(الطائي الذي ولد في قرية أجداده)

اعداد: هاشم الجحدلي

محمد العليلا تذكر الحداثة في بلادنا إلا ويذكر محمد العلي حتى صار رائدا للشعر الحديث في بلادنا وبرغم كل هذا وبرغم كل ما كتب وسيكتب عنه إلا ان سيرة العلي تظل محفوفة بالالتباسات، خاصة أنه ميال للعزلة البيضاء، والعزلة التي تفتح نوافذها على الجميع مشهدا، ووجوها، وكتابات، ولكنها في الآن نفسه تختفي بسياج من الورد من اختراقات الاخرين.. وزاد من كثافة هذا السياج منعة، زهد أبي عادل في الأضواء وعدم رغبته في البوح وعدم اتاحة الفرصة لقلمه كي يغوص عميقا في سيرته ويعيد صياغتها على الورق. من هنا نفتح بوابة البوح على آخر مدى متاح لها.. وننصت للعلي وهو يتدفق نثرا كأنه الشعر وهو يسرد بحرقة تبدو واضحة للعيان على ملامحه وبعمق مفرداته سيرة ومسيرة الحياة من الطفولة حتى الآن.. ونبدأ من قرية العمران وتحديدا العمران الشمالي باقليم الاحساء حيث ولد العلي.. فكيف يتذكرها أو ماذا تبقى منها بذاكرة أبي عادل؟.

أنا لا أحمل ذكرى في اعماقي ذكرى قرية مثل بعض شعرائنا.. حيث يماهي بين الأم والقرية ويحن الى القرية ويتذكر أفراحا وأعيادصغيرة ومعينة مرت به بتلك القرية.. أنا لا اتصور مطلقا هذا النوع من الطرح أو الحنين الى الطفولة أو دهشة الطفولة نحو العمران،

لماذا؟ سألته فرد عليّ العلي موضحا (العمران كانت قرية تحيط بها مياه المستنقعات.. وكانت بلا ماء ولا كهرباء وبلا مدارس وحتى بلا مذياع يصلك وهما بالعالم.. وكأنها في غابة منعزلة.. مثل هذه القرية لا تخلف ذكرى لأن الطفولة منعدمة فيها).

محمد العليالعلي من نجد

في هذه الأجواء عن قرية العمران ولد الشاعر محمد العلي عام 1932م ابنا أكبر لوالده الشيخ عبدالله بن حسن العلي.. من عائلة ينحدر أصلها كما يروي علي الخاقاني في كتابه شعراء الغرى - من قبيلة آل علي الشهيرة في منطقة هجر والتي تلتحق بالفضل بين ربيعة الطائي).. وتروي بعض المصادر ان آل علي ويسكنون في قرية العمران وجدهم علي بن عبدالعزيز بن عمران الذي سميت القرية باسمه هو أول من نزح اليها من نجد، وكان ذلك سنة 1050هـ كما أن جده الشيخ حسن الحسين الذي كان واجهة العمران قد تحالف في بدء وحدة الدولة السعودية في دعم استقرار الاحساء في مواجهة غزوات البدو على المنطقة.

قرية.. مجازا

والعمران مجموعة قرى (الحوطة والعمران الشمالية والعمران الجنوبية وغميسي) وشاعرنا العلي ولد في العمران الشمالية التي تعتبر أكبر هذه القرى ولا تبعد كثيرا عن بحيرة الأصفر الشهيرة وتحتل العمران موقعا استثنائيا حيث تقع على الحافة الشرقية- الشمالية للواحة لذلك كانت دائما معرضة لغزو الرمال مما دعا أهلها ان يجعلوا بيوتهم تفتح أبوابها على الداخل، لذلك تبدو للقادم من بعيد وكأن جدرانا من الطين هي التي تقابله، ويبرر المسرحي عبدالعزيز السماعيل ذلك بأن هناك اسبابا اخرى غير غزو الرمال هي غزوات البدو لذلك تتلاصق تماما ولا تترك إلا فسحة صغيرة يمكن اغلاقها بسهولة عن أي مؤشر على قدوم خطر ما.. ويضيف السماعيل موضحا لي البيئة التي وصفها لي شاعرنا العلي بقوله (كانت مصطلح قرية يطلق العمران وسواها من قرى المنطقة مجازا.. فهي بالأصح تجمع لمجموعة من البيوت من عائلة واحدة أو عدة عوائل.. وكان الوصول اليها بسبب مستنقعات المياه وكثافة أشجار النخيل يعتبر عملا صعبا وشائكا، وظلت على هذا الوضع حتى جاء مشروع الري والصرف، وبدأ في تجميع المياه من المستنقعات في قنوات كبيرة وفتح منافذ للري أصغر منها توصل المياه الى مزارع النخيل وسواها.. في ظل هذه الأجواء ولد وترعرع الشاعر العلي ويستعيد محمد الشقاق المهتم بتدوين كتابات وقصائد العلي بقوله "العمران.. هي مجموعة من القرى أكبرها قرية العمران الشمالية وتقع في الطرف الشرقي من الاحساء وهي القرية التي تربى وترعرع فيها الأديب الكبير محمد عبدالله العلي تحيط بها مزارع النخيل من كل الجهات التي ترويها عيون الاحساء الشمالية كعين الجوهرية عبر قنوات الري التي وجه بانشائها الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله والذي عندما تعرضت الجهة الشمالية الشرقية من المنطقة الى زحف الرمال المجاورة مما ادى الى طمر بعض القرى فيها، وجه بتنفيذ مشروع وقف زحف الرمال حيث تم زرع ما يقارب المليون شجرة في ثلاثة صفوف متعاقبة لتثبيت التربة.

ويضيف الشقاق قائلاً "تنسب العمران الى عمران بن فضل بن حديثة بن عقبة بن فضل بن ربيعة و "الفضل بن ربيعة" هو جد قبيلة الفضول المعروفة والتي هي احدى بطون قبيلة طي العربية الشهيرة. و "آل الفضلي" و "آل علي" و "العباد" و "السليم" الموجودون اليوم في العمران وكذلك "آل علي" في القارة كلهم قبيلة واحدة.

واول من نزح الى الاحساء، قادماً من "ملهم" احدى قرى نجد كان جدهم عمران بن فضل.. وكان ذلك في سنة 1050هـ وبعد ان استقر في الطرف الشرقي من الاحساء عرفت المنطقة باسمه فأطلق عليها اسم "العمران" لما كان يتمتع به من رئاسة قبيلته ذات التفوق العشائري في المنطقة. وكانت ولا زالت هذه الأسرة الكريمة ذات مكانة مرموقة وسمعة طيبة في الاحساء وقد أنجبت علماء وأدباء أفاضل.

تعرضت المنطقة الى غزوات البدو الطامعين في خيراتها وخاصة أيام الحصاد، وخاضت معارك عديدة في الدفاع عن مزارعها وخيراتها. فكان من الطبيعي تحالف ابناء المنطقة مع الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله بعد فتحه الاحساء سنة 1331هـ وقاتل ابناء المنطقة مع الملك عبدالعزيز في معاركه ضد بدو العجمان في سبيل تحقيق الأمن والسلام.

وسط الاحراش

وهنا في وسط أحراش النخيل حيث ولد وترعرع ولعب مع أقرانه في حارات العمران تعلم الخط وقرأ القرآن حيث لم يكن آنذاك سوى ثلاثة احدهم والده.. فقيه القرية يجيدون القراءة والكتابة.. ويروي أبو عادل تفاصيل هذه المرحلة قائلاً: "درست القرآن عند الكتاب عدة سنوات الى ان وصلت الى مرحلة الختمة.. وهي مرحلة ختم القرآن.

استدركه متسائلاً- حفظاً.
فيستكمل اجابته:
-لا.. قراءة.. كان الحفظ غير معروف في القرية.. والفكرة غير مطروحة كانت دراستنا للقرآن دراسة أولية تشبه فك الحرف ولأن والدي كان رجلاً متدينا الى ابعد الحدود.

هل كان رجل دين؟
-فيوضح: يمثل رمزاً.. رمز الورع والتقوى.. وحب الخير.. والتدين المطلق.. لذلك كان يريد ان ينذرني للعلم ولعلوم الدين تحديداً.. فقلني الى النجف.. وبعد ان وصلت الى هناك وباعتبار انني اعرف القراءة قبلت في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي في مدرسة أهلية.. تابعة لمنتدى النشر الأدبي والعلمي وذلك بعد امتحان شفوي وكتابي.

-ويكتب يحيى الراضي عن هذه المرحلة قائلاً: "كان التحول الأول في حياة محمد العلي- الهجري- هو الخروج من احضان نخيل القرية الى القباب الذهبية عندما هاجر الى العراق لطلب العلم في سن مبكرة حدود سنة 1946هـ بحسب رغبة والده لما يجده الناس في هذا السبيل من تعزيز الإيمان الديني والوجاهة الاجتماعية وقد انتسب أول اقامته في النجف الى مدرسة ابتدائية تابعة لمنتدى النشر وهو معهد أكاديمي ديني أسسه الشيخ الاصلاحي محمد رضا المظفر.

وفي هذه المدرسة والمدارس التابعة لمنتدى النشر استكمل العلي دراسة الابتدائية وبعد ذلك المتوسطة والثانوية.. عندما استكملها بالدراسة الليلية والعمل مدرساً في الفترة الصباحية كانت الاجواء برغم كل التقدم التقني بالنجف حيث الكهرباء.. والماء والمباني الفارهة.. إلا ان روح العلي كانت تتوق الى حرية اكبر مما هو متاح فكل ما كان حوله كان يشده للماضي بشكل تام لذلك كانت مجموعة الأدب اليقظ منفذا له للخروج من هذا الطوق ويصف الشاعر مصطفى جمال الدين احد اعضاء هذه المجموعة.. ذلك بقوله (وكنت قد التقيت فيها -يعني حلقة الشيخ زين الدين والشيخ الخاقاني-، بشباب كانت لهم نفس الاهتمامات والتطلع الادبي اذكر منهم السيد محمد بحر العلوم، والشيخ صالح الظالمي والشيخ ضياء الدين الخاقاني وتمكنت الصلة بيننا الى حد بعيد فهم يقرب من التوحد وصداقة أقوى من الاخوة وحب لا يزال في جدته حتى اليوم.

وكان لابد لنا -وقد توسعت الحلقة- ان نميز انفسنا عنها، وانظم الينا من خارجها السيد حسين بحر العلوم من النجف والسيد محمد حسين فضل الله من لبنان والشيخ محمد الهجري (العلي) من الاحساء والشيخ جميل حيدر من سوق الشيوخ.

