n07171701.jpg

كتابة وحوار:أسعد الجبوري

 

ما ان تدَلّتْ فوق رؤوسنا ساعةٌ ضخمةٌ من شق سماوي في ذلك اليوم ،حتى انفتح بابُ بالمصعد الأوتوماتكي أمامنا،وانطلقنا بحثاً عن ذلك المكان الموجود على خارطة غوغل المطبوعة بالذاكرة منذ قرون من زمن الشعراء الذين أدمنوا الغِيَاب  .

كان علينا أن نقطع الطريق باتجاه البحيرات الموسيقية التي تحتلُ مساحات عظيمة من جغرافية المكان والنفس على حد سواء.كنا منهمكين بترتيب أفكار الحوار الذي نريد إجراؤه مع شاعر شهير فرض قيمه العشقية على ملايين البشر من سكان الأرض .

لذلك ..وبمجرد وصولنا إلى مكان إقامة الشاعر الأفغاني مولانا جلال الدين الرومي،حتى خرجتْ علينا مجموعةُ غلمانٍ،وهم يحملون بأيديهم البشاكير وسال الفاكهة والكؤوس الممتلئة بأنواع الخمور ،وهم يتغنون على وقع موسيقى غريبة استثنائية ،وبلغة غير معروفة عندنا أصلاً .

أصابنا الذهول أمام المشهد.لكن ذلك لم يدم طويلاً ،بعدما  تقدمت منا سيدةٌ أنيقة برفق حيوانها الضخم المٌسمى بـ (( تاتا روش)) لتأخذ بأيدينا إلى موعدنا مع مولانا جلال الدين، بعد أن بات قاب قوسين أو أدنى .توقعنا ذلك،وفشلنا في التوقع.فمولانا جلال لم يكن موجوداً.أخبرتنا المرأةُ بذلك مترجية أن ننتظره هنا ،ريثما يعود من مؤسسة (العشق والعاشقين) التي أسسها هنا،والتي تختصُّ بتنقية معادن العاشقين داخل مختبره اللغوي الخاص في السموات.

وفيما كانت السكرتيرةُ تقدم لنا الشروح عن تلك المملكة ،حتى أطل علينا مولانا جلال بقامته النحيلة ووجهه الشاحب ليعتذر عن التأخر  .صافحناه وجلسنا على تلك الأريكة التي يحيط بها الغلمان ،فيما جلست سكرتيرته وراء الآلة الكاتبة لتقوم بطباعة هذا الحوار الذي افتتحناه بالسؤال التالي:

 

■  هل كانت الطريق من الأرض إلى السموات طويلةً أم موحشةً مولانا جلال الدين ؟

_ ما كانت رحلتي موحشةً بطولها أبداً.لأنني أحسستُ منذ طفولتي، أن قدمَ العارفِ، لا تجدُ وحشةً بالمشي على تراب المعرفة ،ولا  الاستغراق بطميها الطيب.فكيف إذا كان المرءُ مجنحاً ويطيرُ ؟

■ وماذا تعلمتَ من المعرفة غير الأشواق؟

­_ دخلتُ حاضناتها،لأدرسَ النارَ المبثوثة في ثيابِ الكلمات.فكان عندي لكلّ كلمة ظلاً يفيضُ بنفسي ويستفيضُ بحريق يغاير نارَ الكلمة الأخرى. 

■ أنتَ يا مولانا تتحدثُ وكأنك في محطة وقود .هل في اللغات آبار للغاز أو للنفطِ  كما تظنُ؟

_ أنا لا اشكُ بتكاثر المناجم في اللغات.والمنجمُ الذي لا تقودُ فلزاتهُ للاشتعال بنورٍ ما ،لا يبثُ اللهُ حياةً فيه ليدوم.

■ والكلماتُ التي تتصادمُ بالأخرى،ولا ينتج عنها ناراً،أتكون خارج السياق يا مولانا ؟

_ النارُ التي لا تصقلُ العقلَ،ولا تطهرُ القلوب من الصدأ،هي نارٌ سوداء.

■ تقصدُ أنها نارٌ من فئة الظلام؟

_ أجل.وهي كذلك.فما من ظلامٍ،إلا وبهِ نيرانٌ حارقةٌ يتكاملُ احتراقُها ذاتياً ليَدومَ أكثر.فأناسُ العتمةِ، عادةً ما يعتمدون على النيران السوداء التي تغطي أميتهم بالدخان ،دفاعاً عن الفضيحة التي ربما يخشونها ولو مؤقتاً.

■ أهكذا تستذكرُ طفولتكَ محاطةً بذلك الدخان في مدينة ((بلخ )) الأفغانية ؟

أم أنكَ أدركتَ الفارق ما بين تربيتكَ في ((المدرسة المستنصرية ))في بغداد وما بين مدارس ((قونية)) في عهد دولة السلاجقة الأتراك، فعرفتَ الفرقَ ما بين ثقافة الطرفين فقهاً وعلوماً وشعراَ وعشقاً ؟

_ لم تكنْ مستنصريةُ بغداد ماركسيةً بالقدر الافتراضي مع حاضر هذا الزمان.ولا مدارس السلاجقة تمثل اليمن الرجعي المتطرف.ولكنني وجدتُ حجراً كريماً أحتكُ به،وأتحكمُ بما ينتجهُ من طاقات في جسدي ، لأقوم بتوزيعها على أيامي وعلى تلامذتي من المريدين والأتباع. 

