أسعد الجبوري

أسعد الجبوريعلى متن الريح

دون كيخوت:كأني أرى السماء في مَدَّ وجَزر يا سانشو .فكلما ارتفع منسوب أحلامنا نحو السقف الأعلى،كلما وجدنا الأرضَ تضيقُ علينا وعلى حوافر هذا الحصان ؟
سانشو:ربما يحدث المَدّ والجَزر بسبب خلافٍ ما بين الأرض وبين السماء يا سيدي الدون.
دون كيخوت:تقولُ خلافاً؟!! وكيف يحدث ذلك أيها الأحمقُ؟
سانشو:ما أن تصبح الأرض منبتاً للآلام فقط،حتى تنكمشُ كورق السلوفان على أجساد ساكنيها.
وذلك ما يسبب ارتفاعاً في الضغط،فتصعد الدماءُ إلى أعلى فأعلى.
دون كيخوت:وما علاقة ذلك بالمَد والجزر الذي نراه فوقنا؟
سانشو:ليست السماء غير مرآةٍ لصورنا العابرة إلى منازلها المعلقة في تلك الأبدية يا سيدي الدون.

دون كيخوت:وهل تظنُ أن المعذبين يحتاجون حبالاً ،ليعلقوا عليها آلامهم في الهواء .!!
سانشو: كل شيء قد يضطر إلى تعليق نفسه على حبال الهواء الزرقاء ،ولو لبعض الوقت يا سيدي الدون.

دون كيخوت:وما معنى ذلك أيها العبقري؟!
سانشو:ذلك معناه ،أن نكف عن السير في هذا التيه ،ونعلق رحلتنا ،فلا نخوض في رمال الجحيم يا سيدي الدون .

دون كيخوت:نحن نتحدث عن الأحلام والآلام والحبال يا سانشو.فما الذي أدخلنا وإياها في الجحيم ؟
سانشو:تذكرتُ دانتي .

دون كيخوت:وماذا عنه ،ليكون في صلب ذاكرتك الآن يا سانشو؟
سانشو:هو الآخر سقطت منه أحلامه النارية،ولم يبق من جحيمه سواه.أي لم يبق من الحجيم إلا دانتي!!

دون كيخوت:وهل ذهبت فرأيت جحيمهُ.أم هي رؤيةٌ أتتكَ ،فانتزعتكَ من فراشك،لتحكي عن ذلك اللهيب ؟
سانشو:لقد وقعت في جحيمي الخاص يا سيدي الدون. فعشت الجحيم بمعاشرة كتبٍ .

دون كيخوت:لقد بدأت تهذي يا سانشو.فهوسك هذا لا يحتاج إلا إلى رجال إطفاء .
سانشو:لا تنظرني مهووساً أو محترقاً بغرام امرأة ،فتستعجل انطفائي يا سيدي الدون.فلقد أخبرتك الحقيقة .أخبرتك عن معاشرة كتب ،لا تقوى الحروف على المبيت تحت أغلفتها من شدّة الكراهية والحقد .

دون كيخوت:هات كتابك من خرجك ،واقرأ علينا ما ورد فيه من مصائب.
سانشو:لن أقدر على فعل ذلك يا سيدي الدون،فما أن أُظهر كتاباً من تلك الكتب في النهار،حتى تخرج منه كلماته كثعابين تزحفُ على جمر .

دون كيخوت: إذاً.. دع ما عندك في الخرج يا سانشو. فالكتبُ السوداء أمراضٌ تعالجُ بالليزر.
سانشو:لقد بدوت في معاناتي،وكأنني استحق الرثاء يا سيدي الدون.

دون كيخوت:لا تقل ذلك يا سانشو.فمقياس الحداثة ،ربما يكون منخفضاً في رأسك ليس إلا.
سانشو:أعرف أن ذلك يحدث لي بين الفينة والفينة، فأنا أشعر في داخلي بمخلوقات تميلُ إلى تأليف الظلام والعيش في ثكناته القاتلة.

دون كيخوت:عليك بالمكنسة .فالمرء المتطور كنّاسُ رأسه أو منقحه على الدوام.
سانشو:والممحاة يا سيدي الدون..ألا تُفيد الرأس بشيئ ؟

دون كيخوت:الممحاةُ تفني الظلامَ،كي لا تبقى نفسها منشغلةً بتجفيف مصادره فقط.

آبار النصوص

هذا
النهارُ
حيوانٌ شعبي.
هنا رمزهُ يذوبُ في نهاية المفكرة
ويلعبُ الصبيةُ بطينه دون اكتراث.
وذاك
الظلامُ
مُصفحةٌ..
يُحتسى فيها الوطنُ دون نديم.
هكذا الميتُ البنيوي يسحبُ
الحيّ المعقد بالإشارات.
وهكذا يتفككُ أرشيفُ الأفلاك الأشخاص
المراتب المتصارعين المنسوجين من طين
المبيض.
أين سيكون الآن داروين؟
في المذكر أم في المؤنث.
في المفرد أم في الضفادع.
في الإعصار أم في الزرافة.
في خان الدمِ أم في حانةِ الحبّ.
أهو حقاً جيولوجي جيناتٍ
بترخيص.
أسمعته عن خيالها بتمتع.
فتاهَ على خرائطه مكثفاً.
ثم أخرجها من كهفه في موقف
الشيفرات../
قائلاً:
لكل وهمّ سلالةٌ.
لكل سلالةٍ ( جوكر ) خالدٌ
في الإيهام،
يتزينُ بها الموتى قبل ارتفاعهم
من الأضرحة الملّونة.

((موقف الشَفرات))

غرفة للغرائز

في كل نص شعري فراغات ،قد تبلغ في بعض الأحايين إلى مستويات مريرة أو مروعة. وهو ما يعرقل بناء القصيدة،أو يمسخ مخلوقاتها ،بعد أن يجعل منها كائنات مُربكة للمعنى أو مشوهة الأشياء والصور والتعابير.
ثمة شاعر يسدُ تلك الفراغات بالعودة إلى الحنين ،فيجمع مقتنيات من ذكرياته وأيامه ،فيؤلفُ منها صياغات تحتال على النص ذاته،فتقدمهُ لنا كشعر خالص،من باب الإيهام ليس إلا !
وثمة شاعر يسدّ تلك الفراغات بأشياء الحياة اليومية :الكراسي والملابس والشوارع والأقداح والدموع والسجاير والكلاب .فيبقى يدور كما الزوبعة،ثم تراه يخمد فجأة دون أثر.
وثمة شاعر يسدُّ تلك الفراغات بالحبّ،عندما يتقلد قلباً جهنمياً مستعراً بنون النسوة في صندوقه الصدري ،معتقداً بأن بلوغ الشعر ،قد تأتي من بلوغ العالم الأيروتيكي ،ذلك الذي يقوم بتوظيف النساء كحريم خاص ،يلزم القصيدة،وربما يزيد من تفعيل حركتها .
وثمة شاعر يسدُّ تلك الفراغات بغبار السياسة،فيجتمع في نصه عتاة الأيديولوجيين مع الأسلحة والفلسفات.الرموز البيانات.العقارب والثعالب.حتى تكاد تكون القصيدة خليطاً ذقنوياً ،يجمع ما بين لحية ماركس وبين لحية الزرقاوي.
شاعر آخر يسأل: من أين جاءت تلك الفراغات أصلاً ؟!

بنك الخيال

البكاءُ مجرى الأنفسِ

وأما الدمعةُ فوحدةُ قياس ٍ عند العاشقين