غرور الشباب

وما أدري اذا كان غرور الشباب أم الاعتداد بثقافتنا التي اخذت تتسع في جدتها هو الذي دفع جميل حيدر ان يطلق على هذه الشلة الجديدة اسم (أسرة الأدب اليقظ). على أي حال كنا نمتاز عن الأجيال الأدبية التي عاصرناها في النجف، اننا كنا كثيري القراءة والمتابعة لكل ما هو جديد فإذا كان زاد الناشئة التي نتعايش معها دواوين السيد محمد سعيد الحبوني والسيد حيدر الحلي والشبيبي واليعقوبي من الجديد، ودواوين المتنبي والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي من القديم فقد اضفنا الى ذلك كل ما تيسر لنا من دواوين الشعراء العرب المحدثين بما فيها موجة الشعر الحديث بل ان بعضنا اخذ يكتب تجاربه بطريقة (التفعيلة) التي لا يعدها اكثر نقاد النجف شعرا واذا كان النقد المسيطر على هذه الأجيال التي عايشناها هو نقد الجاحظ وقدامه بن جعفر وضياء الدين بن الأثير فقد اضفنا الى ذلك نقد احمد الشايب وسيد قطب ومارون عبود وميخائيل نعيمة ورئيف وكثيرا من الدراسات المترجمة في موسيقى الشعر واصواب اللغة عن الفرنسي (جويار) والامريكي (سابير) والروسي (كوندارتوف) والانجليزي (اليوت).
ويضيف جمال الدين متذكرا أيام الأدب اليقظ قائلا: كانت أعمارنا متقاربة وان كنت اعتقد اني اكبرهم سنا، ولكننا كنا نتقارب في شيء آخر لعله الأهم هو (ضيق ما في اليد) فقد كان مرتبي الذي يصلني من أهلي في القرية لا يتجاوز (الدينارين) هو للطعام وهو للكسوة وهو للكتاب ولم يكن الاخرون اسعد حالا مني. وهكذا يمكن لنا ان نرس بانوراما واضحة لحياة العلي او الهجري كما يسميه أهل النجف نسبة الى هجر (الاحساء).. ونستعد الى دخول مرحلة اخرى من حياة لا تقل اثارة وطرحا للتساؤلات

عكاظ
14-6-2008م

***

بـ7 دنانير.. قاومت الجوع.. وأكملت دراستي الجامعية

محمد العليويستمر الحوار.. او التداعي مع الرائد والشاعر الكبير محمد بن عبدالله العلي.. واذا كنا في الحلقة السابقة توقفنا عند مرحلة اسرة الادب اليقظ واعضائها وافكارها.. فإننا نرسم صورة للعلي وهو يدلف إلى العراق من بوابة النجف عام 1946م ويستمر بها حتى 1964م.. مرحلة من العمر تقترب من العشرين عاماً درس ودرّس بها وكتب الشعر وتزوج وتعلق بامرأة صورتها لازالت في ذاكرته..
لم يزر العلي الاحساء خلالها الا مرة واحدة.. جاء فيها الى زيارة المشاعر المقدسة واداء فريضة الحج.. وفي طريق العودة الى النجف مر بأهله في العمران.

تجربة مفصلية

تجربة عميقة ومفصلية في حياة ابي عادل، ألقت بظلالها على شعره وباقي تجاربه فحزنه كربلائي ووقع اغانيه لها طعم الوجع في بلاد الرافدين.. وحصاد حياته الاولى مكتظ بالاحداث والحراك والتحولات.. وفي اعماق روحه حب صادق للعدالة.. والحق.

واستكمالاً لوصف ملامح هذه المرحلة نلتقط هنا ما كتبه علي الخاقاني في كتابه “شعراء الغري” حيث كتب في سياق تعريفه بالعلي “الهجري” وبعد اخذه بعض المقدمات اندرج في سلك طلاب الدين الذين يأخذون من منهل النجف مختلف العلوم, واستمر يتعثر في تلك الاشواك التي خلفتها الدراسة المضطربة حتى استطاع ان يقطع اكثر الشوط، وهو اليوم في الطليعة من الشباب الذين يوازونه في السن، عكف على قراءة النتاج الجديد فتأثر بكثير من الآراء والصور الحديثة، وتطلع الى معرفة الحياة ولكن وضعت على رأسه العمة البيضاء عن طريق التقاليد الهجرية والنجفية، راح يتأفف مما هو فيه من اضطراب في سير الدراسة والفوضوية وارتباك النظم التي لا تميز بين العالم والجاهل. لمست في قلبه وعياً ويقظة، واختبرت في ذهنه ارهافاً يتحسس الحالة الراهنة التي تقيد بها امثاله دون جدوى او فائدة مرجوة.

الادب اليقظ والروحانية

الى هنا ينتهي كلام الخاقاني.. ونستكمل باقي التفاصيل من العلي نفسه حيث يقول “بعد ان انشأنا اسرة الادب اليقظ.. وبعد ان وصلنا الى مرحلة مع الجو المحيط.. فكأنها إشعار بالتمرد.. وبالرغم من ان اطلاعنا الادبي كان اكثره تراثيا لكن كانت تصلنا الصحف والمجلات المصرية واللبنانية في ذلك الوقت.. وكان التيار آنذاك ما يسمى بالتيار الرومانسي وكان اكثرنا يميل الى هذا التيار”. ويصف العلي هذه المرحلة في حواره مع النص الجديد “بعد قطع مسافة طويلة ادركت ضيق الطريق الذي اسير فيه. فأخذت او اصل التعليم العام عن طريق الدراسة الليلية. وقد اعتبرت الحوزة العلمية هذه الخطوة مني “تمردا جاهلياً” غير اني واصلت بعناد، وقد عانيت كثيراً من هذا العناد، فوالدي قطع عني الامداد المالي، كذلك الحوزة، فعانيت من ضروب الفقر والحاجة ما عانيت.. حتى اني، وانا اواصل دراستي الليلية اضطررت الى التدريس نهاراً في مدرسة ابتدائية اهلية بسبعة دنانير في الشهر. تصور: سبعين ريالاً في الشهر. اجل وفي هذه الظروف التي نعجز الآن عن استعادة ملامحها كاملة، لأننا لا نستطيع ان نقبض عليها كما نريد، لكننا نتملى ملامحها واضحة للعيان على محيّا العلي وفي وجدانه.

مرحلة السطوح

وقبل الدخول الى مرحلة جديدة ومحطة مختلفة يجب ان نقفل ملف الدراسة قبل الجامعية وهذا لن يتم دون المرور بمرحلة تمحضه في الدراسة الدينية حيث يقول ابوعادل واصفاً تفاصيلها بعد ان اكملت دراستي الدينية الاولية تمخضت للدراسة الدينية العميقة.. حتى وصلت إلى مرحلة السطوح وانقطعت بعد ذلك متفرغا للدراسة الجامعية بجامعة بغداد قسم اللغة العربية فرع النجف؟
أبا عادل دعني أسألك عن مرحلة السطوح إلى ماذا كانت تخولك؟
فرد قائلا: مرحلة السطوح كانت تخولني لحضور الدروس الحرة.. أو المحاضرات الحرة التي لا تستند الى كتاب بل تستند الى فكرة يمكن ارجاعها الى مجموعة كتب اصولية او تقليدية.. السطوح بمعنى انك تخلصت من كتاب محدد.. واصبح ذهنك اكثر حرية.. اكثر انطلاقا.. القفص الكتابي.. أو المرجع الوحيد.. هنا انتهى.. وكأنك خرجت من أسر جدران البيت ووقفت على السطوح.. الى هنا ينتهي حديث العلي عن دراسته بالنجف ليدلف الى الدراسة الجامعية الاكاديمية ولكن قبل ان نفتح هذا الملف لابد ان نقف على شرارة الشعر الاولى.. متى.. وكيف.. وأين انطلقت.

ارض البلديات

أبا عادل تكلمنا كثيرا ولم نتطرق الى الشعر وبواكيره وشرارته الاولى.. أين وكيف وهل كانت النجف بيئة شعرية كما نتلمس من اصداء شعراء أسرة الادب اليقظ وسواها من الجمعيات والأسر الادبية والشعراء الذين خرجوا من مدرسة النجف؟
سألته هذا السؤال الطويل فأجابني مستعيدا تاريخا طويلا مع القصيدة.. وقال: في النجف كان تقاطعي مع القصيدة تلقيا وكتابة.. وبالطبع كان أكثر الدارسين مهووسين بالشعر حتى الذي ليست لديه قابلية شعرية كان يود ان يكون شاعرا.. النجف تسمى بيئة شعرية.. ولكنني اعتقد انها ليست بيئة شعرية.. ولكن بسبب حضور القصيدة بها حفزت الكثيرين الى اقتحام عالم الشعر وقد وصفت هذه الحالة:

صوري لي الندى
يزخر بالاسماع سالت بشاعر صياد
يتغنى بالشعب حتى ترى ما بين الفاظه قبور الاعادي
ويثنى بالدين فالارض لا تلقى بمحرابها سوى السجاد
وينادى بكل ما يبعث التصفيق والحب من جموع الجراد

ثم ماذا لا شيء قد نسي السامر واستوحش النداء المنادي. وعن علاقته بالشعر الحديث وكيف تلقاه شعراء أسرة الادب اليقظ يقول الاستاذ العلي: “مر الشعر الحديث بنا في الاسرة ولكن قابلناه أول ما قابلناه بالنفور.. ولكن بعد ذلك جميعنا ان استطعنا ان نتغلب على أذواقنا وننخرط أو نتذوق في قراءة الشعر الحديث وكان في ذلك الاسمان اللامعان السياب ونازك الملائكة”.

هنا تنتهي اجابة العلي ولكن لإلقاء مساحة الضوء بقدر أكثر على هذه المرحلة فلنلتقط اجابة له نشرتها مجلة النص الجديد على سؤال للشاعر علي الدميني حيث يقول ابو عادل: وفترة السياب ونازك الملائكة وهي بلا شك الفترة الفاصلة في تاريخنا الشعري عشتها ودعوني أعود بالذاكرة الى تلك الفترة واتذكر مجلة “الكتاب” العراقيين وهي مجلة لم تستمر أكثر من ثلاثة أو أربعة اعداد، لان الجانب السياسي في العراق كان سريع الجريان وكان الصراع بين اليساريين وبين الفكر القومي أو بين اليساريين والفكر الليبرالي كان سريعا وحادا مما أدى الى عدم استمرارية المجلة.
وفي العدد الأول من المجلة نشرت قصيدة للسياب وقصيدة لي ويا للمفارقة.

في منتدى خوجة

ولتوضيح اكتشاف العلي للشعر الحديث قبل اكتشافه للسياب لابد ان نستعيد شهادته التي قالها في منتدى عبدالمقصود خوجة حيث يكشف لنا عن دهشة الاكتشاف الأولى بقوله (الشيء الذي شدني الى الشعر الحر الواقع ليس صدفة، وانما كان بائع كتب كان يجلس على الرصيف في شارع الرشيد، ولم يكن بالامكان في ذلك الزمان ان نشتري كتبا، انما نلتقطها من على الأرصفة، كانت قيمة الكتاب 20 فلسا، اشتريت ديوانا لشاعر سوداني اسمه صلاح ابراهيم، كان الديوان يضم شعرا حرا، منه هذه القصيدة التي اقرأ لكم بعضها، هذا الشاعر ذهب الى لندن، ويبدو أن عمره كان عشرين عاما وهناك تعرف على شعراء ومنها انبثقت قصيدته هذه، يبدو ان اسمها ماري فهو يحولها، ويحول اسمها الى ماريا، وفي هذا ما فيه من اعطاء شحنة هائلة للاسم يقول لها:

)يا ماريا
ليت لي ازميل فدياس
وروحا عبريقيا
وامامي تل مرمر
لنحتت الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك
تمثالا مكبر
وجعلت الشعر كالشلال
بعضنا يلزم الكف
وبعضنا يتبعثر
وعلى الأجفان ليل يتعثر
وعلى الأهداب لغز لا يفسر
وعلى الخدين نور يتكسر
وعلى الأسنان سكر(.