■ كيف تنجو خلايا الجسدِ من طاقة الزمن مولانا جلال؟

_ كلاهما يشتركان بإبادة نفسه بنفسه.وإياكَ أن تعتقدَ بأن الزمنَ وحدةٌ متكاملةٌ لا تموتُ .

■ تعني أن للزمنِ أجساداً يمضي بها الموت إلى العدم مثلها مثل المخلوقات الحيّة .

_ بالضبط. فما من وقت يَدومُ.نهارُ الوقتِ،هو غير وقتِ الليل.النهارُ يعدمُ خلايا الليل،مثلما يفعل الليلُ ذلك بخلايا النهار.كلاهما مقبرةٌ للآخر.

■ وهل يحدثُ هذا التشابكُ الزمني في حياة العاشق أيضاً ؟

_ زمنُ العاشق خاصٌ .

■ أهو زمنٌ باطني على ما يعتقدُ مولانا ؟

_ ما أن تبحثَ في باطن العاشق على شئ،إلا وتجدهُ كشمسٍ محترقةٍ .

■ كيف يكون ذلك يا مولانا ؟!

_ ذلك أمرٌ غامضٌ كما تدلّ الوقائعُ السيكولوجية .فالشمسُ المحترقة في الداخل الشعري، قيمةٌ إضافيةٌ ،عادةً ما يولّدها الانحرافُ الشعري ،عندما يجعلُ المُحِبُ قلبهُ برجَ نارٍ ،تتناهبهُ رياحُ المحبوب .

■ وكيف يتخلصُ الاثنان من الاحتراق برأي مولانا؟

_ اللغةُ التي لا تُحرِقُ ،عادةً ما تكون بلا ضمير .

■ وكيف يدخلُ مولانا جلال اللغةَ، ومن أي باب ؟

_ من باب النفس الأمارَة بالسّوء.

■ لماذا ذلك الباب بالضبط يا مولانا جلال؟!!

_ لأنه الباب الذي لا يُفتح لكَ من بعدهِ بابٌ .

■ وكم رأيتَ في الدنيا القديمة من أبواب ؟

_ بابَ الحبّ وحدهُ .

■ وكيف يكون للأرض بابٌ واحدٌ ،فيما نحن أكوامُ شعوبٍ وقارات وخرائط وطقوس وآداب وتقاليد وديانات؟!!

_ ثمة مرضٌ واحدٌ لا رجعةَ عنهُ،هو ما يجعل شعوب الأرض واقفةً على باب واحدٍ ،يُسمى باب المراد أو باب المحبوب.

■ وأنت يا مولانا .كم من الأبواب طَرَقتَ لتصلَ إلى لذّتكَ ؟

_ عن أية لذّة تتحدثُ أنتَ :عن لذّةِ اللحمِ أم لذّة الورق ؟

■ أنا سألتُ عن الربّ ، وأي زرعٍ لهُ فيكَ يا مولانا ؟ 

_وأنا ما زلتُ منتشيّاً بدوري كبحّارِ على سطحِ سفينةٍ تبحثُ عن فنار الوجود.

■ وما الفرقُ ما بين تربةِ الماء وتراب الأرض ؟

_ فارق الصوت فقط.

■ كيف تفسرُ لنا ذلك ؟!!

_ أقصدُ أن صوتَ الريح على الماء،هو غير صوتها على الرمال.والأعظمُ من هذا وذاك،أن تصبح الروحُ خليطاً لكلّ تلك الأصوات وتناغماتها الحارسة للجماليات.

■ وعلى أية سلالّم تصعدُ الأرواحُ ،لتبلغَ جوهرها عند الله؟

_ الدهرُ سلالّمٌ .وكل قَرْن من الزمانِ ،درجةٌ تفتحُ أمام العابر المُريد باب الصعود إلى هناك.

■ أهو طريقُ الصوفية إلى مراتب العلى كما يظنُ مولانا ؟

_ أن يتصوّف المرءُ شئ،وأن يكون صوفياً شئ آخر.فالتصوف صوفٌ للدفء عند البعض.أي أن يستغرق ذاك الفردُ أو هذا بعزل البدنِ عن البرد .فيما هي عند الآخر لعبةٌ مُقتَرحةٌ من ألعاب الأديان الروحانية .أعني أن الانتساب للصوفية ، يحررُ جسدَ الصوفي من الارتباطات المثقلة بالواجبات المذهبية ،فيمنحُ الراحةَ للنفس بفك ارتباطها من الالتزامات القهرية للشرائع الدنيوية التي سُجلتْ على أقوام الأرض بالإجبار كفروض .

■ أترى الصوفية يا مولانا نوعاً من السيرك أو مَلعب شعبي .مسرح مستدير تجري فيه تمارين فروسية وترويض حيوانات وتوازن وغير ذلك .سيرك جَوّال،كما جاء ذلك في القواميس  ؟!!

_ الصوفيةُ مراهقةٌ خاصةٌ بالكبار فقط. 

■ مراهقةٌ ماذا يا مولانا جلال؟!!

