي منه؟‮ ‬
نحن لم نتأهل علميا بشكل صحيح،‮ ‬ولعل أحد أهم ما شكلته لي أمكنة هو فكرة العمل الجماعي الذي يتلافي بالجماعية قصور الرؤية المفردة ومحدودية الخبرة والتأهيل‮.‬
لا أستطيع أن أقدم نصيحة للقارئ وأقول‮: ‬كيف تقرأ مجلة أمكنة‮. ‬لكن ربما‮ ‬يتواصل الجهد والدأب واتساع النقاش المتجاوز للنزعة الشفوية يأتي من يضع يده لاستثمار المادة الوفيرة التي تشكل سجلا ليس هينا للحظات تحول هامة،‮ ‬كما تمثل بالقدر نفسه شهادة علي طريقة وعينا بها‮. ‬

مجلة تسبق الزمن

02/10/2010 11:54:12 ص

د‮. ‬محمد أبو الغار

الشعراء حالمون بطبيعتهم ويحلقون في آفاق بعيدة عن الواقع ويبدعون شعراً‮ ‬جميلاً‮ ‬نقرأه ونحفظه ونغنيه‮. ‬الشاعر علاء خالد حالم مثل كل الشعراء ولكنه استطاع أن يحول الحلم إلي حقيقة رائعة جميلة مبدعة‮. ‬إن مجلة أمكنة شئ رائع وجميل وغير عادي في هذا الزمن الردئ،‮ ‬مزجت الوصف والكتابة بالصورة بشكل راق‮. ‬ولا بد أن يتوقف أي قارئ عند فن التصوير الفوتوغرافي المذهل في هذه المجلة‮. ‬لقد أنارت الصور صفحات المجلة وأكسبتها ضوءاً‮ ‬وعمقاً‮ ‬وجمالاً‮ ‬وأصبح الحديث عن المكان أكثر جاذبية وواقعية وكأنك تتجول في المكان وأن تقرأ وصفه وتري الإبداع التصويري‮. ‬لقد أعطت هذه المجلة مرة أخري للتصوير الفوتوغرافي مكانته الفنية التي فقدها وحين يكون المصور فناناً‮ ‬يختلف الأمر ويصبح هذا التصوير إبداعاً‮ ‬جميلاً‮.‬
الأحاديث التي أجريت في هذه المجلة الجميلة هي تحفة أدبية في لغة الحوار مع شخصيات فريدة منها النادر ومنها ما تراه أمامك كل يوم ولا تكاد تصدق أنه يقول هذا الكلام الجميل‮. ‬التنوع في الشخصيات شيئ مثير يعطيك معرفة واسعة متنوعة في شكل لقاء بسيط،‮ ‬هذا النوع من الفن الجميل الذي شعرت به لأول مرة في مجلة‮ ‬أمكنة الأحاديث تملأ الصحف و المجلات و لكن هنا الحوار مختلف في نوعية الشخصيات المبهرة في‮ ‬غرابتها أو ندرتها‮ ‬أو بساطتها و لغة الحوار راقية تقترب كثيراً‮ ‬من لغة الشعر‮. ‬لقد أبدعت هذه المجلة نوعاً‮ ‬جديداً‮ ‬من الفن النثري‮. ‬هذه المجلة الراقية ليست عشرة صفحات ولكنها مجلة سميكة تصل صفحات بعض أعدادها إلي ما يقارب أربعمائة صفحة،‮ ‬ولك أن تتعجب كيف يمكن أن تبدع كل هذا الكلام من الحوارات والتصاوير وتقرأه بحب شديد وما زال عالقاً‮ ‬في ذهني بعد فترة طويلة كثير من الأماكن والحوارات ولا زال حوار شلة المنيل يعيش معي وأذكره كل حين أقابل أحد أفراد الشلة‮. ‬
مزج الفصحي بالعامية في المجلة ظاهرة طبيعية جميلة وهذا لا يحدث بافتعال وإنما بلغة طبيعية بسيطة وجميلة‮. ‬هذه المجلة تأخذ جهداً‮ ‬كبيراً‮ ‬لأنها قطعة فنية منحوتة علي الورق وهي مجلة ليس لها مؤسسة ترعاها ولا مئات المحررين والمصورين ولا حملات دعاية إعلامية و يتكفل الفنانون الذين أصدروها بالتكلفة وهو أمر شديد الإرهاق‮.‬
شئ مثير وجميل في هذه المجلة أنها مجلة سكندرية‮. ‬من الرائع أن يصدر شئ بكل هذا الجمال والأهمية خارج القاهرة.تحية حب وتقدير إلي الفنان والشاعر والكاتب والروائي علاء خالد وإلي فريق المصورين والمشاركين وبالأخص سلوي رشاد وراندا شعث‮.‬