وهنا وباكتشاف العلي لجماليات الشعر الحديث من شاعر سوداني بعيد عن معترك الثورة الشعرية التي يقودها السياب والملائكة في العراق ووصل صداها الى كل الوطن العربي نتوقف.. لنبدأ مرحلة جديدة

****

محمد العلي.. سوداني دلني على الشعر الحديث في بلد السياب

محمد العليهكذا مررنا في الحلقتين السابقتين على شاعرنا الكبير محمد العلي، وهو يلم شتات ماتبقى من طفولته ويتجه صوب النجف، حيث يمعن في التعلم حسب الشرط العائلي والتوجه العام، ثم يتجه بعد ذلك في لحظة انفصال إلى التعلم حسب مايريد، وهو في كل ذلك كان محاصراً بالشعر، وإن كانت البداية محفوفة بالأصدقاء ورفاق أسرة الأدب اليقظ، إلا أنها بعد ذلك اختطت مساراً خاصاً بها واختارت أفقاً تتجه صوبه دائماً.. ممعنة في الزرقة والبحر.. ونخيل الجزيرة.. ولأنه اشتبك في كل هذا وهو في قلعة الشعر الحديث، أو حاضنته العراق فلا بد أن يصطدم بأصوات السياب ونازك الملائكة.. اللذين أسسا لما يعرف بعد ذلك بالشعر الحديث. وهنا نبدأ من حيث انتهت إليه الحلقة السابقة عن الشعر الحديث وموقف أسرة الأدب اليقظ منه ونفتح مساحة أكثر للضوء كي يشع ولأبي عادل أن يبوح ونلقى تعريفاً أدق على هذه المرحلة. هنا تنتهي اجابة العلي ولكن لإلقاء مساحة أكبر من الضوء على هذه المرحلة سنلتقط اجابة له نشرتها مجلة النص الجديد على سؤال للشاعر علي الدميني حيث يقول ابو عادل: وفترة السياب ونازك الملائكة وهي بلا شك الفترة الفاصلة في تاريخنا الشعري عشتها ودعوني أعود بالذاكرة الى تلك الفترة واتذكر مجلة “الكتاب” العراقيين وهي مجلة لم تستمر أكثر من ثلاثة أو أربعة اعداد، لان الجانب السياسي في العراق كان سريع الجريان وكان الصراع بين اليساريين وبين الفكر القومي أو بين اليساريين والفكر الليبرالي كان سريعا وحادا مما أدى الى عدم استمرارية المجلة.
وفي العدد الأول من المجلة نشرت قصيدة للسياب وقصيدة لي ويا للمفارقة.

فرح الموت

قصيدتي كانت في رثاء شخص القصيدة هي (فرح الموت) كتبها الشاعر في رثاء عمه السيد محمد باقر الشخص (1315 / 1381هـ) وهي من المراثي العمودية الفاقعة اللون وكان مطلعها

أكذا يقذف البراكين نبع
أكذا جهث القاع بعيني/ أكذا يرهف الصوارم درع؟
أكذا تجبن الحياة وللموت/ ويكبو الفجر الندي المشع؟
على ساعدي ينهال وقع؟
كل نت ايماءة الربيع با بعادي
انى نظرت ينداح فرع
فلماذا اصبحت نبع سهام
لفؤادي وكان لي منك ضلع؟

.. صحيح ان قصيدتي تعبر بلغة حديثة، ولكن جوها العام تراثي صرف وفاقع، أما قصيدة السياب فكانت “رؤيا فوكاي” وحينما قرأت قصيدة السياب وفيها يقول:

ما زال ناقوس أبيك يقلق المساء

بأفجع الرثاء:

(هياي.. كونغاي.. كونغاي)
فيفزع الصغار في الدروب
وتخفق القلوب
وتغلق الدور ببكين وشنغهاي
من رجع: كونغاي، كونغاي!)

قمت أضحك وأتساءل: (ويش جاي يقول.. ويش جاي يلخبط السياب.. كنت اعتبر أن قصيدتي هي المجلة كلها، لم يقل لي أحد ان هذا شعر حديث، وأن مرحلة جديدة قد بدأت حيث لم يكن هناك جدل في المنتديات الأدبية حول هذا الشعر.. أنا الذي اكتشفت السياب لوحدي، واكتشفت المرحلة لوحدي بعد ان عدت إلى المملكة).

****

محمد العلي.. ابومكادي نحاس قادني الى منتدى خالد الفيصل

محمد العليتمتد مسيرة وسيرة استاذنا محمد العلي طويلاً وعميقاً. ويبدو الوقوف على كل محطاتها انجازاً لا يمكن تحقيقه في كتابة واحدة او مشروع سريع، لذلك سنعبر بالأكثر الحاحاً والأشد وضوحاً، وهنا نبدأ من المرحلة التعليمية تلقيا وممارسة وهذه المرحلة التي ابتدأت من نيله لشهادة الثانوية وحتى التحاقه بكلية الفقه بالنجف التي أسسها الشيخ محمد رضا المظفر في عام 1958م، حيث قبلت الطلبة في الدورة الأولى وكان عددهم 45 طالباً بعد أن تقدم إليها 200 طالب من طلبة العلوم الاسلامية. تخرجت الدفعة الأولى التي بلغ عددها 35 طالباً بدرجة البكالوريوس في اللغة والعلوم الاسلامية عام 1962م وفي العام ذاته تم الاعتراف بمستوى الكلية ومعادلتها بالكليات الشبيهة بها في جامعة بغداد مثل كلية الشريعة وكلية التربية وكلية الاداب وكان من بين الخريجين شاعرنا الكبير محمد العلي وصديقه الشاعر مصطفى جمال الدين.. وآخرون. تخرجت الدفعة الأولى وتخرج العلي، واختلفت السبل بالأصدقاء.. فمنهم من أكمل دراسته، ومنهم من عاد إلى دياره وآخرون قرروا الدخول إلى سلك التعليم، ومنهم استاذنا أبو عادل وبسبب ظروف الحياة وأنه رب أسرة ويعيل أبناء وليس له مصدر للدخل، لذلك عين مدرساً في ثانوية النجف فور تخرجه، واستمر في هذا العمل لمدة سنتين عمق خلالها من علاقته مع المشهد الشعري العراقي وشارك في الامسيات ونشر في المجلات وزار بغداد كثيراً بسبب العلاقات التي تولدت مع زملاء الدراسة في الكلية. ولكنه برغم من كل الأجواء إلا أن الحنين عاوده للعودة إلى الديار وخاصة أن والده قرر بعد أن اختط طريقاً غير المرسوم له منع بقية إخوته من استكمال دراستهم مثلما خطط له وبالفعل وفي غضون أشهر وفي بدايات عام 1964م وبعد أن تهيأت الظروف عاد ابو عادل إلى المملكة، وفور وصوله وبعد زيارة لأسرته في العمران التي غاب عنها طويلاً.. فتغيرت وجوه وجدت معالم. وتشكلت ظروف جديدة.. بدأ يرسم ملامح خطوته القادمة فالعمران والاحساء عموماً لم تكن برغم كل هذا التغيير النسبي مناسبة له، لذلك توجه إلى وزارة المعارف بالرياض وقدم شهاداته، ورغبته في الانتساب لسلك التعليم وبالفعل صدر القرار مباشرة في تعيينه مدرساً للغة العربية في ثانوية الدمام، هذه الوظيفة وهذا المكان الذي سيغير شيئاً كبيراً في مسار حياته في السنوات القادمة.

استقر ابو عادل أخيراً معلماً في الشرقية، ولكن لم تكن اقامته بالاحساء حيث ولد بالدمام، حاضرة المنطقة آنذاك، واكثر مدنها حراكاً وحركة، وبدأ من عام 1965م مهامه معلماً للغة العربية، ولكنه لم يكن معلماً عادياً، كالذين تقذف بهم المعاهد آنذاك، كان ملتزماً بالاحلام والطموح والرغبة في استكناه الاشياء نحو الاجمل، والاكثر بهاءً، لذلك مد جسراً بينه وبين تلاميذه واستطاع ان يقترب منهم، ومن المصادفات ان يكون معه في نفس المدرسة وقادماً معه في نفس السنة الدراسية شاب اردني للتو قد تخرج من جامعة عين شمس بالقاهرة وهو حاصل على بكالوريوس اللغة الانجليزية وآدابها هو سالم النحاس والد الفنانة المبدعة «مكادي نحاس» الذي سيغدو وبعد سنوات روائياً شهيراً، الاستاذ نحاس اتفقت رؤاه والعلي منذ اللقاء الاول واستمرت العلاقة بعد ذلك الى الآن، وبالرغم من انه لم يدرس معه الا الفصل الاول في مدرسة الدمام حيث انتقل بعد ذلك الى ثانوية الدمام التجارية وبعد ذلك للرياض للعمل في رعاية الشباب حين كان رئيسها آنذاك الامير خالد الفيصل.. إلا ان اسم العلي ترسخ في ذاكرة النحاس، ولذلك عندما انتقل الى الرياض وشرع في المشاركة في ندوة خالد الفيصل الثقافية كان الاسم الاول الذي خطر على باله للمشاركة في هذا المنتدى من خارج الدائرة المعروفة آنذاك كان اسم استاذنا العلي ويذكر ابوعادل تفاصيل هذه المشاركة بقوله “كان الاستاذ سالم نحاس زميلاً لي في ثانوية الدمام وانتقل بعد ذلك الى عدة وظائف حتى استقر به المقام في الرياض موظفاً في رعاية الشباب، وكان الامير خالد الفيصل رئيساً لها، ولاهتمامات الامير الثقافية ولوجود عدد من المتنورين في محيط عمله، انشأ منتدى الاربعاء وهو منتدى ثقافي تطرح فيه اوراق العمل ويتم الحوار حولها بعد ذلك، ولوجود الاستاذ النحاس في هذا المحيط اقترح اسمي للمشاركة مبادرة منه، وكان موضوعها عن الشعر السعودي المعاصر وأظن تاريخ هذه المشاركة كان 1969م، ولانني كنت للتو عائداً للمملكة ومعرفتي بالاسماء المبدعة وبحركة الشعر في المملكة لم تكن مكتملة، فقد اجبرني ذلك على الحصول على اكبر قدر من المراجع والمصادر والدواوين واستجلاء الموقف الشعري في بلادنا، وكانت حسنة جميلة لهذه المشاركة ان عرفتني بما يحدث شعرياً عندنا.. كما انها عرفتني على عدة اسماء معرفة مباشرة اذكر منها عبدالله نور وفواز عبيد اخذتنا محطة سالم نحاس الى مرحلة جديدة في حياة العلي، فتح فيها افقه على مدار الوطن الاوسع حيث كانت المشاركة هي البداية لكثير من المشاركات الفكرية المثيرة وعدد قليل من الامسيات، ولكن لاستكمال سيرته ومسيرته لا بد لنا ان نعود الى الدمام واسأله.
استاذ محمد ها أنت الآن في الدمام.. كيف كان الواقع المعاش حولك وكيف تكيفت مع بيئتك بعد سنوات طويلة من الاغتراب؟

فيرد قائلاً:
اصدقك القول لم يكن هينا ولم يكن التكيف سهلاً، خاصة وان الوجوه التي شاركتني بهجة اكتشاف الحياة وحرقة الوعي بالشعر كانت بعيدة عني، واذكر ان اصدقاء اسرة الادب اليقظ على عادتهم في كتابة الاخوانيات ارسلوا لي قصيدة مشتركة كتب كل واحد منهم بيتا او بيتين فيها يذكرونني بايام الدراسة وذكريات الشعر ويسألون عن حالي وهل حياتي الجديدة انستني حياتي معهم فرددت عليهم بقصيدة لازالت ترن في اسماعي اقول فيها:

“أهنا تربتي؟ اهذي التي انسلت رهافاً من غمدها اجدادي
أهنا، حيث ادمنت نكبة الانسان من كأس حاضري وتلادي
سوف أحيا؟ أعيش؟ دون انتظار لفراق، او شهقة لمعاد؟
يا حياة اركضي فقد ذبل النور وشل العناد صوت الحادي

متعة السفر

هكذا كانت مفارقة الواقع الجديد والمستمر ولكن ابوعادل الذي جرب مكائد الغربة وفتنتها لم يستكن ووجد في السفر منفذاً للروح والقلب، ولهذا كانت رحلاته وقوداً للروح كي تتجدد ويصف ذلك بقوله “ما أن انتهت السنة الدراسية الاولى لي في الدمام حتى عزمت مع العائلة على السفر الى سوريا، صحيح انها كانت رحلة استجمام خاصة لم ازحمها بلقاء الاصدقاء الا انها كانت لي تحولاً جديداً في حياتي.
ويصف ابوعادل هذا التحول نصاً في امسية تكريمه بقوله “سوف اتذكر الآن حيث كنت اقضي اجازة الصيف في سوريا برفقة عائلتي.. ووجدت في احدى المكتبات ديوان السياب “شنانيل ابنة الجلبي” وكنت استأجر بيتا في منطقة الخضراء في منطقة رهيبة وامامنا يجري بردي.. وبدأت اقرأ الديوان فوجدت عالماً آخر “انا وين وهو وين” اكتشفت عندها خطأي الكامل.. واكتشفت ان علي ان اجدد نفسي او اموت.