_ مراهقة ثقيلةٌ .أجل. فما التعلقُ بالله عند المتصوفة، إلا مراهقةً تبدأ من نقطة الارتكاز ، ثم تصبحُ مكابدةً إلى حين موعد طيران الأرواح بالوهَم من الأجساد. 

■ أتلك هي وحدها كنوزُ الصوفية ؟

_ ما من كنزٍ أعظم من الحبّ،وقتما يتحركُ الزيت في الآخر،ويُشْعِلهُ.

■ تقصدُ الرقصَ الصوفي وصولاً لذّرْوَةٍ ،أعلى مراتبُها الغيبوبةُ ؟

_ في كلّ حركةٍ دائريةٍ ،نشوةٌ للجسد.وقد لا تُميطُ  الأبدانُ اللّثام عن شهواتها إلا بالاندماج .فهذا الأخيرُ هو المجرى لتفجير كلُّ ما يرغبُ به المخلوقُ من خالقهِ .ولا تظننّ أن مخلوقاً من الدراويش له قدرة الاندماج مع المطلق الكوني.أبداً.

■ ولكنْ.أليست الشهوةُ عند الصوفي دنسٌ مُستأصلٌ ،أو قابلٌ للاستئصال حتماً ؟

_ أبداً.فكلّ استئصال لنعمة من نعم الربّ خطيئةٌ.

■ قد يكون هذا الرأي مفيداً في الجانب الشعري من الدنيا،إلا أنه تعارضٌ مع الديني كما تفيدُ النصوصُّ.أليس كذلك يا مولانا؟

_ الشهوةُ فئةٌ من أقوى مجموعات البَدَن.وهي غير خارجةٍ على حزبٍ أو جماعةٍ أو تيارٍ أو ديانةٍ تعيشُ في خارجه ،لأنها معطى إلهي .وهي كما آلة الفرنهايت، مقياسٌ لحرارةِ إيمانِ النّفْسِ بالنّفْس ذاتها،وكذلك بالتَنّفُس الميكانيكي لمختلف الحواسّ.

■ وما ذاك التَنّفُسُ الميكانيكي للشهوات مولانا؟!!

_ هو أن لا يحول إيمانُ المرء بشئ ما ،دون تَنّفس الشهوة،أو إغلاق الأبواب والنوافذ عليها،وصولاً إلى مرحلة خنقها .فالجسدُ المُغلقُ،شبيهٌ بغرفةِ الإعدام بالغاز.

■ ما الذي أخذتهُ من والدك محمد بهاء الدين ذلك الشيخ الملقب بـ (سلطان العارفين) ؟

_ تعلمتُ أن الخطيئةَ مفتاحُ العقل.

■ وبرأي مولانا جلال الدين الرومي، كم من العقول يسكنُ في رأس الصوفي ؟

_ لم أر رأساً لأحدٍ منهم، لأعَدَّ العقولَ التي يمكن أن تكون تحت سقف القحف هناك .

■ وهل كنتَ بلا عقل يا مولانا ؟

_ أنا كنتُ بعقلين اثنين في رأس واحد،وتركتهما معاً.رميتُ الأول على باب الله خوفاً.وتخليتُ عن الثاني لصالح العشق ،تيماً بالمحبوبِ، وتيمناً بمُحَرّك الشهوات في الأفئدة.

■ ولكنك صانعُ ((المولوية )) ومؤسسُ قوانينها .أكذلك هي من تمارين الرياضة وتحت حساب ألعاب الأولمبياد الطائفي ؟

_ عندما اخترعتُ تلك اللعبةَ رياضياً ،سرعان ما أدركتُ إنها درجٌ موسيقي سرعان ما ينهارُ بصَاعِدهِ، فيحطمهُ.لقد خشيتُ على ضميري من تراكم الذنوب التي تُعلقها ((المولويات)) بعنقي،فتثقلني الشرورُ وأسقطُ روحاً وتاريخاً ،دون أن يجدَ الغفرانُ طريقاً إلىّ.

■ ولكنكَ كاتبُ أغاني تلك الطريقة في الرقص. فقصائدُ ((مثنوي)) و((ديوان الكبير)) كانت سنداً للمولوية التي تضعُ قدمَ المتصوفِ على نقطةِ ارتكازِ الكون،فيَدورُ وتَدور به حباً وتسامحاً وانتشاءً !

هل فعلتَ كلّ ذلك دون إيمان ؟؟

_ أنا فتحتُ للجهالةِ مدرسةً للحَبس. فعلتُ ذلك لحظةَ عجزِ المعرفةِ عن احتواء طاقات الجهل ،وكذلك صعوبة إعادة إنتاجهم من جديد.فكان لزاماً أن أُبلي الدراويش بالأزياء والقلنسوات والدفوف والأصوات والطبول ،ليدوروا حول أنفسهم تقرباً إلى الله،وسقوطاً بحضن وارث الأكوان الأعظم كما يعتقدون ذلك عبثاً. 

■ إذا كان الأمر كوميديا ،فكيف تفسرُ ما قالهُ شيخ الملحدين ابن سينا عن رقصة (المولوية) : : “لقد هبطت النفس إلى هذا العالم وسكنت الجسد، فلابد أن تحن وتضطرب وتخلع عنها سلطان البدن، وتنسلخ عن الدنيا لتصعد إلى العالم الأعلى وتعرج إلى المحل الأرفع. حيث يعتبر البدن شـرًّا؛ لأنه (مـادي كثيـف)، وتحرر الإنسان من شهوات البدن ليس عنده إلا سعيًا للنفس إلى الفكاك من إسارها بعد أن غشيها البدن بكثافته”. ؟!!