رحلة الصورة

02/10/2010 11:56:06 ص

سلوي رشاد

رحلة الصورةربما كانت فكرة تواجد الصورة داخل المجلة خلال أعدادها العشر فكرة في‮ ‬غاية الاهمية والحيوية توازي تماما النص المكتوب في حميميته وتأثيره،‮ ‬فهي الأخري تحمل حكاية داخلها،‮ ‬سردية كانت أو مجردة،‮ ‬وإن اختلفت كل صورة في مدي دقة التقاطها وتحريها للعالم التي تعيش‮ ‬فيه أو تدور حوله‮. ‬الصورة كحافظة للذاكرة الانسانية وكعالم مواز يطرح تساؤلات و أفكارا،‮ ‬عالم مملوء بالدهشة والتأثير،‮ ‬فالصورة‮ ‬هي التي تعكس وجودنا الانساني،‮ ‬كساحر يمكنها أن تقبض علي الزمان و المكان لتبقيهما للأبد‮.‬

‮ ‬هل‮ ‬الصورة فقط إقتناص للزمن وتثبيته في لحظة أم أنها تعيش كعنقاء تولد‮ ‬في دورة جديدة‮ ‬لها داخل هذا الإطار الجديد‮. ‬عندما كنت أقوم‮ ‬بتكبير الصور القديمة،‮ ‬في أعداد المجلة المختلفة،‮ ‬علي الشاشة لتحسين‮ ‬حالتها لتهيئتها لدورة الطباعة؛‮ ‬كانت تدهشني كم‮ ‬الدرجات‮ ‬اللونية التي تظهر لي‮. ‬أدقق في التفاصيل،‮ ‬الوجوه،‮ ‬وثنايا الاقمشة التي ترتديها الموديلات‮. ‬أتفحص الأعين،‮ ‬الأنف،‮ ‬الشفاه‮. ‬يقودني الضوء بين آلاف الدرجات اللونية‮. ‬بالتأكيد هناك دورة أخري‮ ‬للحياة تعيشها الصورة‮. ‬
بورتريهات ووجوه تتكشف معالمها وسط عالم سرمدي من الضوء و السواد وعمق الألوان،‮ ‬شخوص و أشكال ورموز وإشارات تصنع هذا العالم الذي يداعب حواسنا و مشاعرنا في صمت‮. ‬
‮ ‬الصورة ليست فقط كلحظة اقتناص للزمن وإنما أيضاً‮ ‬كموقف من الحياة،‮ ‬الصورة كصرخة،‮ ‬لتعلن عن‮ ‬غضبها و ثورتها عندما‮ ‬تتواجد وسط الحروب،‮ ‬أو عندما تعلن عن رفضها لممارسات معينة‮ ‬كالتي تناولها الفنانان‮ " ‬روبرت و شانا‮" ‬في العدد الثامن من المجلة الذي كان يدور حول فكرة‮ " ‬الخيال‮"‬،‮ ‬كانا‮ ‬يناقشان مخاوف مستقبل الأرض من منظور بيئي،‮ ‬يصوران شخصا ببدلته السوداء ممسكاً‮ ‬بحبال طويلة‮ ‬و في طرفها الآخر وقد عقدت فيها سحابة كئيبة كثيفة‮. ‬فالصورة الفوتوغرافية هنا‮ ‬تعدت كونها‮ ‬قابضة للزمن،‮ ‬وإنما صنعت عالما أخر مغايرا،‮ ‬له رموزه‮ ‬وإشاراته الخاصة‮. ‬
‮ ‬حاولنا تقريب الصورة في المجلة للفكرة التي يطرحها كل عدد،‮ ‬وليس بالضرورة الخضوع لمباشرة الفكرة المطروحة‮. ‬و لذا كان من الممكن تنوع وتعدد الصورة تبعا لما تحمله من رسالة أو مغزي أو حكاية‮ - ‬بشكل عام‮- ‬عند معايشتها لسياق آخر‮ ‬غير التي تقترحه فكرة العدد،‮ ‬فالصورة لازالت لها كيانها الخاص‮. ‬وان اختلف اختيارصانعها من بين التوثيق أو الميل للفكرة الفنية المجردة‮.‬
‮"‬الصورة هي مومياء الزمان والمكان اللذين لا نرغب في نسيانهما،‮ ‬تلك التفاصيل التي تظل محفوظة علي سطح فيلم حساس‮ ‬للضوء كعيوننا أو علي سطح المكتب الاليكتروني‮. ‬التحنيط بمعني الكلمة أقرب تشبيه لفعل الفوتوغرافيا المدهش‮".‬
هاني جويلي‮- ‬العدد الثامن‮ ‬
‮" ‬الخيال مبني علي الذاكرة،‮ ‬الواعي منها و‮ ‬غير الواعي،‮ ‬و الذاكرة مبنية علي الصورة التي وصلتنا بشتي الطرق‮"