****

العواد رائد الحداثة الأول في بلادنا

عندما تكتب عن قامة ما فإنك تستدعي من قاموسك المفردات التي تستطيع بها ان تصف القامة التي أنت حيالها، ولكن الكتابة عن قامة شعرية وفكرية لـشاعرنا الكبير محمد العلي فأنت في حل من هذا، فاللغة تتداعى امامك والصور تتشبث بمدادك كي تسطر كيف يكون الانسان شامخا والشاعر بهيا. واستمرارا لرحلة ومسيرة ابوعادل واستكناهاً آخر لسيرته نعود مرة اخرى الى الايام الاولى لوجوده في الدمام وتواجده في المشهد الشعري المحلي.
بعد ان وقفنا في الحلقة السابقة عند حضوره لمنتدى الامير خالد الفيصل بترشيح مباشر من سالم نحاس.. هذا المنتدى الذي يقول عنه الراحل عبدالله نور والذي تعرف عليه استاذنا العلي من خلال هذا التوصيف الجميل “كنت من اوائل الذين حضروا المنتدى في بدايته وحتى نهايته.. واذكر اسماء الزملاء الذين كانوا يرتادونه من الامراء وهم بدون ترتيب للاسماء:
الامير سعود بن خالد بن محمد, الامير بندر بن خالد بن محمد، الامير سعد الفيصل بن عبدالعزيز، الامير خالد بن فهد بن خالد.
ومن غير الامراء بدون ترتيب: الاستاذ عبدالله بن خميس، الدكتور احمد الضبيب، ابوعبدالرحمن محمد بن عمر بن عقيل، الاستاذ عبدالله فلاتة، الاستاذ ابراهيم الناصر، الدكتور عبدالرحمن العثمان، الاستاذ علي بن جميعة، الاستاذ عبدالله الشهيل، الاستاذ سعيد فياض، الاستاذ ناصر بن جريد، الاستاذ طارق عبدالحكيم، الاستاذ فواز عيد، الاستاذ سالم نحاس، الاستاذ محمد العلي، الدكتور البشبيشي، الاستاذ قحطان هلسا، عبدالله نور.
وكانت البداية في الشهور الاولى ضعيفة وغير مدروسة ولكن ما لبثت ان عاش العلي هذه التجربة بكل تفاصيلها من خلال استقراء المشهد الشعري في المملكة قبل مشاركته في المنتدى بورقة عمل عن الشعر في بلادنا.
صارت منتدى بمعنى الكلمة فاشتعلت الحوارات بين التقليديين والحواريين، وبين اهل الشعر العمودي والشعر الحر ثم تحول الامر الى صراع بين جيل الشباب وجيل الشيوخ.

العواد.. رائدنا الأول

هذه التجربة دعتني الى ان استعيد مع استاذنا العلي انطباعته الاولى عن القصيدة في المملكة فرد قائلا:
اتذكر الآن تماما لحظة التلقي الاول للنصوص التي استطعت الوصول إليها.. كانت لحظة مدهشة وكانت توحي بمستقبل مشرق للقصيدة وللشعر عموما في بلادنا.. فبالرغم من البعد نسبيا عن مراكز النشر ومصادر الثقافة الا انني تأكدت تماما بأن هناك جيلا يحمل تطلعاته الشعرية متجاوزا كل المعوقات.
كما أن هذه التجربة جعلتني اكتشف صوتا شعريا رائدا هو صوت الشاعر محمد حسن العواد، وهو ليس فقط رائدا من الرواد الاوائل للحداثة في بلادنا بل هو الرائد الاول لها.
أقاطعه متسائلا: شعريا وفكريا
فيرد بحماس بالغ: نعم شعريا وفكريا.. فإذا كان المسلم به ريادة العواد الفكرية والتي تجلت تماما في كتابه (خواطر مصرحة)، فإن شعره ايضا يعتبر شعرا رائدا للحداثة بالرغم من بعض النقاد الذين يخرجونه من هذه الدائرة غير مدركين للظرف الزماني والمكاني لكتابة هذا الشعر..
وبعد الحديث عن العواد وريادته لا بد لي ان اسأل ابوعادل عن قصائده هو وكيف كانت تجربته مع النشر خاصة اذا عرفنا كما روى في حلقة سابقة حين كان ينشر في اهم وابرز المجلات الادبية في العراق إبان دراسته وممارسته التدريس هناك فأجاب قائلا: جئت كما قلت لك لا أعرف أحداً ولكن لوجودي في الدمام ولوجود جريدة اليوم بها بعثت لها بقصيدة من قصائدي وهي (العيد والخليج) وجهتها الى ادارة التحرير دون ان تكون لي معرفة مباشرة بأي من العاملين بها، وفوجئت بعد ايام بنشرها ولم يكن مصدر المفاجأة النشر ولكن الرسالة التي ارسلت لي من مدير التحرير ماجد ابو شرار والذي يدعو كاتب القصيدة او الشاعر الى الكشف عن نفسه والتعريف بشخصيته للقسم الثقافي بالجريدة مما يتضمن ضمنيا دعوة لزيارة الجريدة.
في ذلك الوقت لم أكن اعرف موقعها ولكن بالسؤال عن ذلك تعرفت على الموقع وتوجهت الى القسم الثقافي مباشرة حيث تعرفت هناك على المشرف عليه وكان الشهيد ماجد ابوشرار وهو الذي ارسل لي الدعوة الضمنية لزيارة الجريدة وكان ذلك في حدود العام 1966م..
وللعلم فإن ابوشرار الذي اغتيل عام 1983 قد عمل في جريدة اليوم من عام 1959 وحتى 1968 مع مجموعة من المثقفين الفلسطينيين ومنهم محمد القيسي وعبدالكريم السبعاوي وهو من الرعيل الاول لمنظمة التحرير الفلسطينية (فتح).
الكتابة او النشر الاول محليا في جريدة اليوم لم يتوقف عند هذا الحد بل امتد من ذلك الى حد رئاسة تحريرها يوما من الايام وكان ذلك بعد ان تعددت زيارته الى الجريدة وتم لقاؤه بعدد من المسؤولين بها وفي غضون ذلك تعرف عميقا على الشاعر على الدميني والقاص جبير المليحان وأثمر ذلك عن ملحق المربد الذي اسأله عنه فيقول:
ملحق المربد هو حصيلة جهد الصديق علي الدميني.. فهو كان المحرك الاول والمهندس لكل ما ينشر به وكان دوري المحبه من بعد فقط.
ولكن علاقة الدميني باستاذنا العلي لا تنتهي عند المربد فقط بل تمتد عميقا وتتشابك في كثير من المحطات الحارقة منها بالتحديد، ولاستجلاء ذلك ان لا بد كان نستدعي ذاكرة الدميني كي تصف وتوصف ما تبقى في الروح والقلب والذاكرة من هذه المشاهد والمحطات والمواقف.. فكتب قائلا:
قلق يشبه العذاب
قلق يشبه العذاب كان يشاغلني كثيراً، حول تدوين بعض ملامح المشروع الثقافي للأستاذ “ محمد العلي”، الذي لم يجد من يحمل عنه عبء جمع شيء من كنوزه، وإضاءة ما لا يعرفه الآخرون عنه، إلا القريبين مثلي، لكي تتعرف الأجيال المختلفة على إضاءاته البالغة السطوع والتأثير في حياتنا الثقافية.
ولكم أجلت النظر في مشروع كتاب يرتكز على حوار شامل معه، وتضمين ذلك الكتاب بعض محاضراته وكتاباته، وقصائده، ومقالاته!!
“ ومثلما ألهت بني تغلب قصيدة قالها عمرو بن كلثوم” فقد ألهتني عن تلك المهمة العزيزة على نفسي، أمور عديدة حيث لا يقف العمل اليومي في البنك الأهلي على واجهتها وحسب، وإنما تتقدم في مشهد الصورة اهتمامات أخرى تختص بصلب الهم الثقافي والاجتماعي والشأن العام، ومنها مشروع مجلة “ النص الجديد” الذي عملت عليه مع المؤسسين وهيئة التحرير، خلال الفترة من عام 93- 98م، وترسخ ابتعادي عن تحقيق تلك الفكرة، بانصرافي بعد وفاة صديقي الحميم الآخر “ عبد العزيز مشري” إلى إعادة طباعة وإصدار مجموعاته القصصية والروائية، وبعض مخطوطاته التي لم تنشر في حياته، ومنها روايته الأخيرة “ المغزول”، منذ عام 2000م.
لكنني حين اطلعت على مجلدين ضخمين حمل أولهما عنوان “ محمد العلي شاعراً ومفكراً “، وحمل الثاني عنوان “ محمد العلي – دراسات وشهادات “ اشتغلت على إنجازهما الأستاذة “ عزيزة جاد الله “ - زوجة الصديق الكبير “ محمد القشعمي “، وبدعم كبير منه - حلّت حينها سكينة من الاطمئنان على قلبي، وفرحت بهذا الكنز، ورأيت أن الله قد هيأ لأستاذنا محمد العلي من يجمع الكثير من منجزه الحي بين دفتي كتاب (حتى ولو كثرت أخطاء طباعته واحتاجت إلى تصحيح وإعادة نشر)، يتيح لمحبيه وقرائه ومناوئيه على السواء، أن يجدوا متناً مكتوباً من فكره، وظلاً من حقيقة وجوده على الأرض..
من طرائده المتفردة،...مقالة، ودراسة، وحواراً، وشعراً!!
فشكراً يا عزيزة، وشكرا يا أبا يعرب على هذا الجهد التاريخي النبيل.
أقفال عديدة، ومفاتيح كثيرة!
يمكن لكل من اقترب من فضاء “محمد العلي” أن يلمس باليدين صعوبة التواصل اليومي معه، وأن يقرأ على الباب سيماء أقفال متعددة تحد من بساطة التحاور معه، أو اقتحام معاقله!
كثيراً ما ترى “ العلي “ وهو يستغرق في الصمت والتأمل والوحدة.. في ندوة أو لقاء..في مكاتب الجريدة حيث عشنا معه طويلاً منذ عام 73م، أو في السيارة، ونحن نتنقل من مكان قصي إلى آخر!!
ذلك سرّه الكبير الذي لا يستطيع التعامل معه إلا الراسخون في معرفته الثقافية والإنسانية، والوجدانية.
ولكن نفس الشخص سيجد أمامه سلّة مملوءة بمفاتيح التسلل إلى أعماق تلك الروح الخصبة، حين يكون “ العلي “ ضيفاً في أمسية أو ندوة، فتعمل مفاتيح الأسئلة على كشف مذخور كنوزه وأسراره وصدقه حتى حواف الجارح والجرئ منها!!

أما خارج ذلك المناخ الثقافي، فإن أبرز ما يحرضه على فتح أبوابه، يجئ من قدرة الصديق أو الضيف أو أي شخص على إثارة مكامن الدهشة الطفلية والشعرية لديه، من خلال الحديث عن مفارقة باعثة على الدهشة، أو استذكار مقطع من نص شعري مدهش، وحينها ستجده قد انفجر ضاحكاً، كبركان محبوس من براكين اليابان!!

كنا نلتقي في غرفة مدير تحرير جريدة اليوم منذ عام 72م وما بعدها، وكان صمت “العلي “ المهيب يجعلنا نلوذ بالصمت حتى لكأن سقف الغرفة سيطبق علينا، ولكن حين يدخل العم سالم الحضرمي – حارس الجريدة – فإنه يخترق ذلك الصمت بكلماته العفوية والساخرة الموجهة إلى شاعرنا، فيفتح الله على يديه ما يهزّ الغرفة من ضحكات “ العلي “ المجلجلة!!