_ كان ابن سينا عالماً،ولم يتعامل مع أولئك الدراويش إلا كطبيب في حفلٍ لمرضى يئست الثقافاتُ والمعارف على دمجهم بشرايين الحياة .ولكن لا تنسى علماء آخرين ،رفضوا المولوية الصوفية كالإمام الصنعاني الذي عارض رقصها بقوله((وأما الرقص والتصفيق فشأن أهل الفسق والخلاعة لا شأن من يحب الله ويخشاه”. والإمام القرطبي عارضها أيضًا مستعينًا بسورة لقمان لتحريمها “وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ”. “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )).

■ أليس كلّ ممتلئ بعِلمٍ راسخٌ برأي مولانا ؟

_ إلا في علوم الجنون.فأنها أعلى مراتب العقل .

■وما نسبة الجنون عند جماعات المولوية، السُّهْرَوَردية، الشاذلية، الكُبْروية، النقشبندية، الرفاعية، القادرية، الخلوتية برأي مولانا ؟

_ كما أدركُ عن كثَب،فأن الجنون ما كان يوماً كوميدياً .لكن شيئاً منه،وهو الجنونُ الأبيض المُفَرّغ من محفظة تبادل المعلومات ما بين خليقةٍ وخالق،قد غطي تلك الجماعات كلها. ولا ثقة لله بمثل ذلك الجنون الفارغ.

■ ألا ترى معي ،بأن تلك الجماعات الصوفية من طين جاهلي،سرعان ما نفخ السلاطين العثمانيين النيران فيها ،فأصبحوا فِرَقاً ومؤسَّسات بقبضة الدولة العثمانية حتى عام 1925 الذي صفى فيه كمال أتاتورك كل تلك الطرق الصوفية ،تخلصاً منها ومن رموزها ؟

_ الفِرَق الصوفية التي كانت نتفَ صوفٍ في عهد أتاتورك العلماني ،أعادها (الأخوانيون) اليوم للخدمة بدشاديش سموكنغ وبأسنان من ذهب.

 

■ ربما هو وقت الثمالة.أليس من حق التاريخ أن يأخذ استراحة في حانة الوجود يا مولانا؟

_ تماماً .فقد تحوّلَ الوقتُ إلى حانةٍ،وأصبحتْ العمائمُ كؤوساً .

■ ما قصة ضيقِ نفس الدين بالخمر.أتكون كافرةً حقاً ،وبذلك القدر الكافي يا مولانا ؟؟

_ أنا ،ومثلما لا تطربني موسيقى العابرين للصحارى في يوم قائظ ،مثلما لا أعترضُ على جسدي لو صَححَ أميةَ حواسّهِ بالخمر،وجعل من تلك الثمالةِ نظاماً لمرورهِ في اللغة. 

■ أيجدُ مولانا حكمةً بإعفاء الناس عن الموسيقى ،أو بالتقليل من نفوذها على الحواسّ الآدمية ؟

_ ليس غير بعض المذاهب من فعل ذلك،بعدما صيّرتْ الموسيقى تابوتاً لا يخصُ الميتَ وحدهُ،بل وصندوقاً لخنق الحيّ أيضاً.لذلك تتعاظمُ الحاجةُ للخمر بالتكاثر في النّفُس ،فكلّ قلبٍ غير مُخَصِبٍ بخمر، لا ينفعُ الشِعر،ولا يحققُ نصراً للرؤى في لحظة التحليل والتأويل.

من هنا أجدُ أن اتحاد الجسد بالموسيقى،تحريضٌ على تكامل المبنى الروحاني للمخلوق بمعناه الميتافيزيقي . 

■ وهل تختلفُ الموسيقى في تربة العاشق وفضاءاته،عنها لدى بقية العَوامّ ؟

_ كنتُ وشمسي التبريزي كمثل بيانو بقلبٍ ثَمِلٍ .ما أن يَهبطَ بيّ ،حتى تتجلى الشيطلائكةُ بالغناء عن الحمى المُفَجّرةِ للشهوات.فأحترق أنا بجسدي،فيما هو ،فيقومُ بجمعي رماداً من حضنهِ،ليودعهُ في قدحٍ عظيم .

■ ما كان على الأعظم في شعركَ ،أن يضعَ القارئ البصير في هذا الالتباس المُحرج لصورتكَ القديمة ،فيظنُ بكَ البعضُ سريراً لشمس الدين؟!!

_ كان شمسُ فتوتي المشرقة .وكنت وإياه جسدان مستطيلان،ولكنهما يلتقيان في مؤخرة القلب على الدوام،وبنشوةٍ تضاهي شروق الشمس على الأكوان.

■ هل كانت خلوة الأربعين يوماً في ((قونية))  معه،وكنت في السابعة والثلاثين من العمر ،فيما كان شمس في الستين ،بداية عهد العشق،يوم اعترض التبريزي طريق موكبكَ،فأسَرّكَ بكلمة الـ (باسوورد) ؟

فبأية جُملٍ من الكلام صرعكَ شمسٌ بين تلاميذك ومريدك  ؟!!