أمكنة تتمكن

02/10/2010 11:56:52 ص

استطاع علاء خالد وسلوي رشاد ومهاب نصر ومجموعتهم الرائعة علي مدار عقد كامل أن يدوروا في الأمكنة‮- ‬حقيقة ومجازا‮- ‬بحثا عن الأزمنة التي تبعثرت فيها؛ الأزمنة التي تحتاج إلي إحياء وإعادة ترميم أدبي وفني‮.‬
منذ العدد الأول حتي الأخير،‮ ‬لم نشعر أن للمجلة هيئة تحرير تؤكد علي المنصب بل علي نصيب المجلة من النصوص الجيدة‮. ‬لم يكتب أصحابها في ديباجتها أعداد المستشارين ورئيس التحرير ونائب رئيس التحرير ومدير التحرير وسكرتير التحرير وفراش التحرير والقائمة الطويلة التي نراها في أغلب المجلات‮. ‬فقط‮ "‬يحررها‮" ‬علاء خالد ومهاب نصر وسلوي رشاد‮: ‬نعم يحررونها بالفعل من هذا الثقل الوظائفي التراتبي السخيف‮. ‬ليس هناك رئيس،‮ ‬الكل إلي مائدة مستديرة يعملون معا لإخراج عدد مميز صادق عن أمكنة ولدنا فيها ونشأنا وما زلنا نعيش أو أمكنة نجهلها أو ربما أمكنة مرت بنا دون أن ندركها أو مررنا نحن بها دون أن نراها أو أخري ذهبنا إليها أو رحنا فيها وروحنا فيها‮. ‬أمكنة ظلت منذ عددها الأول رهانا علي إمكانية خلق مجلة أدبية تعمل دون‮ "‬شنة ورنة‮" ‬ودون مجاملات للأسماء الراسخة بل للنص الراسخ الصادق‮.‬
أصرت‮ "‬أمكنة‮" ‬علي مراجعة الهامش وإعادته إلي المتن وتحريك المتون الزائفة قليلا إلي الهامش لإحداث حالة من التعادل،‮ ‬وهذا ما رسخ لها هذه المحبة والمتابعة والقراءة الواعية،‮ ‬في أزمنة صار فيها التراث الأصيل‮- ‬وليس الأصولي‮- ‬يُطمر مع الزمن تحت وطأة الحداثة السطحية المزيفة؛ حداثة تقليد العبيد والنقل بلا عقل؛ حداثة جعلتنا نصل لزمن يتجه من اليسار إلي اليمين؛ زمن أصبحنا نكتب فيه لغتنا العربية بحروف لاتينية‮.‬
من‮ "‬أمكنة‮" ‬نخرج بالحكاية وإليها بالحكاية نعود‮. ‬في كل عدد‮ "‬حدوتة‮" ‬مركزية تتعدد بعدد الكتاب والمصورين والفنانين وتتنوع في مضمونها‮. ‬في كل عدد تغوص‮ "‬أمكنة‮" ‬في قاع الأزمنة لتخرج ونحن في انتظار بعد تأخير،‮ ‬وتأخيرها بسبب أنها لا تتسول‮: "‬لله يا محسنين علي الأدب‮!" ‬ولا تساوم‮: "‬شوفني واشوفك،‮ ‬وانشر لي وانشر لك‮!".‬