كان العم سالم يمتلك مفاتيح صناديق الصمت، أما أنا فقد عجزت عن امتلاكها منذ تعرفت على “ محمد العلي “ وحتى اليوم، برغم ما أحمله له من تقدير وحب وإعجاب لا يجد له في أعماقي منافساً حتى اليوم أيضاً!!
دعوته ومجموعة من الأصدقاء للعشاء في بيتي، وكان عمر إبني “ عادل” آنذاك لم يتجاوز الثالثة من العمر، وقد اعتاد إبني على احتفاء محمد العلي به خلال زياراته المتعددة لنا. ولكن شاعرنا في تلك الليلة لم يكن مهيأ للاهتمام بالطفل الذي ألف مداعباته، ولا بالأصدقاء الملتفين حوله.
وحين تساءل أحد الأصدقاء بصوت عال: “ وش في أبو عادل الليلة ما يتكلم “، فرد عليه إبني الصغير قائلاً “ كنه دكان مقفّل.

وهنا انفجر محمد العلي ضاحكاً، واحتضن إبني عادل بحميمية، و بدأ في إشعال الليلة حتى نهايتها..
ومن مفاتيحه أن تبادره بانتقاد كتابته أو شعره، فيبدأ الحوار معك لا مدافعاً ولكن متسائلاً عن مكامن سؤالك!، أما إذا بادرته بإطراء، فلن تجد إلا صدى ما كان يردده في إحدى قصائده عن البحر” وساجٍ أنت كالأكفان
ومنها أيضاً، أن تطرح عليه سؤالا ثقافياً محددا بعيداً عن مهام العمل السياسي اليومي، لتفتح مغاليقه، شريطة ألا تقاطعه وهو يتحدث بهدوء عميق.. عميق..

وعليك إن استضفته في عشاء خاص ألا تثقل عليه بعدد الحاضرين متنوعي المشارب، وأن تحرص على استضافة القلة ممن يرتاح إليهم أو يثق في وعيهم وثقافتهم.

ولكنك حين تزوره لتعرض عليه مشروعاً ثقافياً يرتبط بالشأن العام، فإنك ستجد أذناً صاغية ما عهدتها من قبل، وستتلقى الإجابة دقيقة وعليمة وعملية تغنيك عن استشارة الكثيرين، كما أنها ستعينك على اتخاذ الموقف الصائب، من رجل لا يهتم غالبا بالعمل السياسي اليومي!

عكاظ 21/6/2008م

****

محمد العلي، عملت في تلفزيون الدمام قبل التعاون مع جريدة اليوم

حياة المبدع الكبير محمد العلي ثرية، وعميقة، وشاسعة، لذلك فإن أي كتابة عنها وحولها، إنما هي مغامرة محفوفة بالمشقة، وموعودة بالكثير من المعوقات، ويبدو اكبر معوق هو عدم تسجيل ملامح ومحطات وترك الذاكرة الخؤون دائماً تتولى هذه المهمة، لذلك كان القبض على التواريخ ورصد المواقف واستجلاء ملامح الوجوه عملاً ممعناً في العنت. ولكن مساهمة الأصدقاء ومحبي العلي كانت سنداً كبيراً لذلك كنت كلما التبس عليّ تاريخ ما اتصلت بالأستاذ علي الدميني أو تشاكل عليّ موقف ما بادرت بالاتصال بذاكرتنا. الوطنية الأستاذ محمد القشعمي. أقدم هذه المساحة استباقاً لأي التباس وأبدأ هنا باستكمال محطة جريدة اليوم وسأدع الأستاذ خليل الفزيع الذي شهد اطلالة العلي عبر جريدة اليوم حينما كان رئيساً لتحريرها كي يصف المشهد كاملاً. في عام 68-1969م انضم الأستاذ العلي كاتباً اسبوعياً، وبعد ذلك صحفياً متعاوناً مع القسم الثقافي وكان في الحالتين مداوماً على الحضور الى الجريدة بشكل شبه يومي بعد أن توثقت عرى الصداقة بينه وبين بعض العاملين في الجريدة وكنت أنا من هؤلاء الذين ارتبطت عميقاً معه لدرجة انني في الجلسات ساجلته بعدد من الأسئلة التي أفاض في الإجابة فوجدت ان عدم نشرها يعتبر جناية على أفكار العلي، وحتى لا ينتبه مبكراً لذلك أرسلت هذا الحوار الى جريدة الجزيرة ونشره بها في ذلك الحين كما ان الجريدة أعادت نشره قبل سنوات في صفحة (الجزيرة زمان)..

وقد استمرت علاقتي مع أبي عادل من ذلك الوقت إلى الآن وغداً وهي مغمورة بالمودة والحب والتقدير.
ويستمر الأستاذ الفزيع في حديثه عن العلي مقدماً معلومة يجهلها الكثيرون وهي (ان العلي لم يبدأ عمله الإعلامي باليوم الجريدة بل انطلق من تلفزيون الدمام عندما كان يبث من مدينة الدمام).

وأسأل الفزيع هنا: هل تقصد تلفزيون أرامكو؟
فيوضح لي ذلك قائلاً: بل تلفزيون الدمام وهو محطة مستقلة ولا علاقة لها بتلفزيون أرامكو.. وهي تبث لوحدها ثم انضمت الى التلفزيون السعودي عندما دمجت كلها في محطة واحدة.
وأعود هنا للأستاذ أبي عادل وأسأله عن هذه المعلومة فيؤكد ذلك قائلاً: نعم قبل جريدة اليوم تقدمت الى تلفزيون الدمام حيث عملت مصححاً لغوياً للأخبار لمدة 6 أشهر، ولم استمر بعد ذلك ولم أخض مغامرة التلفزيون إلى الأبد.

وقبل أن نفيض في هذه العلاقة مع الدمام وجريدة اليوم والأصدقاء والمشهد الثقافي لابد أن نستعيد محطة مهمة هي محطة بيروت فإذا كانت رحلة العلي الأولى اتجهت صوب سوريا فإن رحلته الثانية كانت صوب لبنان وهذه الرحلة لم تكن عائلية كلياً حيث التقى العلي بالكثير من المثقفين الذين كانوا منسجمين مع توجهه الجديد صوب الحداثة الفكرية والشعر الحديث، كما انه في هذه الرحلة التقى ببعض اللاجئين العراقيين الذين كان يعرفهم منذ ايام العراق وهم (محسن الشيخ راضي، علي صالح السعدي، حمدي عبدالمجيد، هاني الفكيكي، وأبو طالب) وقد أثرت عليه هذه الرحلة كثيراً.

وعودة الى الدمام وجريدة اليوم بعد ان وصل البوح الى اقصى مدى له، ولازال في البال شيء كثير، نستكمل هنا تلويحة الحب التي لوح بها الشاعر علي الدميني في الحلقة السابقة وننصت له وهو يدون قصيدة حب في قامة شامخة مثل قامة ابي عادل ونستمع له وهو يقول:
أثقلتني يا هاشم الجحدلي بالحديث عن تجربة حياة بالغة الخصوصية والثراء والجمال مع أبي الثاني “محمد العلي”، وقسرتني على الحديث على علاقتي بهذا الأب، ولم تترك لي مجالاً للحديث الثقافي والجمالي مع منجزه، ولكنني وإن استجبت لدعوتك المغرية، فسأشير في هذه العجالة إلى إشارات أتمنى أن تتسع صفحاتك لها:

- إن محمد العلي، ثروة عقلية حوارية ومفكرة، ومشروع فكري و شعري ونقدي، لم تجد حيزها المناسب للعطاء.
- محمد العلي قامة شعرية تألقت في إبداع قصيدة العمود الشعري، ثم رأت بعد تأمل عميق أن شجرة العمود قد تم دفنها، وانبثقت منها أغصان جديدة، هي أغصان قصيدة “ التفعيلة” وما بعدها، فأبدع في كتابتها ليصوغ لنا نصاً آخر، أسس لأناقة التعبير، وشفافيته، والتباسه، بين تشظي المجاز، واكتنازه بجدلية لمعان المعنى وتعددية دلالاته، وليخط، بدون تقصّد منه، ملامح الحداثة الشعرية في بلادنا، و يغدو أباً حقيقياً لها !!
- إنه يمتلك مرتكزات بنية ثقافة عمودية وأفقية، فهو دارس لتخصص ديني، ولغوي، ومحتف بأجمل ما في ديوان العرب من قصيد، و ما في تراثه الأدبي من رصيد، وهو منفتح على ما في التيارات الأدبية والفكرية المعاصرة من أطروحات فكرية و نقدية بمعناها الواسع، مثلما يمتلك خصوصية المراجعة وإعادة النظر في كل القناعات، وفق منطق عقلاني وجدلي.
- محمد العلي متمكن من مفاتيح وضوح رؤاه حيال أي موضوع أو قضية ينبري لمقاربتها، ويبني على ذلك الوضوح منطقاً تحليلياً متماسكاً، لا تملك إلا أن تحترمه، حتى لو خالفته في منطلقاته أو في ما يتوصل إليه من نتائج.
-تتسم معظم مقالاته القصيرة ببذور نقدية ذات أفق مفتوح للحوار حولها، إلا أنه، ورغم امتلاكه لمنهج عقلاني تحليلي شديد الوضوح، يشفّ في الكثير من حواراته مع الآخرين، سواءً كانت شخصية أو حوارات يجري إعدادها للنشر في الصحافة، عن نزعة أيديولوجية دوقمائية... ولعل هذا ما دفع الأستاذ “ حسين بافقيه “ للإشارة إليه، في كتابته عن تجربة “ العلي “ الفكرية، في بحث نشرناه في مجلة “النص الجديد بعنوان “ الأيديولوجيا المرجأة “ حين أشار إلى جذور نزعته اليقينية، الناجمة عن مكوناته المعرفية الأولى، كرجل دين !!
-لكنه وبالرغم من كل هذه الممكنات ، وبما أعرفه عنه كلصيق بتجربته الثقافية والاجتماعية الطويلة، أجزم أنه واحد من أهم الشخصيات التي أعرفها، والتي تمضي بشجاعة قل نظيرها إلى مراجعة ما صدر عنها من رأي أو موقف، وتذهب بسفور نادر إلى تخطئته حين يبدو لها خطله أو تهافته .. وتلك سمة قل وجودها إلا لدى المثقفين الكبار أمثاله!!
وعليك يا هاشم أن تستحثني لاستكمال تفاصيل الورقة الطويلة!!