_ لا أردي ماذا حدث في ذلك اليوم بالضبط.فكلّ ما أعرفهُ،أن شمساً قد سقط في جسدي،سقوطَ قضيبِ ذهبٍ في جوف فرن مُلتهب.

 

■ وهل من أجل ذلك التعشيق الذي حدث بينكما،غادرتَ خيمة الفقه وتعليم الشريعة ومبادئ الدين
ومدارس السمو الروحي نحو مراتب الأعالي وكل ما كان منوطاً بالمعقولات والمحسوسات والبرازخ التي تربط العبد بالله عبر الحواسّ ؟

_ لحظة أن ألقى شمسُ التبريزي على مسامعي جملته  الطويلة هامساً : (( كنت أطلبُ شخصًا من جنسي، لكي أجعلهُ قبلةً وأتوجَّهُ إليه، فلقد مللتُ من نفسي)) حتى دبّت بي الحرائقُ لتغسلني من تصحري.وصرختُ في نفسي  مذهولاً آنذاك :ها هنا يكمنُ مقتلُكَ يا مولانا .

■ كتبَ عنكَ الباحثُ مهدي توراجه في كتابه "جلال الدين الرومي وتفسير الإثارة الجنسية" قائلاً: ((أنَّ الإثارة والرمزية الجنسية في ديوان جلال الدين الرومي "المثنوي" لم تحظيا حتى يومنا هذا إلاَّ بقدر قليل من الاهتمام، وقد تم إهمالهما بصورة خاصة من قبل الباحثين. ومع ذلك فمن المهم نظرًا إلى تعدُّد التفسيرات أن نعالج هذه الموضوعات ونبحث حولها.

وبحسب المستشرقة (آنا ماري شيمل) فقد تحوَّل جلال الرومي الدين إلى شاعر فقط بفضل مُعَلِّمه الروحي شمس الدين التبريزي. حتى أنَّها ذهبت إلى حدِّ القول، إنِّنا يجب علينا اليوم أن نتحدَّث عن جلال الدين الرومي آخر، لو أنَّ الاثنين لم يلتقيا ببعضهما قطّ. ))

فما الذي يراهُ مولانا فيما قِيلَ وكُتبَ عنه ؟

_ كلّ ما قِيَلَ عن شمس وعني،ليس إلا  شَرْوَى نقيرٍ .كلامٌ مُعْدِمٌ لا أثر له في نفسي . (( هناك خيط من القلب إلى الشفتين / حيث يحاك سر الحياة/ تقطع الكلمات الخيط / لكن في صمت تتكلم الأسرار )).

 

■ ولكن ما الذي فجرّ في ذات مولانا  تلك النقلةَ النوعيةَ نحو شعرٍ بختم قوانين العشق .فكتبتَ بشغفِ الـ ( مثلوي - مثنوي ) حتى تطرفتَ ،فصار العشقُ جريمةً قادت إلى اغتيال شمس الدين التبريزي سنة 1247 م ؟

_ ما حدث في قتلهِ ،كان قتلاً لي بالضبط.أنا الذي استوحشتُ لحمي على عظامي بَعدهُ .فصيرّني غيابهُ ، كهلاً مُستحوذاً عليه من أشباح دنيا ،انتزعتْ من صدرهِ جوهرةً،لترمي بي  إلى المقام الدوني من الظلام.وهكذا تراني أعمى، ينظرُ بقدميهِ على صراط الشغف المستطيل.

■ يقول النيسابوري: "التصوف أن لا يهتم الإنسان بظاهره وباطنه، بل ينظر إلى كلِّ شيء على أنه لله." ألا تجد أن باطنكَ ( مرستانةٌ ) لم تشفِ أحداً من كائنات ظاهرك الواضح الصريح؟

_ ليس الباطنُ أن تكون غمداً لسيف الظاهر المشهور بوجهك. تلك هدايةٌ لا تخصُّ المتألمين حبيّاً، بقدر ما هي استنزافٌ للسماحةِ،وإجهاضٌ لفكرة التعايش مع الآلام العظيمة للإنسان الكلّي .صاحبُ الله ،ومرآةُ نفسه في ديوان الرحمن الأكبر الكبير.  

■ أية موسيقى تغلبُ على حواسّ مولانا جلال الدين؟

_ الجازُ والمجازُ.الجازُ في الرأس الذي صُنعَتْ طواحينهُ من آلات الأديان النحاسية، لتُخربطَ خرائطَ الأرض في الأذهان.والمجازُ كفاتحةٍ للطيران فوق أعشاش اللغات.فالجاز الخافتُ هو السماعي مجازاً.وكلنا في مجرى النّايات، ملوكُ آهاتٍ وأنينٍ ،سرعان ما نتساقط من ثقوب القصب الرخيم.

■ ومتى كنتَ تملأ نفسك بتلك الأنغام. ليلاً أم نهارا ؟

_ كان من عادتي أن أفرّغَ بدني من أثاث الغروب يومياً،لأمتلئ بدرجات الليل رويداً رويدا ،ومصطحباً مخلوقاتهُ إلى حيث ترتفعُ طاولتي فوق أكتاف الجبال . حيث تتحدُ الموسيقى بحبر العين بزكام الذكريات وبالخبر العاجل .فلعلَ ظهور شمس يمحوني من ظلامي،لنشرقَ أنا وإياه معاً في الليل المَدْمي الحزين.