مجلة فيها رصانة وأمانة وبساطة وعمق‮.‬
الصورة الفوتوغرافية‮- ‬عادت من جديد مع الكلمة‮- ‬عبر الفنانة سلوي رشاد بحساسيتها العالية ولوحاتها الفنية التي تصورها وتبدع فيها،‮ ‬بحس طبيعي‮ ‬غير متكلف وبساطة احتاجت منها خبرة أزمنة وأمكنة‮. ‬تحاول سلوي بدأب اختصار الحس بعينها المدربة إلي العين الكسولة،‮ ‬لأن الجمهور العام لم يتعود الصورة الفوتوغرافية الثابتة،‮ ‬بل‮ ‬غرق مع الصورة المتحركة أو بالأصح الصورة التلفزيونية والسينمائية‮. ‬الجمهور العام لم يتعود بعد علي الصورة الثابتة ذات البعد الواحد وعشرات التأويلات‮. ‬جمهور ما إن يقترب من الصورة حتي يستغرب مجددا كونها بالأبيض والأسود في زمن فاض فيه بهرج وطيش الألوان‮. ‬رهان جديد في محله،‮ ‬أرجو أن يلقي العين الصبورة؛ فالمجلة الأدبية أيضا مدرسة‮.‬

الحوار في‮ "‬أمكنة‮" ‬ليس شعاراً‮ ‬بل هو ممارسة مع كتابها المحتملين،‮ ‬ترشحهم لتحمل مسئولية جزء من المكان أو ركن منه،‮ ‬وهي تجربة واثقة من نفسها‮ ‬غير مدعية وشفافة وتتعامل مع الجميع بروح الجماعة الأدبية والفنية وروح الفريق لا الفرقة وبهاجس المشاركة لا الشركة وبوازع المساهمة لا المساومة‮.‬
أحببت تجربة‮ "‬أمكنة‮" ‬وأحببت علاء وسلوي،‮ ‬وأحببت مهاب دون أن أراه،‮ ‬وأدليت معهم بدلو مكاني عن أزمنتي الماضية والحالية‮. ‬وأحببت طريقة أصحاب‮ "‬أمكنة‮" ‬في التشاور حول موضوعات كل عدد جديد حتي يطمئن الجميع للمسار الذي يحتاجه مكان كل مشارك في أمكنة‮.‬
هنيئا ل‮ "‬أمكنة‮" ‬بسلوي وعلاء ومهاب وأسماء مهمة كثيرة شاركت خلال عقد كامل‮! ‬وهنيئا لعلاء بعشر سنوات من العذاب العذب‮! ‬مع تمنياتي ب‮ "‬أمكنة‮" ‬أخري إضافية من الثوب نفسه ومن الروح نفسها لسنوات كثيرة قادمة‮.‬