القشعمي يتذكر

هذا ما دونه الدميني عن العلي ولكن في ذاكرة الدميني الكثير.. الكثير الذي نرجو أن نراه قريباً مدوناً بشكل يليق بمرحلة جميلة من تجربة الإبداع والفكر في بلادنا.. ولكن قبل ان نطوي هذه الحلقة لا بد ان ننصت لذاكرتنا الوطنية أبو يعرب محمد القشعمي كي يروي بعضاً مما يعرفه عن العلي.. نقول بعضاً لأن أبا يعرب يعرف.. وعرف الكثير.. فاستمعوا له وهو يروي تفاصيل رحلة المغرب والمعرفة الأولى لعلاقة مديدة.عرفت أبا عادل من خلال مشاركتنا في الأسبوع الثقافي السعودي بالمغرب عام 1397هـ 1976م وقد شارك بصفته صحفياً، إذ كان رئيساً للقسم الثقافي بجريدة «اليوم»، فقد زرت زميلي وصديقي محمد العجيان رئيس تحرير الجريدة بالدمام وقتها، وكنت أعمل بمكتب رعاية الشباب بالاحساء وعرفني على الأستاذ محمد العلي وقال: بأنه سيذهب إلى المغرب مع وفد الأسبوع الثقافي.. وهكذا سافرنا معاً بوفد رسمي لايقل عن 150 فرداً فيهم المحاضر والشاعر والفنان والكاتب والإداري وأعضاء فرقة الفنون الشعبية.
نزلنا في فندق «هلتون الرباط» وتوثقت علاقتنا ببعض وأصبحنا مع الأستاذ علي الرابغي نتحرك سوياً في تنقلاتنا بين مدن المملكة المغربية «الرباط الدار البيضاء مراكش فاس طنجة».
في إحدى فعاليات الأسبوع كانت هناك أمسية شعرية في المركز الثقافي بالدار البيضاء وكان فارس الأمسية الشاعر الدكتور زاهر عواض الألمعي.
وبعد أن ألقى بعض القصائد أذكر منها قصيدة يمتدح فيها وكلاء الوزارات عند زيارتهم لبلدة «رجال ألمع» سئل عن الشعر الحديث بالمملكة ومذاهبه فاعتذر لعدم معرفته بتيارات الحداثة، فأنقذ الموقف مقدم الشاعر وكان وقتها الأستاذ المذيع منصور الخضيري قائلاً للسائل: إن هناك بين الحضور شاعراً وصحفياً سعودياً ملماً بما يتعلق بالموضوع فيمكن أن نستدعيه للصعود إلى المنصة ليشارك في الاجابة وليسمعكم شيئاً من شعره الحديث، وهكذا كان.
فبمجرد أن صعد بعد تردد إلى حيث يجلس الشاعر الألمعي أجاب على استحياء بما سئل عنه.. وألح عليه الحضور وبتشجيع من الخضيري أن يلقي بعض قصائده وأذكر منها قصيدة «لا ماء في الماء» وكذا «العيد في الخليج» ونماذج من أشعار تيار ما يسمى بشعراء الحداثة في المملكة وقتها.. مما أطال فترة الأمسية، وعند ختامها سرنا مشياً على الأقدام إلى فندق «حياة ريجنسي» فتبعنا مجموعة من الأدباء الشباب المغاربة وهم يتحاورون مع الأستاذ العلي ويناقشونه ويتبادلون معه العناوين.
بعد يومين وفي الحفل الغنائي الكبير الذي أقيم في مدينة مراكش.. كان من مقدمي البرامج كوكبة من المذيعين أذكر منهم د. عائض الردادي ومنصور الخضيري وعبدالعزيز شكري ومطلق مخلد الذيابي وغيرهم، يتبادلون تقديم الفقرات، وكان الجمهور يستقبل الفنانين بالتصفيق أحيانا والتصفير حيناً، وكانت اللهجة السعودية توقعهم بالاحراج أحياناً، إذ كان مفهوم بعض العبارات تعني شيئاً غير المقصود، والشيء الذي هز العلي واستفزه عندما صرخ أحد الحضور قائلاً: يعيش البترول وصفق له الجميع.
أستأذن محمد العلي المذيع لتقديم إحدى الفقرات فأذن له فوقف أمام المكرفون قائلاً:
أيها السادة.. وأنشد مطلع قصيدة تقول:

فلنتينا.. يا زهرة الفولغا
يا بعثة الأرض إلى الفضاء..
وأنت تعبرين الكون
في مركبة الهواء.
هل أبصرت عيناك شيئاً..
اسمه «الصحراء»؟!
كثبان رمل أحمر
يدعونه «الدهناء»..
غابات نخل..
اسمها «القطيف» و«الأحساء».
وبلدة ناعسة الجفنين..
اسمها «شقراء»..
تلك بلادي يا فلنتينا

قائلاً: هذا شعر لشاعر من بلادي اسمه سعد البواردي.. فصفق له الجميع.

***

قاسم حداد مستعيداً ملامح شخصيته :
العلي حافظ على رزانته وشفافيته ولم يتأثر بالزمن
أكثر المثقفين العرب وعياً للمعنى الاجتماعي للحداثة

كلما أوغلنا في الكتابة وصلنا الى مشارف الكشف، ولكننا نكتشف ان المشوار ما زال طويلاً والحقيقة غامضة والمدى بعيداً، والكتابة عن شاعر ومفكر بقيمة وقامة محمد العلي تشبه هذا المحو.. والكتابة.. اقتراب من الحقيقة حد التماس معها ولكنها تنفلت من يديك لأنك لاتستطيع ان تقبض عليها هكذا، وبهذه البساطة والسهولة مرة واحدة. وهنا وقبل ان ندلف الى محطة اخرى نستكمل رواية ذاكرتنا الوطنية ابو يعرب محمد القشعمي عن رحلة المغرب وذكرياته مع العلي.. وماذا حدث من تفاصيل واحداث بعد العودة حيث يقول: بعد عودتنا من المغرب كثر ترددي على الدمام فانتقل في هذه الاثناء الصديق محمد العجيان الذي كان رئيساً لتحرير جريدة اليوم الى الرياض وكلف الأستاذ العلي بالعمل رئيساً لتحرير الجريدة “اليوم” وتوثقت علاقتي به.. وفي نهاية عام 1397هـ اقيم معسكر عمل اجتماعي بالاحساء شارك به اكثر من مئة شاب يمثلون ثماني دول عربية ومجموعة من مختلف مناطق المملكة، وكان من ضمن البرامج انشطة ثقافية مختلفة منها ندوة ثقافية بعنوان “دور الشباب في بناء الوطن” شارك بها الاساتذة الدكتور خالد السيف عميد الطلبة والشؤون التعليمية بجامعة الملك فيصل ومحمد العلي رئيس تحرير جريدة “اليوم” ومنصور الخضيري مدير ادارة النشاط الاجتماعي والمعسكرات بالرئاسة.

واذكر ان الاستاذ منصور الخضيري اضافة لعمله بالرئاسة العامة لرعاية الشباب كان مذيعاً غير متفرغ بالاذاعة، مما شجعه من واقع خبرته ومعرفته به اثناء العمل على تسجيل لقاء اذاعي مشتملاً على مراحل حياته العلمية والعملية منذ طفولته بقرية العمران بالاحساء وحتى مغادرته لطلب العلم بالنجف بالعراق وحتى عودته مدرساً بثانوية الدمام، وبدايته مع الشعر والصحافة.. الخ وكان عنوان هذا البرنامج الاذاعي “مع المشاهير”.
بعد شهر او شهرين وبالتحديد في 18/1/1398هـ دعوته مرة اخرى للمشاركة في الموسم الثقافي للمكتب واستجاب لدعوتي مشكوراً حيث ألقى محاضرة ثقافية بعنوان “الحس الاجتماعي في الشعر العربي” وكانت اول محاضرة ثقافية في جامعة الملك فيصل بالأحساء، اذ كانت الجامعة حديثة عهد وكان مكتب رعاية الشباب لا يملك مكاناً فسيحاً يمكنه من اقامة انشطة جماهيرية به، مما جعله يستفيد من امكانية الجامعة، اذكر ان من بين حضور تلك الامسية “المحاضرة” الشاعر السوري علي دمر رحمه الله إذ كان مدرساً في احدى مدارس قرى الأحساء “الجفر”، وما أن بدأ النقاش بعد نهاية المحاضرة وتطرق الحديث إلى الشاعر المتنبي فأجاب العلي بجواب غير مرضٍ، مما جعل علي دمر يقول بصوت جهوري «عجيب» فلفت الأنظار.

انتقل عملي بعد أشهر إلى مكتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب بحائل، فدعوت الشاعر محمد العلي مرة أخرى ليشارك في النشاط الثقافي هناك فوافق، وبعد أيام وأثناء الإعداد للمحاضرة اتصلت به لتأكيد الدعوة فاعتذر، ومرة أخرى دعوته ليشارك بعض الشعراء أذكر منهم الشاعرين إبراهيم الدامغ وعلي الدميني ووضعت اسمه معهم ووزعت الدعوات ومع ذلك لم يحضر بالرغم من إلحاح بعض أبناء حائل على دعوته أذكر منهم الاخوة جار الله الحميد وحمود السلوة.

وفي السياقات اصبح ابو عادل رئيساً للتحرير، ولكنها المهمة التي لم تتوافق مع شخصيته ولم يتفق مع احتياجاتها، فلم يستمر سوى سنة ونصف عاد بها الى معقله الكتابي كاتباً وشاعراً ومفكراً.
ويصف الشاعر علي الدميني هذه الفترة لأنه عايش الكثير من تفاصيلها قائلاً: مبكراً كان العلي مرشحاً لرئاسة التحرير فأذكر انه بعد سفر الأستاذ خليل الفزيع الى قطر وتكليف الاستاذ الصويغ بمهام رئاسة التحرير ثم بعد ذلك رحيل الصويغ الى قطر كان يدور في اروقة الصحيفة ان محمد العلي هو رئيس التحرير القادم، ولكن المفاجأة كانت قدوم الاستاذ محمد العجيان، ولكن تجربتنا مع الاستاذ العجيان كانت رائعة وأذكر ان احلاماً كبيرة كانت تلوح من اجل تطوير العمل الصحفي خاصة بعد أن احبط قبل سنوات مشروع مجلة ثقافية باسم اصوات كانت مؤسسة اليوم تخطط لها.. وكدنا نصدرها ولكن تغير بعض الأشخاص في الهرم الاداري وبالتالي تغيرت بعض القناعات اوقف المشروع الذي تحول بعد ذلك الى ملحق ثقافي هو ملحق المربد الذي عملنا عليه انا والاستاذ جبر المليحان وبعض الزملاء بقوة من اجل ان يستمر.

المهم ان قدوم العلي الى رئاسة التحرير بعد عودة العجيان الى الرياض كان شيئاً متوقعاً الى حد ما خاصة بعد ان اجتمع بنا العجيان واخبرنا عن نيته بترشيح العلي لرئاسة تحرير الجريدة.. وقوبل قرار الترشيح بموافقة ودعم الجميع من هيئة التحرير.. ومن ادارة الجريدة.

وأعود مرة اخرى الى الأستاذ العلي وأسأله عما حدث فأجاب قائلاً: وجدت مساحة اكبر للتواصل مع من حولي وكانت الكتابة في جريدة اليوم.. والتواصل مع الاصدقاء.. ومن ثم التعاون مع الجريدة وتعمق العلاقات مع محيط الجريدة.. وجدت بديلاً مناسباً لممارسة دور تثقيفي تفاعلي.. ولهذا عندما رشحت لرئاسة التحرير وطلب اعادتي الى رئاسة التحرير استجبت لذلك، ولكن مع التجربة اكتشفت انني غير مؤهل لهذا الدور في ذلك الوقت وتلك الظروف.

هكذا بدأت رحلة رئاسة التحرير وهكذا انتهت ولكن بين البداية ونهاياتها تفاصيل كثيرة لا بد لنا ان نلتفت لها.. ولو بعد حين، ولكن قبل أن نتحاور مع هذه الجزئيات لابد لنا ان نلتفت الى جهة اخرى في شخصية أبي عادل.. سوف ندع الشاعر الكبير قاسم حداد يضيء بعض تفاصيلها.. فانصتوا الى ما يقوله قاسم:

1

سيذكرني بالشاعر الجواهري حيناً
وبالباحث حسين مروة حيناً
لكنه سيذهب الى مساءلة أدونيس غالباً.