■ وهل ما زلتَ على قولك القديم: ((النوم هذا العامُ ليسَ له سُلطان.. ربما الليلُ أيضًا يكفُّ عن البحثِ عنّا.. حينَ نكونُ على مثل هذا.. محجوبينَ، ما عدا في الفجر.)) أو قولك في أخرى : ((مُمتَلئٌ بكَ، جلدًا، دمًا، وعظامًا، وعقلاً وروحًا.. لا ما كان لنقصِ رَجاءٍ، أو للرجاءِ.. ليس بهذا الوجود إلاكَ.)) ؟!

_ صار النومُ عندي قطاراً لا مقعد لي به.وربما ليوم الدّينُونة،حيث أرتقبُ الحشرَ مع المحبوب،لنُخلَق جسدين في سبيكة واحدة من الجلد والدم والعظم والعقل والروح.وذاك هو المبتغى العظيم.

■ أهو الحنينُ إلى المدام  ((جوهر خاتون)) أمُ العيال :سلطان ولد، وعلاء الدين ؟

_ أنا أسدلتُ على فؤادي الستائرَ منذ دهور .لذا ترى بدني قطعةَ قماشٍ ملطخةٍ بدم جريمة حرب مُعلنةٍ ضد العاشقين .ففي العائلةِ تقوم قيامة الأخلاق.بينما تقوم في العشق قوائمُ الأجساد التي لا موانعَ تحول دون تمددّها في الآخر. 

■ ألا ترتعدُ فرائصُ مولانا من أفكاره كهذه ،وهو يقف ُعلى باب الله الآن ؟ألا تخاف أن تجني ناراً على خطاياك ؟

_لا تظننّ جهنمَ من أفران  الله .وليس له مثلها للعذاب في السموات والأرض.فلا تذهب بيّ إلى وهم النار،كي لا أذهب بكَ إلى هنالك أيضاً.فكلّ ذهاب إلى محرقة اللحم شطحٌ،أو رؤيةٌ مكتوبةٌ بغير ماء الذهب.

■ وما قولكَ في قول فريد الدين العطار : ((للحبّ ثلاثةُ طرقٍ: النار والدمع والدم.)) ؟

_ لا رغبتي لي بحبّ ، لو طَرقتهُ أصابعُ الريح، يرّنُ كما النحاس.فما اشتهيتهُ في الحبّ هي الليونة التي تجعل الجسد يتمددُ ناراً ودمعاً ودماً على مقياس المحبوب،ثم يختم المشهدُ ببصمة الرماد ،عندما يتطاير للأعالي ويختفي في الأبد.

■ أيعتقدُ مولانا ،أن علّة الوجودِ متعلقةٌ بعلّة الحبّ فقط ؟

_ بلا أدنى شَكّ. فالناسُ إشاراتٌ ضوئيةٌ ترتفعُ بالحبّ،منها ما يصلُ مشتعلاً عند الانعطاف نحو الربّ،ومنها الذي ينطفئ،وتنكسرُ روحهُ كاللمّبة على الطريقِ المُوحشةِ. الأولُ عاشقٌ يصلُ.والثاني ضعيفُ التيم،ولا تتمةَ لهُ في خريطةِ الوجود أو سجلاتهِ.

■ مولانا:إذا كانت الجيوش في أثناء الحروب، تتموهُ بثياب خاصة. فألا تظنُ بأن الصوفيين يتموهون بما يُسمى بالعشق الإلهي ،لكبتِ أفعال الباطن الشهواني من الافتضاح أمام مرآة البشر ؟

_ كلاهما –الجيوش والعشاق - يتموها بثياب وبحُجُب.الجندي يتموهُ ،ليمنعَ الموتَ من الوصول إليه بالرصاص الحيّ  .فيما يتموهُ الشغوفُ بالعشق الإلهي تطرفاً،ليتظاهر بقتلِ شهوتهُ اتقاءً لشرور العوام ،فيما جسمهُ فائضٌ بكهرباء ،لا يقدرُ على احتمالها .ولكن الله غَير قابلٍ للقِسْمة بالطبع.فهو الأعلم العارفُ بمنْ يتموهُ بالحب استهلاكاً،وبمن تفيضُ به الأشواقُ حتى ذوبان الفؤاد .

■ وبرأي مولانا جلال الدين الرومي،هل كلُّ شئ إلهي ،لا يستحقُ الكراهية بما في ذلك الموت ؟

_ الجوهرُ المكبوتُ بالباطنِ يقولُ ذلك.لكن العقل غير المَضبُوط،سكرانٌ يجلسُ على باب حانة الكون، ليهدي كلّ ضآل إلى العرش المنتصب في كلّ نفس.ومع ذلك فليس كالموت ثملاً بنا .نحن خمرتهُ الأصلُ.ولا  ترتفعُ به سكرتهُ إلى مرتبة السكرانِ أبداً ،ما لم يحتسي أرواحنا.

■ كأنك تريدُ القول: أن كلّ قبرٍ كأسٌ بيد الموت؟

_ لو يَحجمُ الحيّ - الميتُ نفسه عن الموت،لتمَ تفريغ الموت من طاقتهِ،وانتهى عهدُ العدم.لكن وجود الأبدان كبراميل للتخمير ،تفتحُ في الموتِ شهوة التمتع بالشرب،وصولاً لما فوق السكران.