عن‮ ‬ثقافة المكان

02/10/2010 11:57:44 ص

‮ ‬مجاهد الطيب‮ ‬

‬بعد قراءة ثانية لافتتاحية العدد الأول‮ (‬1999‮)‬،‮ ‬وبعد‮ ‬عشر سنوات،‮ ‬تبدو أمكنة تجربة صنعت علي مهل،‮ ‬وسارت بصبر نادر لا لتختبر مفهوماتها فقط،‮ ‬ولا لتوسِّع من مجال حركتها،‮ ‬أو لتتحقق من أسئلة وموضوعات تعرفها وإنْ‮ ‬بالحدس،‮ ‬لكن أيضا لتقاوم شبحا‮ ‬طالما رافق المشروعات الجماعية والمجلات المستقلة،‮ ‬أعني التوقف،‮ ‬عدم الاستمرار هذا‮ ‬ليس له علاقة كبيرة بأهمية تلك المجلات أو عدم أهميتها،‮ ‬إنه يتعلق أساسا بالعمل الجماعي‮. ‬بصبر أيضا أخذت أمكنة تراوح بين مفهوم نظري عن ثقافة المكان وبين مساهمات فعلية متنوعة‮: ‬بالكتابة والحوار والصورة الفوتوغرافية،‮ ‬مساهمات تعيد تعريف هذا المفهوم،‮ ‬وربما تلهم محرري أمكنة وكتابها بمقاربات تالية مختلفة‮.‬

‬في افتتاحية العدد الأول نري إلحاحا علي استخدام كلمة الحكاية،‮ ‬ونري أن مدلولات هذه الكلمة تبدو واضحة أحيانا،‮ ‬وحدسية في مواضع كثيرة،‮ ‬الوضوح يتعلق بأن ثمة مكانا لحكايات كثيرين‮ (‬عاديين‮) ‬في مقابل الحكاية عن البطل،‮ ‬ويتبدي الحدس في جمل مثل‮ (‬ضرورة وجود أدبية مرنة أو أسلوبية يدعمها الوعي الشخصي‮)‬،‮ ‬هناك‮ ‬غموض أيضا يظهر من كثرة تكرار الكلمة‮ (‬الحكاية‮)‬،‮ ‬وكأنها تحمل دلالات خافية وسحرية لم تكن في المتناول ساعتها‮. ‬

‮ ‬إذا كنت عاصرت ولادة مجلات ظهرت في الثمانينيات،‮ ‬ثم سرعان ما اختفت،‮ ‬وكيف تبدأ أعدادها بأحلام حقيقية ورؤي متماسكة،‮ ‬إذا كنت قد عاصرت هذا وما يستتبعه من شكوك،‮ ‬ربما كنت ستشعر أن افتتاحية العدد الأول من أمكنة هي أيضا أحلام لنفسها ولقارئ كان افتراضيا،‮ ‬وإن‮ ‬غدا لناظره لقريب‮. ‬لي صديق أمسك بالعدد الأول من أمكنة وراح يتصفحه في عجالة،‮ ‬ثم استوقفه موضوع ما؛ فأخذ يقرأ بعين واحدة والعين الأخري خارج المجلة،‮ ‬لم يُعِرْ‮ ‬انتباها كاملا،‮ ‬وكأن تورط العينين معا سيُحسَب اعترافا رسميا بهذه المطبوعة الوليدة التي لم تكشف بعد عن أي كرامة،‮ ‬إضافة إلي احتمال توقفها بعد العدد الأول‮. ‬من يضمن؟ الآن بعد عشرة أعداد كشفت أمكنة عن كرامة الاستمرار،‮ ‬وقدمت عبر أعدادها مادة تحريرية قريبة،‮ ‬قربا يستحضر الحياة التي لا تهمد لا تصوراتنا عنها،‮ ‬قربا يستجلب كما هائلا من البشر والحكايات والأماكن‮. ‬إذن استمرت أمكنة وصار لها أصدقاء حقيقيون،‮ ‬وصار لي فيها أصدقاء‮ (‬كتاب وناس‮) ‬لا أعرفهم،‮ ‬ولم أرهم مرة واحدة‮. ‬