2

في بدايات السبعينات (إن كنت أذكر جيداً)، سمعت عن اسمه مقترناً بشعور غامض من (الروزخون) ساعياً للتعرف على (حوزة) خارجة عن الطريق والطريقة. وليس صدفة أن تكون القطيف جهة ذلك المصدر الغامض. فثمة علاقة حميمة تضعني في مهب تلك القرية الصغيرة المزخرفة بمجاري الماء الكسول، بجانب شهوة العمل النشيط، وكائنات غضة، من شتى الأجيال، سوف تنتقل، مباشرة، بمحمول تجربتها الإنسانية، من خضرة الحقول الى غبار ورش العمل في الظهران ورأس تنورة وبقيق وخميس مشيط.
ومن بين تلك الكائنات، لن تستطيع تمييز الحدود بين أهل البحرين وأهل القطيف، دون أن يكون لهذا شرط اجتماعي بأي معنى.
وكانت لي حصة عائلية في ذلك السياق تروي طموح ذلك الفتى الذي كنته.
وظني أن (قطيف) ذلك الوقت لا تكاد تعرف محمد العلي بالمعنى الأدبي الذي تعرفنا عليه في البحرين، أو هكذا استحضر ذلك الحال الآن، وحتى عندما يتعلق الأمر بنزوع الاجتماعي ما هناك، فأن محمد العلي عاشق الأدب سنعرفه نحن أكثر هنا.
هل هذا شعور غامض، أو غريب، أو هو ضربٌ من المزاعم؟
لا أعرف.
ربما لأن محمد العلي كان متصلاً بالخارج العربي أكثر من صلته بالفجوة المحلية، والبحرين، ساعتها، لم تكن (خارجاً) إلا بالمعنى الأدبي، وهذا بالضبط ما كان يستهوي محمد العلي على ما أظن.
هل هذا صحيح؟
لا أعرف.

3

لا تسعفني ذاكرة مجهدة، كيف التقينا أول مرة في القطيف، فقد تعبت عن ذلك فعلاً، غير إنني أجزم أن لقاءاتنا كانت بالغة الندرة، لتقاعسي من جهة ولعزلته من جهة أخرى، غير أننا كنا على اتصال دائم على كل حال، اتصال يجعلني، كلما جلستُ إليه، أشعر كم هو قارئ مذهل لتجربتي، حتى أن أي شاعرٍ سوف يعتز بقارئٍ ناقدٍ صارمٍ مثل الأستاذ العلي.
لكن لقائي به، لحظة السبعينات، ترك لي انطباعاً (تقليديا) لم أتمكن من تفاديه، فالرصانة في تلك الساعة ليست من صفاتنا، فقد أخذ منا الحماس مأخذه. ماذا يمكنني أن أفهم من شخص يجلس على الأرض مقرفصاً متحدثاً في وضع الواعظ، في دكانة خياط العبايات (الذي كان في زيارته آنذاك، بشارع التجار بباب البحرين)، في (منامة) السبعينات الساخنة، ويتكلم بلغته الواثقة التي لا ينقصها الحنان، ما الذي سيجعل فتىً أرعن مثلي يصغي لصوتٍ متوارٍ، يتوجب عليك أن تجتهد لكي تلقطه.
لا يغضب، لا ينفعل، وليس لحواره صفة غير الشغف بالأدب، مع مسحة شفيفة من الحسّ الاجتماعي، فقد كان الواقع آنذاك سيعتبر نزوع محمد العلي، لحظتها، ضرباً من التجديف، لتلك المرحلة. فالأدب لم يزل مشدوداً لقرونه القديمة.
وها هو شخصٌ يأتي واثقاً مجازفاً، بما يشبه التقـيّـة، ليسهم في صقل الجسر الروحي بين كائنات مذعورة على كل صعيد، في الضفتين، مستبقاً فكرة الجسور التي تزخر بها الممرات الراهنة في ظهرانينا مثل جعجعة بلا طحين.

***

العلي في عيني سعدي والهاشمي:
رائد التجديد في الخليج والجزيرة العربية

ها نحن نصل في رصدنا لعوالم ومحطات حياة استاذنا محمد العلي الى مشارف النهايات، ولكن مصائر حياة العلي اعصى من أن تقتنصها كتابة واحدة مهما كانت رحبة، فما بالكم بكتابة ترتهن لحتمية اليومي والآني والمحفوف بشروط حادة لابد ان تلتزم قسرا بمساحاتها.. وسقوفها ولذلك نحاول ان نختزل اكبر قدر ممكن من المحطات، بما تتسع له المساحة هنا، تاركين ما تبقى وما تبقى كثير جدا لمشاريع قادمة. نبدأ هذه المرة برأي الشاعر العربي سعدي يوسف الذي اتصلت به في منفاه الانجليزي الاختياري وكان عائدا للتو من رحلة سريعة الى ادنبره واسأله بعد كلام كثير عن استاذنا العلي فرد بحماس بالغ قائلا: اعرف العلي جيدا، واقرأه باعجاب، واعتبره من النبلاء الذين تعبوا كثيرا على اطروحة التعبير، وقيمة الفرد، اما فنيا فإنني اعتبره رائد التجديد الشعري الاول في الخليج والجزيرة العربية، وبرغم من كل هذه العلائق التي تشدني اليه إلا أني لم ألتق به سوى مرة واحدة، ولكن الذي يثير الاعجاب حقا انه بالرغم من قامته وقيمته العالية في محيطه الابداعي إلا انه لم يتوقف عن التواصل مع كل الاجيال التي تلته حتى الاجيال الجديدة.
الى هنا ينتهي حوارنا مع سعدي وننطلق مرة اخرى مع الشاعر المبدع قاسم حداد مستكملين معه شهادته الابداعية الحارقة التي استمعنا لبعضها في الحلقة السابقة.. وننصت له حين يتجلى قائلا:
رأيت في محمد العلي في ذلك اللقاء السبعيني، شخصا محافظاً، متحفظاً، لم يتيسر لي فهمه بالوضوح اللازم، لكأنما كمونه الكثيف كان عصياً على فتى مثلي أن يدركه آن لحظة المنعطفات الصاخبة.
لقد كان واثقاً في حقه في الأدب،
وكان ينطوي على الأدب الجمّ، فهو لم يشعرنا أنه يكتب شعراً، في حين كنا نتخبط في ثقة لا بأس بها من تجاربنا الأولى.

لكنني لم استطع نسيان ذلك اللقاء.
أذكر أن علوي الهاشمي اتصل بي وقال ان محمد العلي في البحرين، ويرغب في لقائنا. دخل الحديث مباشرة. أدهشني أنه كان يتكلم عن تفاصيل نصوصنا، بحب ورغبة تحاكي شغفنا بالاكتشاف. تكلم عن أشياء كثيرة، كل شيء يهمنا تقريبا، والتجارب التي تبزغ في السعودية، لكنه لم يتكلم عن كتابته أبداً.
سرعان ما رأيت إلى محمد العلي بوصفه عاشقاً مخلصاً للأدب والشعر، هذا العشق الذي سيفرض عليه شروطاً ليست أقل من حياة المتصوفة، وظني أن شخصاً سيحب الأدب بهذا الشكل، لن يسمح لسطوة ما أو شرط ما أن يحولا دون هذا الولع.

فهو، عندما تيسرت له التجربة الباكرة، أحسنَ جيداً الاعتناء بمعطياتها، والاحتفاء بكرمها العميق. وحين أقول أنه يذكرني بالجواهري الشاعر، فهو التحق بحوزة النجف، فاعتنق الشعر، وحين أقول أنه يذكرني بحسين مروة، فهو أيضا قد درس ليكون عالماً يروّج للأجوبة الجاهزة، فاستنفر لكي ينحاز إلى الأسئلة وإعادة إنتاجها. وحين أقول أنه يذكرني غالبا بأدونيس، فإنما لكي أشير إلى نزوعه الرصين نحو التحديث الفني في الكتابة والأدب والشكّ في المستقرات وثبات الفن، دون أن يكون هذا حكم قيمة مسبقة على نصوصه، فهو الذي لم يزهد بشيء مثل زهده في توصيف ما يكتب من شعر. وهذا بالضبط ما يتصل بما أقوله في الكلام عن الحداثة، بأن الحداثة ليست نصوصاً ولكنها طريقة نظر وأسلوب حياة وضرب من الأخلاق الجديدة في التعامل مع قضايا الكون. وظني أن محمد العلي هو من بين أكثر المثقفين العرب وعياً للمعنى الاجتماعي للحداثة، وربما في هذه الحقيقة ستكمن دائماً محنة تجربتنا الحضارية.

وسوف أشعر طوال سنوات معرفتي بمحمد العلي، (على الندرة المتناهية لمرات لقائنا الشخصي)، بأنه الميزان الذي ظل محافظاً على رزانته وصرامته وشفافيته في آن واحد، دون أن يؤثر به الزمن، إلا في المزيد من قناعته بأن المستقبل هو ما يتوجب علينا الذهاب إليه. وهذه حكمة ليس سهلا التشبث بها في المجتمع الذي يعيشه محمد العلي والمثقفون من حوله.
غير أنه سيظل محمد العلي دائماً. بعد التجارب الكثيرة التي ستتأملها الأجيال التالية في مجتمع محمد العلي، باعتبارها الدرس المبكر للذهاب الواثق نحو الحقيقة الفكرية والحق في حرية الأدب، كما لو أن الإيمان بحق الحرية في التعبير الفني هو الطريق الملكية لصقل الذهاب الكوني نحو الحرية في المجالات الأخرى.
وحين يكتسب محمد العلي محبة الأجيال الجديدة، فإنما هو يقدم النموذج البسيط لعمق الصنيع الإنساني جوهراً للفعل والنص الأدبيين، فهو يصعّد احترام الشباب له الى مرتبة الفوج الشامل الذي يليق بالذهاب الجماعي إلى المستقبل، دون أن يفرّط في ذلك ولا يتأخر عن ذلك، وليس في ذلك فضلٌ على مواقفه اليانعة التي لا ترتجي المصالح الشخصية ولا تسعى إليها.

وهنا سوف أرى الجذر الجوهري لمثل هذه الأخلاقية الجميلة، مؤمناً، مرة تلو المرة، كم أن التجربة هي من بين أكثر العناصر صقلاً للأخلاق النبيلة في الشخص.

الى هنا ينتهي ولا ينتهي بوح قاسم ولكنه على أي حال يفتح الفضاء على اقصاه لمزيد من التداعي والبوح وتوالي التفاصيل، ولا ستكناه ملامح هذه المرحلة نذهب الى الدكتور علوي الهاشمي ليكمل أو يستكمل ما بدأه قاسم فحدثني قائلا:
عرفت ابا عادل منذ منتصف الستينات حينما كان يزور اقاربه في البحرين، ولأنه لي من بين هؤلاء اصدقاء اتردد عليهم تعرفت على محمد العلي وكنا نتبادل قراءة الشعر كلما التقينا، ونظرا لاعجابي الشديد بلغته الشعرية التي كانت متقدمة في ذلك الوقت عن كل ما نقرأه ونسمعه والتي كانت بالنسبة لي اكتشافا، عملت على تسجيل وكتابة كل ما يقرأه من قصائد واشعار وصرت بعد ذلك اجمع كل ما اعثر عليه من شعره المنثور بين الفينه والاخرى في الجرائد السعودية والخليجية.
ثم بعد ذلك صرت انشر له عندما تسلمت الاشراف على بعض الصفحات الثقافية عندنا في البحرين.
كنت شديد الاعجاب به وكان بالنسبة لي يمثل في تلك المرحلة اكتشافا شعريا ثمينا مرددا في أمر تقييمه النقدي عندما اسأل عنه بأنه أهم شاعر في منطقة الجزيرة والخليج العربي في ذلك الوقت وانه لو عرف معرفة الخليج والوطن العربي ببدر شاكر السياب لكان في نظري أكثر تأثيرا من السياب نفسه وانا حملت عنه هذه الرؤية النقدية الى هذه الساعة وانا مؤمن بها.

ويضيف مسترسلا الدكتور الهاشمي:

ثم مر زمن طويل قبل أن اكتب قبل عدة سنوات كتابات طويلة في جريدة الرياض عما اسميتهم شعراء الظل في المملكة وكنت ارى العلي في مقدمتهم وشعراء الظل هؤلاء هم الشعراء الذين ينأون عن الشهرة وعن طبع اشعارهم بين دفتي ديوان يقدمون من خلاله انفسهم للقراء العرب. وعندما سألته بعد ان تجمع لدي ملف ضخم يحتوي على الكثير من قصائد ساهمت به في المشروع الذي تبنته ابنته هدى حول ديوان يشتمل على كل اشعاره.. ولم ير النور.