■ أنت تبصرُ في الشعر بقوةِ العقل. وتقومُ على الإنشاد بالحبّ الإلهي.فكم من الضَرَر يلحقُ بالقصيدة جراء تكثيف العذرية بأوردة اللغة ؟

_لا عذريةَ كاملةً في اللغة.وما أن تعملَ القصيدةُ على خصخصةِ حواسّها بتلك الصفة،حتى تصبح بيولوجية لغوية قاحلة.ليس في صالح الشعر،أن يعملَ الشاعرُ على جعل العذرية كزَرّ كهرباء في النصّ الشعري. لأن ذلك ،عادةً ما يقطعُ النور عن القصيدة.

■ ألا يعتقدُ مولانا جلال الدين ،أن دراويشَ الصوفية ،هم نُسَخٌ عن صعاليكَ الشِعر ليس إلا ؟

_ قد يَجوزُ الحكمُ بذلك.ولكنكَ إذا ما كسَرَتَ إطارَ اللوحة الكونية للأفكار والفنون ،لكنتَ قد وجدتَ إن موارد الطرفين،تكاد أن تكون واحدةً ومشتَرَكةً. فالشعرُ نَسيجُ سريّ في البنيّات الصوفية ،مثلما التصوفُ نَّحْلٌ فِي الشِعرِ .

■ وأي فرَق بين الاثنين كما ترى؟

_ الفرَقُ .. أنما نراهُ في المرجعيات.فإذا كان الشعرُ قد أحبطَ سيطرةَ المرجعيةِ الدينيةِ عليه،بعد طول نضال مع تابوات التحريم ،فأن الصوفيين بفرقهم المختلفة،لم يجرؤ أحدٌ من دراويشهم على إخراج قدمهِ من تحت اللّحَاف الديني اللاهوتي .

■ تعني أن لا وجودَ لموقفٍ اختياري عند أهل التصوف للتزحزح عن الدائرة المرسومة للأعضاء، ولو قَيْد أنملة،فيما الشعراءُ،فيملكون موقف الاختبار،ويعملون على مشاريعهِ في الكتابة .

_ هكذا كان الموقف ،وربما سيقضى الدراويشُ زمناً طويلاً، قبل أن يتزحزحوا بالخروج عن مركز دائرة الوهم المُهَندَس وفقاً لحركات الجسد.فكل فردٍ،يحاولُ مطاردةَ نفسهُ باقتفاء أثَرِ الله.ونادراً ما ينجو أحدٌ بتحقيقِ حلمِ تَوَحدِ النفسِ بالجسد. 

■ كأن ذلك لا يَخصّ فكرةَ الاندماج بالخالقِ أبداً ،بقدر ما يكون خوفاً من جحيمهِ الافتراضي الواردةُ صورهُ بالألبوم اللاهوتي لمختلف الأديان. فما قول مولانا؟

_ لم يَصنعْ اللهُ مخلوقاتهِ الطيبة الجميلة، ليفتحَ لهم في جهنمَ الأفران المختلفة ،ليحشرهم بين طبقات النار.حاشى الربّ أن يفعل ذلك .فعلى قدرِ جمالِ الخالق ،تكون قيمةُ المَخلوق.وليس أعظم من احتفال الله بصنيعه الآدمي على الأرض وعلى بقية الكواكب والمَجرّات المُعَلقة في الفضاء الشاسع اللا محدود.فهناك تتجلى المعرفةُ كاملةً .

■ لماذا قلتَ يا مولانا : «لا تهرعْ إلى كتبكَ بحثاً عن المعرفة، بل خذْ الناي واجعل قلبك يعزف» ولم تقلْ: اترك الكتابَ كرسيّاً للعقل ،واصنعْ من تراب الأرضِ مخطوطاً ، ففي كلّ خطوةِ قدمٍ على الأرض كلمةٌ تماثلُ الشمس في رأس الحالم؟

_ أجل. هذا يمكن أن يحدث.فإذا ذهبتَ أنتَ بالقارئ إلى التأليف وأغرقتهُ بالحبر ،فأنني اخترتُ أن أكسرَ جدرانهُ عليه،وآخذهُ إلى فضاءات الانتعاش بالموسيقى.وهكذا نحن نختلف: أنتَ تريدهُ أن يكتب بالمداد ويتعايش معها،فيما أردتهُ أن يتحرر من عبودية المكانِ، ويطيرُ مع الأثير الروحي سكراناً .