‬من الموضوعات اللافتة في أمكنة،‮ ‬تلك التي تتعلق بالسير الذاتية أو‮ ‬الكتابة الشخصية‮. ‬هذا النوع من الكتابة موجود بالطبع من قبل في كتابات كثيرة،‮ ‬لكنه يبدو في مستوي لا مرئي في أغلب الكتابات الأدبية،‮ ‬وفي كتابات أخري يكون جليا،‮ ‬بل والشغل الشاغل،‮ ‬ومنه ينسج الكاتب،‮ ‬يمكن التمثيل لهذا النوع الأخير بعملين بينهما سنوات طويلة‮ ‬واختلافات جمة‮: "‬سجن العمر‮" ‬لتوفيق الحكيم،‮ "‬ورأيت رام الله‮" ‬لمريد البرغوثي‮. ‬لكن ما الفارق بين تلك الكتابات‮ (‬الكتب‮) ‬وما ينشر في أمكنة ؟ هل هذا البوح الذي تحفل به أمكنة هو بوح في‮ ‬غير أوانه؟ هل النظر إلي الوراء عبر الكتابة له شروط ومواقيت؟ أعتقد أن الفارق يكمن في أن عددا كبيرا من النصوص‮ ‬يكتبها كتاب ربما لن يفكروا أساسا في كتابة سيرهم الذاتية،‮ ‬وهذا النوع له مذاق آخر يذكِّر بحس الهواية،‮ ‬يكمن الفارق أيضا فيما توجده أمكنة من سياق،‮ ‬أن تقرأ عددا كبيرا من النصوص تنطلق من محور واحد،‮ ‬خبرات متجاورة تثير ألفة ليس مبعثها التشابه،‮ ‬أن تكون في صحبة آخرين‮. ‬هذا الجانب اللا مرئي والمرئي أحيانا اهتمت به أمكنة وحاولت أن تعينه بحوارات وكتابات متفاوتة بالطبع،‮ ‬متفاوتة أسلوبيا،‮ ‬وأيضا في درجة قرابتها لما يسمي بالكتابة الأدبية‮. ‬هذا النوع من الكتابات الذي يكشف عن أماكن وناس،‮ ‬سواء كتبها أصحابها،‮ ‬أو كانت في صورة حوارات تبدو بالنسبة لي آسرة،‮ ‬ألهث وراءها وأعوِّل علي مفاجآتها من عدد إلي عدد،‮ ‬وإن تباعدت أحيانا عما يسمي ب بمفهومك الجمالي،‮ ‬فمتعة قراءة ما يخالف موضوعا وشكلا وارد تماما بفضل السياق الذي تتجاوب داخله تفاصيل كثيرة من هنا و هناك،‮ ‬والضمانة الوحيدة أن يكون هذا النص‮ (‬المخالف‮) ‬يري من مكانه،‮ ‬ضالعا فيما يحكي،‮ ‬وربما متجاهلا‮ - ‬عن قصد أو دونه‮ - ‬الأصول المرعية للحكي،‮ ‬هل هو الصدق مرة أخري؟‮ (‬أحب هذه الكلمة رغم تاريخيتها‮). ‬هذه النوعية من الكتابات فضلا عن أنها ممتعة في أحيان كثيرة إلا أنها بالأساس مُلهِمة،‮ ‬وصانعة‮ - ‬كما قلت قبلا‮- ‬لصداقات عن بعد،‮ ‬صداقات لها وسائلها في الود والمخالطة وحسن الإنصات أو سوئه‮ - ‬علي حسب‮. ‬

‬مع كل عدد جديد من أمكنة هناك أيضا موضوعات‮ (‬قد تناسب آخرين‮) ‬تكون بالنسبة لي في عِداد المؤجَّلات،‮ ‬أدعها وأعبر سريعا إلي موضوعاتي الأثيرة،‮ ‬أدعها لأجل مسمي وأحيانا‮ ‬غير مسمي،‮ ‬منها الموضوعات التي لا تري الأماكن ولا الناس إلا عبر تحليل مستفيض،‮ ‬أكثر من اللازم‮. ‬فقد تنسي في حضرتها المكان والبشر من فرط التنظير‮.