لماذا لم تطبع ديوانك؟
- قال عندما اموت افعلوا ما تريدون.

إذن هو يصر على ان يكون في الظل الاعلامي، وبذلك يكون ابا لهذه الظاهرة، ظاهرة شعراء الظل، ومؤسسا لصفاتها وسماتها.. وقد طورت هذه الكتابات لتصدر في كتاب يحلل هذه الظاهرة بشكل موسع.
ويستطرد الهاشمي في الحديث عن العلي قائلا: ومحمد العلي لولا هذا الاعتكاف لكان واحدا من اشهر شعراء العربية في العصر الحديث خاصة وانه يتطور دائما في تجربته الشعرية التي مرت على كل المراحل، فمن الشعر الديني القوي في بنيته الى القصيدة العاطفية.. الى النص الرمزي.. ومن العمودية الى التفعيلة، الى النص الحداثي في بنائه ولغته وصوره وايقاعه.. ولايتوقف تميز العلي عند الشعر وعوالم القصيدة بل يمتد الى نثره فهو يتميز بامكانات نثرية هائلة، نثرية لاتقل عن شعريته فهي متينة، عميقة تتميز بالحكمة والعمق والاتكاء على الصورة، والالمامة القوية.

ان هذا الشاعر بشعره ونثره وبفكره النظري اضافة الى ما صدره من مقالات او وقفات نقدية يكاد يكون تجربة فريدة ومتميزة بين كتاب ومبدعي الخليج والجزيرة العربية.
ويختم الهاشمي حديثة او شهادته قائلا: واظن انه آن الأوان بأن يحتفى بهذا الشاعر وبالرغم من انفه لاننا لو تركنا المسائل لابي عادل لما نشر شيئا.. ولعل تواضعه شعرية اخرى لايتسم بها اكثر الشعراء ويتسم بها شخص الشاعر العلي دون شعره فشعره فيه علو وكبرياء باللغة والصورة والبناء بعكس شخصه المتواضع القريب من النفس.

****

قصائد العلي يحتويها ديوان «آه.. متى أتغزل»
جميع مقالاته ستصدر في سلسلة «كلمات مائية»
بعد 40 عاماً من الانتظار

هكذا وصلنا للنهاية أو المحطة الأخيرة من كتابتنا عن الشاعر والمفكر الكبير محمد عبدالله العلي، حاولنا، وحاولنا، وحاولنا أن نرصد بعضاً من مسيرته واشتاتاً من سيرته ولكن لأنه أرحب من الكتابة فاض عن الحد، وصار صعباً ومستحيلاً ان نلم بكل شيء.. ولكن هذا ما استطعنا اعداده للنشر أما ما تبقى فهو كثير وجزيل.. ووافر.. وربما تتاح لنا في كتابة قادمة استكمال ما تبقى.وندع سرد التفاصيل الأخرى لزمان آخر، وحالة مختلفة.. ولكننا نعود هنا الى المحطات الأساسية.. وبالتالي نتتبع مسيرة العلي..

نبدأ هنا من آخر محطة ألا وهي مدرسة ثانوية الدمام التي حل بها مدرساً في عام 1965م.. ولكنه لم يستمر بالتعليم طويلاً إذ صدر بعد ثلاث سنوات قرار نقله إلى إدارة التعليم وهنا سألته، لماذا، هل مللت من دور المعلم متذكراً مقولته في اثنينية الخوجة حيث قال معلقاً أو راداً على أحد الأسئلة: (من الأفكار الجاحظية العشوائية، هو حملته على المعلمين.. المعلم بالنسبة للجاحظ يساوي الأبله، ويتعجب الجاحظ ان يبقى يدرس عشرين عاماً ولا يجن، هذه فكرة جاحظية، فكرة يناصرها كثير من الناس وهو ان التدريس باعتباره يدور في دائرة واحدة يجعل التكرار أليفاً عند الإنسان، والإنسان إذا كرر نفسه مات فكرياً.. لكنني ضد الجاحظ لا أؤمن بهذه الجوانب، فالمعلم الذي يستحيل الى مسجل تنطبق عليه مقولة الجاحظ، لكن من يريد أن يجدد نفسه ويحمل الأمانة تلاميذه، يبصرهم بحياتهم وأن يفجر قدراتهم، فهذا المعلم يجدد نفسه والآخرين، يهب الحياة للآخرين.. الحياة الفكرية، ومثل هذا المعلم موجود ولكنه قليل نادر.

مرحلة التعليم مرحلة استفادة كبرى، وقد ودعت حقل التعليم كما يودع الشاعر بيت حبيبته، ودعته باكياً كما قال الشاعر:

ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وإني لا أودعه

هكذا كانت إجابة العلي في ليلة تكريمه ولكن أجابني باختصار:
- لم أمل من التعليم ولكن يبدو أن ما أقوم به من نشاطات لاصفية كان يضايق البعض، خاصة انني كنت محبوباً من تلاميذي مما استدعى نقلي أو بمعنى أدق (ركلي الى الأمام أو الأعلى) فعينت بعد ثلاث سنوات مسؤولاً عن الاختبارات بإدارة التعليم بالدمام.

العلي رئيساً للتحرير

استمرت تجربة العلي في الدمام معلماً وبعد ذلك مسؤولاً عن الاختبارات حوالى الـ17 عاماً تقريباً، وسيلاحظ أو لاحظ القارئ أننا أكثرنا من حوالى وتقريباً، وذلك لأن لأستاذنا العلي يذوب الزمن ولا يُعنى بالتواريخ كثيراً، ولا يحفل بالتوثيق لدرجة انك قد لا تجد مسودة قصيدته أو مقالته التي كتبها البارحة، المهم ان العلي من عام 1965م الى عام 1982م كان على ملاك وزارة المعارف سوى سنتين إلا قليلاً أوكلت اليه خلالهما مهام رئاسة تحرير صحيفة اليوم الأثيرة لديه منذ الكتابة الأولى.

في هذه السنوات لم يكن أستاذنا ابو عادل حاضراً فقط، بل كان متوهجاً اذ كتب رائعته (لا ماء في الماء) عام 1975 وكتب قبلها الكثير ولكنه توقف عن النشر من عام 1976 حتى عام 1982م توقف عن نشر قصائده أو ربما لم يكتب أبداً وتفرغ لعمله، وللقراءة، ولكتابة مقالاته الرائعة.. اضافة الى تواصله المتوهج في المنطقة الشرقية آنذاك اضافة الى بعض المشاركات الأدبية والفكرية.

هكذا كان استاذنا العلي حاضراً، ومتوهجاً يكرس الوعي في أبهى صوره، والابداع في حالته القصوى لكنه ظل بلا عمل منذ 82-85، وفي عام 1986 عيّن مشرفاً تربوياً في الهيئة الملكية بالجبيل.. واستمر في هذا العمل حتى عام 1993-1414هـ حيث استراح المحارب.. المعلم.. وتفرغ للكتابة.. وللإبداع.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: متى نرى العلي على الورق فبعد أن استمعنا الى شعره وأفكاره، وبعد أن جمع له الخاقاني وشاكر النابلسي وأخيراً الجهد الهائل لعزيزة فتح الله.. كيف نرى العلي كما يريد، اطرح عليه هذا السؤال فيرد (فرجت اخيراً سيصدر ديواني بعد ان اجتهد بعض الأحبة في جمعه.. كما ان مقالاتي سوف تصدر تباعاً في سلسلة اصدارات).
التقط من أبي عادل هذه المعلومة وأعرف ان الأستاذ محمد الشقاف أحد أبناء العمران الشغوفين بالعلي بالإضافة الى بعض أصدقائه ومحبي العلي قرروا رصد إنتاجه وقد وصلوا في ذلك الى مراحل متقدمة:

منذ أكثر من عقدين من الزمن وأنا أقرأ للأديب الكبير الأستاذ محمد العلي ما يكتبه شعراً ونثراً في جميع زواياه المختلفة وأتقصى كل شاردة وواردة له، حتى فكرت أن ألتقي به شخصياً وكنت متردداً في ذلك لأنه كان يعيش في عزلة (معرية)، حتى عزمت واتصلت به هاتفياً بطلب لقائه فوجدت منه ترحيباً لا ينم إلا عن كرمه الأحسائي الأصيل وتم الترتيب لذلك وفعلاً قابلته مع وفد من الشباب حيث كان على رأس الوفد الأستاذ الباحث أخي محمد الغنام (ابو طالب) وعملت معه لقاء شبه صحفي وتعرفت عليه أكثر عن قرب فسألته هل لك ديوان يضم شعرك أو كتاب يضم ما تكتب أجابني بـ(لا)، وقال انه ليس مهتماً بذلك فهو يكتب المقال ويرميه لايحتفظ به والشعر كذلك، ففكرت أن أقوم بجمع مقالاته التي يكتبها وأضمها في كتاب حتى لايضيع هذا الثراء الفكري والأدبي وأن لايكون حبيس الأراشيف ورهين الخزائن وان تلفه المستودعات بغبارها والأيام بنسيانها حيث قمت أنا وزميلي الأستاذ (حمزة الحمود) بجمع ما يقارب 300 مقال وكان هذا بعد إلحاح وإصرار شديدين مني على الأستاذ العلي حتى وافق على ذلك حيث كان زاهداً في مثل هذا الأمر، وبقي أن اختار العنوان للكتاب فرجعت له على ان يختار عنواناً للكتاب فاختار عنوان (كلمات مائية) للكتاب حيث أن هذا عنوان لزاوية كان يكتب فيها بجريدة اليوم. وعزمت عزماً أكيداً حتى اتفقت مع (دار الانتشار العربي) ببيروت بطبع (2000) نسخة كطبعة أولى والآن الكتاب يضم (575) صفحة وهو في مراحله المتقدمة من الطبع وسوف يرى النور قريباً.

وأخذت هذه الرحلة مع (العلي) أكثر من سنة ونصف السنة حتى مل من إلحاحي وزيارتي وأقنعته بذلك وتبدأ معاناة أخرى وهي جمع (ديوان) يضم قصائده القديم منها والحديث. وفعلاً بدأ بالحديث معه على ان اجمع له شعره في ديوان وأخذ بالتسويف معي ويؤجل الحديث معي الى وقت آخر وكأني أريد أن استل منه سره المجهول وطلبت منه ما عنده من قصائد وقال لي: ان معظم قصائدي في لبنان سوف احضرها لك حينما اسافر وانتظرت 6 أشهر وسافر ولم يحضر لي أي شيء وحينما سألته قال: اني نسيت. شعرت انه لا يرغب في جمع ديوان لشعره حتى قلت له سوف أجمع قصائدك وأصدر لك ديواناً حتى لو لم توافق على ذلك فعزمت على ان أجمع شعره المتناثر انا ومعي الأستاذ حمزة الحمود، وأخذنا بالبحث والتحري عن كل قصيدة له وجمعنا ما يقارب 76 قصيدة من القديم والحديث وتم جمعها من لبنان وسوريا والعراق، وبعضها عثرنا عليها داخل المملكة ولم يعطنا (العلي) قصيدة واحدة. وكنت أسأل كل من له اهتمامات ادبية عن أي قصيدة أو بيت من قصيدة تخص الأديب (العلي) وفعلاً جمعت 76 قصيدة بعضها اخذتها من تسجيلات صوتية له طاف عليها زمن طويل وطلبت منه عنواناً للديوان فاختار عنوان (آه.. متى أتغزل) وهذا عنوان لقصيدة له وكتب مقدمة الديوان الشيخ الأديب (يحيى الراضي) والديوان الآن قيد الطبع، وسوف يطبع على نفقة النادي الأدبي بالشرقية، وأنا أشكر لهم ذلك وعلى رأسهم رئيس النادي (جبير المليحان).

عكاظ
25/6/2008م