■ هل لأن الإنسان كما يقول ((فرديناند آلكيه))  عن عزلة العقل ليس غرضاً من أغراض العقل الممكنة ،بل نقطة انطلاق اختراعاته المستمرة.يبدو إذن،الآن،وعلى الأقل في النظريات المتطرفة بأن الإنسان ليس فقط كائناً عاقلاً ،بل كائناً يكره العقل الموضوعي،كما يكره كون العالم ،كما يكره ما ليس هو،أو كل ما ليس هو وحده: لهذا السبب لا يشعر أبداً انه تماماُ في العالم،ولهذا السبب فان الحرية التي تؤلف قوامه تظهر دوماً عاجزة عن الانضواء في الواقع وقائمة في بعد آخر من أبعاد الكون ؟

_ أنا مع ضرورة تسطيح آلة الرأس الفتاكة-العقل- أو تّنْفِيس طاقاته من الشجن الدائم.فلا راحة ستأتي منه.وليس في غرفه ما يجعل المعارف مشمولةً بالطمأنينة.ومثلما يتجمعُ الكائنُ  نُطْفَةً في الرحم الأول ،ثم  عَلَقَةَ مُضْغَةً ،مثلما يتجمعُ بلحمهِ الزمنُ على شاكلة خيوطٍ طويلةٍ من النواح والآهات .لا أحد سيسأل الباكي في نفسه عن سرّ ازدحام العينين بالدمع.ولكن ما أن يبلغ الجسدُ شكلّ النّاي،حتى يُقَطّرُ الأرواحَ نوتاتٍ من الأنغام بكاءً عن الحبيب المعبود.

■ والعاشقُ يحاولُ أن يمنعَ عن نفسه الوقوع تحت تأثير الوعي العقلي الاستبدادي .أليس هذا صحيحاً يا مولانا ؟

_ الوعي ليس شيئاً داخلياً،قعراً،- كما يقول موريس بونتي- بل الأصحُ بؤرة نور،شعاعاً يضئ الشئ، ويظهرهُ بمدلوله الخاص.

■ هل يعتبر مولانا جلال الدين نفسه سّلفياً في هذه السموات؟

_ بكلّ تأكيد.وأنا لنفسي الآن الخَلَف المستمر للأبد عن ذلك السّلَف.لقد تَشكلتُ من قوتين :من قوة الشِعر الذي منع عن الأرض الجُدْب ولو من باب الافتراض .وكذلك من مصوغات فؤادي الذي تألهَ بالنار عشقاً حتى انحرف .

■ وهل اجتمع مولانا بـ (شمس الدين التبريزي) في تكية ما أو زاوية أو زقاق من أزقة الفردوس أو ملاهيها؟

_ لم احظ بالمحبوب بعد.فقد قِيلَ لي أن شهيد الغرام مُسجى بلا قلب في مشرحة الطب العدلي في السماء الثالثة.وبمجرد التعرّف على قاتله ،سيُستَردُ قلبهُ بواسطة بريد السماء الافتراضي ،فيعبرُ جثمانهُ الوادي الأحمر إلى هنا، من أجل أن تُعاد إليه الحياة ثانيةً وسط ضخامة من الاحتفالات .

■ وما هو المخطط لدعوة كل من جلجامش و أنكيدو لحفلة إعادة هيكلة شهيد الغرام شمس في العالم العلوي من جديد  ؟؟

_ لم تتم دعوتهما بعد،وذلك لغيابهما الطويل عن مناطق السماء العليا. لا أحد يعرف أين هما بالضبط. كأن جلجامش ما زال يبحث عن الغلام أنكيدو ويطاردهُ في السهول والوديان والجبال والبراري والصحارى . فيما تخورُ عزائمُ قضاةِ محكمةِ (( الأسكسيس) من انتظارهما ،وتعجزُ عن تطهير خطايا جلجامش وغلامه أنكيدو.

■ يُحَدّثُني قلبي بأنهما لن يحضرا أبداً ،لا للمحكمة ولا لتطبيق نظام الأسكسيس الخاص بتطهير الأبدان من الخطايا!!

_ يمكن أن يكون ذلك صحيحاً .فالاثنان ما زالا في خلوة ما قبل الخلود،ولا يرغبان بمتابعة أحدٍ لهما هنا وهناك. لقد بات الحبُّ معقداً،ولا يقودُ العاشقَ إلا إلى المداخن والحيطان والحُجُب .فالمُحبُ أخذَ حصة الأسد من الخبلِ بالمحبوب ،وكلٌّ منهما بات يَحْشو ذاكرته بآلام الفراق قبل حصوله حتى.

■ أليستْ الفكرةُ تلك،تحملُ الدلالات على شيطنة الحبِّ يا مولانا جلال؟

_ ربما.فأنا ما وجدتُ رغبةً عند عاشقٍ،إلا ورأيتُ في قعرها نواةً تُسمى الحنظلة. نصفها من نار مُرّةٍ ،ونصفها الآخر من الخيبة .فكلّ سقوطٍ في الحبِ،ارتفاعٌ،يمنحُ ذلك المخلوقَ الاستثنائي أجنحةً لا كبحَ لها إلا في غيبوبة العاشقين الكبرى .

■ هل رأيتَ الله على العرش ؟

_ لم آتِ إلى هنا في هذه الرحلة لأراه،لأن الله موجودٌ بداخلي قبل سقوطي من الرحم ،وكذلك قبل صعودي إلى الأعالي.

■ عن الشاعر يقول مارلو أنه : ((مسكونٌ بصوت يتوجّب على الكلمات أن تتناغم معهُ )).فهل برأي مولانا ان الاحتكاك بالكلمات أفضل من التناغم معها ؟

_ الاحتكاكُ بالكلمات ،يجعل الشاعرَ حِراقاً لغويّاً بالنار.فيما التناغمُ ،فيخرجُ الشاعرَ من الملجأ الضيق إلى حقول الموسيقيات المتطايرة على العكاكيز بآلام الملايين .فالشِعرُ هو القلقُ حتى بلوغ مرحلة التبخر الحرّ .