الكتابة ‮ ‬تحت النوعية

يوسف رخا

لا أذكر كيف تعرّفت بعلاء خالد‮. ‬كان إسلام العزازي مخرج السينما صديقاً‮ ‬مشتركاً‮. ‬كان يتنقّل بين القاهرة والإسكندرية كما نفعل جميعاً،‮ ‬لكنه مثل علاء أصلاً‮ ‬من هناك‮. ‬أذكر مقهي علي البحر بين ميامي والعصافرة وآخَر في رأس التين‮. ‬أذكر إعجابي بوجود‮ "‬مثقف سكندري‮" ‬فعلاً‮ ‬ساكن في الإسكندرية‮. ‬لكن أكثر شيء أذكره أن علاء كان يتحدث عن طرح الذات كمشروع للبحث من خلال الكتابة،‮ ‬وأنني وجدتُ‮ ‬ذلك‮ ‬غريباً‮ ‬لاقتناعي بأن الذات أداة الطرح ولابد من موضوع‮ ‬غيرها حتي تقوم بواجبها وتطرحه‮. ‬فجأة قالوا إن علاء سيُصدر مجلة ظنناها كأي مجلة أدبية تحوي نصوصاً‮ ‬وأطروحات‮. ‬في أول عدد نشر ليستة عبارات كنتُ‮ ‬قد صغتُها حول شذرات أدبية ترجمتُها مما أقرأه بالإنجليزية آنذاك ورتبتُها بمنطق معين‮. ‬ورغم أن قصائدي التي أرسلتُها إليه لم تر النور،‮ ‬عبر ثلاثة أو أربعة أعداد وعدد أكبر‮ ‬وربما خمس أو ست أحاديث ممتعة تصاحبها جولات مشي مسافات طويلة،‮ ‬نما دفء في علاقتي بعلاء رغم الذات الواقفة بيننا‮. ‬اكتشفتُ‮ - ‬اكتشفنا؟‮ - ‬أن المجلة لا تنشر قصائد،‮ ‬كما أدركتُ‮ ‬أنها المكان الأمثل وربما الوحيد لما كنتُ‮ ‬قد بدأت أكتبه مستكشفاً‮ ‬احتمالات تداخل الصحافة والشعر ومتخذاً‮ ‬من المكان منطلقي المباشر‮. ‬أنا و"أمكنة‮" ‬بدأنا في اللحظة نفسها نبحث عن أدبية أكثر تواضعاً‮ ‬وأقرب إلي قارئ الجريدة من كل ما مارسناه ومورس علينا من‮ "‬أدب‮" ‬في وسط البلد‮. ‬ولا أعرف إلي أي حد عثرنا علي هذه الأدبية أو كم قارئ جريدة تمكنا من استقطابه‮. ‬الذي أعرفه أنني من خلال ما كتبته وترجمته للمجلة تعلمت أن أري كتاباتي خارج التجنيس وإن ليس عبر أي شيء‮. ‬وجدتُ‮ ‬لكتابتي مسكناً‮ ‬أليفاً‮ ‬ولصورتي ككاتب أسرة أهدأ وأكثر تنوعاً‮ ‬وأقل اعتماداً‮ ‬علي العلاقات الشخصية والمكيفات‮: ‬هذا أهم شيء‮. ‬الشيء الثاني المهم‮ ‬_‮ ‬وعلاء هنا مجرد نموذج وإن كان النموذج المحوري بوصفه مؤسس المجلة ومحررها‮ ‬_‮ ‬أنني عندما التقيت بعلاء في البداية،‮ ‬بدا لي من كتابته أن شيئاً‮ ‬في نظرته للغير يحجّم إبداعه وأن المشروع الجديد قد يساهم في فك حصار سايكولوجي ما‮. ‬وأظن هذا قد حدث بالفعل من‮ ‬1999‮ ‬إلي الآن‮. ‬حدث بشكل ملفت في روايته الأولي‮ "‬ألم خفيف‮" ‬وفي ديوانه الأخير‮ "‬تصبحين علي خير‮"‬،‮ ‬وأظنه مرتبطاً‮ ‬بنجاح تجربة‮ "‬أمكنة‮" ‬في الانفتاح علي أصوات ومناقب تتجاور دون أن تتصادم‮. ‬عزلة الكاتب مشكلة لا يحلها الذهاب إلي وسط البلد‮. ‬ثمة من يسعي إلي سلطة‮ ‬غير أدبية يمرر أدبه من خلالها ومن ثم يتجاوز تلك العزلة،‮ ‬وثمة من يتجنب الظهور كالطاعون‮. ‬لعل الحل ليس سوي مجلة تسعي إلي التعدد ومحرر نشيط يسكن في الإسكندرية‮.‬

اخبار الأدب
02/10/2010
11:58:19 ص